الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فضل الورع والزهد، وما جاء في الشهرة، وباب الصمت وحفظ اللسان
عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ثلاث من كنَّ فيه استوجب الثواب واستكمل الإيمان: خلق يعيش به في الناس، وورعٌ يحجزه عن محارم الله، وحلم يردّ به جهل الجاهل)) رواه البزار، وفيه من لم أعرفه.
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن الله تعالى ناجى موسى بمائة ألف وأربعين ألف كلمة في ثلاثة أيام وصايا كلها، فلما سمع موسى كلام الآدميين مَقَتهم، مما وقع في مسامعه من كلام الرب، وكان فيما ناجاه أن قال: يا موسى، لم يتصنَّع المتصنعون لي بمثل الزهد في الدنيا، ولم يتقرَّب المتقرِّبون بمثل الورع عمَّا حرمت عليهم، ولا تعبَّدني العابدون بمثل البكاء من خيفتي، فقال موسى: يا إله البرية كلها، ويا مالك يوم الدين، يا ذا الجلال والإكرام، فماذا أعددت لهم، وماذا جزيتهم؟ قال: يا موسى أما الزاهدون في الدنيا، فإنهم أبحتهم جنتي يتبوَّءون حيث يشاءون، وأما الورع عما حرمت عليهم، فإنه ليس من عبد يلقاني يوم القيامة إلا نقشته وفتشته عما كان في يديه إلا ما كان من الورعين، فإني استهيبهم وأُجلّهم، وأدخلهم الجنة بغير حساب، وأما البكائون من خيفتي؛ فلهم الرفيق الأعلى لا يُشَاركون فيه)).
وعن عائشة رضي الله عنها قالت: "ما أعجب رسول الله صلى الله عليه وسلم شيء من الدنيا أعجبه فيها إلا ورع"، وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يا أبا هريرة، ارضَ بما قسم الله لك تكن غنيًّا، وكن ورعًا تكن أعبد الناس، وأحب للناس ما تُحب لنفسك تكن مؤمنًا، وأحسن مجاورة من جاورك تكن مسلمًا، وإيَّاك وكثرة الضحك، فإنه يُميت القلب، والقهقهة من الشيطان، والتبسم من الله عز وجل) رواه الترمذي وابن ماجه، خلا من قوله:((والقهقهة)).
هذه الأمور التي ذكرت هي التي تجعل المسلم متقيًا للفتنة. ثم ذكر الهيثمي بابًا آخر فيمن ترك شيئًا لله تعالى أي: مخافة لله، وحبًّا في الله، ووقوفًا عند أوامر الله ونواهيه.
عن أبي قتادة وأبي الدَّهماء قالا: أتينا على رجل من أهل البادية فقلنا: هل سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئًا؟ قال: نعم. قال: سمعته يقول: ((إنك لن تدعَ شيئًا لله عز وجل إلا أبدلك الله به ما هو خير لك منه))، وفي رواية:((أخذ بيدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعل يُعلمني مما علمه الله تبارك وتعالى وقال: إنك لن تدع شيئًا اتقاء الله عز وجل إلا أعطاك الله خيرًا منه)) رواه أحمد بأسانيد صحيحة.
وعن أبي أمامة رضي الله عنه قال: قال: رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: ((من قَدِر على طمع من طمع الدنيا فأدَّاه ولو شاء لم يؤدّه؛ زوَجه الله عز وجل من الحور الحين حيث شاء)) رواه والطبراني.
باب: ما جاء في الشهرة:
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((بحسب امرئ من الشرّ إن يُشار إليه بالأصابع في دين أو دنيا إلا من عصم الله))، فالذين يحبُّون الشهرة يقعون في الرياء والسمعة. وعن ابن محيريز قال: صحبت فضالة بن عبيد صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: ((أوصني رحمك الله. فقال: احفظ عني ثلاث خصال ينفعك الله بهنَّ: إن استطعت أن تعرف ولا تُعرف فافعل، وإن استطعت أن تسمع ولا تتكلم فافعل، وإن استطعت أن تجلس ولا يُجلس إليك فافعل)) رواه الطبراني، ورجاله ثقات.
هذه الأمور الثلاثة فيها شهرة فبيَّن له أن يتعلَّم والناس لا يعرفون مكانه، ويسمع كثيرًا ويتكلَّم قليلًا، بل لا يتكلم إن استطاع، ويجلس ولا يُجلس إليه، يعني: الناس لا تقوم له ليُجلسوه.
ثم بعد ذلك ذكر بابًا "فيما يحتقره الإنسان من الكلام"؛ ليبين لنا في الأحاديث التي جاءت تحت هذا الباب أن النجاة من الفتن تكون أيضًا في حفظ اللسان، قال: عن شنير بن شكل، وعن زفر، وعن صلة بن زفر، وعن سليك بن مسحل قالوا: خرج علينا حذيفة ونحن نتحدث فقال: "إنكم لتتكلمون كلامًا إن كنا لنعدّه على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم النفاق" رواه أحمد ورجاله الثقات، إلا أن ليث بن أبي سليم مدلّس. وعن حذيفة قال:"إن كان الرجل ليتكلم بالكلمة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فيصير بها منافقًا، وإني لأسمعها من أحدكم في اليوم في المجلس عشر مرات"، وفي رواية "أربع مرات".
وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إنّ الرجل ليتكلم بالكلمة يهوي بها في النار كذا وكذا خريفًا))، وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه يرفعه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:((إن الرجل ليتكلم الكلمة لا يريد بها بئسًا إلا ليُضحك بها القوم، وإنه لا يقع منها أبعد من السماء)). وعن أَمَة ابنة أبي الحكم الغفارية قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((إنّ الرّجل ليدنو من الجنة حتى ما يكون بينه وبينها قيد ذراع، فيتكلم بالكلمة، فيتباعد منها أبعد من صنعاء)) رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح. وعن ابن مسعود قال: "إن الرجل ليتكلم بالكلمة يُضحك بها جلساءه، ما ينقلب إلى أهله منها بشيء؛ ينزل بها أبعد من السماء إلى الأرض".
ثم بعد ذلك جاء باب "الصمت وحفظ اللسان":
قال الهيثمي: عن سماك، قال:"قلت لجابر بن سمرة: أكنت تُجالس النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم. وكان كثير الصمت" رواه أحمد والطبراني في حديث طويل، ورجال أحمد رجال الصحيح غير شريك وهو ثقة.
وعن أنس أيضًا قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من خزن لسانه ستر الله عورته، ومن كفَّ غضبه كفَّ الله عنه عذابه، ومن اعتذر إلى الله قَبِل الله منه عذره))، وعن تميم بن يزيد مولى بني زمعة عن رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم فقال: ((يا أيها الناس، ثنتان من وقاه الله شَرّهما دخل الجنة، فقام رجل من الأنصار فقال: يا رسول الله، ألا تخبرنا بهما؟ ثم قال: اثنتان من وقاه الله شرّهما دخل الجنة حتى إذا كانت الثالثة حبسه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: ترى رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد أن يبشرنا فتمنعه، فقال: إني أخاف أن يتكَّل الناس. قال: ثنتان من وقاه الله شرهما دخل الجنة ما بين لحييه وما بين رجليه)) يعني: الفرج واللسان.
وعن أبي موسى رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من حفظ ما بين فقميه وفرجه دخل الجنة)) فقم يعني: الفم أو الفكين، رواه أحمد وأبو يعلى وغيرهم.
وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ألا أُحدثك ثنتين من فعلهما دخل الجنة، قلنا: بلى يا رسول الله. قال: يحفظ الرجل ما بين فقميه وما بين رجليه. قال: فرجعت أنا وصاحبي، فقلنا: والله إن هذا لشديد، كيف يستطيع المرء أن يحفظ ما بين فقميه فلا يتكلم إلا بخير؟ قال: فأتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلنا: يا رسول الله، إنك ذكرت خَصلتين شديدتين، ومن يستطع أن يملك لسانه يا رسول الله؟ قال: فستٌّ من فعلهنَّ دخل الجنة، قلنا: وما هن يا رسول الله؟ قال: من لا يشرك بالله شيئًا، ولا يزني، ولا يأتي ببهتان يفتريه، فأتمَّ الآية كلها، فكانت هذه أشدُّ من الأولى)) رواه الطبراني، ورجاله وثقوا.
وعن أبي مالك الأشجعي عن أبيه قال: "كنا نجلس عند النبي صلى الله عليه وسلم ونحن غلمان فلم أرَ رجلًا كان أطول صمتًا من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان إذا تكلم أصحابه
فأكثروا الكلام تبسَّم". وعن الحرث بن هُشيم أنه قال: لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أخبرني بأمر أعتصم به. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أملك هذا. وأشار إلى لسانه)).
وعن عبادة بن الصامت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج ذات يوم، فسار على راحلته وأصحابه معه، لم يتقدّم منهم أحد بين يديه، فقال معاذ بن جبل: "يا رسول الله أسأل الله أن يجعل يومنا قبل يومك، أرأيتم كان شيء ولا يرينا الله ذلك أيُّ الأعمال نعملها بعدك، فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:((الجهاد في سبيل الله، قلت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله. قال: نِعم الشيء الجهاد في سبيل الله، وعاد بالناس من أملك من ذلك؟ قال: الصيام والصدقة، قال: نعم الشيء الصيام والصدقة، وعاد بالناس أملك من ذلك؟ فذكر معاذ كل خير يعلمه))، كل ذلك يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:((وعاد بالناس أملك من ذلك قال: يا رسول الله عاد بالناس أملك من ذلك، فأشار رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى فيه قال: الصمت إلا من خيرٍ، قال: وهل نؤاخذ بما تكلمت ألسنتنا؟ فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم على فخذ معاذ، ثم قال: ثكلتك أمك -وما شاء الله أن يقول- وهل يكبّ الناس على مناخرهم في جهنم إلا ما نطقت به ألسنتهم، فمن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليسكت عن شرٍّ، قولوا خيرًا تغنموا، واسكتوا عن شر تسلموا)) رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح، غير عمرو بن مالك الجنبي، وهو ثقة.
وعن أبي أمامة أنّ رَسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، ويشهد أني رسول الله صلى الله عليه وسلم فليسعه بيته، وليبكِ على خطيئته، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر، ويشهد أني رسول الله صلى الله عليه وسلم فليقل خيرًا ليغنم، أو ليسكت عن شرٍّ فيسلم))، وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ليَسعك بيتك، وابك على ذكر خطيئتك، واملك عليك لسانك)) رواه
الطبراني في (الكبير) و (الأوسط)، وفيه المسعودي، وقد اختلط، لكنا نقول هذه الأحاديث وإن كان فيها بعض الضعف إلا أن بعضها يقوِّي بعضها، فموضوعها واحد وقد جاء الكثير منها بأسانيد جيدة صحيحة، وعن ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((طوبى لمن ملك لسانه ووسعه بيته، وبكى على خطيئته)) رواه الطبراني في (الأوسط) و (الصغير) وحسن إسناده.
وعن إسماعيل بن أبي خالد، قال:"أوصى ابن مسعود أبا عبيدة ابنه بثلاث كلمات: أي بني أوصيك بتقوى الله، وليسعك بيتك، وابك على خطيئتك" رواه الطبراني بإسنادين، ورجال أحدهما رجال الصحيح، إلا أن عبد الملك بن عمر، قال: حدثني إلى عبد الله: أن عبد الله أوصى ابنه، وعن أبي وائل بن عبد الله أنه ارتقى الصفا؛ فأخذ بلسانه فقال للسان: "قل خيرًا تغنم، واسكت عن شرٍّ تسلم من قبل أن تندم من قبل أن تندم، ثم قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((أكثر خطايا ابن آدم من لسانه)) رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح، وعن أسود بن أصرم قال:((قلت: يا رسول الله، أوصني. قال: تملك يدك. قلت: فماذا أملك إذا لم أملك يدي؟ قال: تملك لسانك. قلت: فماذا أملك؟ قال: تملك لسانك. قلت: فماذا أملك إذا لم أملك لساني؟ قال: لا تبسط يدك إلا إلى خير، ولا تقل بلسانك إلا معروفًا)) رواه الطبراني وإسناده حسن.
وعن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: ((قلت: يا رسول الله، أكلُّ ما نتكلم به يُكتب علينا، فقال: ثكلتك أمك، وهل يكبّ الناس على مناخرهم في النار إلا حصائد ألسنتهم، إنك لن تزال سالمًا ما سكت، فإذا تكلمت كتب الله لك أو عليك)) يقول الهيثمي: "رواه الترمذي باختصار من قوله: ((إنك لا تزال)) إلى آخره، ورواه الطبراني بإسنادين ورجال أحدهما ثقات.
وعن عدي بن حاتم رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أيمن امرئ وأشأمه ما بين لحيَيْه)) -يعني: ما بين الفكين- يعني: اللسان هو سبب اليمن وسبب الشؤم. وعن أبي اليسر أن رجلًا قال: ((يا رسول الله دُلَّني على عملٍ يُدخلني الجنة؟ قال: أمسك عليك هذا، وأشار إلى لسانه، فأعادها عليه، فقال: ثكلتك أمك، هل يكبُّ الناس على مناخرهم في النار إلا حصائد ألسنتهم)). رواه البزار، وقال: إسناده حسن، ومتنه غريب، ورواه الطبراني إلا أنه قال: قال معاذ: ((مُرني بعمل يُدخلني الجنة. قال: آمن بالله وقل خيرًا يُكتب لك، ولا تقل شرًّا يُكتب عليك، قال: وإنَّا لنُآخذ بما نتكلم به))، فذكر نحوه.
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليسكت))، وعن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر؛ فلا يؤذِ جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليسكت، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليُكرم ضيفه))، وعن أنس قال:((لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا ذر وقال: يا أبا ذر ألا أدلُّك على خصلتين هما خفيفتان على الظهر وأثقل في الميزان من غيرهما؟ قال: بلى يا رسول الله، قال: عليك بحسن الخلق وطول الصمت، فوالذي نفسي بيده ما عمل الخلائق بمثلهما)). وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: ((سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله أيُّ الأعمال أفضل؟ قال: الصلاة على ميقاتها، قلت: ثم ماذا يا رسول الله؟ قال: أن يسلم الناس من لسانك، قلت: في الصحيح منه الصلاة لميقاتها)).
وعن الحرث بن هشام قال: ((قلت: يا رسول الله، حدثني بأمر أعتصم به قال: أملك عليك هذا وأشار إلى لسانه)). وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: لمن حوله من أمته ((اكفلوا -يعني: اضمنوا- لي بستِّ خصال، وأكفل
لكم الجنة -أضمن لكم الجنة- قالوا: وما هي يا رسول الله؟ قال: الصلاة، والزكاة، والأمانة، والفرج، والبطن، واللسان)). وعن أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:((تقبلوا لي ستًّا أتقبَّل لكم الجنة، إذا حدَّث أحدكم فلا يكذب، وإذا وعد فلا يخلف، وإذا اؤتمن فلا يخن، غُضُّوا أبصاركم، وكفوا أيديكم، واحفظوا فروجكم)).
وعن أبي أمامة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((اكفلوا لي بست أكفل لكم بالجنة: إذا حدَّث أحدكم فلا يكذب، وإذا وعد فلا يُخلف، وإذا اؤتمن فلا يخن، غضُّوا أبصاركم، واحفظوا فروجكم، وكُفُّوا أيديكم))، وعن أبي سعيد رضي الله عنه قال:((جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، أوصني، قال: عليك بتقوى الله، فإنها جماع كل خير، وعليك بالجهاد في سبيل الله فإنه رهبانية المسلمين، وعليك بذكر الله وتلاوة القرآن، فإنه نور لك في الأرض، وذكرٌ لك في السماء، واخزن لسانك إلا من خير -يعني: احفظ لسانك إلا من خير- فإنك بذلك تغلب الشيطان))، ومن الأسباب التي يتقي بها المسلم الفتن التوكل على الله سبحانه وتعالى، وليس معنى التوكل هو أن الإنسان لا يأخذ بالأسباب، وإنما يأخذ بالأسباب ويترك النتائج إلى الله سبحانه وتعالى.
قال الهيثمي تحت باب التوكل: عن عمرو بن أمية الضمري "أنه قال: يا رسول الله أُرسل راحلتي وأتوكل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((بل قيّدها وتوكل)) رواه الطبراني من طُرق، ورجال أحدها رجال الصحيح، غير يعقوب بن عبد الله بن عمرو بن أمية، وهو ثقة.
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: ((أُهديت لرسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة طوائر، فأطعم خادمته طائرًا، فلما كان من الغد أتته به، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألم أنهك أن ترفعي شيئًا لغدٍ، فإن الله يأتي برزق كل غدٍ)) رواه أحمد وإسناده حسن.
ومن الأسباب التي تجعل المسلم ينجو من الفتن العزلة عند الفتن، المسلم يعتزل الناس ويبتعد عن شرِّهم، ويخلو في بيته، فكما أمر بحفظ لسانه عليه أيضًا أن يبتعد عن الناس عندما تقع الفتن.
عن عمران بن حصين قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من انقطع إلى الله كفاه الله كل مئونة، ورزقه من حيث لا يحتسب، ومن انقطع إلى الدنيا وَكَله الله إليها))، وعن أم ميسرة رضي الله عنها قالت قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ألا أخبركم بخير الناس رجلًا؟ قالوا: بلى يا رسول الله، فأشار بيده نحو المشرق، فقال: رجل آخذٌ بعنان فرسه في سبيل الله، ينظر أن يُغير أو يُغار عليه، ألا أخبركم بخير الناس بعده رجلًا؟ قالوا: بلى، فأشار بيده نحو الحجاز فقال: رجلًا في غُنيمة -يعني: مجموعة غنم صغيرة- يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة، يعلم ما حقُّ الله تعالى في ماله، قد اعتزل الناس)) رواه الطبراني، ورجاله ثقات إلا أن ابن إسحاق مدلس لكنه مقبول.
وعن عدسه الطائي قال: "كنت بصراف -موضع- فنزل علينا عبد الله -يعني: عبد الله بن مسعود- فبعثني إليه أهلي بأشياء، وجاء غِلمة لنا كانوا في الإبل من مسيرة أربع ليالٍ بطير، فذهبت به إليه، فلما ذهبت به إليه سألني من أين جئتني بهذا الطائر؟ قال: قلت جاء غلمان لنا كانوا في الإبل من مسيرة أربع ليالٍ، فقال عبد الله: لوددت أني حيث صِيد لا أكلم أحدًا بشيء، ولا يكلمني أحد؛ حتى ألحق بالله عز وجل".
وعن عبد الله بن عمرو أنه مرَّ بمعاذ بن جبل وهو قائم على بابه يُشير بيده كأنه يدسّ نفسه، فقال له عبد الله بن عمرو: ما شأنك يا أبا عبد الرحمن؟ تحدَّث نفسك قال: ما لي، يريد عدوَّ الله أن يلفتني عمَّا سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
((تكابد دهرك في بيتك ألَّا تخرج إلى المجلس))، وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:((من خرج في سبيل الله كان ضامنًا على الله، ومن عاد مريضًا كان ضامنًا على الله عز وجل، ومن غدا إلى المسجد أو راح كان ضامنًا على الله عز وجل، ومن دخل على إمام يعزّره -يعني: ينصحه يوصيه بالحق- كان ضامنًا على الله عز وجل، ومن جلس في بيته لم يغتبْ أحدًا بسوء كان ضامنًا على الله عز وجل) فيريد أن يُخرجني عدوُّ الله يريد لسانه أنه كان يدسّه في فمه أي: يضرب فمه أن يخرجني من بيتي إلى المجلس فيحدث نفسه ويتكلم، ويقصد بعدو الله الشيطان.
وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إنه كان فيمن كان قبلكم من الأمم رجل يُقال له: مورّق، وكان متعبدًا، فبينما هو قائم في صلاته ذكر النساء واشتهاهنَّ، وانتشر حتى قطع صلاته، فغضب فأخذ قوسه فقطع وتره، فعقده بخصيته، وشدَّه لعقبه، ثم مدَّ رجليه فانتزعها، ثم أخذت تمريه ونعليه حتى أتى أرضًا لا أنيس بها، ولا وحش فاتخذ عريشًا، ثم قام يصلي فجعل كلما أصبحت تصدَّعت الأرض فخرج له خارجٌ منها معه إناء فيه طعام حتى شبع، ثم يدخل فيخرج بإناء فيه شراب فيشرب حتى يُروى، ثم يدخل وتلتئم الأرض، فإذا أمسى فُعل مثل ذلك. قال: ومر الناس قريبًا منه فأتاه رجلان من القوم فمرَّ به تحت جنح الليل، فسألاه عن قصدهما فسمت لهما بيده، قال: هذا قصدكما حيث يريدان، فسارا غير بعيد. قال أحدهما: ما يسكن هذا الرجل ها هنا بأرض لا أنيس بها، ولا وحش، لو رجعنا إليه حتى نعلم علمه، قال: فرجعا إليه، فقال له: يا عبد الله ما يُقيمك بهذا المكان، بأرض لا أنيس بها ولا وحش، قال: امضيا لشأنكما ودعاني، فأبيا وألحَّا عليه.
قال: فإني مخبركما على أن من كَتَما منكما عني أكرمه الله في الدنيا والآخرة، ومن أظهر عليَّ منكما أهانه الله في الدنيا والآخرة. قالا: نعم. قال: فنزل، فلما
أصبحا خرج الخارج من الأرض مثل الذي كان يخرج من الطعام، ومثليه معه فأكلوا حتى شبعوا، ثم دخل فخرج إليهم بشراب في إناء مثل الذي كان يخرج به كل يوم، ومثليه معه -يعني: خرج برزقهم- فشربوا حتى رُوُوا، ثم دخل والتأمت الأرض قال: فنظر أحدهما إلى صاحبه، فقال: ما يعجلنا، هذا طعام وشراب وقد علمنا سمتنا من الأرض، امكث إلى العشاء، فمكثا، فخرج إليه من الطعام والشراب مثل الذي خرج أول النهار، فقال أحدهما لصاحبه: امكث بنا حتى نُصبح، فمكثا فلما أصبح خرج إليهما مثل ذلك، ثم ركبا فانطلقا، فأما أحدهما فلزم باب الملك حتى كان من خاصته، ومن سُمَّاره. وأما الآخر فأقبل على تجارته وعمله، وكان ذلك الملك لا يكذب أحدٌ في زمانه من أهل مملكته كذبةً يُعرف بها إلا صلبه، فبينما هم ذات ليلة في السمر يُحدِّثونه بما رأوا من العجائب أنشأ ذلك الرجل يُحدّث فقال: ألا أحدثك أيها الملك بحديث ما سمعت أعجب منه قط، فحدَّث بحديث ذلك الرجل الذي رأى من أمره قال: الملك ما سمعت بكذب قط أعظم من هذا، والله لتأتينِّي على ما قلت ببينه أو لأصلبنك.
قال: بيِّنتي فلان، قال: رضاء ائتوني به، فلما أتوه قال الملك: إن هذا يزعم أنكما مررتما برجل، ثم كان من أمره كذا وكذا، قال الرجل: أيها الملك أولست تعلم أن هذا كذب وهذا ما لا يكون، ولو أني حدثتك بهذا؛ لكان عليك من الحق أن تصلبني عليه، قال: صدقت وبررت فأدخل الرجل الذي كتم عليه في خاصته، ومن سُمَّاره، وأمر بالآخر فصُلب فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فأما الذي كتم عليه منهما فقد أكرمه الله في الدنيا والآخر، وأما الذي أظهر عليه منهما فقد أهانه الله في الدنيا وهو مهينه في الآخرة، ثم نظر بكر بن عبد الله بن أنس فقال: يا أبا المثنى سمعت جدَّك يُحدّث هذا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم))، رواه
الطبراني في (الأوسط) عن شيخه محمد بن شعيب، ولم أعرفه، وبقية رجاله ثقات على ضعف في بعضهم يسير.
وهناك أحاديث في الخوف والرجاء، وأحاديث تحت عنوان باب ساعة وساعة، وأحاديث في ذكر الموت، وأحاديث جاءت في الحزن، وأحاديث في خشية الله تعالى، وأحاديث في علامة البراءة من النفاق، هذه الأمور إذا نظر المسلم فيها، ونظر في هذه الأحاديث، وعمل بما تطلبه منه من مراقبة لله تعالى، ومن تقوى لله تعالى، ومن يقين وثقة في الله تعالى، وتوكل على الله حق التوكل، ثم نظر إلى طعامه وشرابه فلا يأكل ولا يشرب إلا ما أحل الله تعالى له، وتورع وابتعد عن الشبهات وأكل الحلال الطيب فقط، وزهد في الدنيا كما ينبغي، وترك المحرمات، وترك أكل الشهوات الباطلة لله تعالى، وخوفًا من الحق سبحانه وتعالى واعتزل، وعزل شرَّه عن الناس، وخاف من الله تعالى حق الخوف، إذا فعل المسلم ذلك؛ نجا من الفتن قال: تعالى: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا} (الطلاق: 2 - 3).
هذا، وبالله التوفيق والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.