الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ص: باب أكل لحم الفرس
ش: أي هذا باب في بيان أكل لحم الفرس هل يجوز أم لا؟
واشتقاق الفرس من الفَرْس وهو الكسر والدقّ ومنه فرس الأسد فريسته يَفْرِسُها فرسًا، وافترسها أي دق عنقها.
قال الجوهري: وأصل الفرس هذا، ثم استعمل حتى صير كل خيل فرسًا، وقد نهي عن الفرس في الذبح وهو كسر عظم الرقبة قبل أن يبرد.
ثم الفرس يقع على الذكر والأنثى، ولا يقال للأنثى فرسة، ويجمع على أفراس، وراكبه فارس مثل لابن وتامر، أي صاحب فرس، ويجمع على فوارس، وهو شاذ لا يقاس عليه؛ لأن فواعل جمع فاعلة.
وذكر أبو عبيدة في كتاب "الديباجة" في صفات الخيل أنها جماعة الأفراس لا واحد له من لفظه.
وقيل: واحدها خايل لأنه يختال في مشيته.
وقال ابن سيدة في "المخصص": هو على هذا الاسم للجمع عند سيبويه، وجمع عند أبي الحسن، وقال في "المحكم": وليس هذا بمعروف وقول أبي ذؤيب فتنازلا وتواقف خيلاهما وكلاهما يبطل اللقاء مخدع ثناها على قولهم: هما لقاحان أسودان وحمالان والجمع أخيال وخيول.
الأول: عن ابن الأعرابي، والأخرى أشهر وأعرف.
ص: حدثنا ربيع الجيزى، قال: ثنا نعيم (ح). وحدثنا عبد الرحمن بن عمرو الدمشقي، قال: ثنا يزيد بن عبد ربه وخالد بن خلي، قالوا: ثنا بقية بن الوليد، عن ثور بن يزيد، عن صالح بن يحيى بن المقدام، عن أبيه، عن جده، عن خالد بن الوليد رضي الله عنه أن رسول الله عليه السلام نهى عن لحوم الخيل والبغال والحمير.
ش: هذان طريقان:
الأول: عن ربيع بن سليمان الجيزى الأعرج شيخ أبي داود والنسائي، عن نعيم بن حماد المروزي الفارض الأعور شيخ البخاري في المقرنات، وثقة يحيى وأحمد، عن بقية بن الوليد بن صائد الكلاعي الحمصي، قال العجلي: ثقة فيما روى عن المعروفين. قال الذهبي: قال غير واحد: كان مدلسًا فإذا قال: "عن" فليس بحجة. روى له البخاري مستشهدا ومسلم في المتابعات.
عن ثور بن يزيد الكلاعي الحمصي روى له الجماعة سوى مسلم، عن صالح بن يحيى بن المقدام الكندي الشامي، وثقة ابن حبان وروى له هؤلاء.
عن أبيه يحيى بن المقدام الكندي الحمصي، وثقة ابن حبان وروى له هؤلاء.
عن جده المقدام بن معدي كرب الكندي الصحابي، عن خالد بن الوليد رضي الله عنه.
وأخرجه أبو داود (1): ثنا سعيد بن شبيب وحيوة بن شريح -قال حيوة-: ثنا بقية، عن ثور بن يزيد، عن صالح بن يحيى بن المقدام بن معدي كرب، عن أبيه، عن جده، عن خالد بن الوليد: "أن رسول الله عليه السلام نهى عن أكل لحوم الخيل والبغال والحمير -زاد حيوة- وكل ذي ناب من السباع.
الثاني: عن عبد الرحمن بن عمرو الدمشقي الحافظ الكبير، شيخ أبي داود والطبراني، عن يزيد بن عبد ربه الزبيدى الحمصي المؤذن، قال يحيى: ثقة صاحب حديث روى له مسلم والنسائي وابن ماجه.
عن خالد بن حلي الكلاعي الحمصى القاضي قال البخاري: صدوق. وقال النسائي: ليس به بأس. وروى له، وكلاهما يرويان عن بقية بن الوليد. . . . إلى آخره.
وأخرجه النسائي (2) وابن ماجه (3).
(1)"سنن أبي داود"(3/ 352 رقم 3790).
(2)
"المجتبى"(7/ 202 رقم 4331).
(3)
"سنن ابن ماجه"(2/ 1066 رقم 3198).
فإن قيل: ما حكم هذا الحديث؟
قلت: صحيح ولهذا لم يتعرض إليه أبو داود غير قوله: وهذا منسوخ.
وقال النسائي: ويشبه إن كان هذا صحيحًا أن يكون منسوخًا؛ لأن قوله: "أذن في لحوم الخيل"، دليل على ذلك.
وقال البيهقي: هذا الحديث لا يثبت، وأخرجه من الطريق المذكور.
ثم أخرجه من طريق آخر من حديث الدارقطني وفيه: "نهي يوم خيبر" ثم قال: ورواه محمَّد بن حمير، عن ثور، عن صالح، سمع حده المقدام.
ورواه عمر بن هارون البلخي، عن ثور، عن يحيى بن المقدام، عن أبيه، عن خالد. فهذا إسناده مضطرب.
ثم ذكر عن البخاري أنه قال: صالح بن يحيى فيه نظر. وعن موسى بن هارون قال: لا يعرف صالح بن يحيى ولا أبوه إلا بجده، وهذا ضعيف.
قال: وزعم الواقدي أن خالدًا أسلم بعد فتح خيبر.
قلت: قد ذكرنا أن أبا داود سكت عنه، فهو حسن عنده، وقد صرح النسائي في روايته بتحديث بقية عن ثور فقال: أنا إسحاق بن إبراهيم، أخبرني بقية، أخبرني ثور بن يزيد، عن صالح. . . . إلى آخره.
وعن العجلي: أن بقية ثقة يروي عن المعروفين. وثور بن يزيد أخرج له البخاري وغيره.
وأيضًا فبقية إذا خرج بالحديث عن ثقة كان السند حجة، وبقية الرواية ثقات.
وأما خالد رضي الله عنه فقد اختلف في وقت إسلامه، فقيل: بعد الحديبية، وقيل: بل كان إسلامه بين الحديبية وخيبر، وقيل: بل كان إسلامه سنة خمس بعد فراغ رسول الله عليه السلام من بني قريظة، وكانت الحديبية في ذي القعدة سنة ست، وخيبر بعدها سنة سبع.
ولو سُلّم أنه أسلم بعد خيبر فغاية ما فيه أنه أرسل الحديث، ومراسيل الصحابة رضي الله عنه في حكم الموصول المسند لأن روياتهم عن الصحابة كما ذكره ابن الصلاح وغيره.
وأما إثبات الاضطراب في الحديث بعمر بن هارون ومحمد بن حمير فغير مقبول؛ لأن عمر بن هارون متروك ومحمد بن حمير ضعيف، قال يعقوب بن سفيان: ليس بالقوى فكيف توجب رواية مثل هذين اضطرابًا لما رواه إسحاق بن راهوية وغيره عن بقية؟! فافهم.
ص: قال أبو جعفر: فذهب قوم إلى هذا فكرهوا لحوم الخيل، وممن ذهب إلى ذلك: أبو حنيفة رضي الله عنه، واحتجوا في ذلك بهذا الحديث.
ش: أراء بالقوم هؤلاء: مجاهدًا والحسن البصري والحكم بن عتيبة والأوزاعي ومالكًا، فإنهم كرهوا لحوم الخيل، واحتجوا في ذلك بهذا الحديث -يعني حديث خالد بن الوليد رضي الله عنه وروي ذلك عن ابن عباس أيضًا.
فقال الإسماعيلي: نا حامد بن محمد بن شعيب، ثنا سريج بن يونس، نا إسماعيل عن هشام الدستوائي، عن يحيى بن أبي كثير، عن مولى نافع بن علقمة:"أن ابن عباس كان يكره لحوم الخيل".
وهذا إسناد صحيح.
فإن قيل: قال ابن حزم: ما نعلم أحدًا من السلف كره أكل لحم الخيل إلا رواية عن ابن عباس لا تصح؛ لأنها عن مولى نافع بن علقمة وهو مجهول.
قلت: قد جاءت هذه الرواية عن ابن عباس من غير هذا الطريق.
قال أبو بكر بن أبي شيبة (1): ثنا وكيع وعلى بن هاشم، عن ابن أبي ليلى، عن المنهال، عن سعيد بن جبير:"أن ابن عباس كان يكره لحم الخيل".
(1)"مصنف ابن أبي شيبة"(5/ 120 رقم 24318).
وروى ابن حزم من طريق عكرمة بن عمارة، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن جابر:"نهى رسول الله عليه السلام عن لحوم الحمر الأهلية والخيل والبغال وكل ذي ناب من السباع وكل ذى مخلب من الطير، وحرم المجثمة".
ص: وخالفهم في ذلك آخرون فقالوا لا بأس بأكل لحوم الخيل (1) واحتجوا في ذلك بما حدثنا يونس، قال: ثنا علي بن معبد، عن عبيد الله بن عمرو، عن عبد الكريم الجزري، عن عطاء بن أبي رباح عن جابر بن عبد الله قال:"كنا نأكل لحوم الخيل على عهد رسول الله عليه السلام".
حدثنا فهد، قال: ثنا الأصبهاني: قال: أنا شريك، عن عبد الكريم ووكيع، عن سفيان، عن عبد الكريم. . . . فذكر بإسناده مثله.
حدثنا محمَّد بن عمرو، قال: ثنا أبو معاوية، عن هشام بن عروة، عن امرأته فاطمة بنت المنذر، عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما قالت:"نحرنا فرسًا على عهد رسول الله عليه السلام فأكلناه".
وفي هذا الباب آثار قد دخلت في باب النهي عن لحوم الحمر الأهلية فأغنانا ذلك إعادتها.
فذهب قوم إلى هذه الآثار، فأجازوا أكل لحوم الخيل، وممن ذهب إلى ذلك: أبو يوسف ومحمد، واحتجوا في ذلك بتواتر الآثار في ذلك وتظاهرها، ولو كان ذلك مأخوذا من طريق النظر لما كان بين الخيل الأهلية والحمر الأهلية فرق، ولكن الآثار عن النبي عليه السلام إذا صحت وتواترت أولى أن يقال بها مما يوجبه النظر ولاسيما وقد أخبر جابر بن عبد الله في حديثه أن رسول الله عليه السلام أباح لحم لحوم الخيل في وقت منعه إياهم من لحوم الحمر، فدل ذلك على اختلاف حكم لحمها.
ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: سعيد بن جبير وعطاء بن أبي رباح وإبرهيم النخعي والثوري والشافعي وطاوس ومحمدًا وأحمد
(1)"المحلى"(7/ 408).
وإسحاق، فإنهم قالوا: لا بأس بأكل لحوم الخيل، واحتجوا في ذلك بحديث جابر وأسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهم.
وأخرج حديث جابر من طريقين صحيحين:
الأول: عن يونس بن عبد الأعلى عن علي بن معبد بن شداد الرقي نزيل مصر، عن عبد الله بن عمرو الرقي، عن عبد الكريم بن مالك الجزري الحراني عن عطاء بن أبي رباح عن جابر بن عبد الله.
وأخرجه البيهقي (1): نحوه من حديث الثوري عن عبد الكريم، عن عطاء بن جابر.
وأخرج البخاري (2): عن مسدد، عن حماد، عن عمرو بن دينار، عن محمَّد ابن علي، عن جابر:"نهى النبي عليه السلام يوم خيبر عن لحوم الحمر، ورخص في لحوم الخيل".
وأخرجه مسلم (3): عن يحيى بن يحيى، عن حماد بن زيد، عن عمرو بن دينار. . . . إلى آخره نحوه.
وأخرجه النسائي (4): عن حسين بن حريث، عن الفضل بن موسى، عن حسين ابن واقد، عن ابن أبي نجيج، عن عطاء، عن جابر قال:"أطعمنا رسول الله عليه السلام يوم خيبر لحوم الخيل، ونهانا عن لحوم الحمر".
الثاني: عن فهد بن سليمان، عن محمَّد بن سعيد الأصبهاني شيخ البخاري، عن شريك بن عبد الله، عن عبد الكريم، عن عطاء.
وقال ابن الأصبهاني أيضًا: عن وكيع، عن سفيان الثوري، عن عبد الكريم، عن عطاء.
(1)"سنن البيهقي الكبرى"(9/ 327 رقم؟؟؟).
(2)
"صحيح البخاري"(5/ 2101 رقم 5201).
(3)
"صحيح مسلم"(3/ 1541 رقم 1941).
(4)
"المجتبى"(7/ 201 رقم 4329).
وأخرجه النسائي (1): عن ابن مثنى، عن عبد الرحمن، عن سفيان، عن عبد الكريم، عن عطاء، عن جابر قال:"كنا نأكل لحم الخيل، قلت البغال؟ قال: لا".
وأما حديث أسماء: فأخرجه بإسناد صحيح، عن محمد بن عمرو، عن أبي معاوية الضرير محمَّد بن خازم، عن هشام بن عروة بن الزبير بن العوام، عن امرأته فاطمة بنت المنذر، عن أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنهم.
وأخرجه البخاري (2) ومسلم (3): من حديث هشام بن عروة، عن فاطمة بنت المنذر، عن أسماء بنت أبي بكر قالت:"أكلنا لحم فرس على عهد النبي عليه السلام بالمدينة".
وروى الشافعي (4): عن سفيان، عن هشام، عن فاطمة بنت المنذر، عن أسماء قالت:"نحرنا فرسًا على عهد النبي عليه السلام فأكلناه".
وقال الدارقطني: روي عن أيوب، عن هشام، عن أسماء مرسل، لم يذكر فاطمة بنت المنذر.
ورواه منجاب، عن شريك، عن هشام، عن أبيه، عن فاطمة بنت المنذر قالت:"أكلنا فرسًا على عهد رسول الله عليه السلام".
ووهم في موضعين: اسقط أسماء بنت أبي بكر، وقال: عن أبيه، عن أسماء، والصواب هشام، عن فاطمة، عن أسماء.
قوله: "وفي هذا الباب آثار" أشار بهذا إلى أحاديث أخرجها في جواز أكل لحوم الخيل عن جابر وغيره في باب "أكل لحوم الحمر الأهلية" فاستغنى بذكرها هناك عن إعادتها هاهنا خوفًا من التكرار بلا فائدة.
(1)"المجتبى"(7/ 202 رقم 4333).
(2)
"صحيح البخاري"(5/ 2101 رقم 5200).
(3)
"صحيح مسلم"(36/ 1541 رقم 1942).
(4)
"مسند الشافعي"(1/ 380 رقم؟؟؟).
قوله: "بتواتر الآثار" أي تكاثرها وتظاهرها، ولم يرد به التواتر المصطلح عليه.
قوله: "ولو كان ذلك مأخوذا من طريق النظر" أي ولو كان حكم أكل لحوم الخيل مأخوذًا من طريق القياس، لكان الخيل كالحمير في حكم الأكل، وفيه مناقشة؛ لأنه قال في الباب السابق: ولو كان النظر لكان الحمر الأهلية حلالًا كالحمر الوحشية، ولكن اتباع ما جاء عن الرسول عليه السلام أولى من ذلك، فوجه النظر هناك اقتضى إباحة أكل لحوم الحمر الأهلية، فقوله هاهنا: لما كان بين الخيل الأهلية والحمر الأهلية فرق يقتضي أن لا تؤكل الخيل كالحمر الأهلية، وهذا يناقض الكلام الأول. فافهم.