الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
والنفس، والعقل، والنسل، والمال. وأن "كل ما يتضمن حفظ هذه الأصول الخمسة، فهو مصلحة، وكل ما يفوت هذه الأصول فهو مفسدة، ودفعا مصلحة"1.
فهل يمكن أن نتصور مصلحة خارجة عن خدمة هذه الضروريات وبمراتبها الثلاث؟ ما أنا فقد عجزت. وقد قال الإمام الغزالي: "والصحيح أن الاستدلال المرسل في الشرع لا يتصور، حتى نتكلم يه بنفي أو إثبات"2.
وإذًا، فكل المصالح معتبرة، وليست هناك مصلحة "مرسلة" إرسالًا تاما مثلما أنه ليست هناك مصلحة "ملغاة" إلغاء تاما.
1 المستصفى، 1/ 287.
2 المنخول، 359.
إدراك المصالح بالعقل:
وهذه المسألة هي -تقريبًا- المسألة المعروفة في علم الكلام، وفي علم أصول الفقه، بمسألة التحسين والتقبيح. وإنما تجنب استعمال هذه التسمية، وقلت:"تقريبًا"، لأني لا أريد متابعة الجدليات التي دارت حولها، كما لا أريد إسقاط الموضوع في متاهات ما يسمى بعلم الكلام. بل أريد معالجة الموضوع بالقدر الضروري فقط. وإنما تعرضت لهذه المسألة، لما لها -في الأصل- من أهمية وتأثير على موضوع إدراك المصالح، ولأن الشاطبي نفسه لم ينج من بعض الآثار السلبية لها. وأعني بالذات تأثره بالنظرة الأشعرية إلى الموضوع. بل إن هذه النظرة الأشعرية ما زالت رائجة -إن لم تكن سائدة- إلى اليوم.
ولننطلق من الشاطبي -فهو منطلق البحث كله- لنرى بعض مظاهر أشعريته في الموضوع. ومن خلاله، ستتضح معالم النظرية الأشعرية في التحسين والتقبيح.
فهو يصرح بأن نظرته تنبني على ما تقرر في علم الكلام، وهو يعني دون شك علم الكلام الأشعري. ففي المقدمة العاشرة يقرر -كما يقرر ذلك كل مسلم- أنه:"إذا تعاضد النقل والعقل على المسائل الشرعية، فعلى شرط أن يتقدم النقل فيكون متبوعًا، ويتأخر العقل فيكون تابعًا، فلا يسرح العقل في مجال النظر إلا بقدر ما يسرحه النقل1. ثم استدل على ذلك بأدلة منها: "ما تبين في علم الكلام والأصول، من أن العقل لا يحسن ولا يقبح2 بمعنى أنه لا يقدر -ولا يملك الحق- في أن يحكم على الأشياء والأفعال بأنها حسنة أو قبيحة، أي بأنها مصلحة أو مفسدة.
وأما لماذا كان العقل غير قادر على التحسين والتقبيح، فلأن الأشياء والأفعال -حسب النظرية الأشعرية - ليست حسنة ولا قبيحة في حد ذاتها. فكيف يدرك العقل شيئًا "غير موجود" أعني حسن الأشياء وقبحها، أي صلاحها وفسادها.
فليس عندهم شيء حسن إلا بتحسين الشرع له، وليس عندهم شيء قبيح إلا بتقبيح الشرع له. أما بدون تحسين الشرع وتقبيحه، فلا حسن ولا قبح. وكل الأمور على حد سواء. وهذا بالضبط ما يردده الشاطبي، حيث يقول:"كون المصلحة مصلحة تقصد بالحكم، والمفسدة مفسدة كذلك، مما يختص بالشارع، لا مجال للعقل فيه، بناء على قاعدة نفي التحسين والتقبيح. فإذا كان الشارع قد شرع الحكم لمصلحة ما، فهو الواضع لها كمصلحة. وإلا فكان يمكن -عقلًا- أن لا تكون كذلك. إذ الأشياء كلها بالنسبة إلى وضعها الأول متساوية لا قضاء للعقل فيها بحسن ولا قبح. فإذًا، كون المصلحة مصلحة هو من قبل الشارع، بحيث يصدقه العقل وتطمئن إليه النفس"3.
1 الموافقات، 1/ 87.
2 الموافقات، 1/ 87.
3 الموافقات، 2/ 315.
ويؤكد هذا المعنى في سياق آخر، وبشكل أوضح، فيقول:"الأفعال والتروك -من حيث هي أفعال وتروك- متماثلة عقلًا، بالنسبة إلى ما يقصد بها، إذ لا تحسين للعقل ولا تقبيح"1.
ورغم أن الشاطبي -كما هو واضح- يمر على مسألة التحسين والتقبيح مرا سريعًا، على خلاف ما يفعله الأصوليون والمتكلمون الأشاعرة من التوقف المطول والرد المفصل على المعتزلة، رغم هذا، فإن التأثير الأشعري بادٍ على كلامه. فهو يتضمن إنكار حسن الأفعال وقبحها، أي كونها -ذاتها- مصلحة أو مفسدة. إذ الأفعال والتروك -في العقل- "متساوية متماثلة". وإذن، فلا تحسين للعقل ولا تقبيح. وهذا هو جوهر النظرية الأشعرية، يقول الإمام الجويني -وهو أحد أقطاب الأشاعرة- "فليس الحسن صفة زائدة على الشرع مدركة به، وإنما هو عبارة عن نفس ورود الشرع بالثناء على فاعله. وكذلك القول في القبح. فإذا وصفنا فعلًا من الأفعال بالوجوب أو الحظر، فلسنا نعني بما نثبته تقدير صفة للفعل الواجب يتميز بها عما ليس بواجب. وإنما المراد بالواجب: الفعل الذي ورد الشرع بالأمر به إيجابًا. والمراد بالمحظور: الفعل الذي ورد الشرع بالنهي عنه حظرًا وتحريمًا"2.
ومعلوم أنه توجد -بإزاء نظرية الأشاعرة هذه- نظريتان أخريان هما: نظرية المعتزلة، ونظرية الماتريدية.
أما المعتزلة فيرون أن الحسن والقبح ذاتيان عقليان؛ أي أن الأشياء والأفعال والتروك موصوفة بالصلاح والفساد قبل أن يأتي حكم الشرع بذلك، وأن العقل يدرك ذلك ويثبته. ولكنهم لم يقفوا عند هذا الحد. بل ذهبوا إلى أن الإنسان العاقل مكلف بمقتضى عقله عند عدم وجود الحكم الشرعي، ما دام الحسن والقبح عقليين. ومعنى هذا أن الحكم الشرعي يثبت بالعقل كما يثبت بالسمع.
1 الموافقات، 2/ 333.
2 الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أصول الاعتقاد، ص259، "نقلا عن مذاهب الإسلاميين، لعبد الرحمن بدوي، 1/ 743".
وأما الماتريدية، ومن وافقهم أو وافقوه من أهل التحقيق والإنصاف، فقد أثبتوا كون الحسن والقبح ذاتيين عقليين. ولكنهم لم يرتبوا على ذلك ما رتبه المعتزلة، ولم يعتبروا أن التكاليف والأحكام الشرعية تثبت بمجرد العقل. بل لا بد لذلك من السمع.
وإذا كانت النظرية الاعتزالية قد انقرضت مع أصحابها، حتى أصبحت لا تذكر إلا عند خصومها، وفي سياق تفنيدها والتشنيع عليها، فإن نظرية الأشاعرة قد كتب لها الاستمرار والذيوع، وما زال بعض الكتاب -إلى اليوم- يتبنونها بحذافيرها، مع أن الظروف التي أنتجتها قد ولت منذ قرون. فهذا الدكتور محمد سعيد البوطي يقول:"إن الصلاح والفساد في الأفعال، إنما يعتبر كل منهما أثرًا وثمرة لأحكام الشارع على الأشياء من تحريم وإباحة وإيجاب. وإلا لبطل أن تكون المصالح فرعًا لدين كما ذكرنا"1.
ومعنى هذا أن صلاح الأشياء وفسادها، وصلاح الأفعال وفسادها ثمرة من ثمرات إنزال الشرائع!! وقبل الشرائع وأحكامها لا يكون صلاح ولا فساد!!
وإذا لم نقل بهذا، لزم -على رأي الدكتور البوطي- بطلان ما قرره من كون المصالح فرعًا للدين.
ثم يقول بعد ذلك "وأما أن أحكام الله متأخرة عن المصالح، فلذلك باطل أنكره جمهور المسلمين2، ويتناقض -لو قيل به- مع ما تقرر من عدم وجود حسن وقبح ذاتيين في الأفعال"3.
1 ضوابط المصلحة، 65.
2 لو قال: جمهور الأشاعرة، لكان القول صحيحًا. فهذا مذهب جمهورهم، خلافًا لبعض المنصفين منهم، الذين وافقوا مذهب الأحناف الماتريدية وغيرهم، على ما سيتضح قريبًا بحول الله. أما "جمهور المسلمين" فهيهات!
3 ضوابط المصلحة، 65.
والدكتور البوطي -في هذا - يقرر أمرًا في غاية الخطورة، وفي غاية المصادمة للبدهيات، ومع ذلك فإن دليله عليه ليس إلا "ما تقرر" من عدم وجود حسن وقبح ذاتيين!
أما من الذي قرر هذا؟ وكيف تقرر؟ ولماذا؟ وما نصيب هذا التقرير من الصحة؟ فكل ذلك ليس من المصلحة إثارته، لأنه سيشوش على ما يقرره هو أيضًا!
وأما أن ما قرره -وما استدل به أيضًا- يصادم البدهيات فقد أحس به مقرروه الأوائل. فهذا إمام الحرمين الجويني يقول: "ولسنا ننكر أن العقول تقتضي من أربابها اجتناب المهالك، وابتدار المنافع الممكنة، على تفصيل فيها -وجحد هذا خروج عن المعقول- ولكن ذلك في حق الآدميين. والكلام في مسألتنا مداره على ما يحسن أو يقبح في حكم الله تعالى1.
ويبدو لي أن أبا المعالي -بهذا القول- قد خرج عن طوق النظرية الأشعرية، والتحق -أو كاد- بالماتريدية. فقد اعترف -وبغض النظر عن حكم الشارع- بوجود مهالك، ووجود منافع. وأن العقول تدركها وتميز بينها، فتقتضي اجتناب الأولى وابتدار الثانية، وهذا هو معنى كون الحسن والقبح ذاتيين عقليين.
ولئن كان إمام الحرمين، قد اضطر -اضطرارًا- إلى هذا القدر من الاعتراف بالتحسين والتقبيح، فإن عددًا من الشافعية -وهم أشاعرة طبعًا- قد عرفوا بمخالفتهم الصريحة للنظرية الأشعرية، وانتصروا لإثبات الحسن والقبح الذاتيين، والتحسين والتقبيح العقليين. قال ابن القيم:"واختاره من أئمة الشافعية الإمام أبو بكر محمد بن علي بن إسماعيل القفال الكبير، وبالغ في إثباته، وبنى كتابه "محاسن الشريعة" عليه، وأحسن فيه ما شاء. وكذلك الإمام سعيد بن على الزنجاني، بالغ في إنكاره على أبي الحسن الأشعري القول بنفي التحسين والتقبيح، وأنه لم يسبقه إليه أحد. وكذلك أبو القاسم الراغب، وكذلك أبو عبد الله الحليمي، وخلائق لا يحصون"2.
1 البرهان، 1/ 91.
2 مفتاح دار السعادة، 2/ 42.
ومن أئمة الشافعية، الذين لم يذكرهم ابن القيم -ولا ابن السبكي في نصه الآتي فيما بعد- الإمام عز الدين بن عبد السلام الذي ذهب بعيدًا في مخالفة النظرية الأشعرية، فقال:"ومعظم مصالح الدنيا ومفسادها معروف بالعقل. إذ لا يخفى على عاقل -قبل ورود الشرع- أن تحصيل المصالح المحضة، ودرء المفاسد المحضة عن نفس الإنسان وعن غيره محمود حسن. واتفاق الحكماء على ذلك، وكذلك الشرائع، على تحريم الدماء والأبضاع والأموال والأعراض وإن اختلف في ذلك، فالغالب أن ذلك لأجل الاختلاف في التساوي والرجحان"1.
على أن إنكار ما في الأفعال من صلاح وفساد، ومن نفع وضرر، وأن العقول تدلك من ذلك الشيء الكثير، ليس فحسب خروجًا عن المعقول، وإنما هو تجاهل وتعطيل للدلالات الصريحة لكثير جدا من النصوص الشرعية.
فقد أمر القرآن الكريم بفعل الخير والصلاح والمعروف، ونهى عن الشر والفساد والمنكر، وأمر بالعدل والإحسان، ونهى عن الفحشاء والبغي، وأخبر أنه أحل الطيبات وحرم الخبائث.
فلولا أن لهذه المأمورات وهذه المنهيات معان يعرفها المخاطبون لما كان لمخاطبتهم بها فائدة. فمن يستطيع أن ينكر أن الناس كانوا يوم خوطبوا بها على إدراك واضح لمحتواها ومعناها؟ وأنهم خوطبوا على أساس ذلك الإدراك؟ بل إنهم كانوا يقدرونها قدرها. ولهذا عرفوا أن من يأمر بهذا الخير وبهذا الصلاح، وينهى عن هذا الشر وهذا الفساد، ولا يتجاوزهما، لا يمكن أن يكون كاذبًا، ومن هنا بادر عدد من فضلاء العرب إلى الإسلام لمجرد تقديرهم لما دعا إليه من حق وصلاح، وما نهى عنه من ضلال وفساد.
ومن ذلك ما رواه ابن ماجة عن علي رضي الله عنه، قال: أمر الله نبيه أن يعرض نفسه على قبائل العرب، فخرج، فوقف على مجلس قوم من شيبان بن ثعلبة
1 قواعد الأحكام، 1/ 5-6 وسيأتي تعقب الشاطبي لابن عبد السلام فيما قرره -في نص آخر غير هذا- من أن المصالح والمفاسد الدنيوية تعرف بالضرورات والتجارب والعادات.
في الموسم، فدعاهم إلى الإسلام وأن ينصروه. فقال مفروق بن عمرو -منهم- إلام تدعونا أخا قريش؟ فتلا عليهم النبي صلى الله عليه وسلم:{إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ} الآية. فقال: دعوت والله إلى مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال. ولقد أفك قوم كذبوك وظاهروا عليك1.
وبمثل هذا التقدير لدعوة الإسلام إلى الحق والعدل، أسلم الطفيل بن عمرو الدوسي -زعيم قبيلة دوس- وقد حكى قصة إسلامه بنفسه، حيث جاء فيها: "فعرض عليَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم الإسلام، وتلا عليَّ القرآن. فوالله ما سمعت قولا قط أحسن منه ولا أمرا أعدل منه. فأسلمت وشهدت بشهادة الحق2.
فقد كان القرآن يخاطبهم بالحق ويأمرهم بالعدل، وينكر عليهم المنكر، ويشنع على ما هم فيه من باطل. فأما خيارهم فقد بادروا إلى الإذعان لما سمعوه من الخير الذي يدركون حسنه وخيريته. وأما من تلكأ وتأخر وتنكب، فإنما أخذته الحمية والعزة بالإثم. فغلبت نفسه عقله.
وقد روي عن قتادة -المفسر التابعي- أنه قال: "وليس من خلق حسن كان أهل الجاهلية يعملون به ويستحسنونه، إلا أمر الله به في هذه الآية3. وليس من خلق كانوا يتعايرونه بينهم إلا نهى عنه وقدح فيه. وإنما نهى عن سفاسف الأخلاق ومذامها"4.
وعندما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأخذ البيعة من النساء بعد فتح مكة، وكان يأخذ بيعتهن على البنود المذكورة في قوله تعالى: {إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلا يَسْرِقْنَ وَلا يَزْنِينَ وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرُجُلِهِنَّ وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ
1 عن تفسير العلامة ابن عاشور، التحرير والتنوير، 14/ 259.
2 سيرة ابن هشام، 1.
3 وهي قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} ، سورة النحل، 90.
4 التحرير والتنوير، 14/ 259.
اللَّهَ} 1، جاءت هند بنت عتبة "زوج أبي سفيان" فبايعت على هذه البنود واحدًا واحدًا. فلما قال لها:{وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ} قالت: "والله إن البهتان لأمر قبيح، وما تأمرنا إلا بالرشد ومكارم الأخلاق"2.
ولنتذكر، ولنتأمل، ذلك الموقف الجليل، للسيدة العظيمة، أم المؤمنين خديجة بنت خويلد رضي الله عنها، وهو الوارد في قصة بدء الوحي، حيث عاد إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أصابه من هول الوحي ما أصابه، فقص عليها الخبر وقال:"لقد خشيت على نفسي"، فقالت له خديجة: كلا أبشر، فوالله ما يخزيك الله أبدا، فوالله إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق3.
والتأمل في هذا الموقف، وفي هذا القول، ينبغي أن يوجه إلى ثلاثة جوانب منه، كلها تشهد بالحسن والقبح الذاتيين العقليين:
1-
الرسول صلى الله عليه وسلم كان متخلقا بهذه الأخلاق قبل الوحي وقبل البعثة مستحسنًا إياها بعقله السليم وفطرته النقية.
2-
السيدة خديجة رضي الله عنها، تستحسن أيضًا، هذه الفعال الكريمة، وترتضيها من زوجها، وتعتبرها من مكارمه وفضائله، وليست في هذا مستندة إلى أي حكم شرعي.
3-
السيدة خديجة توقن أن هذه الأفعال لا يمكن أن تلقى من الله إلا الرضى والمحبة، ولا يمكن أن يلقى صاحبها من الله إلا الرعاية والتكريم والجزاء الحسن.
ولست أدري ما يقول المنكرون للحسن والقبح، فيما وصف الله تعالى به عددا من الأشياء والأفعال، كوصفه الخمر والميسر والأنصاب والأزلام بأنها
1 سورة الممتحنة، 12.
2 رواه الطبري بسنده إلى ابن عباس، انظر التحرير والتنوير، لابن عاشور، 28/ 168.
3 صحيح البخاري.
{رِجْسٌ} 1، وكوصفه الزنى بأنه {كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا} 2 وكوصفه المحيض بأنه {أَذًى} 3.
فهل كانت هذه الموصوفات قبيحة فاسدة قبل مجيء النص، ومنذ كانت، أم أنها لم تتصف بالضرر والأذى إلا بعد أن جعلها النص كذلك؟
إن الله تعالى لم يخبرنا بأن الخمر والميسر. قد صارت رجسا، وأن الزنى قد صار فاشحة، وأن المحيض قد أصبح أذى، بل يخبرنا وينبهنا على ما هي عليه، ليرتب على ذلك التحريم والتحذير.
ففساد الخمر والميسر، وفحش الزنى، وأذى المحيض، أمور قائمة واقعة قبل النص وبعده. لا كما ذهب ابن حزم -وهو موافق في هذا لنظرية الأشاعرة، وإن كان من أشد خصومهم- حيث يرى: أن الميسر لم يعهد منه -قبل التحريم- إيقاع عداوة بين الناس، ولا أذهب عقل أحد منهم، ولم يعهد إلا موافقًا للناس نافعًا لهم! وكذلك الخمر -عنده- ليست مفسدة لأخلاق جميع الناس، "بل نجد كثيرًا من الناس يبكون إذا سكروا، ويكثرون ذكر الآخرة والموت، والإشفاق من جهنم، وتعظيم الله تعالى، والدعاء في التوبة، والمغفرة. ونجدهم يكرمون حينئذ ويحملون4، ويزول عنهم كثير من سفههم وتؤمن غوائلهم"5!!
وقديمًا تعلل المشركون -فيما كانوا عليه من فواحش- بكونها من فعل أسلافهم، وأن الله أمر بذلك، فزجرهم الله تعالى بقوله:{قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ، قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ} 6.
1 سورة المائدة، 90.
2 سورة الإسراء، 32.
3 سورة البقرة، 222.
4 أي يصيرون كرماء حلماء.
5 الإحكام، 8/ 88.
6 سورة الأعراف، 28.
قال الإمام ابن تيمية: "فإنه أخبر عن نفسه -في سياق الإنكار عليهم- أنه لا يأمر بالفحشاء. فعلم أنه لا يجوز عليه الأمر بالفحشاء، وذلك لا يكون إلا إذا كان الفعل في نفسه سيئًا. وهذا قول من يثبت للأفعال في نفسه صفات الحسن والسوء، كما يقوله أكثر العلماء"1.
وقال العلامة ابن عاشور: "فقوله: {قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ} نقض لدعواهم أن الله أمرهم بها، أي بتلك الفواحش، وهو رد عليهم، وتعليم لهم، وإفاقة لهم من غرورهم. لأن الله متصف بالكمال، فلا يأمر بما هو نقص لم يرضه العقلاء وأنكروه. فكون الفعل فاحشة كاف في الدلالة على أن الله لا يأمر به، لأن الله له الكمال الأعلى"2 وقال: "فالفعل يوصف بأنه فاحشة قبل ورود الشرع"3.
ولقد كتب الإمام ابن قيم الجوزية فصولًا بديعة وحاسمة في الموضوع، وذلك في الجزء الثاني من كتابه "مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة".
ومن بين الأدلة الكثيرة التي أفاض في ذكرها وبيان دلالتها، قوله عز وجل:{وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ} 4.
قال: "فهذا صريح في أن الحلال كان طيبًا قبل حله، وأن الخبيث كان خبيثًا قبل تحريمه. ولم يستفد طيب هذا وخبث هذا من نفس الحل والتحريم لوجهين اثنين: أحدهما أن هذا علم5 من أعلام نبوته التي احتج بها على أهل الكتاب فقال: {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْأِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ
1 مجموع الفتاوي، 15/ ص8.
2 التحرير والتنوير، 8/ 84.
3 نفس المصدر، 8/ 82.
4 سورة الأعراف، 157.
5 أي: دليل.
الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ} . فلو كان الطيب والخبث إنما استفيد من التحريم والتحليل، لم يكن في ذلك دليل. فإنه بمنزلة أن يقال: يحل لهم ما يحل لهم، ويحرم عليهم ما يحرم عليهم! وهذا أيضًا باطل، فإنه لا فائدة فيه. وهو الوجه الثاني فثبت أنه أحل ما هو طيب في نفسه قبل الحل. فكساه بحله طيبًا آخر. فصار منشأ طيبه من الوجهين معًا. فتأمل هذا الموضع حق التأمل، يطلعك على أسرار الشريعة ويشرفك على محاسنها وكمالها، وبهجتها وجلالها، وأنه من الممتنع في حكمة أحكم الحاكمين أن ترد بخلاف ما وردت به. وأن الله تعالى يتنزه عن ذلك كما يتنزع عن سائر ما لا يليق به. ومما يدل على ذلك قوله تعالى:{قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْأِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ} 1 وهذا دليل على أنها فواحش في نفسها، لا تستحسنها العقول. فتعلق التحريم بها لفحشها"2.
والحقيقة أن الذين تورطوا من الأشاعرة، في إنكار الحسن والقبح الذاتيين وإنكار التحسين والتقبيح العقليين وإنما انجروا إلى ذلك بفعل الصراع الجدلي الطويل مع خصومهم المعتزلة. ومعلوم أن الإمام أبا الحسن الأشعري -وهو أول قائل بهذا- قد تخرج -ثم خرج- من حلقة المعتزلة. وبهذا فإن الأشعرية ولدت من الصراع، ونبتت في الصراع. ولم تزد الأيام. بل القرون -بعد ذلك- هذا الصراع إلا استفحالا وتغاليًا. وأصبحت مخالفة المعتزلة واجبًا عينيا" على كل أشعري!
ولهذا، فعندما أخل بعض الأشاعرة -شيئًا ما- بهذا الواجب، انتقصوا ووصفوا بعدم الرسوخ في علم الكلام. فمن ذلك موافقة بعض الأشاعرة لقول المعتزلة "شكر المنعم3 واجب بالعقل": قال ابن السبكي "وقد ذهب إلى ذلك أيضًا بعض أصحابنا كالصيرفي وأبي العباس وابن سريج، والقفال الكبير وابن أبي
1 سورة الأعراف، 33.
2 مفتاح دار السعادة، 2/ 6-7.
3 أي الله تعالى.
هريرة، والقاضي أبي حامد، وغيرهم، وقد اعتذر القاضي في "التقريب" والأستاذ أبو إسحاق في أصوله، والشيخ أبو محمد الجويني في "شرح الرسالة" عمن وافق المعتزلة من أصحابنا بأنهم لم يكن لهم قدم راسخ في الكلام. وربما طالعوا كتب المعتزلة فاستحسنوا هذه العبارة، وهي "شكر المنعم واجب بالعقل" فذهبوا إليها غافلين عن تشعبها عن أصول القدرية"1.
ومن غريب ما تصنعه الخصومات والصراعات أن تجد الإمام الغزالي -وهو عملاق الفكر الإسلامي- يخشى ويحذر أن ينسب إليه ما نسب إلى هؤلاء، من التأثر بالمعتزلة. فقد هم أن يصرح بإدراك العقول للمصالح، ولكنه اختار عبارة حذرة. فقال فيما يخص حفظ النفوس وأنه أمر ضروري:"والعقول مشيرة إليه وقاضية به لولا ورود الشرائع. وهو الذي لا يجوز انفكاك شرع عنه عند من يقول بتحسين العقل وتقبيحه2. ونحن وإن قلنا: إن لله سبحانه وتعالى أن يفعل ما شاء بعباده وأنه لا يجب عليه رعاية الصلاح، فلا ننكر إشارة العقول إلى جهة المصالح والمفاسد". إلى أن قال -وهذا هو بيت القصيد- وإنما نبهنا على هذا
1 رفع الحاجب عن ابن الحاجب، 1/ ق 82/ ب، نقلا عن هامش الدكتور محمد حسن هيتو "المنخول، ص15".
2 يشير إلى المعتزلة وقوله: يجب على الله رعاية الصلاح للعباد، وأنه لا يجوز عليه خلاف ذلك، وانظر كيف أبعد الغزالي عن نفسه هذه المقالة، مع أن عبر عن هذا المعنى نفسه، وبعبارة أقوى، حيث قال عن حفظ الضروريات الخمسة "يستحيل أن لا تشمل عليه ملة من الملل""المستصفى، 1/ 288" بل هو في نفس السياق أعلاه يقول عن تحريم الخمر حفظًا للعقل -ودون أن ينسب ذلك لأهل التحسين والتقبيح- فهذا أيضًا لا يجوز أن تنفك عنه عقول العقلاء، ولا أن يخلو عنه شرع مهد بساطه لرعاية مصلحة الخلق في الدين والدنيا" "شفاء الغليل، 164.
وقد تنبه أحد الأصوليين المتأخرين -وهو أمير باد شاه- إلى أن الخلاف مع المعتزلة في مسألة الوجوب، يمكن أن يكون خلافًا لفظيا لا غير، قال "نعم لو فسروا الوجوب بأنه أمر لا بد منه لا يتخلف البتة فلا نزاع" تيسير التحرير، 3/ 303.
وقد وضع الطوفي مخرجًا توفيقيا طريفًا من هذا النزاع في رعاية المصلحة من الله، وهل ذلك وجوب أو تفضل، فقال والحق أن رعاية المصالح واجبة من الله عز وجل، حيث التزم التفضل بها، لا واجبة عليه". انظر المصلحة في التشريع الإسلامي ونجم الدين الطوفي، ص214.
القدر كي لا ننسب إلى اعتقاد الاعتزال، ولا ينفر طبع المسترشد عن هذا الكلام، خيفة التضمخ بعقيدة مهجورة يرسخ في نفوس أهل السنة تهجينها.
فليعتقد -على هذا التأويل1- أن العقول ترشد إلى الزجر عن القتل، بالقصاص2 أي أن العقول تستحسن القصاص حفظًا للنفوس، وزجرًا عن العدوان عليها، حتى لو لم ترد به الشرائع.
وإذا كان ابن السبكي قد حكى لنا -في نصه المتقدم- عن بعض الأشاعرة الذين وافقوا المعتزلة في جانب من مسألتنا، وأن الأشاعرة اللاحقين قد اعتذروا عنهم، أي التمسوا لهم العذر، فإننا اليوم بحاجة إلى أن نلتمس العذر لأولئك الذين أنكروا البدهيات ودافعوا عن الأوهام والخيالات، نكاية بالمعتزلة وإمعانًا في مناقضتهم. وقد تكون لهم أعذار أخرى. منها مثلًا، أن معظم المؤلفات الأشعرية تحصر الخلاف في المسألة بين المعتزلة القائلين كذا وكذا وكذا، وبين الأشاعرة. فينفر الدارس من المعتزلة، نظرًا لغلوهم وسوء سمعتهم، ثم لا يجد أمامه إلا أن يتبنى مقولات الأصحاب ويدافع عنها.
وإلى هذا الخلل الملابس للمسألة، يشير الشيخ محمد بخيت المطيعي، مفتي الديار المصرية في وقته -وهو حنفي- فيقول:"بل إن أكثر كتب الأصول الشافعية لا يوجد فيها تفصيل ما يتعلق بمذهب الحنفية. بل يقتصرون على نسبة القول بعقلية الحسن والقبح للمعتزلة. مع أن كثيرًا من الشافعية الذين تعرضوا لنقل مذهب الحنفية، اختاروا المذهب الوسط الذي هو مذهب أكثر الحنفية، لأنه هو الذي يشهد له الكتاب والسنة"3.
ولعل أقوى أعذارهم -أو حججهم- هو أنهم رأوا أن القول بتحسين العقل وتقبيحه، أي بإدراكه للمصالح والمفاسد، يفتح الباب لكل ملحد، ولكل منكر
1 لاحظ كثرة الاحتياطات!
2 شفاء الغليل، 162-163.
3 سلم الوصول لشرح نهاية السول، وهو مطبوع على هامش، نهاية السول في شرح منهاج الأصول، للأسنوي، 1/ 85-86.
للنبوات، أن يدعي أنه لا ضرورة للرسالة والشريعة، لأن العقل يعني عنها. وقد وجد فعل من قالوا بهذا، كالبراهمة، وبعض الفلاسفة وغيرهم. فمنهم من زعم أن لا حاجة إلى شريعة وشارع غير العقل، ومنهم من رأى أن ذلك يحتاج إليه العامة البلداء دون الخاصة العقلاء1.
وبهذا، فإن التسليم بتحسين العقل وتقبيحه، يفتح فتنة لا تنتهي. أو "تنتهي" بنبذ الدين والانسلاخ عن شريعته.
ورغم أن لهذا التخوف قدرًا من الواقعية، فإنه لا ينبغي أن يحملنا على التنكر للحقائق. فدفع الباطل لا يكون بالباطل. والدفاع عن الحق لا يكون بإنكار الحق. فإن هذا الأسلوب لا يؤدي إلا إلى إضعاف الحق وتقوية الباطل.
أما أن القول بتحسين العقل وتقبيحه يفضي إلى القول بإمكان الاستغناء عن الدين وشريعته، فإبطاله من عدة وجوه:
1-
أن العقل نفسه يفضي بصاحبه إلى التصديق والإيمان بالأنبياء وبما جاءوا به، وأنه الحق الذي لا مرية فيه. هذه هي القاعدة الصلبة لوجوب اتباع الأنبياء وشريعتهم. أعني: الاقتناع والتيقن بصدق النبي وبكونه مرسلًا من رب العالمين. فلا يبقى أمام العاقل إلا أن يسلم وينقاد للأدلة والبراهين القاطعة بصدق الرسول.
2-
أن العقل نفسه، يصل إلى الاقتناع بما حوته الشريعة من حفظ المصالح على أكمل وجه، وحتى إذا لم يدرك ذلك على وجه التفصيل، فإنه يصل إلى إدراكه على وجه الإجمال. ثم إننا نرى أن الناظر والدارس للشريعة، كلما ازداد تعمقًا وتفقهًا فيها، كلما ازداد إدراكًا لمحاسنها وكمال حفظها للمصالح، جملة وتفصيلًا.
3-
أن القول بإدراك العقل للمصالح والمفاسد، لا يعني أن إدراكه تام مطلق. بل إنه يدرك ويعجز، ويصيب ويخطئ. وقد بين ابن القيم هذه النقطة
1 انظر مفتاح دار السعادة، 2/ 55/ 57.
فقال: "بل غاية العقل أن يدرك بالإجمال حسن ما أتى الشرع بتفصيله، أو قبحه. فيدركه العقل جملة. ويأتي الشرع بتفصيله، وهذا كما أن العقل يدرك حسن العدل، وأما كون هذا الفعل المعين عدلًا أو ظلمًا، فهذا مما يعجز العقل عن إدراكه في كل فعل وعقد. وكذلك يعجز عن إدراك حسن كل فعل وقبحه.
فتأتي الشرائع بتفصيل ذلك وتبيينه. وما أدركه العقل الصريح من ذلك، تأتي الشرائع بتقريره. وما كان حسنًا في وقت قبيحًا في وقت، ولم يهتد العقل لوقت حسنه من وقت قبحه أتت الشرائع بالأمر به في وقت حسنه، وبالنهي عنه في وقت قبحه. وكذلك الفعل يكون مشتملا على مصلحة ومفسدة، ولا تعلم العقول: مفسدته أرجح أم مصلحته؟ فيتوقف العقل في ذلك. فتأتي الشرائع ببيان ذلك، وتأمر براجح المصلحة، وتنهى عن راجح المفسدة. وكذلك الفعل يكون مصلحة لشخص، مفسدة لغيره. والعقل لا يدرك ذلك. فتأتي الشرائع ببيانه، فتأمر به من هو مصلحة له، وتنهى عنه من هو مفسدة في حقه. وكذلك الفعل يكون مفسدة في الظاهر، وفي ضمنه مصلحة عظيمة، لا يهتدي إليها العقل، فلا تعلم إلا بالشرع: كالجهاد والقتل في الله. ويكون في الظاهر مصلحة، وفي ضمنه مفسدة عظيمة لا يهتدي إليها العقل، فتجيء الشرائع ببيان ما في ضمنه من المصلحة والمفسدة الراجحة. هذا مع أن ما يعجز العقل عن إدراكه من حسن الأفعال وقبحها ليس بدون1 ما تدركه من ذلك. فالحاجة إلى الرسل ضرورية. بل هي فوق كل حاجة. فليس العالم إلى شيء أحوج منهم إلى المرسلين صلوات الله عليهم أجمعين"2.
وقد تعرض الشاطبي مرارًا لبيان هذا القصور في إدراك العقل للمصالح والمفاسد، وكثيرًا ما يستشهد عليه بأهل الفترات الذين وقعوا في كثير من
1 أي: بأقل مما.
2 مفتاح دار السعادة، 2/ 117.
التخبط وسوء التقدير والتدبير، لكن "مع الاعتراف بأنهم أدركوا بعقولهم أشياء قد وافقت، وجاء الشرع بإقرارها وتصحيحها. لكنها بالنسبة إلى ما لم يصيبوا فيه قليلة، فلأجل هذا كله وقع الأعذار والإنذار، وبعث الله النبيين"1.
ويؤكد هذا القصور أن الواحد منا يأتي عليه وقت يعتقد فيه أنه قد أحاط بأمر ما دراسة وعلما، وقتله خبرة وفهمًا، ثم لا يمر وقت إلا وقد أدرك منه ما لم يكن أدرك من قبل، وتكشف له من أمره ما لم يكن يظن2.
وهناك أمور يغلب على الإنسان، في تقديرها، طبعة وغريزته وشهوته، فلا يستطيع إبصار حقيقتها ومآلها "وكم من لذة وفائدة يعدها الإنسان كذلك، وليست في أحكام الشرع إلا على الضد، كالزنى وشرب الخمر، وسائر وجوه الفسق التي يتعلق بها غرض عاجل"3.
والنتيجة: "أن المصالح التي تقوم بها أحوال العبد لا يعرفها حق معرفتها إلا خالقها وواضعها، وليس للعبد بها علم إلا من بعض الوجوه"4.
ومن هنا تعقب الشاطبي عز الدين بن عبد السلام5، عندما أطلق القول بأن المصالح والمفاسد الدنيوية تعرف بالضرورات والتجارب والعادات والظنون المعتبرات، وأن من أراد أن يعرف المناسبات في المصالح والمفاسد راجحها من مرجوحها، فليعرض ذلك على عقله، بتقدير أن الشرع لم يرد به، ثم يبني عليه الأحكام، فلا يكاد حكم منها يخرج عن ذلك، إلا التعبدات التي لم يوقف على مصالحها ومفاسدها.
1 الاعتصام، 2/ 321.
2 الاعتصام، 2/ 322.
3 الموافقات، 1/ 50.
4 الموافقات، 1/ 349.
5 دون أن يسميه، وإنما ذكر -فقط- "أن بعض الناس قال" ثم أورد كلامه بنصه الموجود في:"قواعد الأحكام"، 1/ 10.
قال الشاطبي: "ليس كما قال، من كل وجه. بل ذلك من بعض الوجوه دون بعض. ولو كان الأمر على ما قال بإطلاق، لم يحتج في الشرع إلا إلى بث مصالح الدار الآخرة خاصة، وذلك لم يكن، وإنما جاء الشرع يقيم أمر الدنيا وأمر الآخرة معًا. وقد بث في ذلك من التصرفات، وحسم من أوجه الفساد التي كانت جارية ما لا مزيد عليه. فالعادة تحيل استقلال العقول في الدنيا بإدراك مصالحها ومفاسدها على التفصيل. اللهم إلا أن يريد هذا القائل أن المعرفة بها تحصل بالتجارب وغيرها بعد وضع الشرع أصولها. فذلك لا نزاع فيه"1.
4-
وأخيرًا، فإن الناس مهما بلغوا في إدراك وتقدير مصالحهم ومفاسدهم -وقد رأينا حدود ذلك- فإنهم يظلون بحاجة إلى تلك الحوافز الدينية القوية، التي تقوي استعدادهم للالتزام العملي بحفظ المصالح واجتناب المفاسد.
فالدين -باعتبار مصدره- يعطي يقينًا وطمأنينة في التحسين والتقبيح، قلما يعطي العقل شيئًا منهما.
والدين -بإضفائه معنى التعبد والخضوع لله، على جلب المصالح ودرء المفاسد- يعطي للأمور قدسية وجدية، لا سبيل إلى توفيرها إلا به.
والدين -ببعده الأخروي، المتمثل في الثواب والعقاب، وبأسلوبه في الترغيب والترهيب- يوفر حوافز أخرى، تحمل الناس على العمل الصالح البناء، وعلى اجتناب الفساد والضرر. وهذا أيضًا لا يتوفر إلا بالدين، عقيدة وشريعة.
ولأجل هذا كله كانت مصلحة الدين هي أولى المصالح وأولاها بالرعاية والحفظ. فهو منبع لكل مصلحة أخروية ودنيوية.
1 الموافقات، 2/ 48.