الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
هذه بعض فوائد دراسة مادة الحديث الموضوعي، فهي مادة مهمة ولا يستغني عنها باحث له صلة بعلم الحديث الشريف.
إخلاص النية لله تعالى في سائر الأعمال
نشرع الآن فيما يتعلق بإخلاص النية لله تعالى في سائر الأعمال؛ فنقوم بجمع الأحاديث المتعلقة بالإخلاص في موضعٍ واحد.
أقول: أهم هذه الأحاديث، -وإن كانت كلها مهمة لا يستغنى عن واحد منها- الحديث الأول روى الإمام البخاري -رحمه الله تعالى- بسنده عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه)).
ولأهمية هذا الحديث ومكانته نبدأ به، كما بدأ به الإمام البخاري في كتابه الصحيح أقول: تكلم العلماء كثيرًا عن مكانة هذا الحديث وتناولوه بالشرح والتفصيل، وبينوا أنه واحدٌ من أربعةِ أحاديث هي عمدة الدين، وأنها تكفي المسلم في حياته الدنيوية، وتنجيه يوم القيامة.
وليس البخاري وحده هو الذي بدأ بهذا الحديث كتابه بل أكثر علماء الحديث وأئمته، وأصحاب الكتب الأصيلة المؤلفة في جمع السنة بدأوا كتبهم أيضًا بهذا الحديث، كما صنع البخاري.
وهو حديث في غاية الأهمية إذ ترى الهجرة، وهي أفضل عمل قام به من أسلم بعد كلمة التوحيد ترد هذه الهجرة على من لم يُرِدْ بها وجه الله تعالى، ويقضي رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنها هجرة مذمومة، مردودة على صاحبها، وغير مقبولة عند الله
تعالى؛ لأن الحق سبحانه وتعالى لا يقبل من الأعمال إلا ما أُريد به وجهه؛ إذ جاء في الحديث الصحيح الذي يرويه رسول الله صلى الله عليه وسلم عن رب العزة أنه قال: ((أنا أغنى الشركاء عن الشرك؛ فمن عمل عملًا، وأشرك فيه معي غيري تركته وشريكه)) رواه الإمام مسلم في (صحيحه).
إن الله سبحانه وتعالى لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصًا لوجهه رواه مسلم في صحيحه بسنده عن أبي هريرة- رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((إن الله لا ينظر إلى أجسادكم، ولا إلى صوركم، ولكن ينظر إلى قلوبكم)) وأخرجه أيضًا بلفظ: ((إن الله لا ينظر إلى صوركم وأقوالكم)) وأخرجه أيضًا بلفظ: ((إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم)).
علق عليه الشيخ شعيب الأرناءوط محقق (رياض الصالحين) بقوله: وهذا الحديث يدل على أن الإنسان محاسب، ومسئول عن نيتِهِ وعمله؛ فينبغي أن تكون نيتُهُ خالصةً لوجه الله تعالى، وعمله وفق ما جاء عن الله تعالى، وصح عن رسوله صلى الله عليه وسلم.
ومن هنا لكي يقبل الله تعالى العمل يشترط فيه أن يكون عملًا صالحًا ومفيدًا وطيبًا، ويكون وفق ما جاء به الشرع الكريم، وأن يؤدى بالكيفية التي شرعها الله ورسوله، وأن يراد به وجه الله تعالى؛ إذا سقط ركن أو شرط من هذه الأركان أو هذه الشروط؛ رد العمل ولا يقبله الله تعالى.
وعن أبي عبد الله جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنهما قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزاة، أي: غزوة. فقال: ((إن بالمدينة لرجالًا ما سرْتُم مسيرًا، ولا قطعتم، واديًا إلا كانوا معكم حبسهم المرض)) وفي رواية: ((إلًّا شركوكم في الأجر)) رواه مسلم، برقم 1911 ورواه البخاري عن أنس رضي الله عنه قال: رجعنا من غزوة تبوك
مع النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ((إن أقوامًا خلفنا بالمدينة؛ ما سلكنا شعبًا، ولا واديًا إلا وهم معنا حبسهم العذر)) رواه البخاري في المجلد الثامن في صفحة 96.
الشِّعْبُ: الطريق في الجبل، والوادي الموضع الذي يسيل فيه الماء؛ فهذا الحديث يبين أهمية النية، ومكانة الإخلاص لله تعالى؛ إذ بينَ صلى الله عليه وسلم أن أناسًا ما شاركوا في الغزو، ولكن كتب لهم أجر الجهاد وكأنهم مع المجاهدين خطوةً بخطوةٍ في كل شعب، وفي كل وادي؛ وذلك لإخلاصهم لله تعالى؛ إذ لم يمنعهم، ويحبسهم عن الجهاد إلا العذر فهم صادقين في النية مع الله تعالى.
وهذا ما جاء في قوله تعالى في سورة التوبة قال تعالى: {لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضَى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنْ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَاّ يَجِدُوا مَا يُنفِقُونَ} (التوبة: 91، 92) وقال تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلَاّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ} (البينة: 5) وقال تعالى: {لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ} وقال تعالى: {قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمْ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ} (آل عمران: 29، 30).
وقال تعالى في أول سورة الزمر: {تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنْ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ * إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدْ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ * أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ} (الزمر: 1، 2، 3) وقال تعالى في سورة الزمر أيضًا: {قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ * وَأُمِرْتُ لأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ * قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ *
قُلْ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي * فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ} (الزمر: 11: 15) وقال تعالى في سورة الأنعام: {مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى إِلَاّ مِثْلَهَا وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ * قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ * قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَاي وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ * قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَاّ عَلَيْهَا وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} (الأنعام: 160: 164).
هذه الآيات الكريمات دعت إلى الإخلاص، والعمل لله وحده وبينت أن أي عمل لا يبتغى به وجه الله فهو غير خالص لله فيرد على صاحبه ولا يقبله الله تعالى؛ وبذلك التقت الآيات الكريمة مع الأحاديث الشريفة، إذ كلها من مشكاة الوحي الإلهي والنور السماوي الذي يجب أن يتخلق به الخلق، ويتحلى به المسلم والمؤمن حتى يكون عمله مقبولا عند الله تعالى وينفعه في دنياه وفي آخرته ومما يدل على أن الإخلاص في العمل، وابتغاء وجه الله تعالى هو الذي يجعل العمل مقبولًا، بل هو يصير العادة عبادة حتى في أمتع اللحظات عندما يجلس الرجل مع زوجته يداعبها، وتداعبه، ويطعمها بيده، وتطعمه، ويضع اللقمة في فمها إذا ابتغى بذلك وجه الله تعالى؛ كان ذلك العمل عبادة؛ وأجر عليه من الحق سبحانه وتعالى.
روى البخاري ومسلم في (صحيحيهما) بسندهما عن أبي إسحاق سعد بن أبي وقاص مالك بن أهيب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي القرشي الزهري رضي الله عنه أحد العشرة المبشرين بالجنة رضي الله عنهم قال: ((جاءني رسول الله صلى الله عليه وسلم يعودني عام حجة الوداع من وجعٍ اشتدَّ بي، فقلتُ: يا رسول الله، إني قد بلغ بي من الوجع ما ترى، وأنا ذو مالٍ، ولا يرثني إلا ابنةٌ لِي، أفأتصدق بثلثي مالي؟
قال: لا؟ قلت: فالشطر يا رسول الله؟ يعني: أتصدق بالنصف فقال: لا، قلت: فالثلث يا رسول الله؟ قال: الثلث، والثلث كثير، أو كبير؛ إنك إن تذر، ورثتك أغنياء خيرٌ من أن تذرهم عالةً يتكففون الناس يعني يسألون الناس، وإنك لن تنفق نفقةٌ تبتغي بها وجه الله إلا أُجِرْتَ عليها، حتى ما تجعل في فم امرأتك، قلت: يا رسول الله، أُخَلَّف بعد أصحابي، قال: إنك لن تُخَلَّفَ فتعمل عملًا تبتغي به وجه الله إلا ازددت به درجة ورفعة، ولعلك أن تخلف حتى ينتفع بك أقوام، ويضر بك آخرون، اللهم امضِ لأصحابي هجرتهم، ولا تردَّهُم على أعقابهم، لكن البائس سعد بن خولة يرثي له رسول الله صلى الله عليه وسلم أن مات بمكة)) الحديث متفق عليه.
قال الحافظ ابن حجر في (فتح الباري) عند تعليقه على هذا الحديث: وكانوا يكرهون الإقامة في الأرض التي هاجروا منها، وتركوها يحبونها لله تعالى ويكرهون الإقامة فيها؛ لأنهم هاجروا منها، وأنها طردتهم، وطردت رسول الله صلى الله عليه وسلم فمن ثم خشي سعد بن أبي وقاص أن يموت بمكة فتوجَّعَ، وشكى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وتوجع رسول الله صلى الله عليه وسلم أي: رثى لسعد بن خولة؛ لكونه مات بمكة، وكان لا يحب سعد بن خولة أن يموت بها.
وفي الحديث دليل لجماهير العلماء على أن الوصية لا تجوز بأكثر من الثلث، وقوله: يرثي له رسول الله صلى الله عليه وسلم أن مات بمكة هو من كلام الإمام الزهري، وهذا حديث آخر في الجهاد الذي هو ذروة سنام الإسلام؛ إذ المسلم يقدم عليه مقدمًا نفسه فداء لدينه يقدم على أعداء الدين بنفسه يحارب ويقاتل؛ فإن لم يكن هذا القتال، وهذا الإقدام خالصًا لله تعالى رد على صاحبه فالرجل الذي يقاتل حمية، أي: أنفة وعزة وغيرة لقومه لا يقبل جهاده؛ لأنه ليس في سبيل الله،
والذي يقاتل رياء وسمعة ليقال له وعنه: إنه مقاتل، وبطل، وشجاع لا يقبل جهاده حتى ولو قتل؛ لأنه لم يقتل في سبيل الله.
أما الذي يقاتل لإعلاء كلمة الله ورفعة شأن الإسلام والمسلمين هذا فقط هو الذي يكون جهاده ل، وقتاله في سبيل الله.
روى البخاري ومسلم بسندهما في صحيحهما عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: ((سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرجل يقاتل شجاعة ويقاتل حمية ويقاتل رياء، أي: ذلك في سبيل الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله)) متفق عليه.
ولقد جاء في الحديث الصحيح أن النار أول ما تصعر يوم القيامة تصعر بثلاثة أصناف هم في الظاهر من أجمل الذين اتصفوا بأفضل أوصاف في هذا الدين الحنيف؛ إذ هم عالم، وجواد يعني كريم وشهيد، لكن العالم لم يبتغي بعلمه وجه الله، وإنما أراد أن يمدحه الناس، ويثنوا عليه وعلى علمه، وتم له ما أراد، والثاني كان يطعم الطعام حتى يقال عنه وله: إنه كريم معطاء؛ إنه يطعم الطعام، وقد تم له ما أراد، قال الناس عنه ذلك.
وأما الثالث: فإنه يحارب ويقاتل، ويجول، ويصول في الميدان ابتغاء السمعة وطلب الجاه وليقال عنه وله: إنه بطل وشجاع، وقد تم له ما أراد فأخذ حظه ونصيبه وثوابه الذي عمل من أجله فهو لم يعمل لوجه الله وإنما عمل لغرض آخر ليقال عنه وله ما يريد. وقيل فيه ما أراد فماذا يطلب من الله تعالى قال صلى الله عليه وسلم ((أول ما تسعر النار يوم القيامة بثلاثة: بعالم، وجواد، وشهيد، يؤتى بالعالم؛ فيسأله ربه، ماذا عملت في ما تعلمت؟ فيقول: يا رب تعلمت العلم فيك، وبذلته فيك، فيقال له: كذبت، إنما تعلمت من أجل أن يقال لك: عالم، وقد
قيل؛ اذهبوا به إلى النار، ثم يؤتى بالجواد أي: الرجل الكريم الذي كان يطعم الطعام، لكنه كان يطعم لغير الله، فيقال له: وأنت ماذا عملت؟ فيقول: يا ربي أطعمت فيك الطعام، فيقال له: كذبت، إنما أطعمت الطعام من أجل أن يقال لك كريم، وقد قيل؛ اذهبوا به إلى النار ثم يؤتى بالشهيد الذي قتل في الميدان، على أرض الحرب، لكنه لم يرد بقتاله وجه الله، فيقال له: وأنت ماذا عملت؟ فيقول: يا رب، قاتلت فيك حتى قتلت، فيقال له: كذبت، وإنما قاتلت من أجل أن يقال لك: بطل وشجاع، وقد قيل؛ اذهبوا به إلى النار)).
أقول هذا الحديث رواه الإمام مسلم بمعناه، ورواه الإمام الترمذي الإمام مسلم رواه في رقم 1905 والترمذي رواه في رقم 2383 والنسائي رواه في الجزء السادس ص23 وص24 أقول: هذا هو العدل الكامل؛ إذ أن ذلك الصنف، أو أولئك الأصناف عملت لغير الله؛ فلتأخذ أجرها ممن عملت له؛ إذ لا يصح، ولا يعقل ألا تعمل لأحد شيئًا، ثم تذهب فتطالبه على ما لم تعمل له، وإنما خذ أجرك ممن عملت له، كما جاء في بعض الأحاديث التي جاءت في هذا المعنى عن الذين يعملون لغير الله أن الحق سبحانه وتعالى يقول لهم يوم القيامة: اذهب؛ فخذ أجرك ممن عملت له، هذا هو العدل الإلهي يوم القيامة.
ومما يدل أيضًا على أن الإخلاص في النية لله تعالى: هو الأصل في كل شيء هو الأصل في قبول الأعمال، وعدم قبولها، إن العبد إذا هم بحسنة أي هم أن يعمل حسنة فلم توافه الظروف، ولم تساعده الأحوال على أن يقوم بهذه الحسنة فيعملها فإن الله سبحانه وتعالى تكرمًا منه وتعطفًا يكتب له أجر حسنة كاملة؛ مع أنه لم يعملها؛ كأنه عملها ما دامت نيته صادقة وخالصة لله تعالى، وإن وفق إلى عملها مع هذه النية الطيبة الخالصة كتبها الله تعالى له عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف
إلى أضعاف كثيرة ما دامت هذه نيته، وأنه ابتغى بعمله هذا وجه الله تعالى وكان مخلصًا في نيته.
ومن فضل الله تعالى على عباده أن من هم بسيئة فلم يعملها، كتبها الله تعالى له حسنة كاملة، وإن همَّ بسيئة فعملها كتبها الله تعالى له سيئة واحدة ما لم يتب، أو يستغفر، هذا عطاء الله، وهذا فضله، وهذه معاملته لعباده، يعاملهم بنياتهم، وهو سبحانه وتعالى أعلم بنياتهم، وبما تنطوي عليه نفوسهم وقلوبهم.
روى الإمام البخاري -رحمه الله تعالى- ومسلم -رحمه الله تعالى- بسندهما في (صحيحهما) عن أبي العباس عبد الله بن عباس بن عبد المطلب رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يروي عن ربه تبارك وتعالى قال: ((إن الله تعالى كتب الحسنات والسيئات، ثم بين ذلك، فمن هم بحسنة فلم يعملها؛ كتبها الله تبارك وتعالى عنده حسنة كاملة، وإن هم بها فعملها كتبها الله عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، وإن هم بسيئة فلم يعملها؛ كتبها الله عنده حسنة كاملة، وإن هم بها فعملها كتبها الله تعالى سيئة واحدة)) الحديث متفق عليه.
رواه البخاري في الجزء الحادي عشر ص 277 وص279 ومسلم حديث برقم 131 وحتى يعلم المسلم أن المدار عند الله تعالى عند النية أن المسلمين إذا التقيا بسيفيهما فقتل أحدهما الآخر؛ أدخل الله سبحانه وتعالى القاتل والمقتول النار؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم بيَّنَ أن المقتول كان حريصًا على قتل أخيه الصحابة لما أخبروا أولًا بأن الله سبحانه وتعالى يدخل القاتل والمقتول في النار استغربوا، فقال بعضهم: يا رسول الله، هذا هو القاتل، فما بال المقتول لِمَ يدخل النار؛ فبين صلى الله عليه وسلم أن السبب في ذلك أن المقتول كان حريصًا على قتل صاحبه.
فهذا المقتول نيته متوجهة لقتل من قتله، فلو أتيحت له الفرصة، وتمكن من قتل الآخر لقتله؛ من هنا أدخل الله تعالى القاتل والمقتول في النار
روى البخاري ومسلم بسندهما في صحيحهما عن أبي بكرة نفيع بن الحارث الثقفي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا التقى المسلمان بسيفيهما؛ فالقاتل والمقتول في النار، قلت: يا رسول الله هذا القاتل، فما بال المقتول؟ قال عليه الصلاة والسلام: إنه كان حريصًا على قتل صاحبه)) نقل ابن حجر في (الفتح) أن الخطابي قال: هذا الوعيد لمن قاتل على عداوة دنيوية، أو طلب ملكًا مثلًا، فأما من قاتل أهل البغي، أو دفع الصائل، يعني: المعتدي؛ فَقُتِلَ؛ فلا يدخل في هذا الوعيد، لأنه مأذون له في القتال.
والحديث دليل على عقوبة من عزم على معصية بقلبه، ووطن نفسه عليها، فالمدار في الإسلام على نية المرء، والله سبحانه وتعالى يحاسب العباد، ويعطيهم، ويمنعهم، ويدخلهم جنته، أو ناره بحسب نيته التي لا يعلمها غيره سبحانه وتعالى وها هي الصلاة التي هي عمود الدين عندما يخرج الرجل من بيته لا يريد إلا الصلاة، ويكون مخلصًا في ذلك لله حتى يصل إلى المسجد؛ فيصلي ما شاء، ويجلس في انتظار الصلاة مخلصًا لله لا يحبسه في مجلسه أو في مسجده إلا الصلاة، أي: انتظارها ما دامت هذه نيته؛ فإن الملائكة تستغفر له، وتدعو له بالرحمة، والمغفرة ما دام في مصلاه الذي يصلي فيه؛ بشرط ألا يحدث، يعني: لا يبطل وضوءه، أو يؤذي أحدًا من خلق الله أخبر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم.
أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((صلاة الرجل في جماعة تزيد على صلاته في بيته، وصلاته في سوقه بضعًا وعشرين
درجة)) البضع هو العدد من الثلاثة إلى العشرة بفتح الباء، وكسرها بُضع، وبَضع. أما البُضع بضم الباء فهو موطن العورة في المرأة، وفي الرجل ....
الحديث: قال صلى الله عليه وسلم: ((صلاة الرجل في جماعته تزيد على صلاته في بيته وصلاته في سوقه بضعًا وعشرين درجة)) وذلك أن أحدهم إذا توضأ فأحسن الوضوء ثم أتى المسجد لا ينهزه -أي: لا يدفعه إلا الصلاة لا يريد إلا الصلاة- لم يخطُ خطوةً إلا رفع له بها درجة، وحط عنه بها خطيئة حتى يدخل المسجد؛ فإذا دخل المسجد كان في الصلاة ما كانت الصلاة هي تحبسه، والملائكة يصلون على أحدكم ما دام في مجلسه الذي يصلي فيه يقولون: اللهم ارحمه، اللهم اغفر له، اللهم تب عليه ما لم يؤذ فيه، ما لم يحدث فيه)) متفق عليه، واللفظ لمسلم.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.