الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ص: باب من أوجب أضحية في أيام العشر أو عزم على أن يضحي هل له أن يقص شعره أو أظفاره
؟
ش: أي هذا باب في بيان حكم من أوجب على نفسه أن يضحي في أيام العشر من ذي الحجة أو عزم على أن يضحي هل ينبغي له أن يقص شعره أو يقلم أظفاره؟
ص: حدثنا ابن مرزوق قال: ثنا بشر بن ثابت البزار قال: ثنا شعبة عن مالك ابن قيس عن عمرو بن مسلم عن سعيد بن المسيب عن أم سلمة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من رأى منكم هلال ذي الحجة، وأراد أن يضحي فلا يأخذ من شعره وأظفاره حتى يضحي".
حدثنا ربيع الجيزي قال: ثنا أبو صالح قال: ثنا الليث عن خالد بن يزيد عن سعيد بن أبي هلال عن عمرو بن مسلم قال: أخبرني سعيد بن المسيب أن أم سلمة زوج النبي عليه السلام أخبرته عن النبي عليه السلام. . . فذكر مثله.
قال الليث قد جاء هذا وأكثر الناس على غيره.
ش: هذان طريقان صحيحان:
الأول: عن إبراهيم بن مرزوق، عن بشر بن ثابت البصري البزار -بالزاي المعجمة أولًا وبالراء المهملة في آخره- وثقه ابن حبان وروى له البخاري عن شعبة عن عمرو بن مسلم بن عمارة الليثي الجندعي، روى له الجماعة سوى البخاري.
وأخرجه مسلم (1): نا حجاج الشاعر قال: حدثني يحيى بن بكبير العنبري أبو غسان قال: ثنا شعبة، عن مالك بن أنس، عن عمرو بن مسلم عن سعيد بن المسيب، عن أم سلمة أن النبي عليه السلام قال:"إذا رأيتم هلال ذي الحجة وأراد أحدكم أن يضحي فليمسك عن شعره وأظفاره".
(1)"صحيح مسلم"(3/ 1565 رقم 1977).
وأخرجه الأربعة (1) أيضًا.
الثاني: عن ربيع بن سليمان الجيزي الأعرج عن أبي صالح عبد الله بن صالح كاتب الليث وشيخ البخاري، عن الليث بن سعد، عن خالد بن يزيد المصري أبي عبد الرحمن الإسكندراني روى له الجماعة، عن سعيد بن أبي هلال أبي العلاء المصري مولى عروة بن شييم روى له الجماعة.
وأخرجه أحمد فى "مسنده"(2): ثنا حسن، نا ابن لهيعة، حدثني سعيد بن أبي هلال، عن عمرو بن مسلم الجندعي أنه قال: أخبرني ابن المسيب أن أم سلمة زوج النبي عليه السلام أخبرته عن رسول الله عليه السلام أنه قال: "من أراد أن يضحي فلا يقلم أظفاره ولا يحلق شيئًا من شعره في العشر الأولى من ذي الحجة".
ص: قال أبو جعفر رحمه الله: فذهب قوم إلى هذا الحدث فقلدوه وجعلوه أصلاً.
ش: أراد بالقوم هؤلاء: محمد بن سيرين والأوزاعي وأحمد وإسحاق وأبا ثور فإنهم ذهبوا إلى هذا الحديث وقالوا: من أراد أن يضحي فلا يقلم أظفاره ولا يحلق شعره إلى أن يخرج عشر ذي الحجة، وقال ابن حزم: ومن أراد أن يضحي فلا يقلم أظفاره ولا يحلق شعره ولا يقص، هذا فرض عليه إذا رأى هلال ذي الحجة إلى أن يضحي، ولا يتنور أيضًا ومن لم يرد أن يضحي لم يلزمه ذلك.
ص: وخالفهم في ذلك آخرون فقالوا: لا بأس بقص الأظفار والشعر في أيام العشر إن عزم على أن يضحي ولمن لم يعزم على ذلك، واحتجوا [في ذلك] (3) بما ذكرنا في كتاب الحج عن عائشة رضي الله عنها أنهما قالت:"كنت أفتل قلائد هدي رسول الله عليه السلام فيبعث بها ثم يقيم فينا هلالًا لا يجتنب شيئًا مما يجتنبه المحرم حتى يرجع الناس".
(1) أبو داود في "سننه"(3/ 94 رقم 2791)، والترمذي في "جامعه"(4/ 102 رقم 1523)، والنسائي في "سننه"(7/ 211 رقم 4361)، ابن ماجه في "سننه"(2/ 1052 رقم 3150).
(2)
"مسند أحمد"(6/ 301 رقم 26613).
(3)
ليست في "الأصل، ك"، والمثبت من "شرح معاني الآثار".
ففي ذلك دليل على إباحة ما قد حظره الحديث الأول ومجيء حديث عائشة رضي الله عنها هذا أحسن من مجيء حديث أم سلمة؛ لأنه جاء مجيئًا متواترًا وحديث أم سلمة فلم يجئ كذلك فقد طعن في إسناد حديث مالك [فقيل: إنه موقوف على أم سلمة.
حدثنا إبراهيم بن مرزوق قال: ثنا عثمان بن عمر بن فارس قال: أخبرنا مالك] (1) عن عمرو بن مسلم عن سعيد بن المسيب عن أم سلمة ولم ترفعه، قالت:"من رأى هلال ذي الحجة وأراد أن يضحي فلا يأخذ من شعره ولا من أظفاره حتى يضحي".
حدثنا يونس قال: أنا ابن وهب قال: أنا مالك، عن عمرو بن مسلم، عن سعيد بن المسيب، عن أم سلمة مثله، ولم ترفعه فهذا هو أصل الحديث عن أم سلمة، فهذا حكم هذا الباب من طريق الآثار.
ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون وأراد بهم: عطاء بن يسار وأبا بكر بن عبد الرحمن وأبا بكر بن سليمان والثوري وأبا حنيفة ومالكًا والشافعي وأبا يوسف ومحمدًا؛ فإنهم قالوا: لا بأس بقص الأظفار والشعر في أيام العشر مطلقًا وأجمعوا على ذلك بحديث عائشة رضي الله عنها أنها قالت: "كنت أفتل قلائد. ." الحديث، وقد مر ذكره بإسناده مستقصى في كتاب الحج، فإنه يخرج على إباحة ما منعه حديث أم سلمة والأخذ به أولى من حديث أم سلمة، لأن أصل حديث أم سلمة موقوف وحديث عائشة مرفوع، فالموقوف لا يعارض المرفوع على ما عرف.
وقال البيهقي: قال الشافعي: فإن قيل: ما دل على عدم الوجوب؟
قيل له: روى مالك عن عبد الله بن أبي بكر عن عمرة عن عائشة قالت: "أنا فتلت قلائد هدي رسول الله عليه السلام بيدي، ثم قلدها بيده، وبعث بها مع أبي فلم يحرم على رسول الله شيء أحله الله له حتى نحر الهدي".
قال الشافعي: البعث بالهدي أكبر من إرادة الأضحية.
(1) ليست في "الأصل، ك"، والمثبت من "شرح معاني الآثار".
وقال الخطابي: رأى مالك والشافعي حديث أم سلمة على الندب لا الوجوب.
وقال أبو عمر بن عبد البر: ومما يدل على ضعف حديث أم سلمة ووهنه: أن مالكًا روى عن عمارة بن عبد الله عن سعيد بن المسيب قال: "لا بأس بالإطلاء بالنورة في عشر ذي الحجة". فترك سعيد لاستعمال هذا الحديث وهو راويه، دليل على أنه غير ثابت عنده ومنسوخ وقد أجمع العلماء على أن الجماع مباح في أيام العشر لمن أراد أن يضحي فما دونه أحرى أن يكون مباحًا.
ص: وأما النظر في ذلك: فإنا رأينا الإِحرام يحظر أشياء مما قد كانت كلها قبله حلالاً، منها الجماع والقبلة وقص الأظفار وحلق الشعر وقتل الصيد فكل هذه الأشياء تحرم بالإِحرام وأحكام ذلك أحكام مختلفة، فأما الجماع فمن أصابه في إحرامه فسد إحرامه وما سوى ذلك لا يفسد إصابته الإِحرام، فكان الجماع أغلظ الأشياء التي يحرمها الإِحرام ثم رأينا من دخلت عليه أيام العشر وهو يريد أن يضحي أن ذلك لا يمنعه من الجماع، فلما كان ذلك لا يمنعه من الجماع وهو أغلظ ما يحرم بالإِحرام؛ كان أحرى أن لا يمنع مما دون ذلك فهذا هو النظر أيضًا وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد رحمهم الله.
ش: أي وأما وجه النظر والقياس في حكم هذا الباب. . . إلى آخره، وهو ظاهر.
قوله: "يحظر" أي يحرم، يقال: حظرت الشيء أي حرمته وهو من باب نَصَرَ يَنْصُرُ والحظر: المنع والحجر، وقد روي عن عكرمة وجه هذا النظر والقياس حيث قال لما ذكر له حديث أم سلمة:"هلا اجتنب النساء والطيب" ثم إن ابن حزم قد اعترض على هذا القياس بكلام فاسد فقال (1): ليس إذا وجب أن لا يمس الشعر والظفر بالنص الوارد في ذلك، أن يجب اجتناب النساء والطيب كما أنه إذا وجب اجتناب الجماع والطيب لم يجب بذلك اجتناب مس الشعر والظفر وهذا الصائم فرض عليه اجتناب النساء ولا يلزمه اجتناب الطيب ولا مس الشعر والظفر
(1)"المحلى"(7/ 370).
وكذلك المعتكف وهذه المعتدة يحرم عليها الجماع والطيب ولا يلزمها اجتناب قص الشعر والأظفار انتهى.
وهذا كلام ساقط ظاهر سقوطه لا يحتاج إلى بيانه؛ لوضوحه.
ص: وقد روي ذلك أيضًا عن جماعة من المتقدمين.
حدثنا يونس قال: ثنا ابن وهب قال: أخبرني ابن أبي ذئب (ح).
وحدثنا ابن مرزوق قال: ثنا بشر بن عمر قال: ثنا ابن أبي ذئب، عن يزيد بن عبد الله بن قسيط:"أن عطاء بن يسار وأبا بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام وأبا بكر بن سليمان كانوا لا يرون بأسًا أن يأخذ الرجل من شعره ويقلم أظفاره في عشر ذي الحجة".
ش: أي وقد روي ما ذكرنا من قولنا: "لا بأس بقص الأظفار والشعر في أيام العشر سواء أراد الأضحية أو لم يردها" عن جماعة من المتقدمين من التابعين وهم: عطاء بن يسار الهلالي أبو محمد المدني القاص مولى ميمونة زوج النبي عليه السلام وأبو بكر ابن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم القرشي المدني أحد الفقهاء السبعة، قيل: إن اسمه محمد، وقيل: اسمه أبو بكر وكنيته أبو عبد الرحمن والصحيح أن اسمه وكنيته واحد.
وأبو بكر بن سليمان بن أبي خيثمة القرشي المدني.
وأخرج ذلك من طريقين:
الأول: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب المدني، عن يزيد بن عبد الله. . . إلى آخره.
الثاني: عن إبراهيم بن مرزوق، عن بشر بن عمرو الزهراني البصري روى له الجماعة، عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب. . . إلى آخره.
ص: وقد احتج أيضًا بعض أصحابنا بما حدثنا يونس قال: أنا ابن وهب قال: أخبرني ابن أبي ذئب، عن عثمان بن عبد الله بن أبي رافع، عن عبد الرحمن بن هرمز،
عن محمد بن ربيعة قال: "رآني عمر بن الخطاب رضي الله عنه طويل الشارب وذلك بذي الحليفة وأنا على ناقتي، وأنا أريد الحج، فأمرني أن أقص من شعري ففعلت". ولا حجة في هذا عندنا، لأنه لا يريد أن يضحي إذا كان يريد الحج فلا حجة في هذا على أهل المقالة الأولى لأنهم إنما يمنعون من ذلك من أراد أن يضحي.
وحجة أخرى تدفع هذا الحديث أن يكون فيه حجة عليهم وذلك أنه لم يذكر أن ذلك كان في عشر ذي الحجة أو قبل ذلك؟.
ش: احتج بعض الحنفية في إباحة قص الأظفار والشعر في عشر ذي الحجة لن يريد الأضحية بما روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
أخرجه بإسناد صحيح عن يونس بن عبد الأعلى عن عبد الله بن وهب عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب عن عثمان بن عبد الله بن أبي رافع مولى سعد ابن أبي وقاص ويقال: مولى سعيد بن العاص المدني كذا ذكره ابن أبي حاتم ووثقه ابن حبان.
عن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج المدني عن محمد بن ربيعة بن الحارث القرشي أخي المطلب بن ربيعة ذكره ابن حبان في الثقات التابعين.
قوله: "ولا حجة في هذا عندنا" أشار بهذا إلى أن الاستدلال بهذا الأثر فيما ذهب إليه هؤلاء غير مستقيم من وجهين:
الأول: أنه لا يلزم من إرادة الحج إرادة الأضحية وإنما يكون هذا حجة على أهل المقالة الأولى أن لو كان هذا ممن أراد أن يضحي.
الثاني: أنه لم يتبين فيه أن ذلك الأمر كان في عشر ذي الحجة أو قبل ذلك؟ فإذن لا يصح به الاستدلال على الوجه المذكور. فافهم.
***