الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وجدت وجد مقتضى الأمر والنهي من القصد وعدمه. وإن كانت غير معلومة، فلا بد من التوقف عن القطع على الشارع أنه قصد كذا وكذا"1.
وقد بحث الشاطبي هذه المسألة -بشكل أكثر تفصيلًا- في باب الأوامر والنواهي من كتاب الأحكام، حيث انتهى -بعد حوار شيق طويل- إلى ضرورة احترام ظواهر النصوص وعدم تعطيلها، لكن من غير مغالاة وجمود، ومن غير تنكر للعلل والمصالح الثابتة "فالعمل بالظواهر على تتبع وتغال، بعيد عن مقصود الشارع، كما أن إهمالها إسراف أيضًا.
فإذا ثبت هذا، وعمل العامل على مقتضى المفهوم من علة الأمر والنهي، فهو جار على السنن القويم، موافق لقصد الشارع في ورده وصدره"2.
1 الموافقات، 3/ 394.
2 الموافقات، 3/ 154.
3-
المقاصد الأصلية والمقاصد التبعية:
هذا التقسيم للمقاصد استعمله الشاطبي كثيرًا، وفي عدة مواضع من الموافقات. وقد يستعمل اصطلاحًا آخر، مرادفًا له وهو: القصد الأول، والقصد الثاني، كما مر قريبًا.
ومضمن هذا التقسيم، أن للأحكام الشرعية مقاصد أساسية، تعتبر الغاية الأولى والعليا للحكم، ولهذا مقاصد ثانوية تابعة للأولى، ومكملة لها. "مثال ذلك، النكاح: فإنه مشروع للتناسل على القصد الأول، ويليه طلب السكن، والازدواج، والتعاون على المصالح الدنيوية والأخروية، من الاستمتاع بالحلال، والنظر إلى ما خلق الله من المحاسن في النساء، والتجمل بمال المرأة، أو قيامها عليه وعلى أولاده منها، أو من غيرها، أو إخوته، والتحفظ من الوقوع في المحظور من شهوة الفرج ونظر العين، والازدياد من الشكر بمزيد النعم من الله على العبد، وما أشبه ذلك. فجميع هذا مقصود للشارع من شرع النكاح، فمنه منصوص عليه، أو مشار إليه. ومنه ما علم بدليل آخر ومسلك استقري من ذلك المنصوص.
وذلك أن ما نص عليه من هذه المقاصد التوابع، هو مثبت للمقصد الأصلي، ومقو لحكمته، ومستدع لطلبه وإدامته، ومستجلب لتوالي التراحم والتواصل والتعاطف، الذي يحصل به مقصد الشارع الأصلي من التناسل.
فاستدللنا بذلك على أن كل ما لم ينص عليه مما شأنه ذلك، مقصود للشارع أيضًا"1.
وفي سياق كلام على أقسام الحكم الشرعي، لاحظ هذا المعنى في علاقة أنواع الحكم الشرعي بعضها ببعض. وبصفة خاصة في علاقة المندوب بالواجب وعلاقة المكروه بالمحرم. وفي هذا يقول:"المكروه إذا اعتبرته كذلك مع الممنوع، كان كالمندوب مع الواجب، وبعض الواجبات منه ما يكون مقصودًا، وهو أعظمها. ومنه ما يكون وسيلة وخادمًا للمقصود، كطهارة الحدث وستر العورة، واستقبال القبلة، والأذان للتعريف بالأوقات، وإظهار شعائر الإسلام، مع الصلاة"2.
فواجب الصلاة بالنسبة لبقية الواجبات المكملة لها، هو صورة أخرى من صورة اعتبار الشارع لما يخدم ويكمل مقاصده الأصلية والأساسية. وفي هذا سند للقول بأن ما يخدم ويقوي مقصودًا للشارع، فهو مقصود أيضًا، وإن كان قصدًا تبعيا.
وعلى هذا المهيع جرى، عندما تعرض -في المقدمات- لطلب العلم، وما ينبغي لطالبه وما لا ينبغي. حيث اعتبر أن للعلم مقصودًا أصليا "بالنسبة لطالبه"، وهو: التعبد، وله مقاصد تابعة، قال:
"فالقصد الأصلي، ما تقدم ذكره، وأما التابع، فهو الذي يذكره الجمهور من كون صاحبه شريفًا. وأن قوله نافذ وأن تعظيمه واجب على جميع المكلفين، إذ قام لهم مقام النبي، لأن العلماء ورثة الأنبياء. إلى سائر ما له في
1 الموافقات، 2/ 396- 397. وانظر في نفس السياق تطبيقه لهذا التقسيم على مقاصد الصلاة والصيام، ص399-400.
2 الموافقات، 1/ 152.
الدنيا من المناقب الحميدة، والمآثر الحسنة. والمنازل الرفيعة. فذلك كله غير مقصود من العلم شرعًا، كما أنه غير مقصود من العبادة والانقطاع إلى الله تعالى، وإن كان صاحبه يناله"1.
ورغم أن هذه المقاصد التبعية، غير مقصودة من العلم في الأصل، إلا أنها قد تصبح مشروعة، ومقصودة قصدًا تبعيا. لأن "كل تابع من هذه التوابع، إما أن يكون خادمًا للقصد الأصلي أو لا، فإن كان خادمًا له، فالقصد إليه ابتداء صحيح، وقد قال تعالى في معرض المدح {وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا} 2 وفي القرآن عن إبراهيم عليه السلام {وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِين} 3.
وإن كان غير خادم له، فالقصد إليه ابتداء غير صحيح، كتعلمه رياء، أو ليماري به السفهاء، أو يباهي به العلماء، أو يستميل به قلوب العباد، أو لينال من دنياهم، أو ما أشبه ذلك"4.
وكذلك، عندما تعرض لمبحث الرخصة والعزيمة، اعتبر المقصود بالقصد الأول هو العزيمة. وأما الرخصة فمقصودة بالقصد الثاني5. لأن العزيمة تمثل المصلحة الكلية الأصلية للتشريع. وأما الرخصة فجيء بها في مواطن الحرج قصد رفعه. وهذه مصلحة جزئية عارضة. ومن كانت "العزائم مطردة مع العادات الجارية، والرخص جارية عند انخراق تلك العوائد"6.
وقد سبق أن رأينا أثناء "عرض النظرية" أنه اعتبر أن المقاصد الأصلية هي الضروريات، التي لا حظ فيها للمكلف. بمعنى أنه ملزم بحفظها أحب أم كره،
1 الموافقات، 1/ 67.
2 سورة الفرقان، 74.
3 سورة الشعراء، 84.
4 الموافقات، 1/ 67-68.
5 الموافقات، 1/ 351.
6 الموافقات، 1/ 353.
وأن المقاصد التبعية هي التي روعي فيها حفظ المكلف. ويدخل فيها حاجياته وكمالياته1.
وواضح أنه هنا يتحدث عن المقاصد العامة للشريعة الإسلامية. بينما الأمثلة التي سبق عرضها تتعلق بالمقاصد الجزئية الخاصة بهذا التشريع أو ذاك. وفي كل من المجالين نجد، مقاصد أصلية أساسية، ومقاصد تابعة مكملة، عمومًا وخصوصًا.
وهذا يعكس مدى التناسق الذي يحكم نظرة إمامنا أبي إسحاق، للشريعة في كلياتها وجزئياتها.
غير أن ما يدعو للاستغراب، هو أن هذه القاعدة التي أصلها، واعتمد عليها مرارًا -وهي أن ما كان خادمًا ومقويا ومكملا لمقصود شرعي، فهو أيضًا مقصود للشارع، تبعًا- هذه القاعدة، نجده قد وهنها عند كلامه على الجهة الأولى مما يعرف به مقصود الشارع2 وذلك عندما قيد الأمر -أو النهي- الذي يستفاد منه قصد الشارع بأن يكون تصريحًا. بمعنى أنه لا تدخل فيه الأوامر والنواهي الضمنية، "كالنهي على أضداد المأمور به3، الذي تضمنه الأمر، والأمر الذي تضمنه النهي عن الشيء. فإن النبي والأمر ههنا -إن قيل بهما- فهما بالقصد الثاني لا بالقصد الأول. فأما إن قيل بالنفي، فالأمر أوضح في عدم القصد. وكذلك المر بما لا يتم المأمور إلا به، المذكور في مسألة "ما لا يتم الواجب إلا به"، فدلالة الأمر والنهي في هذا على مقصود الشارع متنازع فيها، فليس داخلًا فيما نحن فيه. ولذلك قيد الأمر والنهي بالتصريحي4.
1 انظر المسألتين الثانية والثالثة من النوع الرابع من مقاصد الشارع.
2 راجع الفقرة السابقة.
3 هي المسألة الملقبة عند الأصوليين، بـ "الأمر بالشيء هل هو نهي عن ضده، أو أضداده؟ " وعكسها: "النهي عن الشيء هل هو أمر بضده؟ " ومن هذا الباب أيضًا: "ما لا يتم الواجب إلا به، هل هو واجب؟ ".
4 الموافقات، 2/ 394.
وواضح أن كلامه يتضمن تشكيكًا -إن لم يكن إنكارًا- في كون الأوامر والنواهي الضمنية "غير المباشرة" تدل على مقصود للشارع، رغم أنه قرر وكرر مرارًا أن مكملات ومقويات ووسائل المقاصد، هي أيضًا مقصودة للشارع. وإن كانت مقاصد تبعية ومقصودة بالقصد الثاني. فالمهم أنها "مقصودة" أيضًا. وهذا هو القول الصواب. وإلا، فكيف نتصور تحقيق مقصود شرعي مع التشكيك في قاعدة: ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وقاعدة: الأمر بالشيء نهي عن ضده؟
كيف يقصد الشارع أمرًا، ولا يقصد ما لا يتم إلا به؟! وكيف يقصد الشارع أمرًا مع الإذن في ضده الذي يمنعه وينفيه؟
وحيث لم يشفع لهاتين القاعدتين، عنده، كونهما محققتين للمقاصد التبعية، وحاميتين للمقاصد الأصلية، وهو شيخ المقاصد، فلا أقل من التسليم بمنطقيتهما، ويكون جمهور الأصوليين آخذ بهما، على ما صرح به شيخه الشريف التلمساني في "مفتاح الوصول"، حيث قال: "الأمر بالشيء هل يقتضي وسيلة المأمور به، أو لا يقتضيها؟ وهو معنى قولهم: ما لا يتم الواجب إلا به هل هو واجب أولًا؟
اختلف الأصوليون في ذلك: فجمهورهم يرى: أن الأمر يقتضي جمع ما يتوقف عليه فعل المأمور به".
ثم قال في المسألة التالية: "اختلفوا في الأمر بالشيء، هل هو نهي عن ضده؟
فجمهور الأصوليين والفقهاء عن أن الأمر بالشيء نهي عن ضده"1.
وهذا ما يؤكده أحد الأصوليين المتأخرين، مع ذكره أيضًا لمن خالفوا الجمهور في المسألة، وهو محمد صديق حسن خان بهادر، حيث يقول: "ذهب الجمهور من
1 مفتاح الوصول، 30-31.
أهل الأصول، ومن الحنفية والشافعية والمحدثين إلى أن الشيء المعين إذا أمر به، كان ذلك الأمر به، نهيا عن الشيء المعين المضاد له. سواء كان الضد واحدًا، كما إذا أمره بالإيمان، فإنه يكون نهيا عن الكفر، وإذا أمره بالحركة، فإنه يكون نهيا عن السكون، أو كان الضد متعددًا، كما إذا أمره بالقيام، فإنه يكون نهيا عن القعود والاضطجاع والسجود وغير ذلك.
وقيل: ليس نهيا عن الضد ولا يقتضيه عقلًا. واختاره الجويني والغزالي وابن الحاجب.
وقيل: إنه نهي عن واحد من الأضداد غير معين. وبه قال جماعة من الحنفية والشافعية والمحدثين.
ومن هؤلاء القائلين بأنه نهي عن الضد، من عمم فقال: إنه نهي عن الضد في الأمر الإيجابي والأمر الندبي. ففي الأول نهي تحريم، وفي الثاني نهي كراهة. ومنهم من خصص ذلك بالأمر الإيجابي دون الندبي.
ومنهم أيضًا من جعل النهي عن الشيء أمرًا بضده، كما جعل الأمر بالشيء نهيا عن ضده"1.
وهذه بعض الأمثلة التي توضح القاعدتين "أي: الأمر بالشيء نهي عن ضده. والنهي عن الشيء أمر بضده":
قوله عز وجل: {وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ} 2 فهذا نهي عن الكتمان، ولكنه في نفس الوقت أمر بضده، وهو التصريح والإظهار.
قوله تعالى: {لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ} 3 فالنهي عن رفع الصوت أمر بخفضه.
1 حصول المأمول من علم الأصول، 74.
2 سورة البقرة، 228.
3 سورة الحجرات، 2.