الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ص: باب: الصور تكون في الثياب
ش: أي هذا باب في بيان حكم الصور التي تكون في الثياب، وهو جمع صورة، وصورة الشيء حقيقته وهيئته.
ص: حدثنا محمَّد بن خزيمة، قال: ثنا عبد الله بن رجاء، قال: أنا شعبة، عن علي بن مدرك، قال: سمعت أبا زرعة بن عمرو بن جرير، عن عبد الله بن نُجي، عن أبيه قال: سمعت عليًّا رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا تدخل الملائكة بيتًا فيه صورة".
حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا يعقوب بن إسحاق وحَبان بن هلال، قالا: ثنا شعبة. . . . فذكر بإسناده مثله.
حدثنا فهد، قال: ثنا أبو غسان، قال: ثنا أبو بكر بن عياش، قال: ثنا مغيرة بن مقسم، قال: حدثني الحارث العكلي، عن عبد الله بن نُجي، عن علي رضي الله عنه أن رسول الله عليه السلام قال:"قال لي جبريل عليه السلام: إنّا لا ندخل بيتًا فيه كلب ولا صورة ولا تمثال".
ش: هذه ثلاث طرق:
الأول: عن ابن خزيمة، عن عبد الله بن رجاء الغداني شيخ البخاري، عن شعبة بن الحجاج، عن علي بن مدرك النخعي الكوفي روى له الجماعة، عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير بن عبد الله البجلي، قيل اسمه هرم، وقيل: عبد الله، وقيل غير ذلك، روى له الجماعة، عن عبد الله بن نُجَيّ -بضم النون وفتح الجيم وتشديد الياء آخر الحروف- بن سلمة بن جشم الحضرمي الكوفي، قال الدارقطني: لا بأس به. وقال البخاري: فيه نظر. روي له من الأربعة غير الترمذي، وهو يروي عن أبيه نُجَي الحضرمي ثقة.
وأخرجه أبوداود (1): ثنا حفص بن عمر، قال: ثنا شعبة، عن علي بن مدرك. . . . إلى آخره نحوه، وفي آخره:"ولا كلب ولا جنب".
الثاني: عن إبراهيم بن مرزوق، عن يعقوب بن إسحاق الحضرمي البصري الثقة، وعن حَبَّان -بفتح الحاء المهملة وتشديد الباء الموحدة- بن هلال الباهلي، كلاهما عن شعبة. . . . إلي آخره.
وأخرجه النسائي (2) نحوه.
الثالث: عن فهد بن سليمان، عن أبي غسان مالك بن إسماعيل النهدي شيخ البخاري، عن أبي بكر بن عياش بن سالم الكوفي الحناط -بالنون- المقرئ، عن مغيرة بن مقسم الضبي، عن الحارث بن يزيد العكلي الكوفي، عن عبد الله بن نُجَيّ، عن أبيه، عن علي رضي الله عنه.
وأخرجه ابن ماجه ولفظه: "لا تدخل الملائكة بيتًا فيه صورة ولا كلب".
قال المنذري: الصورة كل ما يصور من الحيوان سواء في ذلك المنصوبة القائمة التي لها أشخاص، وما لا شخص له من المنقوشة في الجدر وفيه خلاف وتفصيل للعلماء.
قوله: "ولا تمثال" بكسر التاء، وهو اسم من المثال، يقال: مثَّلت -بالتثقيل والتخفيف- إذا صورت مثالًا، ومنه الحديث:"أشد الناس عذابًا الممثل".
فإن قيل: هل [الفرق](3) بين الصورة والتمثال؟
قلت: قد قيل: لا فرق بينهما، والصحيح أن بينهما فرقًا بدليل عطف التمثال على الصورة في الحديث، والمعطوف غير المعطوف عليه، ولا يقال أنه عطف تفسير؛ لعدم الإجمال في الصورة، والفرق بينهما ما ذكره بعضهم: أن الصورة تكون في الحيوان، والتمثال يكون فيه وفي غيره، ومن هذا استدل بعضهم علي تحريم
(1)"سنن أبي داود"(4/ 72 رقم 4152).
(2)
"المجتبى"(1/ 141 رقم 261).
(3)
كذا في "الأصل، ك".
التصوير سواء كان من الحيوان أو غيره كالشجر ونحوه، ويقال: التمثال ما له جرم وشخص، والصورة ما كان رقمًا أو تزويقًا في ثوب أو حائط.
وقال المنذري: قيل: التمثال الصورة، وقيل في قوله تعالى:{وَتَمَاثِيلَ} (1): إنها صورة العقبان والطواويس علي كرسيه، وكان مباحًا، وقيل: صور الأنبياء والملائكة عليهم السلام من رخام وشبه؛ لينشطوا في العبادة بالنظر إليهم، وقيل: صور الآدميين من نحاس. والله أعلم.
ثم المراد من الجنب في رواية أبي داود: هو الذي يترك الاغتسال ويتخذه عادةً، ومن الكلب: الذي يتخذ للهو واللعب لا لحاجة الصيد والزرع والماشية.
ومن الملائكة: ملائكة الوحي، فأما الحفظة فيدخلون في البيوت ولا يفارقون بني آدم علي حال.
ص: حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب، قال: أخبرني عمرو بن الحارث، عن بكير، عن كريب مولى ابن عباس، عن ابن عباس:"أن رسول الله عليه السلام حين دخل البيت وجد فيه صورة إبراهيم عليه السلام وفي يده الأزلام، وصورة مريم، فقال: أما هم فقد سمعوا أن الملائكة لا [تدخل] (2) بيتًا فيه صورة وهذا صورة إبراهيم، فما باله يستقسم وقد علموا أنه كان لا يستقسم".
ش: إسناده صحيح، ورجاله كلهم رجال الصحيح.
وبكير هو ابن عبد الله بن الأشج المدني نزيل مصر.
وأخرجه النسائي (3): عن وهب بن بيان، عن عبد الله بن وهب. . . . إلى آخره نحوه.
قوله: "وفي يد الأزلام" جمع "زلم" بفتح الزاي وضمها، والأزلام هي القداح
(1) سورة سبأ، آية:(13).
(2)
تكررت في "الأصل".
(3)
"السنن الكبري"(5/ 500 رقم9772).
التي كانت في الجاهلية عليها مكتوب الأمر والنهي، افعل ولا تفعل، كان الرجل منهم يضعها في وعاء له فإذا أراد سفرًا أو زواجًا أو أمرًا مهمًّا أدخل يده فأخرج منها زلمًا، فإن خرج الأمر مضى لشأنه، وإن خرج النهي كفَّ عنه ولم يفعله.
قوله: "يستقسم" من الاستسقام وهو طلب القسم الذي قسم له وقدر مما لم يقسم ولم يقدر، وهو استفعال منه، وكانوا إذا رأى أحدهم سفرًا أو تزويجًا أو نحو ذلك من المهام ضرب بالأزلام وهي الأقداح، وكان علي بعضها مكتوب: أمرني ربي، وعلى الآخر: نهاني ربي، وعلى الآخر: غفل، فإن خرج أمرني ربي مضي لشأنه، وإن خرج نهاني ربي أمسك، وإن خرج الغفل عاد إدخالها وضرب بها أخري إلى أن يخرج الأمر أو النهي.
ص: حدثنا يونس، قال: ثنا سفيان، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، عن أبي طلحة رضي الله عنهم أن النبي عليه السلام قال:"لا تدخل الملائكة بيتًا فيه صورة".
حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا عفان، قال: ثنا حماد بن سلمة، قال: ثنا سهيل بن أبي صالح، عن سعيد بن يسار، عن أبى طلحة، عن النبي عليه السلام مثله.
ش: هذان طريقان صحيحان:
الأول: عن يونس بن عبد الأعلي، عن سفيان بن عيينة، عن محمَّد بن مسلم الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن عبد الله بن عباس، عن أبي طلحة -واسمه زيد- بن سهل الأنصاري.
وأخرجه مسلم (1): نا يحيي بن يحيي وأبو بكر بن أبي شيبة وعمرو الناقد وإسحاق بن إبراهيم -قال يحيي وإسحاق: أنا. وقال الآخران: نا- سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن عبيد الله، عن ابن عباس، عن أبي طلحة، عن النبي عليه السلام قال:"لا تدخل الملائكة بيتًا فيه كلب ولا صورة".
(1)"صحيح مسلم"(3/ 1665 رقم 2106).
الثاني: عن إبراهيم بن مرزوق .. إلى آخره.
وأخرجه أبو يعلي في "مسنده"(1): ثنا إبراهيم الشامي، ثنا حماد، عن سهيل بن أبي صالح، عن سعيد بن يسار، عن أبي طلحة، أن رسول الله عليه السلام قال:"إن الملائكة لا تدخل بيتًا فيه تصاوير ولا كلب. . . ." الحديث.
وجاء أيضًا بهذا الإسناد عن سعيد بن يسار، عن زيد بن خالد الجهني، عن أبي طلحة الأنصاري، قال: سمعت النبي عليه السلام يقول: "لا تدخل الملائكة بيتًا فيه كلب ولا تمثال. . . ." الحديث.
أخرجه أبو داود (2)، عن وهب بن بقية، عن خالد، عن سهيل بن أبي صالح، عن سعيد بن يسار الأنصاري، عن زيد بن خالد الجهني، عن أبي طلحة، به.
وأخرجه مسلم (3) مطولًا، وبقية الجماعة (4) ببعضه.
ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا أمية بن بسطام، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنا روح بن القاسم، عن سهيل بن أبي صالح، عن سعيد بن يسار، عن زيد بن خالد، عن أبي أيوب، عن رسول الله عليه السلام مثله.
ش: إسناده صحيح.
وأمية بن بسطام شيخ البخاري.
وزيد بن خالد الجهني الصحابي، يروي عن أبي أيوب خالد بن زيد الأنصاري.
وأخرجه الطبراني (5): ثنا أحمد بن علي الأبار وإبراهيم بن هاشم البغوي، قالا: ثنا أمية بن بسطام، ثنا يزيد بن زريع، عن روح بن القاسم، عن سهيل بن
(1)"مسند أبي يعلي"(3/ 22 رقم 1432).
(2)
"سنن أبي داود"(4/ 73 رقم 4153).
(3)
"صحيح مسلم"(3/ 1665 رقم 2106).
(4)
"صحيح البخاري"(3/ 1179 رقم 3054)، و"جامع الترمذي"(5/ 115 رقم 2806)، و"المجتبى"(8/ 212 رقم 5350)، و"سنن ابن ماجه"(2/ 1203 رقم 3649).
(5)
"المعجم الكبير"(4/ 121 رقم 3860).
أبي صالح، عن سعيد بن يسار، عن زيد بن خالد الجهني، عن أبي أيوب الأنصاري، عن رسول الله عليه السلام قال:"لا تدخل الملائكة بيتًا فيه كلب ولا صورة"
ص: حدثنا روح بن الفرج، قال: ثنا يحيي بن عبد الله بن بكير، عن عبد العزيز ابن أبي حازم، عن أبيه، عن أبي سلمة، عن عائشة رضي الله عنها:"أن جبريل عليه السلام قال لرسول الله عليه السلام: إنا لا ندخل بيتًا فيه صورة".
ش: إسناد صحيح.
وأبو حازم سلمة بن دينار الأعرج الأفزر التمار المدني القاضي الزاهد الحكيم.
وأبو سلمة اسمه عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنهم.
وأخرجه مسلم (1) بأتم منه: ثنا سويد بن سعيد، قال: ثنا عبد العزيز بن أبي حازم، عن أبيه، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت:"واعد رسول الله جبريل عليهما السلام في ساعة يأتيه فيها، فجاءت تلك الساعة ولم يأته وفي يده عصًا فألقاها من يده، وقال: ما يخلف الله وعده ولا رسله، ثم التفت فإذا جرو كلب تحت [سريره] (2) فقال: يا عائشة متى دخل هذا الكلب هاهنا؟ فقلت: والله ما دريت، فأمر به فأخرج، وجاء جبريل عليه السلام فقال رسول الله عليه السلام: واعدتني فجلست لك فلم تأت! فقال: منعني الكلب الذي كان في بيتك؛ إنا لا ندخل بيتًا فيه كلب ولا صورة".
ص: حدثنا روح بن الفرج، قال: ثنا أبو زيد بن أبي الغَمْر، قال: ثنا يعقوب ابن عبد الرحمن، عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن القاسم، عن عائشة قالت: "اشتريت نمرقة فيها تصاوير، فلما دخل رسول الله عليه السلام فرآها تغير، ثم قال:
(1)"صحيح مسلم"(3/ 1664 رقم 2104).
(2)
في "الأصل، ك": "سرير"، والمثبت من "صحيح مسلم".
يا عائشة، ما هذه؟ فقلت: نمرقة اشتريتها لك تقعد عليها، قال: إنا لا ندخل بيتًا فيه تصاوير".
ش: أبو زيد اسمه عبد الرحمن بن أبي الغَمْر -بفتح الغين المعجمة وسكون الميم- واسم أبي الغمر عمر بن عبد العزيز.
وأخرجه البخاري (1): نا عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن نافع، عن القاسم ابن محمَّد، عن عائشة زوج النبي عليه السلام:"أنها أخبرته أنها اشترت نمرقة فيها تصاوير، فلما رآها رسول الله عليه السلام قام على الباب فلم يدخل، فعرفت في وجهه الكراهية، قالت: يا رسول الله، أتوب إلى الله وإلى رسوله، ماذا أذنبت؟ قال: ما بال هذه النمرقة؟ فقالت: اشتريتها لتقعد عليها وتوسدها، فقال رسول الله عليه السلام: إن أصحاب هذه الصور يعذبون يوم القيامة، ويقال لهم: أحيوا ما خلقتم، وقال: إن البيت الذي فيه الصور لا تدخله الملائكة".
وأخرجه مسلم (2) أيضًا: عن يحيي بن يحيي، عن مالك.
قوله: "نمرقة" بضم النون والراء وبكسرهما وبغير هاء، وتجمع علي نمارق وهي الوسادة.
ص: حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا بشر بن بكر، قال: حدثني الأوزاعي، قال: حدثني ابن شهاب، قال: أخبرني القاسم، عن عائشة قالت:"دخل عليّ رسول الله عليه السلام وأنا مستترة بقرام سترٍ فيه صورة، فهتكه ثم قال: إن أشد الناس عذابًا يوم القيامة الذي يشبهون بخلق الله عز وجل".
ش: إسناده صحيح.
والأوزاعي: عبد الرحمن بن عمرو، والزهري: محمَّد بن مسلم.
(1)"صحيح البخاري"(5/ 2222 رقم 5616).
(2)
"صحيح مسلم"(3/ 1669 رقم 2107).
وأخرجه مسلم (1): نا أبو بكر بن أبي شيبة وزهير بن حرب، جميعًا عن ابن عيينة -واللفظ لزهير قال: نا سفيان بن عيينة- عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، أنه سمع عائشة رضي الله عنها تقول:"دخل [عليّ] (2) رسول الله عليه السلام وقد سترت سهوة لي بقرام فيه تماثيل، فلما رآه هتكه، وتلون وجهه، وقال: يا عائشة، أشد الناس عذابًا يوم القيامة الذي يضاهون بخلق الله، قالت عائشة: فقطعناه فجعلنا منه وسادة أو وسادتين".
قوله: "بقرام" بكسر القاف وهو الستر الرقيق، وقيل: الصفيق من صوف ذي ألوان، والإضافة فيه كقولك: ثوب قميص.
قوله: "فهتكه" أي خرقه، يقال: هتكه فانهتك، والاسم الهُتكة، والهتيكة: الفضيحة.
ص: حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، قال: أخبرني ابن أبي ذئب، عن الحارث بن عبد الرحمن، عن كريب مولى ابن عباس، عن أسامة بن زيد، عن رسول الله عليه السلام قال:"لا تدخل الملائكة بيتًا فيه صورة".
حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا علي بن الجعد، قال: أنا ابن أبي ذئب، عن عبد الرحمن بن مهران، عن عمير مولى ابن عباس، عن أسامة بن زيد، عن النبي عليه السلام:"أنه دخل الكعبة فرأى فيها صورًا، فأمرني فأتيته بدلوٍ من ماء، فجعل يضرب به الصور يقول: قاتل الله قومًا يصورون ما لا يخلقون".
ش: هذان وجهان صحيحان:
الأول: عن يونس بن عبد الأعلي، عن عبد الله بن وهب، عن محمَّد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب المدني، عن الحارث بن عبد الرحمن المدني خال ابن أبي ذئب، وثقه ابن حبان.
(1)"صحيح مسلم"(3/ 1668 رقم 2107).
(2)
ليست في "الأصل"، والمثبت من "صحيح مسلم".
وأخرجه الطبراني (1) مطولًا: ثنا العباس بن الفضل الأسفاطي، نا خالد بن يزيد العمري، ثنا ابن أبي ذئب، عن الحارث بن عبد الرحمن، عن كريب، عن أسامة قال:"دخلت على النبي عليه السلام وعليه الكآبة، فقلت: ما لك يا رسول الله؟ فقال: إن جبريل عليه السلام وعدني أن يأتيني ولم يأتني منذ ثلاث، قال: وإذا كلب، قال أسامة: فوضعت يدي علي رأسي فصحت، فقال: ما لك يا أسامة؟! فقلت: كلب، فأمر به النبي عليه السلام فقتل، ثم أتاه جبريل عليه السلام، فقال: ما لك لم تأتني وكنت إذا وعدتني لم تخلفني؟ فقال: إنا لا ندخل بيتًا فيه كلب ولا تصاوير".
الثاني: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن علي بن الجعد الجوهري، شيخ البخاري عن محمَّد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب، عن عبد الرحمن بن مهران مولي بني هاشم، وثقة ابن حبان، عن عمير مولى ابن عباس، من رجال مسلم.
وأخرجه الطبراني (2) أيضًا: ثنا الأسفاطي، ثنا خالد بن يزيد العمري، نا ابن أبي ذئب، عن عبد الرحمن بن مهران، عن عمير مولى ابن عباس، عن أسامة بن زيد:"أن النبي عليه السلام دخل البيت، فرأى صورة، فدعا بماء فجعل يمحوها ويقول: قاتل الله قومًا يصورون ما لا يخلقون"
ص: حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، قال: حدثني عمر بن محمَّد، أن سالم ابن عبد الله حدثه، عن أبيه:"أن جبريل عليه السلام قال لرسول الله عليه السلام: إنا لا ندخل بيتًا فيه صورة".
ش: إسناده صحيح.
وعمر بن محمَّد بن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهم.
والحديث أخرجه البخاري (3): نا يحيي بن سليمان، قال: حدثني ابن وهب، قال: حدثني عمرو -هو ابن محمَّد- عن سالم، عن أبيه قال: "وعد النبي عليه السلام
(1)"المعجم الكبير"(1/ 162 رقم 387).
(2)
"المعجم الكبير"(1/ 166 رقم 407).
(3)
"صحيح البخاري"(3/ 1179 رقم 3055).
جبريل عليه السلام فَرَاث عليه حتي أشتد على النبي عليه السلام، فخرج النبي عليه السلام فلقيه، فشكى إليه ما وجد، فقال له: إنا لا ندخل بيتًا فيه صورة ولا كلب".
ص: حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، عن ابن السباق، عن ابن عباس، عن ميمونة زوج النبي عليه السلام، عن رسول عليه السلام مثله.
ش: رجاله كلهم رجال الصحيح.
ويونس الثاني هو ابن يزيد الأيلي.
والزهري هو محمَّد بن مسلم.
وابن السباق هو عبيد بن السباق المدني.
وأخرجه مسلم (1) بأتم منه: حدثني حرملة بن يحيى، قال: أنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، عن ابن السباق، أن عبد الله بن عباس، قال: أخبرتني ميمونة رضي الله عنها: "أن رسول الله عليه السلام أصبح يومًا واجمًا، فقالت ميمونة: يا رسول الله، لقد استنكرت هيئتك منذ اليوم، قال رسول الله عليه السلام: إن جبريل عليه السلام كان وعدني أن يلقاني الليلة فلم يلقني، أما والله ما أخلفني، قال: فظل رسول الله عليه السلام يومه ذلك علي ذلك، ثم وقع في نفسه جرو كلب تحت فسطاط لنا، فأمر به فأخرج، ثم أخذ بيده ماء فنضح مكانه، فلما أمسى لقيه جبريل عليه السلام، فقال له: قد كنت وعدتني أن تلقاني البارحة؟! قال أجل، ولكنَّا لا ندخل بيتًا فيه كلب ولا صورة، فأصبح رسول الله عليه السلام يومئذ فأمر بقتل الكلاب، حتى إنه يأمر بقتل كلب الحائط الصغير ويترك كلب الحائط الكبير".
ص: حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا أسد، قال: ثنا ابن لهيعة، قال: ثنا أبو الزبير قال: "سألت جابرًا رضي الله عنه عن الصور في البيت، وعن الرجل يفعل ذلك، فقال: زجر رسول الله عليه السلام عن ذلك".
ش: ابن لهيعة هو عبد الله بن لهيعة المصري، فيه مقال.
(1)"صحيح مسلم"(3/ 1664 رقم 2105).
وأبو الزبير محمَّد بن مسلم المكي.
والحديث أخرجه أسد السنة في "مسنده".
ص: حدثنا فهد، قال: ثنا محمَّد بن سعيد بن الأصبهاني، قال: أنا محمَّد بن الفضيل، عن عمارة بن القعقاع، عن أبي زرعة قال:"دخلت مع أبي هريرة دار مروان بن الحكم فإذا بتماثيل، فقال: قال رسول الله عليه السلام: قال الله عز وجل: ومن أظلم ممن ذهب يخلق خلقًا كخلقي؟! فليخلقوا ذرةً، أو ليخلقوا حبةً، أو ليخلقوا شعيرة".
ش: إسناده صحيح.
وابن الأصبهاني شيخ البخاري.
ومحمد بن الفضيل بن غزوان الضبي، روي له الجماعة.
وعمارة بن القعقاع بن شبرمة الضبي، روى له الجماعة.
وأبو زرعة [بن](1) عمرو بن جرير بن عبد الله البجلي، قيل: اسمه هرم، وقيل عبد الله، وقيل: عبد الرحمن، وقيل غير ذلك. روي له الجماعة.
وأخرجه البخاري (2): نا موسى، نا عبد الواحد، نا عمارة، نا أبو زرعة، قال:"دخلت مع أبي هريرة دارًا بالمدينة، فرأى أعلاها مصورًا بصور، قال: سمعت رسول الله عليه السلام يقول: قال الله: ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي؟! فيخلقوا حبةً، وليخلقوا ذرةً، ثم دعي بتور من ماء فغسل يديه حتى بلغ إبطه، فقلت: يا أبا هريرة، أشيء سمعته من رسول الله عليه السلام؟ قال: منتهى الحلية".
وأخرجه مسلم (3): ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ومحمد بن عبد الله بن نمير وأبو كريب -وألفاظهم متقاربة- قالوا: أنا ابن فضيل، عن عمارة، عن أبي زرعة،
(1) ليست في "الأصل، ك".
(2)
"صحيح البخاري"(5/ 2220 رقم 5609).
(3)
"صحيح مسلم"(3/ 1671 رقم 2111).
قال: "دخلت مع أبي هريرة دار مروان، فرأى فيها تصاوير، فقال: سمعت رسول الله عليه السلام يقول: قال الله عز وجل: ومن أظلم ممن ذهب يخلق خلقًا كخلقي؟! فليخلقوا ذرة، أو ليخلقوا حبة، أو ليخلقوا شعيرة".
قوله: "ومن أظلم" أي لا أحد أظلم ممن يذهب يخلق -أي يقدر- لأن معنى الخلق في الأصل: التقدير، ومنه حديث أخت أمية بن أبي الصلت قالت:"فدخل علي وأنا أخلق أديمًا"(1) أي أقدره لأقطعه، وحاصل المعني: لا يوجد أحد أكثر ظلمًا من رجل صور صورة شبيهة بالصورة التي صورها البارئ عز وجل؛ لأن هذا أمر مختص به، فمن أراد التشبه بذلك فقد ارتكب أمرًا عظيمًا ومحظورًا جسيمًا.
قوله: "فليخلقوا ذرة" أمر تعجيز كما في قوله عليه السلام: "أحيوا ما خلقتم" وفيه أيضًا قرع وتبكيت، وتنبيه علي أن هذا الصنيع لا يقدر عليه أحد غير الله، وأنه هو الخالق البارئ المصور، القادر علي جميع الأشياء من غير مادة وآلة واستعانة بأحد، وإنما عَيَّنَ الذرة لأنها أضعف المخلوقات وأصغرها جدًّا، فمن عجز عن تخليق هذا، فما فوقه أعجز، وكذلك تعيين الحبة أو الشعيرة، لكونها أقل الأشياء في الجمادات، كما أن الذرة أضعفها في الحيوانات، والمخلوقات مشتملة علي هذين القسمين.
ص: فذهب ذاهبون إلي كراهة اتخاذ ما فيه الصور من الثياب، وما كان يتوطأ [من](2) ذلك ويمتهن، وما كان ملبوسًا، وكرهوا كونه في البيوت، واحتجوا في ذلك بهذه الآثار.
ش: أراد بهؤلاء الذاهبين: الليث بن سعد والحسن بن يحيى وبعض الشافعية؛ فإنهم كرهوا الصور مطلقًا، سواء كانت على الثياب، أو على الفرش والبسط ونحوهما، واحتجوا في ذلك بعموم الأحاديث المذكورة.
(1) عزاه المناوي في "فيض القدير"(1/ 85) لابن عساكر، وأبي حذيفة في "المبتدأ"، والحديث مشهور في كتب الغريب والمعاجم، انظر "لسان العرب"(10/ 58)، و"تاج العروس"(1/ 6289)، و"النهاية"(2/ 144).
(2)
في "الأصل، ك": "عن"، والمثبت من "شرح معاني الآثار".
وقال أبو عمر (1): كره الليث التماثيل في البيوت والأسِرَّة والقباب والطساس والمنارات إلا ما كان رقمًا في ثوب.
ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: ما كان من ذلك يتوطأ ويمتهن فلا بأس به، وكرهوا ما سوى ذلك.
ش: أي خالف الذاهبين المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: النخعي والثوري وأبا حنيفة ومالكًا والشافعي وأحمد في رواية؛ فإنهم قالوا: إذا كانت الصور على البسط والفرش التي توطأ بالأقدام فلا بأس بها، وأما إذا كانت على الثياب والأستار ونحوهما؛ فإنها تحرم.
وقال أبو عمر (2): ذكر ابن القاسم قال: كان مالك يكره التماثيل في الأسرة والقباب، وأما السمط والوسائد والثياب فلا بأس به، وكره أن يصلي إلي قبة فيها تماثيل. وقال الثوري: لا بأس بالصور في الوسائد؛ لأنها توطأ ويجلس عليها، وكان أبو حنيفة وأصحابه يكرهون التصاوير في البيوت بتمثال، ولا يكرهون ذلك فيما يبسط، ولم يختلفوا أن التصاوير في الستور المعلقة مكروهة، وكذلك عندهم ما كان خرطًا أو نقشًا في البناء، وقال المزني عن الشافعي: وإن دعي رجل إلى عرس فرأي صورة ذات روح أو صور ذات أرواح لم يدخل إن كانت منصوبة، وإن كانت توطأ فلا بأس، وإن كانت صور شجر فلا بأس. وقال الأثرم: قلت لأحمد بن حنبل: إذا دعيت لأدخل فرأيت [سترا](2) معلقًا فيه التصاوير أأرجع؟ قال: نعم؛ رجع أبو أيوب، قلت: قد رجع أبو أيوب عن ستر الجدر؟ قال: هذا أشد، وقد رجع عنه غير واحد من أصحاب رسول الله عليه السلام، قلت له: فالستر يجوز أن تكون فيه صورة؟ قال: لا، قيل: فصورة الطائر وما أشبهه؟ فقال: ما لم يكن له رأس فهو أهون. وقال قوم: إنما كره من ذلك ما له ظل، وما لا ظل له فليس به بأس. وقال آخرون: هي مكروهة في الثياب وعلي حال لم يستثنوا شيئًا.
(1)"التمهيد"(1/ 302).
(2)
ليست في "الأصل"، والمثبت من "التمهيد".
ص: وكان من الحجة لهم في ذلك: ما حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب، قال: أخبرني أسامة بن زيد الليثي، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أسماء بنت عبد الرحمن -وكانت في حجر عائشة رضي الله عنها، عن عائشة قالت:"قدم رسول الله عليه السلام وعندي نمط لي فيه صورة، فوضعته علي سهوتي فاجتذبه وقال: لا تستروا الجدر، قلت: فصنعته وسادتين فأخذه رسول الله عليه السلام يرتفق عليهما".
حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، قال: أخبرني عمرو، عن بكير بن الأشج، عن ربيعة بن عطاء مولى بني أزهر، أنه سمع القاسم بن محمَّد يذكر، عن عائشة زوج النبي عليه السلام:"أن رسول الله عليه السلام كان يرتفق عليهما".
حدثنا علي بن عبد الرحمن، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثني بكر بن مضر، عن عمرو بن الحارث، عن بكير، أن عبد الرحمن بن القاسم حدثه، أن أباه حدثه، عن عائشة:"أنها كانت نصبت سترًا فيه تصاوير، فدخل رسول الله عليه السلام فنزعه، فقطعته وسادتين، فقال رجل في المجلس حينئذ يقال له: ربيعة بن عطاء مولي بني أزهر: أسمعت أبا محمَّد يذكر أن عائشة قالت: فكان رسول الله عليه السلام يرتفق بهما؟ فقال: لا، ولكني سمعت القاسم بن محمَّد يذكر ذلك عنها".
حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا محمَّد بن أبي الوزير، قال: سمعت مسلم، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة:"أنها جعلت سترًا فيه تصاوير إلى القبلة فأمرها رسول الله عليه السلام فنزعته، وجعلت منه وسادتين، فكان النبي عليه السلام يجلس عليهما".
حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، أن مالكًا أخبره، عن نافع، عن القاسم بن محمَّد، عن عائشة أم المؤمنين: "أنها اشترت نمرقة فيها تصاوير، فلما رآها رسول الله عليه السلام قام على الباب فلم يدخل، فعرفت في وجهه الكراهة، فقلت: يا رسول الله، أتوب إلى الله وإلي رسوله، فماذا أذنبت؟ فقال رسول الله عليه السلام: ما بال هذه النمرقة؟ قلت: اشتريتها لك لتقعد عليها وتتوسدها، فقال رسول الله عليه السلام: إن
أصحاب هذه الصور يعذبون يوم القيامة، فيقال: أحيوا ما خلقتم، ثم قال: إن البيت الذي فيه تصاوير لا تدخله الملائكة".
حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا سعيد بن عامر، قال: ثنا شعبة، عن عبد الرحمن ابن القاسم، عن أبيه قال: قالت عائشة: "كان ثوب فيه تصاوير فجعلته بين يدي رسول الله عليه السلام وهو يصلي فكرهه أو قالت: فنهاني، فجعلته وسائد".
ش: أي وكان من الدليل والبرهان لهؤلاء الآخرين فيما ذهبوا إليه، حديث عائشة رضي الله عنها.
وأخرجه من ستة طرق صحاح:
الأول: رجاله كلهم رجال الصحيح.
وأسماء بنت عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق، ذكرها ابن حبان في الثقات.
وأخرجه عبد الله بن وهب في "مسنده".
قوله: "نمط". بفتح النون والميم، وهو ضرب من البسط له خمل رقيق، ويجمع علي أنماط.
و"السهوة" بالسين المهملة بيت صغير منحدر في الأرض قليلًا، شبيه بالمخدع والخزانة، وقيل: هو كالصُّفة بين يدي البيت وقيل: شبيه بالرفّ أو الطاق، يوضع به الشيء. و"الوسادة": المخدة.
الثاني: أيضًا رجاله رجال الصحيح، وعمرو هو أبي الحارث.
وأخرجه مسلم (1): ثنا هارون بن معروف، قال: ثنا ابن وهب، قال: ثنا عمرو بن الحارث، أن بكيرًا حدثه، أن عبد الرحمن بن القاسم حدثه، أن أباه حدثه، عن عائشة زوج النبي عليه السلام:"أنها نَصبتْ سترًا فيه تصاوير، فدخل رسول الله عليه السلام ، فنزعه، قالت: فقطعته وسادتين".
فقال رجل في المجلس -يقال له: ربيعة بن عطاء مولى بني زهرة: أما سمعت
(1)"صحيح مسلم"(3/ 1666 رقم 2107).
أبا محمَّد يذكر أن عائشة قالت: "كان رسول الله عليه السلام يرتفق عليهما؟ قال ابن القاسم: لا. قال: لكني سمعته؛ يريد القاسم بن محمَّد.
قوله: "كان يرتفق عليهما" أي: يتكئ عليهما، ومن ذلك المرفقة؛ لأن المتكئ يضع مرفقه عليها.
الثالث: أيضًا رجاله رجال الصحيح ما خلا عليّ بن عبد الرحمن.
وأخرجه النسائي (1): عن وهب بن بيان، عن ابن وهب، عن [بكير](2)، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة. . . . إلى آخره نحوه.
الرابع: عن ابن مرزوق، عن محمَّد بن أبي الوزير، هو محمَّد بن عمر بن المطرف القرشي الهاشمي أبو المطرف ابن أبي الوزير البصري، قال أبو حاتم: ليس به بأس. ووثقه ابن حبان [. . .](3).
الخامس: رجاله كلهم رجال الصحيح.
وأخرجه مالك في "موطأه"(4).
والبخاري (5): عن عبد الله بن مسلمة، عن مالك.
ومسلم (6): عن يحيي بن يحيي، عن مالك.
السادس: أيضًا رجاله رجال الصحيح ما خلا ابن مرزوق.
وأخرجه مسلم (6): عن إسحاق بن إبراهيم، عن سعيد بن عامر، عن شعبة. . . . إلي آخره نحوه.
(1)"المجتبى"(8/ 214 رقم 5355).
(2)
في "الأصل": "بكر بن مضر"، في "ك":"بكير بن مضر"، وكلاهما خطأ، والذي في "المجتبى":"بكير" فقط، وهو:"بكير بن الأشج". وانظر "تحفة الأشراف"(14/ 53 رقم 17476).
(3)
بياض في "الأصل، ك".
(4)
"الموطأ"(2/ 966 رقم 1736).
(5)
"صحيح البخاري"(5/ 2222 رقم 5616).
(6)
"صحيح مسلم"(2/ 1666 رقم 2107).
ص: فقال أهل هذه المقالة: ما كان مما يُتَوطأ فلا بأس به لهذه الآثار، وما كان من غير ما يُتَوطأ فهو الذي جاءت فيه الآثار الأُوَلُ.
ش: أي: قال أهل المقالة الثانية، والحاصل أنهم قالوا: نحن عملنا بالأحاديث كلها فقلنا بأحاديث الفصل الأول، وهي التي احتجت بها أهل المقالة الأولى فيما ذهبوا إليه من كراهة الصور في سائر الأشياء على العموم، فيما إذا كانت الصور من غير ما يُتَوطأ؛ كالثياب والستائر، والصور التي تكون في السقوف والجدران، ونحو ذلك، وقلنا بأحاديث الفصل الثاني فيما إذا كانت الصور مما كان يُتَوطأ، فإذن قد عملنا بالأحاديث كلها بخلاف أهل المقالة الأولى؛ حيث عملوا ببعضها وأهملوا بعضها، فافهم.
ص: وقد روي عن رسول الله أنه استثنى مما نهى عنه من الصور إلا ما كان رقمًا في ثوب.
حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، قال: أخبرني عمرو بن الحارث، أن بكير بن الأشج حدثه، أن بُسْر بن سعيد حدثه، أن زيد بن خالد الجهني حدثهم، ومع بُسْر بن سعيد عبيد الله الخولاني، أن أبا طلحة حدثه، أن رسول الله عليه السلام قال:"لا تدخل الملائكة بيتًا فيه صورة" قال بُسْر: فمرض زيد بن خالد، فعدناه، فإذا نحن في بيته بستر فيه تصاوير، فقلت لعبيد الله الخولاني: ألم تسمع حديثًا في التصاوير؟ قال: إنه قد قال: "إلا رقمًا في ثوب" ألم تسمعه؟ قال: لا. فقلت: بلي، قد ذكر ذلك.
ش: ذكر هذا الحديث وما بعده إيذانًا بأن الأحاديث التي احتجت بها أهل المقالة الأولى ليست علي عمومها؛ إنما هي مخصوصة، يدل عليه حديث زيد بن خالد الجهني الصحابي رضي الله عنه، فإنه قال:"إلا رقمًا في ثوب" والرقم: هو النقش والوشي وأصله الكتابة.
ورجال هذا الحديث كلهم رجال الصحيح.
وبُسْر -بضم الباء الموحدة وسكونا لسين المهملة- ابن سعيد المدني العابد مولى الحضرمي، وعبيد الله الخولاني هو عبيد الله بن الأسود، ويقال: ابن الأسد الخولاني، ربيب ميمونة زوج النبي عليه السلام.
والحديث أخرجه مسلم (1): حدثني أبو الطاهر، قال: أنا ابن وهب. . . . إلى آخره نحوه.
وأخرجه أبو داود (2) أيضًا.
فإن قيل: إذا كان هذا الحديث مُخَصِّصًا لأحاديث النهي العام في الصور حيث قيل فيه: "إلا رقمًا في ثوب" وكان أبو طلحة قد علق في بيته سترًا فيه تصاوير.
لذلك المعنى فما بالكم تمنعون عن الستائر المعلقة التي فيها التصاوير؟
قلت: سيأتيك الجواب عن هذا في آخر الباب مستقصّي إن شاء الله تعالى.
ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا الوهبي، قال: ثنا ابن إسحاق، عن سالم أبي النضر، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة قال:"اشتكي أبو طلحة بن سهل، فقال لي عثمان بن حنيف: هل لك في أبي طلحة نعوده؟ فقلت: نعم، قال: فجئناه، فدخلنا عليه وتحته نمط فيه صورة، فقال: انزعوا هذا النمط فألقوه عَنِّي، فقال له عثمان بن حنيف: أَوَ مَا سمعت يا أبا طلحة رسول الله صلى الله عليه وسلم حين نهى عن الصورة قال: إلا رقمًا في ثوب، أو: ثوبًا فيه رقم؟ قال: بلى، ولكنه أطيب لنفسي، فأميطوه عنِّي".
حدثنا يونس قال: ثنا ابن وهب، أن مالكًا حدثه عن أبي النضر. . . . فذكر بإسناده غير أنه قال مكان عثمان بن حنيف: سهل بن حنيف.
ش: هذان طريقان صحيحان:
الأول: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن أحمد بن خالد بن موسى الكندي
(1)"صحيح مسلم"(5/ 1665 رقم 2106).
(2)
"سنن أبي داود"(2/ 471 رقم 4155).
الوهبي الحمصي شيخ البخاري في غير "الصحيح"[عن محمَّد بن إسحاق. . . . إلى آخره وأبو طلحة اسمه زيد بن](1) سهل الأنصاري، وعثمان بن حنيف بن واهب الأنصاري له صحبة.
والحديث أخرجه الطبراني (2): [عن الحسين بن إسحاق](1)، عن عثمان بن أبي شيبة، عن جرير، عن محمَّد بن إسحاق، عن سالم أبي النضر. . . . إلى آخره نحوه سواء.
قوله: "انزعوا هذا النمط" أي: ارفعوه.
قوله: "فأميطوه" أي: أزيلوه، [من أَمَاطَ، يُمِيط إماطة.
الثاني: عن] (3) يونس بن عبد الأعلي، عن عبد الله بن وهب، عن مالك. . . . إلى آخره.
وأخرجه مالك في "موطئه"(4).
وأخرج النسائي (5) أيضًا: أنا علي بن شعيب، نا معين، نا مالك بن أنس، عن أبي النضر، عن عبيد الله بن عبد الله:"أنه دخل على أبي طلحة الأنصاري يعوده، فوجد عنده سهل بن حنيف، فأمر أبو طلحة إنسانًا ينزع نمطًا تحته، فقال له سهل: لم تنزعه؟ قال: لأن فيه تصاوير، وقد قال فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قد علمت، قال: ألم يقل: "إلا ما كان رقمًا في ثوب؟ " قال: بلي، ولكنه أطيب لنفسي".
وسهل بن حنيف هو [أخو عثمان بن حنيف](3) وكلاهما صحابيان أنصاريان رضي الله عنهما.
(1) طمس في "الأصل"، والمثبت من "ك".
(2)
"المعجم الكبير"(5/ 104 رقم 4732).
(3)
طمس في "الأصل"، والمثبت من "ك".
(4)
"موطأ مالك"(2/ 966 رقم 1735).
(5)
"المجتبى"(8/ 212 رقم 5349).
ص: فثبت بما روينا خروج الصور التي في الثياب من الصور المنهي عنها، وثبت أن المنهي عنه: الصور التي هي نظير ما يفعله النصارى في كنائسهم من الصور في جدرانها، ومن تعليق الثياب المصورة فيها، فأما ما كان يُوَطأ ويمتهن ويفرش، فهو خارج من ذلك، وهذا مذهب أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد -رحمهم الله تعالى-.
ش: أي: ثبت بحديث أبي طلحة أن ما كان رقمًا في الثياب من الصور فهو مستثني من الأحاديث التي وردت بالنهي عن الصور مطلقًا وأنها مخصوصة علي ما بيناه آنفًا.
وكذلك ثبت أن الذي نهي عنه من الصور هي الصور التي تكون شبيهة لما يفعله الكفار في كنائسهم من الصور في جدرانها وفي سقوفها، وأما الصور فيما يبسط ويفترش ويمتهن، خارجة عن النهي المذكور، والله أعلم.
ص: حدثنا يزيد بن سنان، قال: ثنا أبو كامل، قال: ثنا عبد الواحد بن زياد، قال: ثنا الليث قال: "دخلت علي سالم بن عبد اللهَ وهو متكئ علي وسادة حمراء فيها تصاوير، قال: فقلت: أليس هذا يكره؟ فقال: لا، إنما يكره ما يعلق منه وما نصب من التماثيل، وأما ما وطئ فلا بأس به".
قال: ثم حدثني عن أبيه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن أصحاب هذه الصور يعذبون يوم القيامة حتى ينفخوا فيها الروح، يقال لهم: أحيوا ما خلقتم".
فدل هذا من قول سالم علي ما ذكرنا.
ش: أورد هذا أيضًا لدلالته علي ما ذكره من قوله: "فثبت بما روينا خروج الصور. . . ." إلى آخره.
وإسناده صحيح، وأبو كامل اسمه فضيل بن الحسين الجحدري شيخ مسلم وأبي داود والبخاري في التعاليق، وعبد الواحد بن زياد العبدي البصري روي له الجماعة.
وليث هذا هو ليث بن أبي سليم القرشي الكوفي، أحد مشايخ أبي حنيفة، واحتجت به الأربعة، واستشهد به البخاري، وروى له مسلم مقرونًا بغيره (1).
وهذا الحديث قد روي عن عبد الله بن عمر من غير وجه.
وأخرجه البخاري ومسلم وغيرهما من وجوه مختلفة.
ص: ثم اختلف الناس بعد ذلك في هذه الصور ما هي؟ فقال قوم: قد دخل في ذلك صورة كل شيء مما له روح ومما ليس له روح، قالوا: لأن الأثر جاء في ذلك مبهمًا، واحتجوا في ذلك أيضًا بما حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا أسد، قال: ثنا وكيع ويحيي بن عيسى، عن الأعمش، عن أبي الضحى، عن مسروق، عن عبد الله قال: قال رسول الله عليه السلام: "أشد الناس عذابًا يوم القيامة المصورون".
حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو الوليد، قال: ثنا شعبة، قال: ثنا عون بن أبي جحيفة، أخبرني عن أبيه قال:"لعن رسول الله عليه السلام المصور".
ش: أراد بالقوم هؤلاء: جماعة من أهل الحديث وجماعة من أهل الظاهر، قد دخل في عموم ما روي من الأحاديث صورة كل شيء، سواء كانت مما له روح أو من الجمادات كالأشجار والأتمار ونحوهما.
واحتجوا في ذلك أيضًا بحديث عبد الله بن مسعود وأبي حجيفة.
أما حديث عبد اللهَ فأخرجه بإسناد صحيح، عن ربيع بن سليمان المؤذن، عن أسد بن موسى، عن وكيع ويحيى بن عيسى بن عبد الرحمن النهشلي الكوفي الجزار، كلاهما عن سليمان الأعمش، عن أبي الضحي مسلم بن صَبيح، عن مسروق بن الأجدع، عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.
وأخرجه مسلم (2): عن عثمان بن أبي شيبة، عن جرير، عن الأعمش. . . . إلى آخره نحوه.
(1) والجمهور علي تضعيفه لأجل اختلاطه حتى قال الحافظ في "التقريب": صدوق اختلط جدًّا ولم يتميز حديثه، فترك.
(2)
"صحيح مسلم"(3/ 1670 رقم 2109).
وابن أبي شيبة في "مصنفه"(1): عن أبي معاوية ووكيع، كلاهما عن الأعمش. . . . إلي آخره نحوه.
وأما حديث أبي جحيفة فأخرجه أيضًا بإسناد صحيح، عن أبي بكرة بكار القاضي، عن أبي الوليد هشام بن عبد الملك الطيالسي شيخ البخاري، عن شعبة، عن عون بن أبي جحيفة، عن أبيه أبي جحيفة، واسمه وهب بن عبد الله السوائي الصحابي.
وأخرجه أحمد في "مسنده"(2) بأتم منه: ثنا عثمان، ثنا شعبة، أخبرني عون بن أبي جحيفة قال:"رأيت أبي اشترى حَجَّامًا فأمر بالمحاجم فكسرت، قال: فسألته عن ذلك، فقال: إن رسول الله عليه السلام نهى عن ثمن الدم، وثمن الكلب، وكسب البغي، ولعن الواشمة والمستوشمة وآكل الربا وموكله، ولعن المصور".
ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: ما لم يكن له من ذلك روح فلا بأس بتصويره، وما كان له روح فهو المنهي عن تصويره، واحتجوا في ذلك بما روي عن ابن عباس:
حدثنا بكار، قال: ثنا عبد الله بن حمران، قال: ثنا عوف بن أبي جميلة، عن سعيد بن أبي الحسن قال:"كنت عند ابن عباس، إذ أتاه رجل فقال: يا ابن عباس، إنما معيشتى من صنعة يدي، وأنا أصبغ هذه التصاوير، فقال ابن عباس: لا أحدثك إلا ما سمعت [من] (3) رسول الله عليه السلام يقول: من [صوّر] (4) صورة فإن الله معذبه عليها يوم القيامة حتى ينفخ فيها الروح، وليس بنافخ أبدًا، قال: فربا الرجل ربوة شديدة وأصفر وجهه. فقال: ويحك، إن أبيت إلا أن تصنع، فعليك بالشجر وكل شيء ليس فيه الروح".
(1)"مصنف ابن أبي شيبة"(5/ 200 رقم 25209)، وليس فيه ذكر وكيع.
(2)
"مسند أحمد"(4/ 308 رقم 18778).
(3)
ليست في "شرح معاني الآثار".
(4)
ليست في "الأصل"، والمثبت من "شرح معاني الآثار".
حدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا قبيصة، قال: ثنا سفيان، عن عوف. . . . فذكر بإسناده مثله.
وقد دل علي صحة ما قال ابن عباس من هذا: قول رسول الله عليه السلام: "فإن الله يعذبه عليها حتى ينفخ فيها الروح".
فدل ذلك علي أن ما نهي من تصويره هو ما يكون فيه الروح.
ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وهم الجمهور من الفقهاء وأهل الحديث؛ فإنهم قالوا: كل صورة لا تشبه صور الحيوان كصور الشجر والحجر والجبل ونحو ذلك فلا بأس بها، وقد دل علي ذلك قول ابن عباس في حديثه:"فعليك بالشجر وكل شيء ليس فيه الروح" فإن ابن عباس استنبط قوله هذا من قوله عليه السلام: "فإن الله يعذبه عليها حتى ينفخ فيها الروح، فدل هذا أن المصور قد استحق هذا العذاب، لكونه قد باشر تصوير حيوان يختص بالله تعالى، وتصوير جماد ليس في معنى ذلك؛ فلا بأس به.
قوله: "واحتجوا في ذلك". أي احتج هؤلاء الآخرون فيما ذهبوا إليه بحديث ابن عباس رضي الله عنهما.
وأخرجه من طريقين صحيحين:
الأول: عن بكار بن قتيبة، عن عبد الله بن حمران البصري من رجال مسلم عن عوف بن أبي جميلة العبدي البصري الأعرابي عن سعيد بن أبي الحسن أخي الحسن البصري. . . . إلى آخره.
وأخرجه مسلم (1) قال: قرأت علي نصر بن علي الجهضمي، عن عبد الأعلي بن عبد الأعلي، قال: نا يحيي بن إسحاق، عن سعيد بن أبي الحسن قال: "جاء رجل إلى ابن عباس فقال: إني رجل أصور هذه الصور فأفتني فيها، فقال له: ادن مني، فدني، ثم قال: ادن مني، فدنى منه حتى وضع يده علي رأسه، قال: أفتيك بما
(1)"صحيح مسلم"(3/ 1670 رقم 2110).
سمعت من رسول الله عليه السلام: سمعت رسول الله عليه السلام يقول: كل مصور في النار، يجعل له بكل صورة صَوَّرها نفسًا، فيعذبه في جهنم، وقال: إن كنت لابد فاعلًا فاصنع الشجر وما لا نفس له"، فأقر به نصر بن علي.
قوله: "فربا الرجل ربوة" والربوة هي التهيج وتواتر النفس كالذي يعرض للمسرع في مشيه وحركته.
قوله: "ويحك" كلمة ترحم كما أن كلمة ويلك كلمة عذاب.
الثاني: عن علي بن شيبة بن الصلت، عن قبيصة بن عقبة السوائي شيخ البخاري، عن سفيان الثوري، عن عوف الأعرابي. . . . إلى آخره.
ص: وقد روي في ذلك أيضًا عن غير ابن عباس عن النبي عليه السلام قال: "المصورون يعذبون يوم القيامة، ويقال لهم: أحيوا ما خلقتم".
حدثنا فهد، قال: ثنا القعنبي، قال: ثنا عبد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر أن رسول الله عليه السلام قال:"المصورون يعذبون يوم القيامة، يقال لهم: أحيوا ما خلقتم".
حدثنا أحمد بن داود، قال: ثنا سليمان بن حرب، قال: ثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، عن رسول الله عليه السلام مثله.
حدثنا يزيد بن سنان، قال: ثنا موسى بن إسماعيل، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن أيوب. . . . فذكر بإسناده مثله.
حدثنا علي بن معبد، قال: ثنا يزيد بن هارون، قال: أنا همام بن يحيي، عن قتادة، عن عكرمة، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله عليه السلام: "من صور صورة عذب يوم القيامة حتى ينفخ فيها الروح، وليس بنافخ".
فمعنى هذه الآثار معنى ما رويناه عن ابن عباس رضي الله عنهما.
ش: أي قد روي عن النبي عليه السلام في معنى قول ابن عباس عن غيره من الصحابة، وأخرجه في ذلك عن ابن عمر وأبي هريرة.
أما عن ابن عمر فأخرجه من ثلاث طرق صحاح:
الأول: عن فهد بن سليمان، عن عبد الله بن مسلمة بن قعنب القعنبي شيخ البخاري ومسلم، عن عبد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب (1)، عن نافع، عن عبد الله بن عمر.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه"(2): عن علي بن مسهر، عن عبد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر.
الثاني: عن أحمد بن داود المكي شيخ الطبراني، عن سليمان بن حرب الواشحي شيخ البخاري، عن حماد بن زيد، عن أيوب السختياني، عن نافع، عن ابن عمر.
وأخرجه مسلم (3): عن ابن أبي عمر، عن الثقفي، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، نحوه.
الثالث: عن يزيد بن سنان القزاز -شيخ النسائي- عن موسي بن إسماعيل المنقري التبوذكي شيخ البخاري وأبي داود، عن حماد بن سلمة، عن أيوب السختياني. . . . إلى آخره.
وأخرجه النسائي (4) نحوه.
أما عن أبي هريرة فأخرجه أيضًا بإسناد صحيح، عن علي بن معبد بن نوح المصري، عن يزيد بن هارون الواسطي، عن همام بن يحيي، عن قتادة، عن عكرمة، عن أبي هريرة.
وأخرجه النسائي (5): أنا عمرو بن علي، ثنا عفان، ثنا همام، عن قتادة، عن
(1) قلت: عبد الله هذا الأكثرون علي تضعيفه فلا يصحح حديثه.
(2)
"مصنف ابن أبي شيبة"(5/ 200 رقم 25210).
(3)
"صحيح مسلم"(3/ 1670 رقم 2108).
(4)
"المجتبى"(8/ 215 رقم 5361).
(5)
"المجتبى"(8/ 215 رقم 5360).
عكرمة، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله عليه السلام: "مَن صور صورة؛ كلف يوم القيامة أن ينفخ فيها الروح، وليس بنافخ".
ص: وقد روي عن النبي عليه السلام في ذلك أيضًا ما يدل علي هذا المعنى: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا الوحاظي، قال: ثنا عيسى بن يونس، قال: ثنا أبي، قال: لما قدم مجاهد الكوفي أتيته أنا وأبى، فحدثنا عن أبي هريرة قال: قال رسول الله عليه السلام: "أتاني جبريل عليه السلام فقال: يا محمَّد إني جئتك البارحة فلم أستطع أن أدخل البيت؛ لأنه كان في البيت تمثال رجل، فَمُرْ بالتمثال فليقطع رأسه حتى يكون كهيئة الشجرة".
حدثنا سليمان بن شعيب، قال: ثنا علي بن معبد، قال: ثنا أبو بكر بن عياش، عن أبي إسحاق، عن مجاهد، عن أبي هريرة قال:"استأذن جبريل عليه السلام علي رسول الله عليه السلام فقال: ادخل، فقال: كيف أدخل وفي بيتك ستر فيه تماثيل خيل ورجال؟! فإما أن تقطع رءوسها، وإما أن تجعلها بساطًا، فإنَّا معشر الملائكة لا ندخل بيتًا فيه تماثيل".
فلما أبيحت التماثيل بعد قطع رءوسها الذي لو قطع من ذي الروح لم يبق؛ دلَّ ذلك علي إباحة تصوير ما لا روح له، وعلي خروج ما لا روح لمثله من الصور، مما قد نهي عنه في الآثار التي ذكرنا في هذا الباب.
ش: أي قد روي عن النبي عليه السلام في حكم الصورة ما يدل على المعنى الذي قاله ابن عباس، وهو ما رواه أبو هريرة.
وأخرجه من طريقين صحيحين:
الأول: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن يحيي بن صالح الوحاظي الشامي شيخ البخاري، عن عيسى بن يونس عن أبيه يونس بن أبي إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي، عن مجاهد رضي الله عنه.
الثاني: عن سليمان بن شعيب الكيساني، عن علي بن معبد بن شداد الرقي، عن
أبي بكر بن عياش الحناط -بالنون- المقرئ، عن أبي إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي، عن مجاهد.
وأخرجه النسائي (1): أنا هناد بن السري، عن أبي بكر، عن أبي إسحاق، عن مجاهد، عن أبي هريرة، قال:"استأذن جبريل عليه السلام على النبي عليه السلام فقال: كيف أدخل وفي بيتك ستر فيه تصاوير؟! فإما أن تقطع رءوسها، أو تجعل بساطًا توطأ؛ فإنا معاشر الملائكة لا ندخل بيتًا فيه تصاوير".
قوله: "فإنا معشر الملائكة" انتصاب معشر على التخصيص.
قوله: "لا ندخل بيتًا" خبر "إن" في قوله: "إنا". وباقي الكلام ظاهر.
ص: وقد روي عن عكرمة في هذا أيضًا: ما حدثنا محمَّد بن النعمان، قال: ثنا أبو ثابت المدني، قال: ثنا حماد بن زيد، عن رجل، عن عكرمة، عن أبي هريرة قال:"إنما الصورة الرأس، فكل شيء ليس له رأس فليس بصورة".
وفي قول جبريل عليه السلام لرسول الله عليه السلام في حديث أبي هريرة: "إما أن تجعلها بساطًا وإما أن تقطع رءوسها دليل علي أنه لم يُبَحْ من استعمال ما فيه تلك الصور إلا بأن تبسط".
ش: أي وقد روي عن عكرمة في هذا المعنى الذي ذكره، وهو أن الصورة إنما تكره إذا كانت صورة ذي روح، أما إذا كانت صورة غير ذي روح فلا بأس بها، وكذلك إذا كانت صورة ذي روح ولكن قطعت صورتها، ألا ترى إلى ما روي عكرمة عن أبي هريرة قال:"إنما الصورة الرأس، فكل شيء ليس له رأس فليس بصورة"، وعن هذا قالت أصحابنا: الصورة إذا كانت ممحوة الرأس فلا بأس بها.
فالحاصل هاهنا أن الممنوع هو الصورة التي تشبه ذا الروح، وأما الصورة التي لا تشبه ذا الروح، أو الممحوة الرأس، أو التي مما توطأ وتمتهن فلا بأس بها، ثم إسناد ما رواه عكرمة عن أبي هريرة مجهول.
(1)"المجتبى"(8/ 216 رقم 5365).
وأبو ثابت المدني اسمه محمَّد بن عبيد الله بن محمَّد مولى عثمان بن عفان، شيخ البخاري.
ص: فإن قال قائل: ففي حديث أبي طلحة أنه كان في بيته ستر فيه تصاوير ولم يدخل ذلك عنده فيما سمع من النبى عليه السلام: "لا تدخل الملائكة بيتًا فيه صورة"؛ لأنه سمع من النبي عليه السلام يقول: "إلا ما كان رقمًا في ثوب".
قيل له: أما ما ذكرت من الستر فإنما هو فعل أبي طلحة، وقد يجوز أن يكون النبي عليه السلام لم يَقِفْهُ علي أن ذلك الثوب المستثني هو الستر، وقد يجوز [أن](1) يكون الستر أيضًا فيما استثنى، فلما احتمل ذلك ما ذكرناه وكان من حديث مجاهد، عن أبي هريرة، عن رسول الله عليه السلام ما وصفنا؛ علمنا أن الثياب المستثناة [هي](2) الثياب المبسوطة كهيئة البسط لا ما سواها من الثياب المعلقة والملبوسة. وهذا قول أبي حنيفة وأيى يوسف ومحمد رحمهم الله.
ش: هذا السؤال يرد علي قوله: "ومن قول جبريل عليه السلام. . . . إلي آخره". تقريره أن يقال: كيف تقتصر في تخصيص إباحة استعمال ما فيه الصورة علي ما إذا كانت مما يبسط ويمتهن، وقد ذكر في حديث أبي طلحة المذكور فيما مضى أنه كان في بيته ستر فيه تصاوير، وهو قد روى عن النبي عليه السلام أنه قال:"لا تدخل الملائكة بيتًا فيه صورة"؟!
فدل أن ذلك لم يدخل فيما سمعه من هذا، وأن ما سمعه قد خُصَّ أيضًا بقوله عليه السلام في حديث أبي طلحة أيضًا:"إلا ما كان رقمًا في ثوب".
وتقرير الجواب: أن الستر في بيت أبي طلحة إنما كان من فعله، ولكن يحتمل أن [يكون] (3) قد فهم أن ذلك الثوب المستثني في قوله عليه السلام:"إلا ما كان رقمًا في ثوب"
(1) تكررت في "الأصل".
(2)
في "الأصل، ك": "هو".
(3)
ليست في "الأصل" ووضعها أليق بالسياق.
إنما هو الستر الذي فيه تصاوير، ويحتمل أن يكون غير ذلك؛ لأنه عليه السلام لم يوقفه علي ذلك، فإذا كان هذا دائرًا بين الأمرين؛ صرنا إلى حديث مجاهد عن أبي هريرة رضي الله عنه فإنه صَرَّح فيه أن الستر الذي فيه تصاوير قد منع من دخول الملائكة، حيث قال جبريل عليه السلام:"كيف أدخل وفي بيتك ستر فيه تماثيل خيل ورجال؟ فإما أن تقطع رءوسها وإما أن تجعلها بساطًا".
فعلمنا من هذا أن الثوب الذي استثناه النبي عليه السلام بقوله: "إلا ما كان رقمًا في ثوب" هو الثوب الذي يبسط ويمتهن لا ما سوى ذلك من الثياب المعلقة أو الملبوسة، فافهم.
فإن قيل: قد روي في حديث زيد بن خالد الجهني قال بُسْر: "فمرض زيد بن خالد، فعدناه فإذا نحن في بيته بستر فيه تصاوير، فقلت لعبد الله الخولاني: ألم تسمع حديثًا في التصاوير؟ قال: إنه قد قال: إلا رقمًا في ثوب" وقد مضى الحديث فيما قبل.
قلت: الجواب عنه كالجواب المذكور سواء.