الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ص: باب: وضع إحدي الرجلين على الأخري
ش: أي هذا باب في بيان حكم وضع إحدى الرجلين على الأخرى في حالة الاضطجاع.
ص: حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا سفيان، قال: ثنا أبو الزبير، عن جابر رضي الله عنه:"أن رسول الله عليه السلام كره أن يضع الرجل إحدى رجليه على الأخرى".
حدثنا يونس، قال: أخبرني شعيب بن الليث، عن أبيه، عن أبي الزبير، عن جابر، عن رسول الله عليه السلام مثله، وزاد:"وهو مضطجع".
حدثنا سليمان بن شعيب، قال: ثنا عبد الرحمن بن زياد (ح).
وحدثنا محمَّد بن خزيمة، قال: ثنا حجاج بن المنهال، قالا: ثنا حماد بن سلمة، عن أبي الزبير، عن جابر، عن النبي عليه السلام مثله.
حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا المقدمي، قال: ثنا المعتمر، عن أبيه، عن خداش، عن أبي الزبير، عن جابر عن النبي عليه السلام مثله.
ش: هذه خمس طرق:
الأول: إسناده صحيح، عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي حذيفة موسي بن مسعود النهدي، عن سفيان الثوري، عن أبي الزبير محمَّد بن مسلم بن تدرس المكي.
وأخرجه مسلم (1) بأتم منه: ثنا قتيبة، قال: ثنا ليث.
وثنا ابن رمح، قال: أنا الليث، عن أبي الزبير، عن جابر:"أن رسول الله عليه السلام نهى عن اشتمال الصماء، والاحتباء في ثوب واحد، وأن يرفع الرجل إحدى رجليه على الأخرى وهو مستلق علي ظهره".
الثاني: أيضًا صحيح، عن يونس بن عبد الأعلي، عن شعيب بن الليث، عن
(1)"صحيح مسلم"(3/ 1661 رقم 2099).
أبيه الليث بن سعد، عن أبي الزبير محمَّد بن مسلم، عن جابر.
وأخرجه أبو داود (1): عن قتيبة، عن الليث.
وعن موسي [عن](2) حماد، جميعًا عن أبي الزبير نحوه.
الثالث: أيضًا صحيح، عن سليمان بن شعيب، عن عبد الرحمن بن زياد الرصاصي، عن حماد بن سلمة، عن أبي الزبير محمَّد بن مسلم، عن جابر.
الرابع: أيضًا صحيح، عن محمَّد بن خزيمة، عن حجاج بن المنهال، عن حماد. . . . إلى آخره.
وأخرجه أحمد في "مسنده"(3).
الخامس: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن محمَّد بن أبي بكر المقدمي شيخ البخاري ومسلم، عن المعتمر بن سليمان بن طرخان البصري الثقة، عن أبيه سليمان بن طرخان البصري الثقة، عن خِداش -بكسر الخاء المعجمة وبالدال المهملة وفي آخره شين معجمة- ابن عياش العبدي البصري، وثقة ابن حبان، وقال الترمذي (4): خداش هذا لا يعرف من هو، وأخرجه من حديثه عن عبيد بن أسباط ابن محمَّد القرشي، عن أبيه، عن سليمان التيمي، عن خداش، عن أبي الزبير، وقال: حديث صحيح، ولا نعرف خداشًا من هو.
ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا أمية بن بسطام، قال: ثنا يزيد بن زريع، عن روح بن القاسم، عن عمرو بن دينار، عن أبي بكر بن حفص، عن أبي هريرة، عن رسول الله عليه السلام:"أنه نهى أن يثني الرجل إحدى رجليه على الأخرى".
ش: إسناده صحيح، وأمية بن بسطام بن المنتشر العيشي البصري شيخ البخاري ومسلم.
(1)"سنن أبي داود"(4/ 267 رقم 4865).
(2)
في "الأصل، ك": "بن"، وهو تحريف، وفي "سنن أبي داود": وثنا موسي بن إسماعيل، ثنا حماد، عن أبي الزبير.
(3)
"مسند أحمد"(3/ 349 رقم 14812).
(4)
"جامع الترمذي"(5/ 96 رقم 2766).
وأبو بكر بن حفص اسمه عبد الله بن حفص بن عمر بن سعد بن أبي وقاص.
ص: قال أبو جعفر رحمه الله: فكره قوم وضع إحدى الرجلين على الأخرى لهذه الآثار، واحتجوا في ذلك أيضًا بما حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا وهب، قال: ثنا شعبة، عن واصل، عن أبي وائل قال:"كان الأشعث وجرير بن عبد الله وكعب قعودًا، فوضع الأشعث إحدى رجليه على الأخرى وهو قاعد، فقال له كعب بن عجرة: ضُمَّها؛ فإنه لا يصلح لبشر".
ش: أراد بالقوم هؤلاء: محمَّد بن سيرين، ومجاهدًا، وطاوسًا، وإبراهيم النخعي؛ فإنهم قالوا: يكره وضع إحدى الرجلين على الأخرى، وروي ذلك عن ابن عباس وكعب بن عجرة.
قوله: "واحتجوا في ذلك" أي احتج هؤلاء القوم أيضًا فيما ذهبوا إليه بما أخرجه بإسناد صحيح عن ابن مرزوق، عن وهب بن جرير، عن شعبة، عن واصل بن حيان الأحدب، عن أبي وائل شقيق بن سلمة قال: "كان الأشعث بن قيس بن معدي كرب بن معاوية الكندي، وكان قد وفد إلى النبي عليه السلام سنة عشر من الهجرة في وفد كندة وكانوا ستين راكبًا فأسلموا، وشهد اليرموك بالشام ففقئت عينه، ثم سار إلى العراق فشهد القادسية، والمدائن، وجلولاء، ونهاوند، وسكن الكوفة وابتنى بها دارًا، وشهد صفين مع علي رضي الله عنه وكان ممن ألزم عليًّا رضي الله عنه بالتحكيم، وشهد الحكمين بدومة الجندل، وكان عثمان رضي الله عنه قد استعمله علي أذربيجان، وكان الحسن بن علي رضي الله عنهما تزوج ابنته، فقيل هي التي سقت الحسن السم فمات منه، وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أحاديث. روى عنه: قيس بن أبي حازم وأبو وائل وغيرهما، توفي سنة ثنتين وأربعين، وصلي عليه الحسن بن علي رضي الله عنهما.
وأخرج بن أبي شيبة في "مصنفه": ثنا وكيع، عن إسماعيل، عن واصل:"أن جريرًا جلس ووضع إحدى رجليه على الأخرى، فقال له كعب: ضُمَّها؛ فإن هذا لا يصلح لبشر".
ص: وخالفهم في ذلك آخرون فلم يروا بذلك بأسًا، واحتجوا في ذلك بما روي
عن رسول الله عليه السلام: حدثنا يونس، قال: ثنا سفيان، عن الزهري، عن عباد بن تميم، عن عمه قال:"رأيت النبي عليه السلام مستلقيًا في المسجد، واضعًا إحدى رجليه على الأخرى".
حدثنا روح بن الفرج، قال: ثنا عبد الرحمن بن يعقوب بن أبي عباد، قال: ثنا سفيان، قال: ثنا الزهري، قال: ثنا عباد بن تميم، عن عمه عبد الله بن زيد، عن النبي عليه السلام مثله.
حدثنا يزيد بن سنان، قال ثنا أبو بكر الحنفي، قال: ثنا ابن أبي ذئب، قال: ثنا الزهري، قال حدثني عباد بن تميم، عن عمه، عن النبي عليه السلام مثله.
حدثنا يونس، قال: أنا وهب، قال: حدثني مالك بن أنس ويونس، عن ابن شهاب، عن عباد بن تميم، عن عمه، عن رسول الله عليه السلام بمثله.
حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا عثمان بن عمر، قال: أنا مالك، عن ابن شهاب. . . . فذكر بإسناده مثله.
حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا حجاج، قال: ثنا عبد العزيز بن عبد الله الماجشون (ح).
وحدثنا علي بن عبد الرحمن، قال: ثنا علي بن الجعد، قال: ثنا عبد العزيز بن عبد الله، عن ابن شهاب، قال: حدثني محمود بن لبيد، عن عباد بن تميم، عن عمه، عن النبي عليه السلام مثله.
ش: أي خالف القومَ المذكورين جماعةٌ آخرون، وأراد بهم: الحسن البصري، والشعبي، وسعيد بن المسيب، وأبا مجلز، ومحمد بن الحنفية؛ فإنهم قالوا: لا بأس بوضع إحدي الرجلين على الأخرى، وروي ذلك عن أسامة بن زيد، وعبد الله بن عمر، وأبيه عمر بن الخطاب، وعثمان ، وعبد الله بن مسعود، وأنس بن مالك رضي الله عنهم.
قوله: "واحتجوا في ذلك" أي احتج هؤلاء الآخرون فيما ذهبوا إليه بحديث عبد الله بن زيد بن عاصم الأنصاري.
وأخرجه من سبع طرق صحاح:
الأول: عن يونس بن عبد الأعلي، عن سفيان بن عيينة، عن محمَّد بن مسلم الزهري، عن عباد بن تميم، عن عمه عبد الله بن زيد الأنصاري.
وأخرجه مسلم (1): عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن ابن عيينة، عن الزهري .. إلى آخره نحوه.
الثاني: عن روح بن الفرج القطان شيخ الطبراني، عن عبد الرحمن بن يعقوب بن أبي عباد العبدي البصري، عن سفيان الثوري، عن محمَّد بن مسلم الزهري. . . . إلى آخره.
وأخرجه الترمذي (2): عن سعيد بن عبد الرحمن، عن سفيان، عن الزهري .. إلي آخره نحوه.
الثالث: عن يزيد بن سنان القزاز، عن أبي بكر عبد الكبير بن عبد المجيد الحنفي، عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب، عن محمد بن مسلم الزهري .. إلي آخره.
الرابع: عن يونس بن عبد الأعلي، عن عبد الله بن وهب، عن مالك بن أنس ويونس بن يزيد الأيلي، كلاهما عن محمَّد بن مسلم الزهري .. إلى آخره.
وأخرجه أبو داود (3): عن النفيلي والقعنبي، جميعًا عن مالك .. إلى آخره نحوه.
الخامس: عن إبراهيم بن مرزوق، عن عثمان بن عمر بن فارس، عن مالك .. إلي آخره.
وأخرجه النسائي: عن قتيبة، عن مالك نحوه.
السادس: عن محمَّد بن خزيمة، عن حجاج بن منهال، عن عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون المدني، عن الزهري، عن محمود بن لبيد بن عقبة بن
(1)"صحيح مسلم"(3/ 1662 رقم 2100).
(2)
"جامع الترمذي"(5/ 95 رقم 2765).
(3)
"سنن أبي دواد"(4/ 267 رقم 4866).
رافع الأشهلي المدني -المختلف في صحبته- عن عباد بن تميم، عن عمه عبد الله بن زيد بن عاصم.
وأخرجه الطبراني في "الكبير"(1): ثنا علي بن عبد العزيز، ثنا حجاج بن منهال وأحمد بن يونس، قالا: ثنا عبد العزيز بن أبي سلمة، عن ابن شهاب، عن محمود ابن لبيد، عن عباد بن تميم، عن عمه عبد الله بن زيد:"أنه رأى رسول الله عليه السلام مستلقيًا ثم ينصب إحدى رجليه ثم يُعرض عليها الأخري".
السابع: عن علي بن عبد الرحمن، عن علي بن الجعد بن عبيد الجوهري شيخ البخاري وأبي داود، عن عبد العزيز بن عبد الله الماجشون، عن الزهري .. إلى آخره.
ص: قالوا: فهذه الآثار قد جاءت عن رسول الله عليه السلام بإباحة ما منعت منه الآثار الأُول.
ش: أي قال هؤلاء الآخرون: هذه الأحاديث وهي تدل على إباحة وضع إحدى الرجلين على الأخرى وهي تضاد الآثار الأُول ونسختها؛ علي ما يجيء بيانه عن قريب إن شاء الله تعالى.
ص: وأما ما ذكروه مما احتجوا به من قول كعب بن عجرة فإنه قد روي عن جماعة من أصحاب رسول الله عليه السلام خلاف ذلك:
حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، قال: أخبرني مالك ويونس، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب:"أن عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان رضي الله عنهما كانا يفعلان ذلك".
(1) لعله في الجزء المفقود من "المعجم الكبير"، وقد أخرجه ابن أبي حاتم في "العلل" (2/ 267) وقال: سألت أبي وأبا زرعة عن حديث رواه عبد العزيز بن الماجشون. . . . إلي أن قال: فقالا: خالف عبد العزيز الماجشون أصحاب الزهري في ذلك، أدخل فيما بين الزهري وعباد محمود ابن لبيد، ولم يدخله أحد من الحفاظ.
والحديث أخرجه أيضًا علي بن الجعد في "مسنده"(1/ 419 رقم 2862)، وابن عبد البر في "التمهيد" (9/ 204) ثم قال: ولا وجه لذكر محمود بن لبيد في هذا الإسناد وهو من الوهم البين عند أهل العلم.
حدثني ابن مرزوق، قال: ثنا أبو عاصم، عن عبد الله بن عمر، قال: حدثني سالم أبو النضر، قال:"كان أبو بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم يجلس أحدهم متربعًا وإحدى رجليه على الأخرى".
حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو عامر، قال: ثنا عبد الله بن جعفر، عن إسماعيل بن محمَّد، عن سعيد بن عبد الرحمن بن يربوع:"أنه رأى عثمان بن عفان فعل ذلك".
حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب قال: أخبرني عمر بن عبد العزيز، أن محمَّد بن نوفل حدثه:"أنه رأى أسامة بن زيد بن حارثة في مسجد النبي عليه السلام فعل ذلك".
حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، قال: أخبرني أسامة بن زيد الليثي، عن نافع:"أنه رأى ابن عمر يفعل ذلك".
حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو عامر، عن سفيان، عن جابر، عن عبد الرحمن ابن الأسود، عن عبد الرحمن بن يزيد قال: "رأيت عبد الله مضطجعًا بالأراك واضعًا إحدى رجليه على الأخرى وهو يقول: {رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} (1).
حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو عامر، قال: ثنا سفيان، عن عمران بن مسلم، قال:"رأيت أنس بن مالك قاعدًا قد وضع إحدى رجليه على الأخرى".
فقد روينا عن هؤلاء الجلّة، من أصحاب رسول الله عليه السلام وهذا مما لا نصل إلى تثبيته من طريق النظر فنستعمل فيه ما استعملناه في غيره من أبواب هذا الكتاب.
ش: هذا جواب عما احتج به أهل المقالة الأولى من قول كعب بن عجرة المذكور فيما مضي.
وتقرير الجواب: أن يقال: إن كعب بن عجرة إن روي عنه أنه نهى عن وضع إحدى الرجلين على الأخرى، فقد روى عن غيره من الصحابة خلاف ذلك.
(1) سورة يونس، آية:[85].
وأخرج عن جماعة وهم: أبو بكر، وعمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وأسامة بن زيد، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن مسعود، وأنس بن مالك رضي الله عنهم.
أما ما روي عن عمر وعثمان كليهما فأخرجه من طريقين صحيحين:
الأول: عن يونس بن عبد الأعلي، عن عبد الله بن وهب، عن مالك ويونس ابن يزيد الأيلي، كلاهما عن محمَّد بن مسلم الزهري، عن سعيد بن المسيب.
الثاني: فيه عن أبي بكر الصديق أيضًا: عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي عاصم النبيل الضحاك بن مخلد.
عن عبد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب المدني، عن أحمد: ليس به بأس. وعن ابن معين: صويلح. روى له الأربعة، ومسلم مقرونًا بغيره.
وأما ما روي عن عثمان وحده: فأخرجه عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي عامر عبد الملك بن عمرو العقدي، عن عبد الله بن جعفر عبد الرحمن بن المسور بن مخرمة روى له الجماعة، البخاري مستشهدًا، عن إسماعيل بن محمد بن سعد بن أبي وقاص، روى له الجماعة إلا أبا داود، عن سعيد بن عبد الرحمن بن يربوع المخزومي:"أنه رأى عثمان رضي الله عنه".
وأما ما روي عن أسامة بن زيد، فأخرجه بإسناد صحيح: عن يونس بن عبد الأعلي، عن عبد الله بن وهب، عن يونس بن يزيد الأيلي، عن محمَّد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن عمر بن عبد العزيز -أحد الخلفاء الراشدين- عن محمَّد بن نوفل بن الحارث الهاشمي، وثقه ابن حبان. . . . إلى آخره.
وأما ما روي عن ابن عمر، فأخرجه أيضًا بإسناد صحيح: عن يونس، عن ابن وهب، عن أسامة بن زيد الليثي، روول له الجماعة البخاري مستشهدًا، عن نافع، عن عبد الله بن عمر.
وأما ما روي عن عبد الله بن مسعود: فأخرجه عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي عامر عبد الملك بن عمرو، عن سفيان الثوري، [عن](1) جابر بن يزيد
(1) تكررت في "الأصل".
الجعفي، فيه مقال كثير، عن عبد الرحمن بن الأسود بن يزيد النخعي الكوفي، روى له الجماعة، قال:"رأيت عبد الله -يعني ابن مسعود".
وأما ما روي عن أنس بن مالك فأخرجه بإسناد صحيح: عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي عامر عبد الملك بن عمرو، عن سفيان الثوري، عن عمران بن مسلم المنقري أبي بكر البصري القصير، روى له الجماعة سوى ابن ماجه.
وقد روى ابن أبي شيبة هذه الآثار في "مصنفه"(1): ثنا وكيع عن عبد العزيز الماجشون، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب:"أن عمر وعثمان كانا يفعلانه".
ثنا يحيي (2) بن سعيد، عن محمد بن عجلان، عن يحيي بن عبد الله بن مالك، عن أبيه قال:"دخل عليَّ عمر رضي الله عنه -أو رآه- مستلقيًا واضعًا إحدى رجليه على الآخرى".
ثنا (3) مروان بن معاوية، عن سفيان بن حسين، عن الزهري، عن عمر بن العزيز، عن عبد الله بن عبد الله بن الحارث:"أنه رأى أسامة بن زيد جالسًا واضعًا إحدى رجليه على الأخرى".
ثنا وكيع (4)، عن أسامة، عن نافع قال:"كان ابن عمر يضطجع فيضع إحدي رجليه على الأخرى".
ثنا (5) أبو أسامة، عن أسامة، عن نافع قال:"كان ابن عمر يستلقي علي قفاه، ويضع إحدى رجليه على الأخرى، لا يرى بذلك بأسًا، ويفعله وهو جالس لا يرى بذلك بأسًا".
(1)"مصنف ابن أبي شيبة"(5/ 227 رقم 25513).
(2)
"مصنف ابن أبي شيبة"(5/ 227 رقم 25507).
(3)
"مصنف بن أبي شيبة"(5/ 227 رقم 25508).
(4)
"مصنف ابن أبي شيبة"(5/ 227 رقم 25509).
(5)
"مصنف ابن أبي شيبة"(5/ 227 رقم 25510).
ثنا وكيع (1)، عن سفيان، عن جابر، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن عمه قال: "رأيت ابن مسعود مستلقيًا، واضعًا إحدى رجليه على الأخرى وهو يقول:{رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} (2).
ثنا (3) ابن مهدي، عن سفيان، عن عمران -يعني ابن مسلم- قال:"رأيت أنسًا رضي الله عنه واضعًا إحدى رجليه على الأخرى".
قوله: "بالأراك" بفتح الهمزة والراء وبعد الألف كاف، قال البكري:"الأراك" بفتح أوله علي لفظ جمع أراكة موضع بعرفة، وروى مالك (4)، عن علقمة بن أبي علقمة، عن أمه:"أن عائشة رضي الله عنها كانت تنزل من عرفة بنمرة، ثم تحول إلى الأراك"، والأراك من مواقف عرفة من ناحية الشام، ونمرة من مواقف عرفة من ناحية اليمن.
ص: ولكن لما روينا عن رسول الله عليه السلام ما وصفنا في الفصل المتقدم، وروي عن كعب بن عجرة أنها لا تصلح لبشر، فكان معنى ذلك عندنا -والله أعلم- أنها لا تصلح لبشر لنهي رسول الله عليه السلام عنها، لأنه لا يصلح لبشر أن يخالف رسول الله عليه السلام ثم قد جاء ما قد ذكرناه في الفصل الثاني من إباحتها باستعمال رسول الله عليه السلام إياها، فاحتمل أن يكون أحد الأمرين قد نسخ الآخر، فلما وجدنا أبا بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم وهم الخلفاء الراشدون المهديون -علي قربهم من رسول الله عليه السلام وعلمهم بأمره قد فعلوا ذلك من بعده بحضرة أصحابه جميعًا، وفيهم الذي حدَّث بالحديث الأول عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الكراهة، فلم ينكر ذلك أحد منهم، ثم فعله عبد الله بن مسعود وابن عمر وأسامة بن زيد وأنس بن مالك رضي الله عنهم فلم ينكره عليهم منكر.
(1)"مصنف ابن أبي شيبة"(5/ 227 رقم 25514).
(2)
سورة يونس، آية:[85].
(3)
"مصنف ابن أبي شيبة"(5/ 227 رقم 25515).
(4)
"موطأ مالك"(1/ 338 رقم 750) بأتم منه.
ثبت بذلك أن هذا هو ما عليه أهل العلم من هذين الخبرين المرفوعين، وبطل بذلك ما خالفه؛ لما ذكرنا وبَيَّنَّا.
ش: هذا استدراك ليُبَيِّن أيَّ الأحاديث من أحاديث الفصلين العمل عليه؟ وهو ظاهر.
قوله: "قد فعلوا ذلك" أي وضع إحدى الرجلين على الأخرى "من بعده" أي من بعد النبي عليه السلام.
قوله: "وفيهم" أي والحال أن في الصحابة "الذي حدث بالحديث الأول عن النبي عليه السلام" وهو جابر بن عبد الله، وأبو هريرة رضي الله عنهم.
ص: وقد روي عن الحسن في ذلك ما يدل علي غير هذا المعنى:
حدثنا سليمان بن شعيب، قال: ثنا خالد بن نزار الأيلي، قال: حدثني السَّري بن يحيي، قال: ثنا عُقَيل، قال:"قيل للحسن: قد كان يكره أن يضع الرجل إحدى رجليه على الأخرى؟ فقال الحسن: ما أخذوا ذلك إلا عن اليهود".
فيحتمل أن يكون كان من شريعة موسى - علية السلام- كراهة هذا الفعل، فكانت اليهود علي ذلك، فأمر رسول الله عليه السلام باتباع ما كانوا عليه؛ لأن حكمه أن يكون علي شريعة النبي الذي كان قبله، حتى يحدث الله له شريعة تنسخ شريعته، ثم أمر رسول الله عليه السلام بخلاف ذلك، وبإباحة ذلك الفعل لما أباح الله عز وجل له ما قد كان حظره علي من كان قبله.
ش: أي: قد روي عن الحسن البصري في حكم وضع إحدى الرجلين على الأخرى خلاف ما ذكره من المعنى المذكور فيما مضى.
أخرج ذلك عن سليمان بن شعيب، خالد بن نزار الأيلي، وثقه ابن حبان، ونسبته إلى مدينة أيلة علي ساحل بحر الطور.
عن السَّري بن يحيي بن إياس الشيباني البصري، وثقه يحيي بن معين، وأبو زرعة. عن عقيل -بضم العين- بن خالد الأيلي، روي له الجماعة، قال:"قيل للحسن البصري: قد كان يكره. ." إلى آخره.
قوله: "ما أخذوا ذلك" أي وضع إحدي الرجلين على الأخري.
قوله: "فيحتمل أن يكون كان من شريعة موسى عليه السلام. ." إلي آخره. بيان هذا الكلام: أنه يحتمل أن يكون كان وضع إحدى الرجلين على الأخرى مكروهًا في شريعة موسى عليه السلام وكانت اليهود علي ذلك يعني علي كراهته فأمر رسول الله عليه السلام باتباع ما كانوا عليه أي بأن يتبع شريعة من كان قبله؛ لقوله تعالى: {فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ} (1)، وكان الحكم أن يكون عليه السلام علي شريعة من قبله حتى يقص الله عليه بالإنكار، فينسخ ذلك بتجديد شريعة له، وهذا هو الذي قاله أصحابنا الأصوليون: شرائع من قبلنا تلزمنا حتى يقص الله علينا بالإنكار، وقد كان عليه السلام نهى عن ذلك؛ اتباعًا لشريعة موسى عليه السلام، ثم أمره الله تعالى بخلاف ذلك وبإباحة ذلك الفعل حين أباح الله له ما قد كان حظره -أي حرمه- علي من كان قبله.
فإذا كان كذلك؛ ثبت انتساخ الأحاديث التي احتجت بها أهل المقالة الأولى، وقد روي عن أبي مجلز لا حق بن حميد، وعكرمة ما روي في ذلك عن الحسن البصري.
قال: ابن أبي شيبة في "مصنفه"(2): ثنا يزيد بن هارون، عن العوام، عن الحكم قال:"سألت أبا مجلز عن الرجل يجلس فيضع إحدي رجليه على الأخري، فقال: لا بأس به، إنما هو شيء كرهته اليهود قالوا: إن الله عز وجل خلق السماوات والأرض في ستة أيام، ثم استوى يوم السبت فجلس تلك الجلسة".
ثنا (3) وكيع، ثنا إسرائيل، عن جابر، عن عكرمة قال:"إنما ينهي عن ذلك أهل الكتاب".
ص: وقد روي عن الحسن خلاف ذلك أيضًا:
حدثنا ابن خزيمة، قال: ثنا حجاج، قال ثنا حماد، عن حميد، عن الحسن: "أنه
(1) سورة الأنعام، آية:[90].
(2)
"مصنف ابن أبي شيبة"(5/ 228 رقم 25516).
(3)
"مصنف ابن أبي شيبة"(5/ 227 رقم 25511).
كان يفعله -يعني وضع إحدى الرجلين على الأخرى- وقال: إنما كره ذلك أن يفعله بين يدي القوم؛ مخافة أن ينكشف"
ش: وقد روي عن الحسن البصري خلاف ما ذكر عنه أولًا.
أخرجه بإسناد صحيح، عن محمد بن خزيمة، عن حجاج بن منهال، عن حماد بن سلمة عن حميد الطويل، عن الحسن. . . . إلي آخره.
والحاصل أن علة كراهة هذا الفعل: هي مخافة انكشاف عورة فاعله، ولكن هذه العلة إنما تكون إذا كان فاعل هذا الفعل بلا سراويل، أو يكون بين القوم، فإذا كان بسراويل أو في خلوة، تنتفي هذه العلة، فافهم.
ص: والوجه الأول عندي أشبه من هذا، ألا تري إلى قول كعب:"إنها لا تصلح لبشر"، فلو كان ذلك للمعنى الذي روي عن الحسن في هذا الحديث لم يقل ذلك كعب، ولكنه إنما قال ذلك لعلمه بنهي رسول الله عليه السلام لما كان عليه من اتباع مَن قبله، ثم نسخ الله عز وجل؛ فلم يعلمه كعب فكان على الأمر الأول، وعلمه غيره فرجع إليه وترك ما تقدمه.
ش: أراد بالوجه الأول ما رواه عن سليمان بن شعيب الكيساني.
وقوله: "أشبه من هذا" أي أقرب إلى المعنى من الوجه الثاني الذي أخرجه عن محمَّد بن خزيمة، ثم أوضح وجه ذلك بقوله:"ألا ترى إلي قوله كعب"، وهو كعب بن عجرة رضي الله عنه وهو ظاهر. الله أعلم.