الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وصلاح وكما قال أيضًا: "وكأن العقول مشيرة إلى إحالة كل حكم على معنى. والاعتراف بالتحكم ضرورة العجز. فإذا وجد وجه -سوى الوجوه الخفية الضعيفة- وجب التعليل به"1.
على أن للتعليل -كما هو معلوم- مسالكه وقوانينه المذكورة في علم أصول الفقه. فلا بد من مراعاتها. فليس لأحد أن يعلل بذوقه وتخمينه، وليس لأحد أن يحكم في شرع الله ظنونه وتوهماته، لأن ذلك معناه: القول على الله، وتقصيده ما لم يقصد.
وقد لخص الفقيه الكبير أبو عبد الله المقري -الذي تقدم عنه أن الأصل في الأحكام العقولية لا التعبد- لخص الموقف السليم من ممارسة التعليل، فقال:
"التدقيق2 في تحقيق حكم المشروعية3: من ملح العلم لا من متينه عند المحققين، بخلاف استنباط علل الأحكام وضبط أماراتها. فلا ينبغي المبالغة في التنقير عن الحكم، لا سيما فيما ظاهره التعبد. إذ لا يؤمن فيه من ارتكاب الخطر والوقوع في الخطأ. وحسب الفقيه من ذلك ما كان منصوصًا، أو ظاهرًا، أو قرير من الظهور. فلا يقال4: الزوال وقت الانقلاب إلى العادة5، فطلب عنده البداية بالعبادة. والعصر وقت الانتشار في طلب المعاش، فقيل لهم: تزودوا قبل ذلك المعاد. والمغرب وقت الانقلاب إلى العادة أيضًا"6.
1 الغزالي: شفاء الغليل، 205.
2 أي المبالغة.
3 أي الحكم التي لأجلها شرعت الأحكام.
4 في تعليل مواقيت الصلوات مثلًا فهو يقدم نموذجًا للإفراط في التعليل.
5 أي الرجوع للغذاء والراحة، كما هي العادة.
6 القاعدة 158 من قواعد الفقه.
الرافضون للتعليل:
كما سبقت الإشارة، يفهم من مقدمة الشاطبي المذكورة أن تعليل الشريعة فيه خلاف ما. فقد ذكر -صراحة- أن هذه المسألة اختلف فيها "في علم الكلام"، وأن رأي الرازي هو أن أحكام الله وأفعاله لا تعلل بعلة البتة. ثم أشار -ضمنيا-
إلى وجود مخالفين آخرين، عندما ذكر اتفاق المعتزلة على القول بالتعليل، وأن هذا قول أكثر الفقهاء المتأخرين، مما يشعر بأن غير المعتزلة ليسوا متفقين على هذا، وأن الفقهاء المتقدمين وبعض المتأخرين ليسوا على هذا؟!
هذا مع أن الشاطبي -كما تقدم- اعتبر تعليل الشريعة مسألة مسلمة والأمر في حقيقته كذلك، كما تم توضيحه على الصفحات السابقة.
فمن هم المنكرون للتعليل إذن؟ وما سندهم في هذا الإنكار؟
ذكر شهاب الدين الزنجاني أن عدم التعليل برعاية المصالح هو مذهب والشافعي رضي الله عنه وجماهير أهل السنة" وأن الأحكام الشرعية عندهم "أثبتها الله تحكمًا وتعبدًا، غير معللة، وما يتعلق بها من مصالح العباد، فذلك ضمنًا وتبعًا، لا أصلًا ومقصودًا".
واستثنى من هذا، الأصوليين الأحناف الذين يرون أن الأحكام الشرعية "أثبتها الله تعالى وشرعها معللة بمصالح العباد لا غير"1.
فالزنجاني، وهو في مجال الفقه وأصوله، ينسب هذا المذهب "أي عدم التعليل" إلى الإمام الشافعي وجماهير أهل السنة!! دون أن يقدم على هذا التعميم والإطلاق أي دليل. نعم أورد بعض الفروع التي عللها أبو حنيفة ولم يعللها الشافعي، ولكن هذا لا يدل في شيء على إنكار التعليل جملة، مع نسبته إلى جماهير أهل السنة! بل يقدم لنا الزنجاني ما ينقض دعواه هذه. فقد قدمت قبل بضع صفحات ما نسبه للإمام الشافعي في تعليل شرعية الزكاة، تعليلًا مصلحيا، وأن معنى العبادة يها تبع2.
هذا عن الإمام الشافعي إمامه. وأما عن جماهير أهل السنة، فالأمر أوضح، وأوغل في الإدعاء المحض، وفيما تقدم وما سيأتي مزيد بيان لذلك.
1 تخريج الفروع على الأصول، 38-40.
2 المرجع السابق، 110، وانظر أيضًا موقفًا تعليليا آخر للشافعي في نفس كتاب الزنجاني، ص299 وما بعدها.
أما تاج الدين السبكي، فكان أقرب إلى التدقيق في حكاية المسألة حيث قال: "المشتهر عن المتكلمين أن أحكام الله تعالى لا تعلل، واشتهر عن الفقهاء التعليل1.
وأما ابن النجار الحنبلي، فجاء كلامه أكثر تفصيلًا وتدقيقًا من سابقيه، دون أن يرفع الغموض واللبس عن المسألة. حيث قال: "وفعله تعالى وأمره، لا لعلة ولا لحكمة، في قول اختاره الكثير من أصحابنا، وبعض المالكية والشافعية، واختاره الظاهرية والأشعرية والجهمية. والقول الثاني أنهما لعلة وحكمه. اختاره الطوفي والشيخ تقي الدين، وابن القيم، وابن قاضي الجبل، وحكاه عن إجماع السلف. وهو مذهب الشيعة والمعتزلة. قال الشيخ تقي الدين: لأهل السنة في تعليل أفعال الله وأحكامه قولان. والأكثرون على التعليل2.
والحقيقة أن المسألة -كما قال الشاطبي- اختلف فيها في علم الكلام. ثم انتقل أثرها إلى الميدان الأصولي، لا سيما أن عددًا من كبار المتكلمين ألفوا في علم أصول الفقه، أو - بعبارة أخرى- كانوا أصوليين متكلمين، كما هو معروف.
وأما إذا تركنا جانبًا علم الكلام ومعاركه وتأثيراته، فإننا لن نجد إلا القول بالتعليل، وممارسة التعليل تطبيقًا، في الفقه وأصوله. وكلما رجعنا إلى الوراء، حيث ينعدم أو يتضاءل تأثير علم الكلام في المجال الفقهي الأصولي، كلما وجدنا التعليل مسألة "مسلمة" كما قال الشاطبي. حيث ينظر إلى الشريعة على أنها رحمة، وخبر، وصلاح، وعدل، وتزكية. وأنها لم تترك خيرًا إلا دلت عليه، ولم تترك شرا إلا نهت عنه وسدت طريقه، وأن هذه غايتها وعلتها.
فتعليل الأحكام هو -أولًا- مسلك القرآن والسنة. وقد سرد ابن القيم عشرات الأمثلة من تعليلات القرآن والسنة3. وقال في كتاب "مفتاح دار
1 الإبهاج في شرح المنهاج، 3/ 41.
2 شرح الكوكب المنير، 1/ 312.
3 انظر في إعلام الموقعين، 1/ 196-200.
السعادة" ما نصه: "والقرآن وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم مملوءان من تعليل الأحكام بالحكم والمصالح، وتعليل الخلق بهما، والتنبيه على وجوه الحكم والمصالح، وتعليل الخلق بهما، والتنبيه على وجوه الحكم التي لأجلها شرع تلك الأحكام، ولأجلها خلق تلك الأعيان. ولو كان هذا في القرآن والسنة نحو مائة موضع أو مائتين لسقناها، ولكنه يزيد على ألف موضع بطرق متنوعة"1 ثم نبه على عدد كثير من صيغ التعليل المستعملة في القرآن.
وقد علل الصحابة بفطرتهم السليمة، وبتلقائية لا تكلف فيها، ولا معارض لها. وبنوا اجتهاداتهم على ما فهموه من العلل والمقاصد.
وسار على هذه المحجة البيضاء التابعون، ثم الأئمة المتبعون. ثم ابتلي الناس بعلم الكلام. فجاء التعقيد والخلاف والجدل. وقد قام الدكتور محمد مصطفى شلبي بتقصي وجمع كثير من تعليلات السلف واجتهاداتهم المبنية عليها2، ثم تطرق إلى ما ظهر من "خلاف" في المسألة، حيث قال:"وما كنت بحاجة إلى هذا البحث بعدما تقدم من عرض نصوص التعليل في القرآن والسنة، ومسلك الصحابة والتابعين وتابعيهم فيه، غير متخالفين، ولا متنازعين، وفيه الحجة القاطعة على أن أحكام الله معللة بمصالح العباد، وقد وجد إجماع أو شبه إجماع على هذه الدعوى قبل أن يولد المتخاصمون فيها"3.
على أن ما تردد فيه الدكتور سلبي من انعقاد الإجماع، أو شبه إجماع، لدى المتقدمين، في مسألة التعليل، قد جزم فيه غير واحد من العلماء بانعقاد الإجماع ومن هؤلاء الآمدي -وهو أصولي، شافعي، متكلم- حيث نص على أنه لا يجوز القول بوجود حكم لا لعلة:"إذ هو خلاف إجماع الفقهاء على أن الحكم لا يخلو من علة"4.
1 مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة، 2/ 22.
2 انظر الباب الأول من رسالته تعليل الأحكام.
3 المرجع السابق، 96.
4 الإحكام، 3/ 380.
ثم أكد في موضع آخر أن "أئمة الفقه مجمعة على أن أحكام الله تعالى لا تخلو من حكمة ومقصود"1.
وبمثل هذا صرح ابن الحاجب: "فإن الأحكام شرعت لمصالح العباد، بدليل إجماع الأئمة"2.
ونقل المقري عن أشهب: "إن القائسين مجمعون على التعليل، وإن اختلفوا في عين العلة"3.
والشاطبي نفسه -الذي ذكر صراحة وضمنا وجود مخالفين في المسألة- نجده ينص أيضًا: على وجود إجماع على التعليل، وإن كان في عباراته شيء من التحفظ. فهو يقول:"والإجماع على أن الشارع يقصد بالتكليف المصالح على الجملة4 ويقول أيضًا "الشارع وضع الشريعة على اعتبار المصالح باتفاق5.
وقد انتقد العلامة شاه ولي الله الدهلوي منكري التعليل وأنكر عليهم ظنهم أن الشريعة ليست سوى اختبار وتعبد لا اهتمام لها بشيء من المصالح، ثم قال: "وهذا ظن فاسد تكذبه السنة وإجماع القرون المشهود لها بالخير6.
نعم، الإجماع المذكور في هذه الأقوال منصرف أساسًا إلى السلف من جهة وإلى الفقهاء والأصوليين من جهة أخرى. ولكن هذا لا يغض من قيمته في شيء، بل يزيدها؛ لأنه إجماع السلف المقتدي بهم، ولأنه إجماع أهل الاختصاص بعد ذلك.
ومن هنا، فإن خرق بعض المتكلمين، في زمن متأخر لهذا الإجماع، لا يقدح فيه، بل الإجماع قادح فيما ابتدعوه من النظريات والمقولات الجدلية.
1 الإحكام، 3/ 411.
2 منتهى الوصول والأمل في علمي الأصول والجدل، 184.
3 قواعد الفقه، القاعدة 864.
4 الموافقات، 2/ 126.
5 الموافقات، 1/ 139.
6 حجة الله البالغة، 1/ 6.
ومن هنا أيضًا، فلا عبرة بما قاله ابن السبكي وهو يعقب على قول البيضاوي "الاستقراء دل على أن الله تعالى شرع أحكامه لمصالح عباده تفضلًا وإحسانًا"، حيث قال في الشرح1:"وقد ادعى بعضهم الإجماع على أن الأحكام مشروعة لمصالح العباد. وهذه الدعوى باطلة، لأن المتكلمين لم يقولوا بتعليل الأحكام لا بطريق الوجوب، ولا الجواز"2.
ولعلنا نتساءل: لماذا أنكر المتكلمون -أو بعضهم على الأصح- القول بالتعليل؟ وما دليلهم على هذا الإنكار؟
ورغم أني أعتبر أن موقف المتكلمين هذا ليس له كبير أهمية في مجالنا موضوعنا، ولا سيما بعد كل ما قدمته عن صحة التعليل وبداهته، فإني أقف قليلًا عند هذا التساؤل، وذلك لأجل "تصفية" المسألة، ومحو كل شبهة حولها، حتى تكون "مسلمة" كما قال الشاطبي.
وأترك ابن السبكي -أحد المنكرين للتعليل- يتمم كلامه السابق حيث يقول: "لأن المتكلمين لم يقولوا بتعليل الأحكام بالمصالح، لا بطريق الوجوب ولا الجواز. وهو اللائق بأصولهم. وقد قالوا: لا يجوز أن تعلل أفعال الله تعالى، لأن من فعل فعلًا لغرض، كان حصوله بالنسبة إليه أولى، سواء كان الغرض يعود إليه أم إلى الغير، وإذا كان كذلك، يكون ناقصًا في نفسه مستكملًا في غيره. ويتعالى الله سبحانه عن ذلك3.
هذا هو "الدليل" الذي يتردد عند المتكلمين الأشاعرة كلما ذكر إنكارهم للتعليل. وقد تعرض هذا المنطق لنقد كثير من العلماء وردوه جملة وتفصيلًا، حتى قال العلامة محمد الطاهر ابن عاشور: "والحاصل أن الدليل الذي استدلوا به، يشتمل على مقدمتين سسفسطائيتين: أولاهما قولهم: إنه لو كان الفعل لغرض للزم
1 أي في شرح على "المنهاج" للبيضاوي، وهو المسمى الإبهاج في شرح المنهاج.
2 الإبهاج، 3/ 62.
3 الإحالة السابقة.
أن يكون الفاعل مستكملا به. وهذه سفسطة شبه فيها الغرض النافع للفاعل، بمعنى الداعي إلى الفعل والراجح إلى ما يناسبه من الكمال، لا توقف كماله عليه. والثانية قولهم: إذا كان الفعل لغرض، كان الغرض سببًا يقتضي عجز الفاعل. وهذا شبه فيه السبب الذي هو بمعنى الباعث، بالسبب الذي يلزم من وجوده الوجود ومن عدم العدم. وكلاهما يطلق عليه سبب1.
وقد رد عليهم -فيمن ردوا- الأصولي الحنفي ابن الهمام الإسكندري، بأن ما يقال فيما أنعم الله به على عباده، يقال فيما شرع لهم من أحكامه، فإذا كان سبحانه قد أسبغ علينا نعمه من خلق وتقويم وصحة ورزق. لمصلحتنا، فكذلك شرع أحكامه لمصلحتنا. فيما يقال هناك يقال هنا ولا فرق2.
ورد حنفي آخر -وبشدة- على هذا المنطق الجدلي، وهو القاضي عبيد الله بن مسعود، المعروف بصدر الشريعة، فقال: "وما أبعد عن الحق قول من قال: إنها غير معللة، فإن بعثة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لاهتداء الخلق، وإظهار المعجزات لتصديقهم. فمن أنكر التعليل فقد أنكر النبوة. وقوله تعالى:{وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} وقوله تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ} وأمثال ذلك كثيرة في القرآن ودالة على ما قلنا. وأيضًا لو لم يفعل لغرض أصلًا، يلزم العبث3.
وإذا كان التعليل على هذه الدرجة من الثبوت والوضوح فما سر هذا الاختلاف الكبير بين المثبتين والمنكرين؟! سؤال محير حقا. وجوابه -مهما يكن- مؤسف جدا. لأنه لا بد وأن يكشف عن جانب -أو جوانب- من الخلل الذي تطرق إلى التفكير الكلامي، والمنطق الكلامي، حتى أصبحت المسلمات التي تواترت بها النصوص، وأجمع عليها المتقدمون، أصبحت محل جدل طويل عند المتكلمين، وعند الأصوليين المتكلمين.
1 التحرير والتنوير، 1/ 380.
2 تيسير التحرير، 3/ 304.
3 التوضيح في حل غوامض التنقيح، 2/ 63.
وقد اهتم عدد من العلماء بهذا "التناقض" وعملوا على رفعه أو تفسيره على الأقل.
ومن هؤلاء ابن السبكي "عبد الوهاب" الذي تبنى "مخرجًا" نقله عن أبيه "علي بن عبد الكافي"، حيث قال:"وما زال الشيخ الإمام، والدي رحمه الله أطال الله عمره، يستشكل الجمع بين كلاميهما1. إلى أن جاء ببديع من القول. فقال في مختصر لطيف كتبه على هذا السؤال وسماه "ورد العلل في فهم العلل": ولا تناقض بين الكلامين: لأن المراد2 أن العلة باعثة على فعل المكلف. مثاله: حفظ النفوس، فإن علة باعثة على القصاص الذي هو فعل المكلف المحكوم به من جهة الشرع. فحكم الشرع لا علة له، ولا باعث عليه"3.
وواضح أن هذا التوفيق ليس إلا تأكيدًا لإنكار التعليل. بل هو خروج عن الموضوع، لأن الناس يتكلمون في تعليل أحكام الشارع لا في تعليل أفعال المكلف. فهذا التأويل للتعليل عند الفقهاء يبدو أشبه بالهزل منه بالجد. وقد تعقبه العطار في حاشيته فقال: "وما قاله صاحب جمع الجوامع، مخترع لوالده، لا معنى له، لأن البعث للحاكم4 على شرع الحكم لا للمكلف5.
وأما ابن الهمام "الحنفي"، فقد حاول تقريب الشقة بقوله:"والأقرب إلى التحقيق أن الخلاف لفظي، مبني على معنى الغرض. فمن فسره بالمنفعة العائدة إلى الفاعل، قال: لا تعلل. ولا ينبغي أن ينازع في هذا. ومن فسره بالعائدة إلى العباد. قال: تعلل، وكذلك لا ينبغي أن ينازع فيه"6. غير أن هذا التوفيق يفقد قيمته حين نجد بعضهم يصر على رفض التعليل حتى باعتبار المنفعة عائدة على العباد.
1 أي كلام الفقهاء القائلين بالتعليل، وكلام المتكلمين المنكرين له.
2 في كلام الفقهاء، والمعللين عمومًا.
3 الإبهاج، 3/ 41 وانظر أيضا جمع الجوامع، 2/ 233.
4 وهو الله سبحانه.
5 عن سلم الوصول لشرح نهاية السول، للشيخ محمد بخيت المطيعي "الحنفي"، 4/ 55.
6 تيسير التحرير، 3/ 304-305.
وقد مال ابن عاشور -شيئًا ما- إلى مثل هذا التوفيق، فقال:"والمسألة مختلف فيها بين المتكلمين اختلافًا يشبه أن يكون لفظًا. فإن جميع المسلمين اتفقوا على أن أفعال الله تعالى ناشئة عن إرادة واختيار، وعلى وفق علمه. وأن جميعها مشتمل على حكم ومصالح. وإنما الخلاف في أنها أتوصف بكونها أغراضًا وعللا غائية أم لا؟ "1.
وقد نبه على أمر قد يكون هو الخلفية الحقيقية لهذا الإنكار الغريب لتعليل الأحكام والأفعال، وهو أن المنكرين قد اضطروا إلى هذا الإنكار فرارًا من المقولات والإلزامات الاعتزالية، التي تجعل القول بالتعليل مقدمة للقول بوجوب الصلاح والأصلح على الله2.
ورغم أن الدكتور البوطي قد ذهب إلى توفيق آخر، فإن تفسيره لهذه القضية يؤكد أيضًا أنها من آثار الجدل الطويل بين المعتزلة والفلاسفة من جهة، والأشاعرة من جهة أخرى. وهو يرى أن التعليل المقصود في علم الكلام، هو غير التعليل الأصولي الفقهي. ولهذا فالتعليل المنفي هناك، هو غير التعليل المثبت هنا. قال:"فالعلة التي يتحدثون عنها في علم الكلام، هي العلة التي يقصدها الفلاسفة، وهي ما يوجب الشيء لذاته. ولا ريب أنه لا يصح أن ينسب هذا التعليل إلى أفعال الله تعالى بأي حال. أما مراد أهل السنة بالعلة التي يثبتونها للأحكام في بحث الأصول، فهو العلة الجعلية التي تبدو لنا كذلك، إذا جعلها الله تعالى موجبة لحكم معين"3.
غير أن هذا التفسير يشوش عليه أن بعضهم -كالسبكيين مثلًا- ينكرون أيضًا تعليل الأحكام التشريعية، وبصورة مطلقة، كما تقدم، ويوردون في ذلك في مباحث القياس. وعلى كل، فملاحظة الدكتور البوطي تفسر -على الأقل- جانبًا من جوانب القضية وتنبه على بعض خلفياتها.
أما الشيخ الدكتور مصطفى شلبي، فقد اتهم الأصوليين المتكلمين بمخالفة طريقة السلف، وهي التعليل بلا نزاع، وأنهم ناقضوا أنفسهم بإنكار التعليل في علم الكلام، وإثباته في علم أصول الفقه، لأن القياس يقوم عليه4.
1 التحرير والتنوير، 1/ 379-381.
2 التحرير والتنوير، 1/ 379-381.
3 ضوابط المصلحة، 96-97.
4 تعليل الأحكام، 105.