المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ص: باب القسم - نخب الأفكار في تنقيح مباني الأخبار في شرح معاني الآثار - جـ ١٣

[بدر الدين العيني]

فهرس الكتاب

- ‌ص: باب من أوجب أضحية في أيام العشر أو عزم على أن يضحي هل له أن يقص شعره أو أظفاره

- ‌ص: باب الذبح بالسن أو الظفر

- ‌ص: باب أكل لحوم الأضاحي بعد ثلاثة أيام

- ‌ص: باب أكل الضبع

- ‌ص: باب صيد المدينة

- ‌ص: باب أكل الضباب

- ‌ص: باب أكل لحوم الحمر الأهلية

- ‌ص: باب أكل لحم الفرس

- ‌ص: كتاب الكراهة

- ‌ص: باب حلق الشارب

- ‌ص: باب استقبال القبلة بالفروج للغائط والبول

- ‌ص: باب أكل الثوم والبصل والكراث

- ‌ص: باب الرجل يمر بالحائط أله أن يأكل منه أم لا

- ‌ص: باب: لبس الحرير

- ‌ص: باب: الثوب يكون فيه علم الحرير أو يكون فيه من الحرير

- ‌ص: باب الرجل يتحرك سِنُّه هل يَشُدُّها بالذهب أم لا

- ‌ص: باب: التختم بالذهب

- ‌ص: باب نقش الخواتيم

- ‌ص: باب لبس الخاتم لغير ذي سلطان

- ‌ص: باب البول قائمًا

- ‌ص: باب القَسَم

- ‌ص: باب الشرب قائمًا

- ‌ص: باب: وضع إحدي الرجلين على الأخري

- ‌ص: باب: الرجل يتطرق في المسجد بالسهام

- ‌ص: باب: المعانقة

- ‌ص: باب: الصور تكون في الثياب

- ‌ص: باب: الرجل يقول: أستغفر الله وأتوب إليه

- ‌ص: باب: البكاء علي الميت

الفصل: ‌ص: باب القسم

‌ص: باب القَسَم

ش: أي هذا باب في بيان حكم القَسَم وهو بفتحتين، بمعنى اليمين قال الجوهري: القَسَمُ -بالتحريك-: اليمين، وكذلك المُقْسَمْ، وهو المصدر مثل المُخْرَج، والمقسم أيضًا موضع القسم.

قلت: قال الله تعالى: {وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ} (1). أي يمين عظيم.

ص: حدثنا إسحاق بن الحسن الطحان قال: ثنا سعيد ابن أبي مريم، قال: أنا سفيان بن عيينة، عن يونس بن يزيد، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس في حديث طويل فيه ذكر رؤيا عبرها أبو بكر رضي الله عنه عند رسول الله عليه السلام، فقال:"أصبتُ يا رسول الله؟ قال: أصبتَ بعضًا وأخطأتَ بعضا، قال: أقسمتُ عليك يا رسول الله، قال: لا تقسم".

ش: إسناده صحيح ورجاله كلهم رجال الصحيح ما خلا إسحاق الطحان مولى بني هاشم.

وأخرجه البخاري (2) بتمامه: ثنا يحيى [بن](3) بكير، نا الليث، عن يونس، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة: "أن ابن عباس كان يحدث أن رجلًا أتى رسول الله عليه السلام فقال: إني رأيت الليلة في المنام ظلة تنطف السمن والعسل، فأرى الناس يتلقفون منها، فالمستكثر والمستقل، وإذا سبب واصل من الأرض إلى السماء، فأراك أخذت به فعلوت به، ثم أخذ به رجل آخر فعلا به، ثم أخذ به رجل آخر فانقطع، ثم وصل، فقال أبو بكر رضي الله عنه: يا رسول الله بأبي أنت، والله لتدعني فأعبرها، فقال النبي عليه السلام: اعبر، قال: أما الظلة فالإِسلام، وأما الذي ينطف العسل والسمن فالقرآن حلاوته تنطف، فالمستكثر من القرآن، والمستقل،

(1) سورة الواقعة، آية:[76].

(2)

"صحيح البخاري"(6/ 2582 رقم 6639).

(3)

في "الأصل، ك": "عن"، وهو تحريف، والمثبت من "صحيح البخاري".

ص: 389

وأما السبب الواصل من السماء إلى الأرض فالحق الذي أنت عليه، تأخذ به فيعليك الله، ثم يأخذ به رجل بعدك فيعلو به، ثم يأخذ رجل آخر فيعلو به، ثم يأخذه رجل آخر فينقطع به، ثم يوصل له فيعلو به، فأخبرني يا رسول الله بأبي أنت، أصبتُ أم أخطأتُ، فقال النبي عليه السلام: أصبتَ بعضًا وأخطأتَ بعضًا، قال: فوالله لتحدثني بالذي أخطأتُ، قال النبي عليه السلام: لا تقسم".

أخرجه بقية الجماعة (1) غير الترمذي.

لكن أبا داود أخرجه مختصرًا (2) وقال: ثنا أحمد بن حنبل، قال: ثنا سفيان [عن الزهري](3) عن عبيد الله عن ابن عباس: "أن أبا بكر رضي الله عنه أقسم على النبي عليه السلام، فقال له النبي عليه السلام: لا تقسم".

قوله: "ظُلُّة" بضم الظاء: السحابة، ومعنى تنطف: تقطر، يقال: نَطَفَ الماء يَنْطُفُ إذا قطر قليلًا قليلًا.

قوله: "يتكففون" أي يمدون أكفهم إليه لكيلا يقع.

قوله: "فالمستكثر والمستقل": أي فمنهم مستكثر أي الآخذ بالكثير، ومنهم مستقل، أي الآخذ بالقليل.

قوله: "وإذا سبب" أي حَبلٌ.

قوله: "اعبر" أمر من عَبَرْتُ الرؤيا أعبرها عبرًا، من باب نَصَرَ يَنْصُر، أي أَوَّلتها وفسرتها، وكذلك عبّرت، بالتشديد.

وقال الخطابي: به يستدل من ذهب إلى أن القَسَم لا يكون يمينًا مجردة حتى

(1)"صحيح مسلم"(4/ 1777 رقم 2269) وأبو داود بطوله في "سننه"(2/ 618 رقم 4632) والنسائي في "الكبرى"(4/ 387 رقم 7640) وابن ماجه في "سننه"(2/ 1289 رقم 3918).

(2)

قلت: بل رواه بطوله كما في التعليق السابق، وأما هذا الطريق فهو في "السنن"(2/ 246 رقم 3267).

(3)

ليست في "الأصل، ك"، والمثبت من "سنن أبي داود".

ص: 390

يقول: أقسمت بالله، وذلك أن النبي عليه السلام قد أمر بإبرار القَسَم، فلو كان قوله:"أقسمت" يمينا لأشبه أن يبَرَّه، وإلى هذا ذهب مالك والشافعي.

وقد يستدل به من يرى القسم يمينًا على وجه آخر، ويقول: لولا أنه يمين ما كان عليه السلام يقول له: "لا تقسم"، وإليه ذهب أبو حنيفة.

ص: فذهب قوم إلى كراهة القسم، وقالوا: لا ينبغي لأحد أن يقسم على شيء، وأعظموا ذلك، وكان ممن أعظم ذلك الليث بن سعد: فذكر لي غير واحد من أصحابنا، عن عيسى بن حماد زغبة، قال:"أتيت بكر بن مضر لأعوده فجاء الليث، فهم بالصعود إليه، فقال له بكر: أقسمت عليك أن تفعل، فقال له الليث: أو تدري ما القسم؟ أو تدري ما القسم؟ أو تدري ما القسم؟ ".

ش: أراد بالقوم هؤلاء: الزهري وعبيد الله بن عبد الله والليث بن سعد؛ فإنهم قالوا: لا ينبغي لأحد أن يقسم على شيء، واحتجوا على ذلك بالحديث المذكور.

قوله: "وكان ممن أعظم ذلك" أي كان من الذي أعظم القسم على الشيء الليث بن سعد رحمه الله.

قال الطحاوي: ذكر لي غير واحد من أصحابنا عن عيسى بن حماد بن مسلم بن عبد الله التجيبي أبي موسى المصري، الملقب زغبة، شيخ مسلم وأبي داود النسائي وابن ماجه.

وزغبة -بضم الزاي وسكون الغين المعجمتين، وفتح الباء الموحدة- قال: أتيت بكر بن مضر بن محمَّد أبا عبد الملك المصري مولى ربيعة بن شرحبيل بن حسنة الكندي.

ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فلم يروا بالقسم بأسًا، وجعلوه يمينًا، وحكموا له بحكم اليمين، وقالوا: قد ذكر الله عز وجل في غير موضع في كتابه، فقال عز وجل:{لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ (1) وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ} (1)، وقال:

(1) سورة القيامة، الآية:[1، 2].

ص: 391

{فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ} (1)، وقال:{لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ} (2) فكان تأويل ذلك عند العلماء جميعًا أقسم بيوم القيامة، و"لا": صلة، وقال الله عز وجل:{وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا} (3) فلم يعبهم بقسمهم، ورد عليهم كفرهم، فقال:{بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا} (3) وكان في ذكره {جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ} (3) دليل على أن ذلك القسم الذي كان منهم: يمينًا، وقال الله عز وجل:{إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ} (4) فلم يعب ذلك عليهم ثم قال عز وجل: {وَلَا يَسْتَثْنُونَ} (5).

فحدثني سليمان بن شعيب، عن أبيه، عن محمَّد بن الحسن قال: في هذه الآية دليل على أن القسم يمين، لأن الاستثناء لا يكون إلا في اليمين.

وإذا كانت يمينًا كانت مباحة فيما سائر الأيمان فيه مباحة، ومكروهة فيما سائر الأيمان فيه مكروهة.

ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم النخعي والثوري وأبا حنيفة وأصحابه، فإنهم قالوا: لا بأس بالقسم، فإذا قال: أقسم أو أقسمت يكون يمينًا، ويكون حكمه حكم اليمين، حتى تجب عليه الكفارة عند الحنث كما في اليمين.

قوله: "وقالوا. . . ." إلى آخره بيان احتجاجهم فيما ذهبوا إليه من صحة القسم بالآيات المذكورة، وهو ظاهر.

ثم اختلف العلماء في كلمة "لا" المتقدمة على القسم في الآيات المذكورة.

(1) سورة الواقعة، الآية:[75].

(2)

سورة البلد، الآية:[1].

(3)

سورة النحل، الآية:[38].

(4)

سورة القلم، الآية:[17].

(5)

سورة القلم، الآية:[18].

ص: 392

فقال بعضهم: إنها صلة، أي زائدة، ثم اختلف هؤلاء في فائدتها على قولين: أحدهما: أنها توطئة وتمهيدًا لنفي الجواب، والتقدير:"لا أقسم بيوم القيامة لا يتركون سدى" ومثله: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ} (1) وقول الشاعر:

لَا وأَبيكِ ابنةَ العامِريِّ

لا يَدَّعِي القومُ أنِّي أفِر

ورُدَّ بقوله تعالى: {لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ} (2) الآيات فإن جوابه مثبت وهو: {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ} (3) ومثله: {فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ} (4).

والثاني: أنها زيدت لمجرد التأكيد كما في {لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ} (5).

وقال بعضهم: إنها نافية، ثم اختلفوا في منفيها على قولين:

أحدهما: أنه شيء تقدم، وهو ما حكي عنهم كثيرًا من إنكار البعث، فقيل لهم: ليس الأمر كذلك، ثم استؤنف القسم، قالوا: وإنما صح ذلك لأن القرآن كله كالسورة، ولهذا يذكر الشيء في سورة وجوابه في آخرى. نحوه:{وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ} (6) وجوابه: {مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ} (7).

والثاني: أن منفيَّها: "أقسم" وذلك على أن يكون إخبارًا لا إنشاء، واختاره الزمخشري.

(1) سورة النساء، آية:[65].

(2)

سورة البلد، آية:[1].

(3)

سورة البلد، آية:[4].

(4)

سورة الواقعة، آية:[4].

(5)

سورة الحديد، آية:[29].

(6)

سورة الحجر، آية:[6].

(7)

سورة القلم، آية:[2].

ص: 393

ص: ولا حجة عندنا على أهل هذه المقالة في حديث ابن عباس الذي ذكرناه، فإنه يجوز أن يكون الذي كره رسول الله عليه السلام في القسم لأبي بكر رضي الله عنه من أجله، هو أن التعبير الذي صَوَّبَه في بعضه وخَطَّأه في بعضه لم يكن ذلك منه من جهة الوحي، ولكن من جهة ما يعبّر له الرؤيا، كما نهى أن توطأ الحوامل على الاشفاق منه أن يضر ذلك أولادهم، فلما بلغه أن فارس والروم يفعلون ذلك فلا يضر أولادهم أطلق ما كان حَظَر من ذلك، وكما في تلقيح النخل: ما أظن أن ذلك يغني شيئًا، فتركوه ونزعوا عنه، فبلغ ذلك النبي عليه السلام فقال:"إنما هو ظن ظننته، إن كان يغني شيئًا فليصنعوه، فإنما أنا بشر مثلكم وإنما هو ظن ظننته، والظن يخطئ ويصيب، ولكن ما قلت: قال الله عز وجل، فلن أكذب على الله".

حدثنا بذلك يزيد بن سنان، قال: ثنا أبو عامر، قال: ثنا إسرائيل، عن سماك، عن موسى بن طلحة، عن أبيه.

فأخبر رسول الله عليه السلام أن ما قاله من جهة الظن فهو فيه كسائر البشر في ظنونهم، وأن الذي يقوله عن الله عز وجل، فهو الذي لا يجوز خلافه، وكانت الرؤيا إنما تعبر بالظن والتحري.

وقد روي ذلك عن محمَّد بن سيرين: واحتج بقول الله عز وجل: {وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا} (1) فكما كان التعبير من هذه الجهة التي لا حقيقة فيها؛ كره رسول الله عليه السلام لأبي بكر رضي الله عنه أن يقسم عليه؛ ليخبره بما يظنه صوابه على أنه عنده كذلك، وقد يكون في الحقيقة بخلافة.

ألا ترى أن رجلًا لو نظر في مسألة من الفقه واجتهد، فأدى اجتهاده إلى شيء، وسعه القول به ورَدُّ ما خالفه وتخطئة قائله، إذ كانت الدلائل التي بها يستخرج الجواب في ذلك دامغة له، ولو حلف على أن ذلك الجواب صواب كان مخطئًا، لأنه لم يكلف إصابة الصواب، فيكون ما قاله هو الصواب ولكنه كُلِّفَ الاجتهاد، فقد يؤديه

(1) سورة يوسف، آية:[42].

ص: 394

الاجتهاد إلى الصواب، وإلى غير الصواب، فمن هذه الجهة كره رسول الله عليه السلام لأبي بكر رضي الله عنه الحلف عليه ليخبره بصوابه ما هو؟ لا من جهة كراهية القسم.

ش: أراد أن حديث ابن عباس الذي احتجت به أهل المقالة الأولى فيما ذهبوا إليه ليس مما يُلزَم به أهل المقالة الثانية، وبيَّن ذلك بقوله:"فإنه يجوز أن يكون .. إلى آخره" ومبنى هذا الكلام على رأي أهل السنة والجماعة: أن المجتهد يخطئ ويصيب خلافا للمعتزلة في أن كل مجتهد مصيب، وأن الرأي قد يقع فيه الغلط في حقه عليه السلام، وفي حق غيره.

ألا ترى أن الصحابة قد خالفوه في بعض الرأي غير مرة، واستصوبهم عليه السلام في ذلك، فمن ذلك أنه لمّا أراد النزول يوم بدر دون الماء، قال له الحباب بن المنذر:"إن كان عن وحي فسمعًا وطاعة، وإن كان عن رأي فإني أرى الصواب أن ننزل على الماء ونتخذ الحياض، فأخذ رسول الله عليه السلام برأيه ونزل على الماء".

ومن ذلك أنه لما أراد يوم الأحزاب أن يعطي المشركين شطر ثمار المدينة لينصرفوا، قام سعد بن معاذ وسعد بن عبادة قالا:"إن كان هذا عن وحي فسمعًا وطاعة، وإن كان عن رأي فلا نعطيهم إلا السيف، قد كنا نحن وهم في الجاهلية، لم يكن لنا ولا لهم دين، وكانوا لا يطمعون في ثمار المدينة إلا بشراء أو قرى، فإذا أعزنا الله تعالى بالدين نعطيهم أموالنا؟! لا نعطيهم إلا السيف، وقال صلى الله عليه وسلم: إني رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحد، فأردت أن أصرفهم عنكم، فإذا أبيتم [فأنتم] (1) وذاك، ثم قال للذين جاءوا للصلح: اذهبوا فلا نعطيكم إلا السيف".

ومن ذلك أنه عليه السلام نهى أن توطأ الحوامل، خوفًا منه أن يضر ذلك أولادهم، ثم لما بلغه أن فارس والروم يفعلون ذلك فلا يحصل الضرر لأولادهم، أطلق ما كان منع من ذلك.

(1) ليست في "الأصل، ك"، والمثبت من "تاريخ الطبري"(2/ 73).

ص: 395

ومن ذلك: "أنه عليه السلام لما قدم المدينة استقبح ما كانوا يصنعونه من تلقيح النخل، فنهاهم عن ذلك فاحشفت، وقال: عَهْدي بثماركم بخلاف هذا؟! فقالوا: نهيتنا عن التلقيح، وإنما كانت جودة الثمر من ذلك، قال: أنتم أعلم بأمر دنياكم، وأنا أعلم بأمر دينكم". وفي رواية الطحاوي: "إنما هو ظن ظننته، إن كان يغني شيئًا. . . ." إلى آخره.

أخرجه بإسناد صحيح: عن يزيد بن سنان، عن أبي عامر عبد الملك بن عمرو العقدي، عن إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي، عن سماك بن حرب، عن موسى بن طلحة التيمي المدني، عن أبيه طلحة بن عبيد الله التيمي المدني أحد العشرة المبشرة بالجنة.

وأخرجه ابن ماجه (1): عن علي بن محمَّد، عن عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن [سماك أنه سمع](2) موسى بن طلحة، عن أبيه، قال:"مررت مع رسول الله عليه السلام في نخل، فرأى قومًا يلقحون النخل، فقال: ما يصنع هؤلاء؟ قال: يأخذون من الذكر فيجعلونه في الأنثى، قال: ما أظن ذلك يغني شيئًا، فبلغهم فتركوه، فنزلوا عنها، فبلغ النبي عليه السلام فقال: إنما هو الظن، إن كان يغني شيئًا فاصنعوه، فإنما أنا بشر مثلكم، وإن الظن يخطئ ويصيب، ولكن ما قلت لكم: قال الله، فلن أكذب على الله".

قالوا: فتبين من ذلك أن الرأي منه كالرأي من غيره في احتمال الغلط، ولكنه عليه السلام لا يقر إلا على الصواب، فإذا أقر على ذلك كان وحيًا في المعنى وهو شبه الوحي في الابتداء، ولكن الشرط أن ينقطع طمعه عن الوحي، وهو نظير ما يشترط في حق الأمة للعمل بالرأي العرفي على الكتاب والسنة، فإذا لم يوجد في ذلك فحينئذ يصار إلى اجتهاد الرأي.

(1)"سنن ابن ماجه"(2/ 825 رقم 2470).

(2)

ليست في "الأصل، ك"، والمثبت من "سنن ابن ماجه".

ص: 396

فإن قيل: قد قال الله تعالى في حقه: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى} (1) فكيف يجوز ما ذكرت؟

قلت: قد قيل: هذا فيما يتلو عليه من القرآن بدليل أول السورة قوله: {وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى} (2) أي والقرآن إذا نزل، وقيل: المراد بالهوى هو هوى النفس الأمارة بالسوء ولا أحدٌ يُجَوِّز على رسول الله عليه السلام اتباع هوى النفس أو القول به.

ولكن طريق الاستنباط والرأي غير هوى النفس، وهذا تأويل قوله تعالى:{قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي} (3) ثم في قوله: {إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ} (3) توضيح جميع ما قلنا، لأن اتباع الوحي إنما يتم في العمل بما فيه الوحي بعينه، واستنباط المعنى منه لإثبات الحكم في نظيره، وذلك بالرأي يكون.

قوله: "يلقحون النخل" قد فسره بقوله: "يأخذون من الذكر فيجعلونه في الأنثى".

قوله: "إنما هو الظن" أي إن الذي قلتُ هو قول عن ظن لا عن يقينٍ إذْ لو كان قوله ذلك عن يقين لما قال لهم بعد ذلك: "فاصنعوه".

ص: وقد روي في ذلك ما يدل على ما ذكرناه.

حدثنا بحر بن نصر، قال: ثنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس -مثل حديث إسحاق بن الحسن الطحان غير أنه قال-:"والله لتخبرني بما أصبت مما أخطأت، فقال رسول الله عليه السلام: لا تقسم".

فدل ذلك على أن ما كره رسول الله عليه السلام هو الحلف فيه على إخباره إياه بصوابه أو خطئه في شيء لم يعلمه رسول الله عليه السلام بالوحي الذي يعلم به حقيقة الأشياء، لا لذكره القسم.

(1) سورة النجم، آية:[3].

(2)

سورة النجم، آية:[1].

(3)

سورة يونس، آية:[15].

ص: 397

ش: أي قد روي في نهي رسول الله عليه السلام أبا بكر رضي الله عنه عن القسم ما يدل على ما ذكرناه في أن المعنى في كراهة رسول الله عليه السلام، هو الحلف في ذلك على إخباره أبا بكر بما أصاب وما أخطأ، بشيء لم يقف عليه رسول الله عليه السلام بالوحي الذي يقف به على حقيقة الأشياء، لا لأن ذلك لذكره القسم.

وقد ذكرنا أن هذا الحديث أخرجه الجماعة غير الترمذي (1).

وابن وهب هو عبد الله.

ويونس وابن يزيد الآيلي.

وابن شهاب هو محمَّد بن مسلم الزهري.

ص: وحدثنا ابن أبي مريم، قال: ثنا الفريابي، قال: ثنا شريك، عن يزيد بن أبي زياد، عن عبد الرحمن بن الحارث، عن ابن عباس قال:"القسم يمين".

فهذا ابن عباس هو الذي روي عنه الحديث الأول قد جعل القسم يمينًا، يعني ذلك دليل على إباحة الحلف به، وأنه عنده كسائر الأيمان، فثبت بذلك ما تأولنا الحديث الأول، وانتفى قول من تأوله على غير ما تأولناه عليه.

ش: ذكر هذا شاهدًا لصحة التأويل الذي أَوَّلَهُ في معنى حديث ابن عباس المذكور، لأن قوله:"القسم يمين" يدلس على إباحة الحلف به، وأنه عنده كسائر الأيمان، فدل ذلك على صحة التأويل المذكور، لأن كلًّا من الحديثين روايته.

وأخرجه عن أحمد بن سعيد بن الحكم بن محمَّد بن أبي مريم المصري، ابن أخي سعيد بن أبي مريم، وهو يروي عن محمَّد بن يوسف الفريابي شيخ البخاري، عن شريك النخعي، عن يزيد بن أبي زياد القرشي الكوفي، فيه مقال، عن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم القرشي المدني، روى له الجماعة سوى مسلم.

(1) تقدم.

ص: 398

ص: قال أبو جعفر رحمه الله: وقد روي في إباحة القسم ما قد حدثنا عبد الغني ابن أبي عقيل، قال: ثنا عبد الرحمن بن زياد، قال: ثنا شعبة، عن أشعث بن سليم، عن معاوية بن سويد بن مقرن، عن البراء بن عازب قال:"أمرنا رسول الله عليه السلام بإبرار القسم".

حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو داود ووهب، قالا: ثنا شعبة. . . .، فذكر بإسناده مثله، غير أنه قال:"بإبرار المقسم".

أفلا ترى أن رسول الله عليه السلام قد أمرنا بإبرار المقسم؟ فلو كان المقسم عاصيًا لما كان ينبغي أن يُبرَّ قسمه.

ش: هذان طريقان صحيحان:

الأول: عن عبد الغني، عن عبد الرحمن بن زياد الرصاصي الثقفي .. إلى آخره.

وهذا الحديث أخرجه الجماعة (1) غير أبي داود، وقد ذكرناه في باب لبس الحرير، لأن الطحاوي قد أخرجه هناك بأتم منه بهذا الإسناد.

الثاني: عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي ووهب بن جرير، كلاهما عن شعبة .. إلى آخره.

قوله: "بإبرار القسم" من أبرّ قسمه أي صدقه، ولذا بَرَّ قسمه.

قوله: "غير أنه قال: بإبرار المُقسم" بضم الميم على صيغة اسم الفاعل من أقسم، وفي الرواية الأولى:"بإبرار القسم" بدون الميم في أوله. فافهم.

ص: حدثنا أبو بكرة وابن مرزوق، قالا: ثنا عبد الله بن بكر السهمي، قال: ثنا حميد الطويل، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله عليه السلام: "إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره".

فلو كان القسم مكروهًا لكان قائله عاصيًا، وَلمَا أبرَّ الله قسم من عصاه.

(1) تقدم.

ص: 399

ش: إسناده صحيح، وأبو بكرة بكار القاضي، وابن مرزوق هو إبراهيم.

ص: وقد روينا فيما تقدم من كتابنا هذا عن المغيرة بن شعبة أنه قال: "صليت مع رسول الله عليه السلام، فوجد ريح ثوم، فلما فرغ من الصلاة قال: من أكل من هذه الشجرة فلا يقربنا في مسجدنا حتى يذهب ريحها، فأتيته، فقلت: أقسمت عليك يا رسول الله لما أعطيتني يدك، فأعطانيها، فأريته جبائر على صدري، فقال: إن لك عذرًا". ولم ينكر عليه إقسامه عليه.

ش: تقدم ذكر الحديث في باب أكل الثوب والبصل والكراث، وقد استوفينا الكلام فيه هناك.

ص: حدثنا جعفر بن سليمان النوفلي، قال: ثنا إبراهيم بن المنذر الحزامي، قال: حدثني عمر بن أبي بكر الموصلي عن ابن أبي الزناد، عن أبيه، عن عمرة، عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت:"أهدي لرسول الله عليه السلام لحم، فقال: أَهدِي لزينب بنت جحش، قالت: فأهديت لها، فردته، فقالت: أقسمت عليك ألَّا رددتها، فرددتها".

فدل ما ذكرنا على إباحة القسم، وأن حكمه حكم اليمين، وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد رحمهم الله.

ش: إبراهيم بن المنذر بن عبد الله بن المنذر بن مغيرة بن عبد الله بن خالد بن حزام الأسدي الحزامي المدني، وثقه يحيى بن معين، وروي عنه ابن ماجه والبخاري في غير الصحيح، وروي له ابن ماجه.

وعمر بن أبي بكر الموصلي قاضي الأردن، قال ابن أبي حاتم: ذاهب الحديث متروك الحديث.

وابن أبي الزناد هو عبد الرحمن بن أبي الزناد، واسمه عبد الله بن ذكوان القرشي المدني، قال النسائي: لا يحتج بحديثه. وعن يحيى: ليس بشيء. روى له الأربعة. وأبوه: أبو الزناد عبد الله، روى له الجماعة.

ص: 400

وأخرج ابن ماجه (1): عن سويد بن سعيد، نا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، عن حارثة بن محمَّد، عن عمرة، عن عائشة:"أن رسول الله عليه السلام إنما آلى لأن زينب ردت عليه هديته، فقالت عائشة رضي الله عنها: لقد أقمأتك، فغضب عليه السلام، فآلى منهن".

وقوله: "أقمأتك" من أقمأته إذا صغرته وذللته، وثلاثية: قَمُؤَ الرجل قَمَاء، والقميءُ -على وزن فعيل-: الصغير الذليل. ذكره الجوهري في فصل القاف والميم المهموز.

ص: وقد روي ذلك عن إبراهيم النخعي؛ حدثنا سليمان بن شعيب، قال: ثنا أبي، عن محمَّد بن الحسن، عن أبي حنيفة، عن حماد، عن إبراهيم قال:"أُقسم وأقسم بالله يمين، وكفارة ذلك كفارة يمين، وقد أقسم رسول الله عليه السلام على نسائه".

ش: أي: قد روي أن حكم القسم حكم اليمين عن إبراهيم النخعي.

أخرجه بإسناد صحيح، ورجاله أشهر من أن يذكروا.

وأخرجه محمَّد في "آثاره".

وهاهنا فرعان:

الأول: أن قوله: "أقسم" فقط، يمين عندنا، وكذلك أَشْهَدُ، وأَحْلِفُ، وقال زفر: لا يكون يمينا ما لم يقل: بالله.

وقال الشافعي:. . . . وإلا فلا.

الثاني: أن قوله: "أقسم بالله" يمين بالإجماع.

ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا أبو حفص الفلاس، قال: ثنا أبو قتيبة، قال: ثنا عبد الرحمن بن أبي الرجال، قال: حدثني أبي، عن عمرة، عن عائشة قالت:"كان رسول الله عليه السلام: أُقْسِمُ بالله لَا أَقْرَبُكُنَّ شهرًا".

(1)"سنن ابن ماجه"(1/ 664 رقم 2060).

ص: 401

ش: هذا شاهد لقوله: "وقد أقسم رسول الله عليه السلام على نسائه".

أخرجه عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي.

عن أبي حفص عمرو بن علي الصيرفي الحافظ شيخ الجماعة، عن أبي قتيبة سَلْم بن قتيبة الشَّعِيري الخرساني نزيل البصرة، روى له الجماعة سوى مسلم. عن عبد الرحمن بن أبي الرجال المدني وثقه يحيى القطان.

عن أبيه أبي الرجال -بالجيم- محمَّد بن عبد الرحمن الأنصاري المدني ثقة، روى له البخاري ومسلم.

عن عمرة بنت عبد الرحمن الأنصارية، وهي أم أبي الرجال، روى لها الجماعة.

وأخرجه ابن ماجه بأتم منه (1): ثنا هشام بن عمار، نا عبد الرحمن بن أبي الرجال، عن أبيه، عن عمرة، عن عائشة قالت:"أقسم رسول الله أن لا يدخل على نسائه شهرًا، فمكث تسعة وعشرين يومًا، حتى إذا كان مساء ثلاثين دخل عليّ، فقلت: إنك أقسمت أن لا تدخل علينا شهرًا، فقال: الشهر كذا، يرسل أصابعه فيه ثلاث مرات، والشهر كذا، وأرسل أصابعه كلها وأمسك أصبعًا واحدًا في الثالثة".

واستفيد منه: أن القسم يمين، ولهذا لما آلى رسول الله عليه السلام عن نسائه، فقال:"أقسم بالله لا أقربكن شهرًا"، ترك قربانهن شهرًا، وهذا إيلاء مقيدة، فتسقط بمضي المدة، بخلاف الإيلاء المعتبرة في الشرع، وهي أن يحلف على ترك قربانها أربعة أشهر أو أكثر، فحكمها أنه إن قربها في المدة المذكورة، حنث في يمينه وكفَّر، وإن لم يقربها حتى مضت أربعة أشهر، بانت منه بتطليقة واحدة عند مضي المدة من غير احتياج إلى تفريق الحاكم، وهو مذهب عليّ وعثمان والعبادلة الأربعة وزيد بن ثابت وعامة الصحابة رضي الله عنهم.

(1)"سنن ابن ماجه"(1/ 664 رقم 2059).

ص: 402