الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
من النصوص، فلا بد من اشتراط العلم بالعربية. وإن تعلق بالمعاني من المصالح والمفاسد مجردة عن اقتضاء النصوص لها، أو مسلمة من صاحب الاجتهاد في النصوص، فلا يلزم في ذلك العلم بالعربية. وإنما يلزم العلم
بمقاصد الشرع من الشريعة جملة وتفصيلًا، خاصة"1.
1 الموافقات: 4/ 162.
4-
اعتبار المآلات:
أي أن المجتهد، حين يجتهد ويحكم ويفتي، عليه أن يقدر مآلات الأفعال التي هي محل حكمه وإفتائه، وأن يقدر عواقب حكمه وفتواه، وألا يعتبر أن مهمته تنحصر في "إعطاء الحكم الشرعي". بل مهمته أن يحكم في الفعل وهو يستحضر مآله أو مآلاته، وأن يصدر الحكم وهو ناظر إلى أثره أو آثاره. فإذا لم يفعل، فهو إما قاصر عن درجة الاجتهاد أو مقصر فيها.
وهذا فرع عن كون "الأحكام بمقاصدها". فعلى المجتهد الذي أقيم متكلمًا باسم الشرع، أن يكون حريصًا أمينا على بلوغ الأحكام مقاصدها، وعلى إفضاء التكاليف الشرعية إلى أحسن مآلاتها.
ويؤصل إمامنا هذا الأصل بقوله: "النظر في مآلات الأفعال معتبر مقصود شرعًا، كانت الأفعال موافقة أو مخالفة. وذلك أن المجتهد لا يحكم على فعل من الأفعال الصادرة عن المكلفين بالإقدام أو بالإحجام إلا بعد نظره إلى ما يئول إليه ذلك الفعل"1.
وفي السنة النبوية تطبيقات هادية في هذا الباب. فقد امتنع النبي صلى الله عليه وسلم عن قتل المنافقين، مع علمه بهم، ومع علمه باستحقاقهم القتل، وقال:"أخاف عن يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه"2. وتخلى عن إعادة بناء البيت الحرام، حتى لا يثير بلبلة بين العرب، وكثير منهم حديثو عهد بالإسلام، وقال مخاطبًا
1 نفس المرجع: 196.
2 متفق عليه.
عائشة رضي الله عنها: "ألم ترى أن قومك حين بنوا الكعبة، اقتصروا عن قواعد إبراهيم". قالت: فقلت يا رسول الله، أفلا تردها على قواعد إبراهيم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لولا حدثان قومك بالكفر لفعلت"1.
وعندما بال أعرابي في المسجد وقام الصحابة لزجره ومنعه، قال عليه الصلاة والسلام:"لا تزرموه 2، دعوه" 3 إلى آخر الحديث.
فلولا مراعاة المآلات والنتائج، لوجب قتل المنافقين، وإعادة بناء البيت على قواعد إبراهيم، ومنع الأعرابي من إتمام عمله المنكر الشنيع. ولكن الأول كان سيفضي إلى نفور الناس من الإسلام، خشية أن يقتلوا بتهمة النفاق، والثاني يؤدي إلى اعتقاد العرب أن النبي يهدم المقدسات ويغير معالمها، والثالث ليس فيه إلا أن ينجس البائل جسمه وثوبه، وربما نجس مواضع أخرى من المسجد، وربما كان ضرر صحي عليه.
ومن فتاوي هذا الباب: ما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما، حين جاءه رجل يسأله: ألمن قتل مؤمنًا متعمدًا توبة؟ قال: لا، إلا النار، فلما ذهب السائل قيل لابن عباس: أهكذا كنت تفتينا؟! كنت تفتينا أن لمن قتل توبة مقبولة. قال إني لأحسبه رجلًا مغضبًا يريد أن يقتل مؤمنًا. فلما تبعوه وحققوا في الأمر وجدوه كذلك4.
وجاءت امرأة إلى عبد الله بن مغفل، فسألته عن امرأة فجرت فحبلت فلما ولدت قتلت ولدها؟ فقال ابن مغفل: ما لها؟! لها النار.
فانصرفت وهي تبكي، فدعاها ثم قال: ما أرى أمرك إلا أحد أمرين: {وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا} قال: فمسحت عينيها ثم مضت5.
1 هذه رواية الموطأ: 1/ 363.
2 أي لا تقطعوه عن بوله.
3 رواه البخاري ومسلم وغيرهما.
4 تفسير القرطبي: 4/ 97.
5 جامع البيان للطبري، عند تفسير الآية المذكورة "النساء: 110".
فهو رضي الله عنه بعد أن أجابها جوابًا زاجرًا شديدًا لكي ترتدع وتتوب، رأي من حالها أن ذلك قد يدفعها إلى اليأس من رحمة الله، وهذا قد يئول بها إلى الانتحار أو التمادي في الفجور أو ما أشبه هذا من المآلات السيئة، فعدل عن جوابه الأول إلى جواب آخر أليق بحالها.
وقد قرر العلماء أن الفتوى تقدر زمانا ومكانًا وشخصًا. واعتبار المآلات -الذي نحن فيه- يحتاج إلى كل هذا، يحتاج إلى معرفة أحوال الزمان والمكان والأشخاص، لكي يتأتى للمفتي تقدير مآلات الأفعال وآثار فتواه عليها.
ومن هذا الباب أيضًا، ما سماه الشاطبي "تحقيق المناط الخاص"1. ذلك أن تحقيق العالم لمناط الحكم، قد يكون عاما. كتحقيقه لمعنى الفقير الذي يستحق الزكاة. وتحقيقه لمعنى الزاني المحصن، وتحقيقه لمعنى العدالة في الشهادة والرواية. وقد يكون خاصا، أي يتعلق بشخص معين لمعرفة ما يناسبه وما ينطبق عليه من أحكام الشرع، وإلى أي حد تناسبه وتنطبق عليه.
فالاجتهاد في مثل هذه الدرجة من الخصوصية، يحتاج إلى نوع خاص من المجتهدين. فلا يكفي أن يكون المجتهد "قانونيا" ماهر بنصوص التشريع وتفصيلاته، ولكنه يتطلب مجتهدًا ماهرًا -أيضًا- بالنفوس وخفاياها وخصوصياتها، وماهرًا بالملابسات الاجتماعية وتأثيراتها. يقول الشاطبي:"فصاحب هذا التحقيق الخاص هو الذي رزق نورًا يعرف به النفوس ومراميها، وتفاوت إدراكها وقوة تحملها للتكاليف، وصبرها على حمل أعبائها، أو ضعفها، ويعرف التفاتها إلى الحظوظ العاجلة أو عدم التفاتها. فهو يحمل على كل نفس من أحكام النصوص ما يليق بها، بناء على أن ذلك هو المقصود الشرعي في تلقي التكاليف"2.
وفي موضع آخر يقول: "ويسمى صاحب هذه الرتبة: الرباني، والحكيم، والراسخ في العلم، والعالم، والفقيه، والعاقل" ومن خصائص اجتهاده "أنه
1 الموافقات: 4/ 97.
2 الموافقات: 4/ 98.
ناظر في المآلات قبل الجواب عن السؤالات" وغيره يجيب عن السؤال وهو لا يبالي بالمآل1.
ومما يفيد في هذا الباب، ما استنبطه العلماء من حديث النبي صلى الله عليه وسلم:"إذا حكم الحاكم فاجتهد، ثم أصاب، فله أجران، وإذا حكم ثم أخطأ، فله أجر"2، فقد دل الحديث على أن الحاكم ينبغي أن يجتهد كلما حكم، أي كلما هم بالحكم. ولا يغني اجتهاده مرة عن تجديد الاجتهاد في المسائل المشابهة، لأن لكل مسألة خصوصياتها مهما تشابهت مع غيرها. قال القرطبي:"ويفيد هذا صحة ما قاله الأصوليون: إن المجتهد يجب عليه أن يجدد نظرًا عند وقوع النازلة ولا يعتمد على اجتهاده المتقدم"3.
فتحقيق المناطات الخاصة، في الأفراد والواقع، وفي الأزمنة والأمكنة. مما يساعد المجتهد على معرفة المآلات وحسن تقديرها، ليبني اجتهاده وإفتاءه على ذلك، حتى يكون أقرب إلى تحقيق المآلات والنتائج التي يقصد الشارع تحقيقها، وإلى إبعاد المآلات والنائج التي يقصد منعها وإبعادها.
1 نفس المرجع: 232.
2 رواه مسلم.
3 الجامع لأحكام القرآن: 11/ 310-311.