الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ص: باب: البكاء علي الميت
ش: أي هذا باب في بيان حكم البكاء على الميت هل يباح أم لا؟ والبكاء يمد ويقصر، فإذا مددت أردت الصوت الذي يكون معه البكاء، وإذا قصرت أردت الدموع وخروجها، وبكيته وبكيت عليه بمعنى. قال الأصمعي: بكيت الرجل وبكَّيته بالتشديد كلاهما إذا بكيت عليه، وقال أبو زيد مثله، والبكي بضم الباء جمع باك، وأصله بَكُوي، علي وزن فعول نحو رجل جالس وقوم جلوس، والبَكِيُّ -بفتح الباء-: الكثير البكاء.
ص: حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، قال: أنا مالك بن أنس، عن عبد الله بن عبد الله بن جابر بن عتيك، أن عتيك بن الحارث بن عتيك -وهو جد عبد الله بن عبد الله أبو أمه- أخبره، أن جابر بن عتيك أخبره:"أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء يعود عبد الله بن ثابت، فوجده قد غُلِبَ، فصاح به، فلم يجبه، فاسترجع رسول الله عليه السلام ، وقال: غُلبنا عليك يا أبا الربيع، فصاح النسوة وبكين، وجعل ابن عتيك يُسكتهن، فقال رسول الله عليه السلام: دعهن؛ فإذا وجب فلا تبكينَّ باكية، قالوا: يا رسول الله وما الوجوب؟ قال: إذا مات".
ش: إسناده صحيح.
وجابر بن عتيك بن قيس الأنصاري السلمي الصحابي رضي الله عنه.
وأخرجه مالك في "موطإه"(1) بأتم منه. وهو قوله بعد قوله: "إذا مات، فقالت ابنته: والله إن كنت أرجو أن يكون شهيدًا فإنك [كنت](2) قد قضيت جهازك، فقال رسول الله عليه السلام: إن الله قد أوقع أجره علي قدر نيته، وما تعدون الشهادة؟ قالوا: القتل في سبيل الله، فقال رسول الله عليه السلام: الشهداء سبعة سوي القتل في سبيل الله: المطعون شهيد، والغريق شهيد، وصاحب ذات الجنب شهيد،
(1)"الموطأ"(1/ 233 رقم 554).
(2)
ليست في "الأصل، ك"، والمثبت من "الموطأ".
والمبطون شهيد، والحريق شهيد، والذي يموت تحت الهدم شهيد، والمرأة تموت بجمع شهيد".
وأخرجه أبو داود (1): عن القعنبي، عن مالك.
والنسائي (2) وابن ماجه (3) أيضًا.
قوله: "جاء يعود عبد الله بن ثابت" أي جاء يزوره ويتفقد حاله.
وعبد الله بن ثابت الأنصاري أبو الربيع الظفري من بني ظفر بن الخزرج بن عمرو ابن مالك بن الأوس.
قوله: "قد غُلِب" علي صيغة المجهول.
قوله: "فاسترجع" أي قال: إنا لله وإنا إليه راجعون، مثل ما يقال: حوقل؛ إذا قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، وبسمل إذا قال: بسم الله الرحمن الرحيم.
قوله: "يا أبا الربيع" هو كنية عبد الله بن ثابت المذكور.
قوله: "وما الوجوب" أصل الوجوب السقوط؛ قال الله تعالى: {فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا} (4) وهو أن تميل فتسقط، وإنما يكون ذلك إذا زهقت نفسها، ويقال للشمس إذا غابت: قد وجبت الشمس.
قوله: "المطعون" من طُعِنَ الرجل فهو مطعون وطعين إذا أصابه الطاعون، وهو غدة كغدة البعير، تخرج في الآباط ونحوها.
"والغريق": الذي يموت في الماء غرقًا.
و"صاحب ذات الجنب": هي الشوصة، قاله أبو عمر، وقال غيره: ذات الجنب
(1)"سنن أبي داود"(3/ 188 رقم 311).
(2)
"المجتبى"(4/ 13 رقم 1846).
(3)
"سنن ابن ماجه"(2/ 937 رقم 1846).
(4)
سورة الحج، آية:[36].
خلط ينصب إلى الغشاء المستبطن للأضلاع، فيحدث ورمًا حارًّا، وعلامته حمي لازمة وسعال وضيق نفس ووجع ناخس.
و"المبطون": العليل البطن، وهو صاحب الإسهال، وقال أبو عمر: فقيل فيه: إنه المحبون.
قوله: "تموت بجُمْع" بضم الجيم وسكون الميم، والمعني تموت وفي بطنها ولد، وقيل: التي تموت بكرًا، والجمع بمعنى المجموع، كالذخر بمعنى المذخور، وكسر الكسائي الجيم، والمعني أنها ماتت مع شيء مجموع فيها غير منفصل عنها من حمل أو بكارة، وقال أبو عمر: فيه قولان لكل واحد منهما وجهان:
أحدهما: هي المرأة تموت من الولادة وولدها في بطنها وقد تم خلقه وماتت من النفاس وولدها في بطنها لم تلده، قال أبو عبيد: الجمع: الناقة في بطنها ولدها. وقيل: إذا ماتت من الولادة وسواء ماتت وولدها في بطنها أو ولدته ثم ماتت.
والقول الآخر: هي التي تموت عذراء لم تنكح ولم تُفْتَض. وقيل: هي التي تموت ولم تطمث، والمعني واحد؛ لقوله تعالى:{لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ} (1) أي لم يطأهن.
والقول الأول أكثر وأشهر.
ويستنبط منه أحكام:
سنية عيادة المرضي؛ لأنه عليه السلام فعلها وأمر بها وندب إليها.
وعيادة الرجل العالم الكبير الشريف مَن هو دونه.
وفيه: الصياح بالعليل علي وجه النداء له ليسمع فيجيب عن حاله، ألا ترى أن رسول الله عليه السلام صاح بقوله: يا أبا الربيع، فلما لم يجبه استرجع؟
وسنية الاسترجاع عند المصيبة.
(1) سورة الرحمن، آية:[56].
وفيه: جواز تكنية الرجل الكبير لمن هو دونه، وهذا يبطل ما يحكي عن الخلفاء أنهم لا يكنون أحدًا.
وفيه: إباحة البكاء على الميت كالصياح وغيره عند حضور وفاته.
وفيه: النهي عن البكاء إذا وجب موته، وفيه خلاف يأتي إن شاء الله تعالى.
وفيه: أن التجهز للعدو إذا حيل بينه وبينه، يكتب له أجر الغازي، ويقع أجره علي قدر نيته.
وفيه: أن الأعمال بالنيات، وأن نية المؤمن خير من علمه.
وفيه: طرح العالم [المسألة](1) على المتعلم، ألا ترى إلى قوله عليه السلام:"ما تعدون الشهادة فيكم" ثم أجابهم بخلاف ما عندهم، وأن الشهداء سبعة بنصه عليه السلام، ولكن المراد بهذه الشهادة الحكمية، يعني أن هؤلاء كالشهيد حقيقة عند الله في وفور الأجر؛ ولهذا يغسلون ويكفنون كسائر الموتي بخلاف الشهيد الحقيقي وهو الذي قتل ظلمًا، ولم تجب بقتله دية، أو وجد في المعركة قتيلًا كما عرف في الفروع بالخلاف الذي فيه، وقد ذكر في معنى هؤلاء السبعة شيء آخر، وفي كتاب "المعرفة": حدثنا أبو علي الحنفي، حدثنا إسماعيل بن إبراهيم بن مهاجر، عن عبد الملك بن عمير قال: سمعته يقول فقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: من حبسه السلطان وهو ظالم له فمات في حبسه ذلك فهو شهيد، ومن ضربه السلطان ظالما فمات من ضربه ذلك فهو شهيد، وكل موت يموت به المسلم فهو شهيد، غير أن الشهادة تتفاضل.
وعن ابن مسعود رضي الله عنه "أن مَن يتردى من الجبال، أو يغرق في البحور، أو يأكله السبع، شهداء عند الله يوم القيامة".
ص: قال أبو جعفر رحمه الله: فذهب قوم إلى كراهة البكاء على الميت، واحتجوا في ذلك بهذا الحديث.
(1) ليست في "الأصل، ك"، والسياق يقتضيها.
ش: أراد بالقوم هؤلاء: القاسم وعروة بن الزبير وأبا نجيح وداود بن علي فإنهم قالوا: يكره البكاء على الميت، واستدلوا علي ذلك بالحديث المذكور، وروي ذلك عن عمر بن الخطاب والمغيرة بن شعبة وعمران بن حصين وعبد الله بن عمر وعبد الله بن أبي أوفي وعائشة رضي الله عنهم.
ص: وبما قد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم "إن الميت يعذب ببكاء أهله عليه".
حدثنا ربيع بن سليمان الجيزي، قال: ثنا أحمد بن محمَّد الأزرقي، قال: ثنا عبد الجبار بن الورد، قال: سمعت ابن أبى مليكة يقول: "لما ماتت أم أبان بنت عثمان بن عفان حضرت مع الناس، فجلست بين يدي عبد الله بن عمرو وعبد الله ابن عباس رضي الله عنهم فبكى النساء، فقال ابن عمر: ألا تنهى هؤلاء عن البكاء؟ إني سمعت رسول الله عليه السلام يقول: إن الميت ليعذب ببعض بكاء أهله عليه، فقال ابن عباس: قد كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول ذلك، فخرجت مع عمر حتى إذا كنا بالبيداء، إذا رَكْب، فقال: يا ابن عباس من الرَّكْب؟ فذهبت فإذا هو صهيب وأهله، فرجعت فقلت: يا أمير المؤمنين، هذا صهيب وأهله، فلما دخلنا المدينة، وأصيب عمر رضي الله عنه جلس صهيب يبكي عليه ويقول: واحِبَّاه، واصاحباه، فقال عمر رضي الله عنه لا تبك؛ فإني سمعت رسول الله عليه السلام يقول: إن الميت ليعذب ببعض بكاء أهله عليه. قال: فذكر ذلك لعائشة رضي الله عنها فقالت: أمَ والله ما تحدثون هذا الحديث عن الكاذبين، ولكن السمع يخطئ، وإن لكم في القرآن لما يشفيكم: {أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} (1)، ولكن رسول الله عليه السلام قال: إن الله عز وجل ليزيد الكافر عذابًا ببكاء بعض أهله عليه".
حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا إبراهيم بن بشار، قال: ثنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن ابن أبي مليكة. . . . فذكر نحوه، غير أنه لم يذكره قصة صهيب رضي الله عنه.
قالوا: فلما كان الميت يعذب ببكاء أهله عليه؛ كان بكاؤهم عليه مكروهًا لهم.
(1) سورة النجم، آية:[38].
ش: أي واحتجوا أيضًا بما روي عن النبي عليه السلام. . . . إلى آخره.
وأخرجه من طريقين صحيحين:
الأول: عن ربيع بن سليمان الجيزي الأعرج، عن أحمد بن محمَّد بن الوليد بن عقبة بن الأزرق الأزرقي المكي شيخ البخاري، عن عبد الجبار بن الورد بن أبي الورد القرشي المكي، وثقه يحيي بن معين وأبو داود وروي له والنسائي. عن عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة المكي الأحول قاصّ عبد الله بن الزبير ومدونه، روى له الجماعة.
وأخرجه أحمد في "مسنده"(1): ثنا إسماعيل، ثنا أيوب، عن عبد الله بن أبي مليكة قال: "كنت عند عبد الله بن عمر ونحن ننتظر جنازة أمّ أبان ابنة عثمان رضي الله عنه وعنده عمرو بن عثمان، فجاء ابن عباس يقوده قائده، قال: فأراه أُخبر بمكان ابن عمر، فجاء حتى جلس إلى جنبي، وكنت بينهما، فإذا صوت من الدار، فقال ابن عمر: سمعت رسول الله عليه السلام[يقول](2): إن الميت يعذب ببكاء أهله عليه، فأرسلها عبد الله مرسلة، قال ابن عباس: كنا مع أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه، حتى إذا كنا بالبيداء، إذا هو برجل نازل في ظل شجرة، فقال لي: انطلق فاعلم من ذاك؟ فانطلقت، فإذا هو صهيب، فرجعت إليه، فقلت: إنك أمرتني أن أعلم لك مَن ذاك، وأنه صهيب، فقال: مُروه فليلحق بنا، فقلت: إن معه أهله، قال: وإن كان معه أهله -وربما قال أيوب: مره فليلحق بنا- فلما بلغنا المدينة لم يلبث أمير المؤمنين أن أصيب، فجاء صهيب فقال: واأخاه، واصاحباه، فقال عمر رضي الله عنه: ألم تعلم -أو لم تسمع أو قال: أو لم تسمع أو لم تعلم- أن رسول الله عليه السلام قال: إن الميت ليعذب ببعض بكاء أهله؟ فأما عبد الله فأرسلها مرسلة، وأما عمر فقال ببعض، فأتيت عائشة رضي الله عنها، فذكرت لها قول عمر، فقالت: لا والله ما قاله رسول الله عليه السلام: إن الميت يعذب ببكاء أهله، ولكن رسول الله عليه السلام قال: إن الكافر
(1)"مسند أحمد"(1/ 41 رقم 288).
(2)
ليست في "الأصل، ك"، والمثبت من "مسند أحمد".
ليزيده الله ببكاء أهله عذابًا، وإن الله لهو أضحك وأبكي، {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} (1) ".
قال أيوب: وقال ابن أبي مليكة: حدثني القاسم، قال:"لما بلغ عائشة قول عمر وابن عمر قالت: إنكم لتحدثوني عن غير كاذبين ولا مكذبين، ولكن السمع يخطئ".
الثانى: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن إبراهيم بن بشار الرمادي، عن سفيان ابن عيينة، عن عمرو بن دينار المكي، عن عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة. . . . إلى آخره.
وأخرجه مسلم (2) من طرق متعددة نحو ما رواه أحمد في "مسنده"، منها ما رواه عن عبد الرحمن بن بشر، عن سفيان، عن عمرو بن دينار، عن ابن أبي مليكة نحو رواية الطحاوي هذه.
قوله: "لما ماتت أم أبان" وهي بنت عثمان بن عفان، وأمها رملة بنت شيبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي.
قوله: "بالبيداء" وهي في اللغة الأرض الواسعة، وقال ابن الأثير: البيداء المفازة لا شيء بها، وهي هاهنا اسم موضع مخصوص بين مكة والمدينة.
قوله: "إذا ركب" كلمة "إذا" للمفاجأة، والركب اسم من أسماء الجمع كنفر ورهط، وقيل: هو جمع راكب، كصاحب وصحب، والراكب في الأصل هو راكب الإبل خاصة، ثم اتسع فيه فأطلق علي كل من يركب دابة.
قوله: "واحباه، واصاحباه" كلمة "وا" للندبة وهي علي وجهين:
أحدهما: أن تكون حرف نداء مختصًا بباب الندبة، نحو: وازيداه.
(1) سورة الأنعام، آية:[164].
(2)
"صحيح مسلم"(2/ 642 رقم 929).
والثاني: أن تكون اسمًا للعجب نحو:
وَا بأبي أنت وفوكِ الأشنبُ
قوله: "أمَ والله"، أصله: أما والله، فحذفت الألف، وهي حرف استفتاح بمنزلة "ألا" وتكثر قبل القسم.
وقال أبو عمر بن عبد البر (1): اختلف الناس في معنى قوله عليه السلام: "إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه" فقال قائلون: معناه أن يوصي الميت بذلك.
وقال آخرون: معناه أن يمدح في ذلك البكاء بما كان يمدح به أهل الجاهلية من الفتكات والغدرات وما أشبهها من الأفعال التي هي عند الله ذنوب، فهم يبكون لفقدها، ويمدحونه بها، وهو معذب بما يبكي عليه به من أهله.
وقال الآخرون: البكاء في هذا الحديث وما كان مثله معناه النياحة وشق الجيوب ولطم الخدود ونحو هذا من النياحة، وأما بكاء العِبَر فلا، وذهبت عائشة إلى أن أحدًا لا يعذب بفعل غيره، وهو أمر مجمع عليه بقول الله تعالى:{وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} (2)، وبقوله تعالى:{وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا} (2) وبقوله عليه السلام لأبي [رمثة](3) في ابنه: "ابك لا تجني عليه ولا يجني عليك".
قال أبو عمر: أما ما صح عن النبي عليه السلام من حديث عمر بن الخطاب وعبد الله ابن عمر والمغيرة بن شعبة رضي الله عنهم، وغيرهم، أن رسول الله عليه السلام قال:"يعذب الميت بما نيح عليه" ذكره مسلم، مع ما روي من إنكار عائشة على ابن عمر بقولها أيضًا في حديث آخر:"إنكم لتحدثون عن غير كاذبين، عمر وابنه، ولكن السمع يخطئ" ذكره أيضًا مسلم.
(1)"التمهيد"(17/ 274).
(2)
سورة الأنعام، آية:[164].
(3)
في "الأصل، ك": "رميثة"، والمثبت من "التمهيد".
فللعلماء في ذلك قولان:
أحدهما: أن طائفة من أهل العلم ذهبت إلى تصويب قول عائشة رضي الله عنها في إنكارها على ابن عمر، فمنهم الشافعي وغيره.
قال أبو عمر: وهو عندي تحصيل مذهب مالك؛ لأنه ذكر حديث عائشة في "موطإه" ولم يذكر خلافه عن أحد.
قال الشافعي: أرخص في البكاء على الميت ثلاثة أيام بلا نياحة، لما في النياحة من تجديد الحزن، ومنع الصبر، وعظم الإثم، ثم قال: وقال ابن عباس: الله أضحك وأبكي. قال الشافعي: فما روته عائشة وذهبت إليه أشبه بدلالة الكتاب والسنة، واستدل بحديث أبي رمثة، وبقوله عز وجل:{لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى} (1)، وبقوله:{وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} (2). قال: وما زيد في عذاب الكافر فباستحبابه لا بذنب غيره.
وقال: آخرون، منهم داود بن علي وأصحابه: ما روي عن عمر والمغيرة أولى من قول عائشة وروايتها، قالوا: ولا يجوز أن تدفع رواية العدل بمثل هذا الاعتراض؛ لأن مَن روى وسمع أثبت حجة علي من نفي وجهل.
قالوا: وقد صح عن النبي عليه السلام أنه نهي عن النياحة نهيًا مطلقًا ، ولعن النائحة والمستمعة، وحرم أجرة النائحة، وقال:"ليس منا من حلق وسلق، وليس منا من لطم الخدود، وشق الجيوب، ودعول بدعوي الجاهلية".
قالوا: وقد قال الله [تعالى عز وجل](3): {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا} (4)، فواجب علي كل مسلم أن يعلم أهله ما بهم الحاجة إليه من أمر دينهم ويأمرهم به، وواجب عليه أن ينهاهم عن كل ما لا يحل لهم ويوقفهم عليه ويمنعهم منه،
(1) سورة طه، آية:[15].
(2)
سورة الأنعام، آية:[164].
(3)
كذا في "الأصل، ك".
(4)
سورة طه، آية:[132].
ويعلمهم مُهِمَّ ذلك كله؛ لقول الله عز وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ} (1) قالوا: فإذا علم الرجل المسلم ما جاء عن رسول الله عليه السلام في النياحة على الميت والنهي عنه والتشديد فيها، ولم ينه عن ذلك أهله ونيح عليه بعد ذلك، فإنما يعذب بما نيح عليه؛ لأنه لم يفعل ما أمر به من نهي أهله عن ذلك وأمره إياهم بالكف عنه، وإذا كان ذلك كذلك فإنما يعذب بفعل نفسه وذنبه لا بذنب غيره، وليس في ذلك ما يعارض قول الله عز وجل:{وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} (2)، فكأن ما رواه عمر وابنه عبد الله والمغيرة وغيرهم صحيح المعنى غير مدفوع، وبالله التوفيق، انتهي.
وقال الخطابي: قد يحتمل أن يكون الأمر في هذا علي ما ذهبت عائشة رضي الله عنها؛ لأنها قد روت أن ذلك إنما كان في شأن يهودي، فالخبر المفسر أولى من المجمل، ثم احتجت له بالآية، وقد يحتمل أن يكون ما رواه ابن عمر صحيحًا من غير أن يكون فيه خلاف للآية؛ وذلك أنهم كانوا يوصون أهلهم بالبكاء والنوح عليهم، فكان ذلك مشهورًا من مذاهبهم، وهو موجود في أشعارهم، كقول القائل (3):
إذا مُتُّ فانْعِيني بما أنا أهلُه
…
وشُقِّي عليَّ الجَيْبَ يا ابنةَ معْبَدِ
وكقول لبيد:
فقُومَا وقُولا بالذي تَعْلَمانِهِ
…
ولا تَخْمِشا وجْهًا ولا تحلِقا شَعَرْ
وقولا هو المرءُ الذي لا صَديقَه
…
أضاعَ ولا خافَ الأميرَ ولا غَدَرْ
إلى الَحوْلِ ثُمَّ اسمُ السَّلامِ عَليكُما
…
ومَنْ يَبكِ حَوْلا كامِلا فقد اعْتَذَر
ومثل هذا كثير في أشعارهم، فإذا كان كذلك فالميت إنما تلزمه العقوبة في ذلك بما تقدم من أمره إياهم بذلك وقت حياته، وقال عليه السلام:"من سنَّ سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها، ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها".
(1) سورة التحريم، آية:[6].
(2)
سورة الأنعام، آية:[164].
(3)
القائل هو: طرفة بن العبد.
وفيه وجه آخر: وهو أنه مخصوص في بعض الأموات الذين وجبت عليهم بذنوب اقترفوها وجري من قضاء الله فيهم أن يكون عذابه وقت البكاء عليهم، ويكون كقولهم:"مطرنا بنوء كذا" أي عند نوء كذا؛ كذلك قوله: "إن الميت يعذب ببكاء أهله" أي عند بكائهم عليه، لاستحقاقه ذلك بذنبه، ويكون ذلك بذنبه، ويكون ذلك حالاً لا سببًا؛ لأنا لو جعلناه سببًا لكان مخالفًا للقرآن، وهو قوله تعالى:{وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} (1).والله أعلم.
ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: لا بأس بالبكاء على الميت إذا كان بكاء لا معصية معه من قول فاحش ولا نياحة، واحتجوا في ذلك بما حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب، قال: أخبرني عمرو بن الحارث، عن سعيد بن الحارث الأنصاري، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال:"اشتكي سعد بن عبادة شكوى، فأتى رسول الله عليه السلام يعوده مع عبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وعبد الله بن مسعود رضي الله عنهم، فلما دخل عليه وجده في غشيته، فقال: أقد قضى؟ قالوا: لا والله يا رسول الله، فبكي رسول الله عليه السلام، فلما رأى القوم بكي رسول الله عليه السلام بكوا، فقال: ألا تسمعوا أن الله تعالى لا يعذب بدمع العين ولا بحزن القلب، ولكن يعذب بهذا -وأشار إلى لسانه- أو يرحم".
حدثنا أحمد بن الحسن، قال: سمعت سفيان يقول: حدثني ابن عجلان، عن وهب بن كيسان، عن أبي هريرة:"أن عمر رضي الله عنه أبصر امرأة تبكي علي ميت فنهاها، فقال له رسول الله عليه السلام: دعها يا أبا حفص فإن النفس مصابة، والعين بكية، والعهد قريب".
حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب، قال: حدثني أسامة بن زيد الليثي، عن نافع، عن عبد الله بن عمر: "أن رسول الله عليه السلام مرَّ بنساء بني الأشهل يبكين هلكاهن يوم أحد، فقال رسول الله عليه السلام: لكن حمزة لا بواكي له، فجاء نساء
(1) سورة الأنعام، آية:[164].
الأنصار يبكين حمزة، فاستيقظ رسول الله عليه السلام فقال: ويحهن، ما انقلبن بعد مرورهن، فلينقلبن، ولا يبكين علي هالك بعد اليوم".
حدثنا علي بن معبد، قال: ثنا إسماعيل بن عمر، قال: ثنا سفيان، عن عاصم بن عبيد الله، عن القاسم، عن عائشة رضي الله عنها، قالت:"رأيت رسول الله عليه السلام يقبِّل عثمان بن مظعون بعد موته، ودموعه تسيل علي لحيته".
ففي هذه الآثار التي ذكرنا إباحة البكاء على الموتى، وذلك علي أن ذلك غير ضار لهم ولا سبب لعذابهم، ولولا ذلك لما بكي رسول الله عليه السلام ولا أباح البكاء، ولمنع من ذلك.
ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: عطاء بن أبي رباح وابن أبي ليلي والحسن البصري والثوري والنخعي وأبا حنيفة ومالكًا والشافعي وأحمد وأصحابهم؛ فإنهم قالوا: لا بأس بالبكاء على الميت إذا كان بلا صوت ولا قول فاحش، وروي ذلك عن أسامة بن زيد وعبد الرحمن بن عوف وأنس بن مالك وأبي هريرة وابن مسعود وثابت بن زيد وقرظة بن كعب وأم المؤمنين عائشة رضي الله عنهم.
وإليه ذهب ابن حزم، وقال في "المحلي": والصبر واجب، والبكاء مباح ما لم يكن نَوح؛ فإن النوح حرام والصياح وخمش الوجوه وضربها وضرب الصدور ونتف الشعر وحلقه للميت، كل ذلك حرام، وكذلك الكلام المكروه الذي هو تسخط لأقدار الله تعالى، وشق الثياب.
قوله: "واحتجوا في ذلك". أي احتج هؤلاء الآخرون فيما ذهبوا إليه بحديث عبد الله بن عمر وأبي هريرة وعائشة رضي الله عنهم.
أما حديث عبد الله بن عمر فأخرجه من وجهين صحيحين:
الأول: عن يونس بن عبد الأعلي، عن عبد الله بن وهب. . . . إلى آخره.
وأخرجه مسلم (1): عن يونس بن عبد الأعلي وعمرو بن سواد العامري، كلاهما عن عبد الله بن وهب. . . . إلى آخره.
(1)"صحيح مسلم"(2/ 636 رقم 924).
وأخرجه البخاري (1): عن أصبغ عن عبد الله بن وهب. . . . إلى آخره.
الثاني: عن يونس بن عبد الأعلي. . . . إلى آخره.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه"(2): ثنا عبيد الله بن موسى، نا أسامة بن زيد، عن نافع، عن ابن عمر قال:"رجع رسول الله عليه السلام يوم أحد فسمع نساء بني عبد الأشهل يبكين علي هلكاهن، فقال: لكن حمزة لا بواكي له، فجئن نساء الأنصار فبكين علي حمزة، فرقد فاستيقظ فقال: يا ويحهن؛ إنهن لهاهنا حتى الآن؟! مُروهُنَّ فليرجعن، ولا يبكين علي هالك بعد اليوم".
وأخرجه عن هارون بن سعيد المصري، عن عبد الله بن وهب .. إلى آخره نحوه.
قوله: "اشتكي سعد بن عبادة شكوى" أي مرض مرضًا. الشكوى والشكو والشكاة والشكاية كلها مصادر بمعنى المرض.
قوله: "في غشيته" وهي ما يتغشاه من كرب الوجع الذي به حتى يظن أنه قد مات، وأصله من غشاه يغشاه إذا غطاه، وغشي الشيء إذا لابسه، وغشي المرأة إذا جامعها، وغُشي عليه فهو مَغْشِيٌّ عليه، إذا أُغْمِيَ عليه.
قال القاضي عياض: روايتنا فيه عن أكثر شيوخنا بكسر الشين وتشديدها، وعند أبي جعفر: عشية بسكون الشين، وفي البخاري:"في غاشيته"، وقال ابن الأثير: الغاشية: الداهية من خير أو شر أو مكروه، ومنه قيل: للقيامة: الغاشية، وأراد في غَشْية من غشيات الموت، ويجوز أن يريد بالغاشية القوم الحضور عنده الذين يغشونه للخدمة والزيارة أن أي جماعة غاشية.
وقال الخطابي: الغاشية تحتمل وجهين: من يغشاه من الناس، أو ما يغشاه من الكرب.
(1) صحيح البخاري (1/ 439 رقم 1242).
(2)
"مصنف ابن أبي شيبة"(3/ 63 رقم 12127).
قوله: "فقال: أقد قضى؟ " أي أقد مات؟ والهمزة فيه للاستفهام، وهو علي صيغة المعلوم، وأصل معناه: فرغ، يقال: قضي نحبه أي مات، وضربه فقضي عليه أي قتله، كأنه فرغ منه.
وأما حديث أبي هريرة فأخرجه بإسناد صحيح، عن أحمد بن الحسن بن القاسم الكوفي نزيل مصر، عن سفيان بن عيينة، عن محمد بن عجلان، عن وهب بن كيسان القرشي المعلم، عن أبي هريرة.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه"(1): ثنا عفان، ثنا وهيب، عن هشام بن عروة، عن وهب بن كيسان، عن محمَّد بن عمرو بن عطاء، عن سلمة الأزرق، عن أبي هريرة قال:"مُرَّ على النبي عليه السلام بجنازة يُبكى عليها -وأنا معه وعمر بن الخطاب- فانتهر عمر رضي الله عنه اللَّاتي تبكين مع الجنازة، فقال رسول الله عليه السلام: دعهن يا ابن الخطاب؛ فإن النفس مصابة، والعين دامعة، والعهد قريب".
وأخرجه ابن ماجه (2): عن ابن أبي شيبة. . . . نحوه. والله أعلم.
واعلم أنه وقع في رواية ابن ماجه بين وهب بن كيسان وبين أبي هريرة شخص واحد، وهو محمَّد بن عمرو بن عطاء.
وفي رواية أخرى (2) له من طريق ابن أبي شيبة أيضًا وقع بينهما شخصان أحدهما محمَّد بن عمرو بن عطاء هذا، والآخر سلمة بن الأزرق.
وأخرجه النسائي (3): عن علي بن حجر، عن إسماعيل بن جعفر، عن محمَّد ابن عمرو بن حلحلة، عن محمَّد بن عمرو بن عطاء، عن سلمة بن الأزرق، عن أبي هريرة.
وأما رواية الطحاوي فإنه ليس فيها بين وهب بن كيسان وبين أبي هريرة أحد كما تري ذلك.
(1)"مصنف ابن أبي شيبة"(3/ 64 رقم 12136).
(2)
"سنن ابن ماجه"(1/ 505 رقم 1587).
(3)
"المجتبى"(4/ 19 رقم 1859).
ووهب هذا قد روى عن أبي هريرة وغيره من الصحابة. ذكره ابن حبان في كتاب "الثقات" من التابعين.
وأما حديث عائشة رضي الله عنها، فأخرجه عن علي بن معبد بن نوح المصري، عن إسماعيل بن عمر الواسطي شيخ أحمد وابن معين، عن سفيان الثوري، عن عاصم بن عبيد الله بن عاصم بن عمر بن الخطاب، فيه مقال؛ فعن محمَّد بن سعد: كان كثير الحديث ولا يحتج به. وعن الجوزجاني: ضعيف الحديث. وعن أبي حاتم: منكر الحديث مضطرب الحديث ليس له حديث يعتمد عليه. وقال الدارقطني: مدينيّ يترك وهو مغفل، وقال النسائي: لا نعلم مالكًا روى عن إنسان ضعيف مشهور بالضعف إلا عاصم بن عبيد الله.
والحديث أخرجه أبو داود (1): عن محمَّد بن كثير، عن سفيان، عن عاصم. . . . إلى آخره نحوه.
وأخرجه الترمذي (2) وابن ماجه (3)، وفي رواية ابن ماجه:"علي خديه".
وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.
وقال المنذري في "مختصر السنن": وفي إسناده عاصم بن عبيد الله، وقد تكلم فيه غير واحد من الأئمة.
ويستفاد منه حكمان:
الأول: إباحة البكاء على الميت من غير صوت.
والثاني: جواز تقبيل الميت؛ فإن رسول الله عليه السلام قبَّل عثمان بن مظعون، وهو ممن هاجر الهجرتين، وممن شهد بدرًا، وكانت وفاته في سنة اثنتن من الهجرة وهو أول مَن دفن بالبقيع، ومظعون بالظاء المعجمة.
(1)"سنن أبي داود"(3/ 201 رقم 3163).
(2)
"جامع الترمذي"(3/ 314 رقم 989).
(3)
"سنن ابن ماجه"(1/ 468 رقم 1456).
ص: فإن قال قائل: فإن في حديث ابن عمر الذي ذكرت ما يدل علي نسخ ما كان أباح من ذلك، وهو قوله:"ولا يبكين علي هالك بعد اليوم".
قيل له: ما في ذلك دليل علي ما ذكرت، قد يجوز أن يكون قوله عليه السلام:"ولا يبكين علي هالك بعد اليوم" من هلكاهن الذين قد بكين عليهم منذ هلكوا إلي هذا الوقت؛ لأن في ذلك البكاء ما قد أتين به علي ما جلا عنهن حزنهن.
ش: تقرير السؤال أن يقال لأهل المقالة الثانية: كيف تحتجون في إباحة البكاء على الميت بلا صوت بحديث عبد الله بن عمر، وفي حديثه ما يدل علي نسخ ما كان أباح لهم من ذلك وهو قوله:"ولا يبكين علي هالك بعد اليوم"؟ فإنه صريح في المنع عن البكاء، والجواب عنه ظاهر.
ص: وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في تفسير البكاء الذي قصد إلى النهي في نهيه عن البكاء على الموتى ما حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا أحمد بن عبد الله بن يونس، قال: ثنا إسرائيل، عن محمَّد بن عبد الرحمن، عن عطاء، عن جابر بن عبد اللهَ، عن عبد الرحمن ابن عوف قال:"أخذ النبي عليه السلام بيدي فانطلقت معه إلى ابنه إبراهيم وهو يجود بنفسه، فأخذه النبي عليه السلام فوضعه في حجره حتى خرجت نفسه، فوضعه ثم بكي، فقلت: يا رسول الله، أتبكي وأنت تنهي عن البكاء؟! فقال: إني لم أنه عن البكاء، ولكني نهيت عن صوتين أحمقين فاجرين: صوت عند نغمة لهو، ولعب، ومزامير شيطان -وصوت عن مصيبة- لطم وجوه، وشق جيوب، وهذا رحمة، من لا يَرحم ولا يُرحم، يا إبراهيم لولا أنه وعد صادق وقول حق، وأن آخرنا سيلحق أوَّلنا، لحزنا عليك حزنًا هو أشد من هذا، وإنا بك لمحزونون، تبكي العين ويحزن القلب، ولا نقول ما يسخط الرب".
فأخبر رسول الله عليه السلام في هذا الحديث بالبكاء الذي نهى عنه في الأحاديث الأُوَل، وأنه البكاء الذي معه الصوت الشديد ولطم الوجوه وشق الجيوب، وبيَّن أن ما سوى ذلك من البكاء مما فعل من جهة الرحمة أنه بخلاف ذلك البكاء الذي نهى عنه.
ش: ذكر هذا شاهدًا للجواب المذكور عن السؤال المذكور، وتأييدًا لصحته، وهو أن البكاء على الميت مباح، وحكمه باقٍ ولم ينسخ، ولم ينه عنه، وإنما الذي نهي عنه هو البكاء الذي معه صوت أو لطم أو شق، والبكاء الذي يكون بدون هذه رحمة في القلوب، دل عليه حديث عبد الرحمن بن عوف.
أخرجه بإسناد حسن عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن أحمد بن عبد الله بن يونس التميمي الكوفي -شيخ البخاري ومسلم وأبي داود- عن إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق، عن محمَّد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى الكوفي الفقيه، فيه مقال، عن عطاء بن أبي رباح، عن جابر بن عبد الله الأنصاري الصحابي، عن عبد الرحمن بن عوف الصاحبي.
وأخرجه البزار في "مسنده"(1): ثنا الحسن بن عرفة، قال: ثنا النضر بن إسماعيل، قال: نا ابن أبي ليلي، عن عطاء، عن جابر بن عبد الله، عن عبد الرحمن ابن عوف قال:"أخذ رسول الله عليه السلام بيدي فانطلق إلى النخل، فوجد إبراهيم ابن رسول الله عليه السلام، فأخذه رسول الله عليه السلام فوضعه في حجره، فدمعت عيناه، ثم قال: يا بني إني لا أملك لك من الله شيئًا، فقلت: يا رسول الله تبكي؟! أو لم تنه عن البكاء؟ قال: إنما نهيت عن النوح، عن صوتين أحمقين فاجرين: صوت عند نغمة -لعب ولهو ومزامير شيطان- وصوت عند مصيبة -خمش وجوه وشق جيوب ورنة شيطان- إنه لا يُرحم من لا يَرحم، لولا أنه أمُرُ حق ووعد صدق وأنها سبيل مأتية لابد منها حتي يلحق آخرنا بأوَّلنا، لحزنَّا حزنًا أشد من هذا -يعني عليه- وإنَّا به لمحزونون، تبكي العين ويحزن القلب ولا نقول ما يُسخط الرب عز وجل".
وهذا حديث لا نعلمه يروى عن عبد الرحمن إلا من هذا الوجه بهذا الإسناد، وقد روي عن عبد الرحمن بإسناد آخر بعض هذا الكلام.
(1)"مسند البزار"(3/ 215 رقم 1001).
قوله: "وهو يجود بنفسه" أي يخرجها ويدفعها، مما يدفع الإنسان ماله يجود به، والجود: الكرم، يريد أنه كان في النزع وسياق الموت.
قوله: "حتى خرجت نفسه" أي روحه، والنفس تطلق على الروح وعلى الدم.
قوله: "عن صوتين أحمقين" أي موضوعين في غير محلهما؛ وذلك لأن الحمق وضع الشيء في غير موضعه مع العلم بقبحه.
قوله: "فاجرين" الفاجر هو المنبعث في المعاصي والمحارم، من فجر يفجر فجورًا، ووصف الصوت بصفة مُصوِّتِه؛ لملابسته إياه.
قوله: "صوت عند نعمة: لهو" أي أحدهما صوت عند نعمة لهو.
قوله: "وصوت عند مصيبة" أي والآخر: صوت عند مصيبة.
قوله: "لطمُ وجوه" برفع اللطم وإضافته إلى الوجوه، وارتفاعه علي أنه بدل من صوت، أو بيان عنه.
قوله: "وهذا رحمة" أشار به إلى البكاء الذي هو إرسال الدمع من غير صوت ونياحة.
قوله: "لولا أنه وعد" أي لولا أن الموت وعدٌ صادق من الله تعالى.
قوله: "لحزنَّا" اللام فيه للتأكيد.
قوله: "لمحزونون" خبر لقوله: "إنا"، واللام فيه للتأكيد.
ص: وأما ما ذكرناه عن عمر وابن عمر رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الميت
يعذب ببكاء أهله عليه" فقد ذكرنا عن عائشة رضي الله عنها إنكار ذلك، وأن رسول الله عليه السلام إنما قال: "إن الله عز وجل ليزيد الكافر عذابًا في قبره ببعض بكاء أهله عليه" وقد يجوز أن يكون ذلك البكاء -الذي يعذب به ذلك الكافر في قبره يراد به عذابًا علي عذابه- بكاءً قد كان أوصى به في حياته، فإن أهل الجاهلية قد كانوا يوصون بذلك أهليهم أن يفعلوه بعد وفاتهم، فيكون الله عز وجل يعذبه في قبره بسبب قد كان سببه في حياته فُعِل بعد موته.
ش: هذا جواب عن حديث عبد الله بن عمر الذي احتج به أهل المقالة الأولى، وحاصلة من وجهين:
أحدهما: أن عائشة رضي الله عنها، أنكرت ذلك، استدلالًا بقوله تعالى:{وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} (1) ونسبت ذلك إلى الوهم عن ابن عمر.
الثاني: أن ذلك محمول علي ما إذا كان الميت قد كان أوصى به في حياته، وقد بسطنا الكلام في هذا الباب مستقصى، فليراجع إليه.
ص: وقد روي هذا الحديث عن عائشة بغير هذا اللفظ:
حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا ابن وهب، قال: أخبرني ابن أبي الزناد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة زوج النبي عليه السلام أنها قالت:"يغفر الله لأبي عبد الرحمن بن عمر يقول: إن الميت ليعذب ببكاء الحي؟! والله ما ذاك إلا إيهام من عبد الله بن عمر يغفر الله له، إن الله عز وجل يقول: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى}، وما ذاك إلا أن رسول الله عليه السلام مرَّ علي قبر يهودي، فقال رسول الله عليه السلام: أنتم تبكون عليه وإنه ليعذب في قبره يقول: بعمله".
فأخبرت عائشة رضي الله عنها في هذا الحديث أن رسول الله عليه السلام إنما أخبر أن ذلك الكافر يعذب في قبره بعمله وأهله يبكون عليه، وقد منع الله عز وجل أن تزر وازرة وزر أخرى، فدل ذلك علي أن مَيْتًا لا يعذب في قبره ببكاء حيٍّ لم يَأمر به في حياته، وبان بحديث جابر عن عبد الرحمن بن عوف البكاء المكروه ما هو، وأنه هو الذي معه اللطم والشق، فقد ثبت بما ذكرنا إباحة البكاء على الميت إذا لم يكن معه سبب مكروه من شق ثوب ولطم وجه ونياحة وما أشبه ذلك، وقد حدثنا فهد قال: ثنا يحيي بن عبد الحميد الحماني، قال: ثنا شريك، عن أبي إسحاق، عن عامر بن سعد قال: "دخلت علي قرظة ابن كعب وعلي أبي مسعود الأنصاري وثابت بن زيد رضي الله عنهم وعندهم جواري يغنين، فقلت: أتفعلون هذا وأنتم
(1) سورة الأنعام، آية:[164].
أصحاب محمَّد صلى الله عليه وسلم؟! قالوا: إن كنت تسمع وإلا فامش؛ فإن رسول الله عليه السلام رخص في اللهو عند العرس، وفي البكاء عند الموت".
ش: لما أجاب عن حديث عبد الله بن عمر بحديث عائشة رضي الله عنها أجاب ثانيًا بحديث آخر عن عائشة أيضًا روي عنها بوجه آخر، وفيه الجواب أيضًا عن حديث عبد الله بن عمر، وحديث آخر أيضًا عن ثلاثة من الصحابة رضي الله عنهم.
أما حديث عائشة فأخرجه بإسناد صحيح، عن ربيع بن سليمان المؤذن، عن عبد الله بن وهب، عن عبد الرحمن بن أبي الزناد -واسم أبي الزناد عبد الله بن ذكوان.
فإن قيل: عبد الرحمن فيه كلام.
قلت: قال يحيي بن معين: أثبت الناس في هشام بن عروة: عبد الرحمن بن أبي الزناد.
وأخرجه مسلم (1): ثنا خلف بن هشام وأبو الربيع الزهراني، جميعًا عن حماد -قال:[خلف](2)، ثنا حماد بن زيد- عن هشام بن عروة، عن أبيه قال:"ذكر عند عائشة قول ابن عمر: الميت يعذب ببكاء أهله عليه، فقالت: يرحم الله أبا عبد الرحمن سمع شيئًا فلم يحفظ، إنما مرت علي رسول الله عليه السلام جنازة يهودي، وهم يبكون عليه، فقال: أنتم تبكون وأنه ليعذب".
ثنا أبو كريب (3) قال: ثنا أبو أسامة، عن هشام، عن أبيه قال: "ذكر عند عائشة رضي الله عنها أن ابن عمر يرفع إلى النبي عليه السلام أن الميت يعذب في قبره ببكاء أهله، فقالت: وَهِلَ، إنما قال رسول الله عليه السلام: إنه ليعذب بخطيئته أو بذنبه وإن أهله ليبكون عليه الآن، وذلك مثل قوله: إن رسول الله عليه السلام قائم على القليب يوم بدر
(1)"صحيح مسلم"(2/ 642 رقم 931).
(2)
في "الأصل، ك": "ثنا خلف"، و"ثنا" زائدة، وليست في "صحيح مسلم".
(3)
"صحيح مسلم"(2/ 643 رقم 932).
وفيه قتلي بدر من المشركين فقال لهم ما قال: إِنهِم ليسمعون ما أقول، وقد وَهِلَ، إنما قال: ليعلمون أنما كنت أقول لهم حق، ثم قرَأَتْ:{إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى} (1){وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ} (2) يقول: حتى تبوءوا مقاعدهم من النار".
وله رواية أخري (3) وفيها: "يغفر الله لأبي عبد الرحمن، أَمَا إنه [لم يكذب] (4)، ولكنه نسي أو أخطأ".
والحديث أخرجه أبو داود (5) والنسائي (6) أيضًا.
وقال القاضي عياض: وقد قيل: معني قوله عليه السلام: "إنه ليعذب ببكاء أهله عليه" أنه يعذب بسماع بكاء أهله ويرق لهم، وقد جاء هذا مفسرًا في حديث قبله حين بكت امرأة عند ذكرها موت أبيها، فزجرها النبي عليه السلام ثم قال:"إن أحدكم إذا بكى استعبر له صويحبه، فيا عباد الله لا تعذبوا إخوانكم" وإلى هذا نحى الطبري وغيره، وهو أولى ما يقال فيه؛ لتفسير النبي عليه السلام في هذا الحديث ما أبهمه في غيره، ويندفع به الاعتراض بقوله تعالي:{وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} (7).
وأما حديث الثلاثة من الصحابة وهم: قرظة بن كعب بن ثعلبة بن عمرو بن كعب بن الإطنابة الأنصاري الخزرجي حليف بني عبد الأشهل.
وأبو مسعود الأنصاري اسمه عقبة بن عمرو.
وثابت بن يزيد بن وديعة الأنصاري، ويقال: ثابت بن زيد بن وديعة، ويقال: ثابت بن وديعة، أبو سعد المدني، له ولأبيه صحبة.
(1) سورة النمل، آية:[80].
(2)
سورة فاطر، آية:[22].
(3)
"صحيح مسلم"(2/ 642 رقم 932).
(4)
في "الأصل، ك": "ليعذب"، وهو تحريف، والمثبت من "صحيح مسلم".
(5)
"سنن أبي داود"(2/ 211 رقم 3129).
(6)
"المجتبى"(4/ 17 رقم 1855).
(7)
سورة الأنعام، آية:[164].
فأخرجه عن فهد بن سليمان، عن يحيي بن عبد الحميد الحماني الكوفي الثقة، عن شريك بن عبد الله النخعي، عن أبي إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي، عن عامر بن سعد البجلي الكوفي -من رجال مسلم.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه"(1): ثنا وكيع، ثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عامر بن سعد البجلي، عن أبي مسعود وثابت بن زيد وقرظة بن كعب، قالوا:"رُخِّص لنا في البكاء على الميت في غير نوح".
ثنا (2) شريك، عن أبي إسحاق، عن عامر بن سعد قال:"دخلت علي أبي مسعود وقرظة بن كعب فقالا: إنه رُخِّص لنا في البكاء عند المصيبة".
ص: فإن قال قائل: فقد [روي عن](3) رسول الله عليه السلام أن الميت يعذب في قبره بنياحة أهله عليه، وذكر ما حدثنا علي بن معبد، قال: ثنا يزيد بن هارون، قال: أنا سعيد بن عبيد أبو الهذيل الطائي، عن علي بن ربيعة قال:"نيح علي قرظة بن كعب، فخطب المغيرة بن شعبة رضي الله عنه فقال: "ما بال النياحة في هذه الأمة؟! إني سمعت رسول الله عليه السلام يقول: إن كذبًا عليّ ليس ككذب علي أحد، من كذب عليّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار، ومن نيح عليه عذب ما نيح عليه -أو بما نيح عليه".
قيل له: هذا عندنا -والله أعلم- على النياحة التي كانوا يوصون بها أهليهم، فتكون مفعولة بعدهم بوصيتهم بها في حياتهم، فيعذبون علي ذلك.
ش: تقرير السؤال أن يقال: إنكم قد أوَّلتم حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، وقلتم: إن عائشة قد أنكرت حديثه، ونسبته تارة إلى الوهم، وتارة إلى النسيان، وتارة إلى الخطأ، وأوَّلت حديثه بما ذكرنا من التأويلات، فما تقولون فيما روى
(1)"مصنف ابن أبي شيبة"(3/ 64 رقم 12133).
(2)
"مصنف ابن أبي شيبة"(3/ 64 رقم 12134).
(3)
تكررت في "الأصل".
المغيرة بن شعبة رضي الله عنه، وهو مثل ما رواه عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، والحال أنه سالم عن نسبته إلى الوهم أو النسيان؟ فدل علي أن البكاء حرام مطلقًا وأن الميت يعذب به.
وأخرجه بإسناد صحيح، عن علي بن معبد بن نوح المصري، عن يزيد بن هارون الواسطي، عن سعيد بن عبيد الطائي أبي الهذيل الكوفي، روى له الجماعة سوى ابن ماجه، عن علي بن ربيعة الوالبي الكوفي، روى له الجماعة.
وأخرجه مسلم (1): ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: ثنا وكيع، عن سعيد بن عبيد الطائي ومحمد بن قيس، عن علي بن ربيعة قال:"أول من نيح عليه بالكوفة قرظة بن كعب، فقال المغيرة بن شعبة: سمعت رسول الله عليه السلام يقول: من نيح عليه فإنه يعذب بما نيح عليه يوم القيامة".
قوله: "فليتبوأ مقعده" أي لينزل منزله من النار، يقال: بوأه الله منزلًا أي: أسكنه، وتبوأت منزلًا أي اتخذته، والمباءة: المنزل.
قوله: "ومن نيح عليه" من النياحة.
قوله: "ما نيح عليه" أي ما دام النوح عليه، فكلمة "ما" بمعنى المدة. قوله:"أو بما نيح عليه" شك من الراوي، أي أو بسبب النوح عليه، والباء للسببية، وكلمة "ما" مصدرية.
قوله: "قيل له: هذا عندنا. ." إلى آخره. جواب السؤال المذكور، وهو ظاهر.
(1)"صحيح مسلم"(2/ 643 رقم 933).