الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وقال غيره: "أصل الفتنة الاختبار، ثم استعملت فيما أخرجته المحنة إلى المكروه، ثم أطلقت على كل مكروه، أو آيل إليه كالكفر، والإثم، والتحريق، والفضيحة، والفجور، وغير ذلك".
تحذير النبي صلى الله عليه وسلم من الوقوع في الفتن
باب ما جاء في قول الله تعالى: {وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً} (الأنفال: 25) وما كان النبي صلى الله عليه وسلم يُحذِّر من الفتن:
روى البُخَاريُّ بسنده عن ابن أبي مليكة قال: قالت أسماء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((أنا على حوضي أنتظر من يرد علي، فيؤخذ بناس من أمتي فأقول: أمتي. فيقال: لا تدري مشوا على القهقهري)). قال ابن أبي مليكة: "اللهم إنا نعوذ بك من أن نعود على أعقابنا، أو نُردّ على أعقابنا أو نفتن".
وروى البخاري قال: حدثنا يحيى بن بكير، حدثنا يعقوب بن عبد الرحمن، عن أبي حازم قال: سمعت سهل بن سعد يقول: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ((أنا فَرَطكم على الحوض من ورده شرب منه، ومن شرب منه لم يظمأ بعده أبدًا؛ ليَرِدُنَّ عليَّ أقوام أعرفهم ويعرفوني، ثم يُحال بيني وبينهم))، قال أبو حازم: فسمعني النعمان بن أبي عياش وأنا أحدثهم هذا، فقال: هكذا سمعت سهلًا؟ فقلت: نعم. قال: وأنا أشهد على أبي سعيد الخدري لسمعته يزيد فيه قال: ((إنهم مني، فيقال: إنك لا تدري ما بدَّلوا بعدك، فأقول سُحقًا سُحقًا لمن بدل بعدي)).
باب: قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((سَتَرَون بعدي أمورًا تُنكرونها))
وقال عبد الله بن زيد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((اصبروا حتى تلقوني على الحوض)):
روى البخاري بسنده عن زيد بن وهب قال: سمعت عبد الله أي: ابن مسعود قال: قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إنكم سترون بعدي أثرة وأمورًا تُنكرونها، قالوا: فما تأمرنا يا رسول الله؟ قال: أدُّوا إليهم حقهم، وسلوا الله حقكم)). وبسنده أيضًا عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((من كره من أميره شيئًا فليصبر، فإنه من خرج من السلطان شبرًا مات ميتة جاهلية))، وبسنده عن أبي رجاء العطاردي قال: سمعتُ ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((من رأى من أميره شيئًا يكرهه فليصبر عليه، فإنه من فارق الجماعة شبرًا فمات إلا مات ميتة جاهلية)).
وبسنده -أي: بسند البُخاري- عن جنادة بن أبي أمية، قال: "دخلنا على عُبادة بن الصامت رضي الله عنه وهو مريض قلنا: أصلحك الله حدّث بحديث ينفعك الله به، سمعته من النبي صلى الله عليه وسلم قال:((دعانا النبي صلى الله عليه وسلم فبايعناه، فقال فيما أخذ علينا: أن بايعنا على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا، وعُسرنا ويُسرنا، وأثرة علينا، وألا ننازع الأمر أهله، إلا أن تروا كفرًا بواحًا عندكم من الله فيه برهان)) يعني: كفر صريح.
وبسند البخاري أيضًا عن أنس بن مالك رضي الله عنه عن أسيد بن حضير: ((أن رجلًا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله استعملت فلانًا ولم تستعملني، قال عليه الصلاة والسلام: إنكم سترون بعدي أثرة، فاصبروا حتى تلقوني))، ولقد جمع الإمام مسلم في صحيحه أحاديث الفتن، أو قُل: قدرًا كبيرًا منها تحت عنوان: كتاب الفتن وأشراط الساعة. جاء في هذه الأحاديث تحذير النبي صلى الله عليه وسلم من الفتن، وبيانه صلى الله عليه وسلم لما سيكون في آخر الزمان من الفتن التي تجعل الحليم حيران، وتجعل القابض على
دينه كالقابض على الجمر، وبيَّن صلى الله عليه وسلم في هذه الأحاديث أن هذه الفتن ستكون كثيرة، تظهر وتتوالى، وتتابع كسقوط القطر أي: المطر، وبينت هذه الأحاديث أن هلاك أمة الإسلام على يد أبنائها، فإنه لا يُهلكها غيرها، وأن السيف إذا رُفع بين المسلمين لا يُوضع أي: لا توقف، بل يستمر الهرج والقتل بينهم.
وبيَّن صلى الله عليه وسلم في هذه الأحاديث أن هناك فتنة عظيمة قبل قيام الساعة تموج كموج البحر، وغير ذلك مما ذكره صلى الله عليه وسلم وسأورده الآن إن شاء الله تعالى، كما رواه الإمام مسلم في صحيحه بسنده -رحمه الله تعالى، يقول الإمام مسلم -رحمه الله تعالى: كتاب الفتن وأشراط الساعة: باب اقتراب الفتن وفتح ردم يأجوج ومأجوج، حدثنا عمرو الناقد حدثنا سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن عروة، عن زينب بنت أم سلمة، عن أم حبيبة، عن زينب بنت جحش رضي الله عنهما ((أن النبي صلى الله عليه وسلم استيقظ من نومه وهو يقول: لا إله إلا الله، ويل للعرب من شر قد اقترب، فُتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه، وعقد سفيان بيده عشرة قلت: -يعني: زينب بنت جحش وأم حبيبة سألوا النبي عليه الصلاة والسلام يا رسول الله، أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم، إذا كثر الخبث)).
وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، وسعيد بن عمرو الأشعثي، وزهير بن حرب وابن أبي عمر قالوا: حدثنا سفيان عن الزهري بهذا الإسناد، وزادوا في الإسناد عن سفيان فقالوا: عن زينب بنت أم سلمة، عن أم حبيبة، عن زينب بنت جحش رضي الله عنها.
وبسنده -أي: بسند الإمام مسلم- عن عروة بن الزبير: "أن زينب بنت أبي سلمة أخبرته -أن أم حبيبة بنت أبي سفيان -زوجة النبي عليه الصلاة والسلام أخبرتها يعني: أخبرت زينب بنت أبي سلمة، أن زينب بنت جحش زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: ((خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يومًا فَزِعًا مُحمرًا وجهه يقول: لا إله إلا الله، ويل للعرب
من شرٍّ قد اقترب، فُتح اليوم من رَدْم يأجوج ومأجوج مثل هذه، وحلَّق بأصبعه الإبهام والتي تليها، قالت: فقلت: يا رسول الله، أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم، إذا كثر الخبث)).
وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه. وعقد وهيب بيده تسعين)).
باب الخسف بالجيش الذي يؤم البيت:
من الفتن التي ستقع في آخر الزمان أن هناك جيشًا يؤم البيت يعني: يقصد بيت الله الحرام يريد أن يهدمه، فيُخسف بذلك الجيش، روى ذلك الإمام مسلم في صحيحه قال: حدثنا قتيبة بن سعيد وأبو بكر بن أبي شيبة، وإسحاق بن إبراهيم، واللفظ لقتيبة: قال إسحاق: أخبرنا، وقال الآخران: حدثنا جرير عن عبد العزيز بن رفيع، عن عبيد الله بن القبطية، قال: دخل الحارث بن أبي ربيعة، وعبد الله بن صفوان، وأنا معهما على أم سلمة أم المؤمنين رضي الله عنها فسألاها عن الجيش الذي يُخسف به، وكان ذلك في أيام ابن الزبير فقالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يعوذ عائذ بالبيت فيُبعث إليه بعث؛ فإذا كانوا ببيداء من الأرض خُسف بهم، فقلت: يا رسول الله فكيف بمن كان كارهًا، قال: يخسف به معهم، ولكنه يُبعث يوم القيامة على نيته))، وقال أبو جعفر: هي بيداء المدينة يعني: كلٌّ يُخسف به، والذي خرج مكرهًا في هذا الجيش الذي يُريد تدمير بيت الله الحرام، إذا كان مكرهًا يخسف به، ويُبعث يوم القيامة على نيته أي: ينجيه الله سبحانه وتعالى من العذاب؛ لأنه خرج مكرهًا، فكلٌّ يبعث على نيته.
وبهذا الإسناد قال: لقيت أبا جعفر، فقلت: إنها إنما قالت: ببيداء من الأرض، وقال أبو جعفر: كلا والله إنها لبيداء المدينة، يعني: من طريق المدينة يقصدون
بيت الله الحرام ليهدموه. وبسند مسلم عن أمية بن صفوان سمع جده عبد الله بن صفوان يقول: أخبرتني حفصة أنها سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ((ليؤمَّن هذا البيت -يعني: ليقصدن هذا البيت- جيش يغزونه حتى إذا كانوا ببيداء من الأرض يُخسف بأوسطهم، ويُنادي أولهم آخرهم، ثم يُخسف بهم، فلا يبقى إلا الشريد الذي يُخبر عنهم))، فقال رجل: أشهد عليك أنك لم تكذب على حفصة، وأشهد على حفصة أنها لم تكذب على النبي صلى الله عليه وسلم.
فالأحاديث يُصدق بعضها بعضًا، الأول عن أم حبيبة وعن زينب بنت جحش، والثاني عن أم سلمة، وآخر عن حفصة بنت عمر رضي الله عنهن جميعًا.
وبسنده أيضًا عن يوسف بن ماهك قال: أخبرني عبد الله بن صفوان، عن أم المؤمنين، هنا لم يُسمِّ من هي؛ لأن كل نساء النبي عليه الصلاة والسلام يُسمَّون أو يُكنَّون بأمهات المؤمنين، فيقول عبد الله بن صفوان: عن أم المؤمنين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((سيعوذ بهذا البيت -يعني: الكعبة- قوم ليست لهم مَنَعة -يعني يحتمون ببيت الله الحرام، لا عندهم أحد يمنعهم، ولا عُدة ولا سلاح معهم- ولا عدد ولا عُدة، يُبعث إليهم جيش حتى إذا كانوا ببيداء من الأرض خُسف بهم)).
قال يوسف: هو يوسف بن ماهك الراوي عن عبد الله بن صفوان،: وأهل الشام -تقال: الشام والشأم بالهمزة، يعني: بالتسهيل- يومئذٍ يسيرون إلى مكة، فقال عبد الله بن صفوان: أما والله ما هو بهذا الجيش، قال زيد: وحدثني عبد الملك العامري، عن عبد الرحمن بن سابط، عن الحارث بن أبي ربيعة، عن أم المؤمنين بمثل حديث يوسف بن ماهك، غير أنه لم يذكر فيه الجيش الذي ذكره عبد الله بن صفوان.
وقال الإمام مسلم: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا يونس بن محمد، حدثنا القاسم بن الفضل الحداني، عن محمد بن زياد، عن عبد الله بن الزبير أن عائشة رضي الله عنها-
قالت: ((عَبِث رسول الله صلى الله عليه وسلم في منامه)) قيل: معناه اضطرب بجسمه، وقيل: حرك أطرافه كمن يأخذ شيئًا أو يدفعه، ((فقلنا: يا رسول الله، صنعت شيئًا في منامك لم تكن تفعله، فقال: العجب إن ناسًا من أمتي يؤمُّون بالبيت برجل من قريش، قد لجأ بالبيت، حتى إذا كانوا بالبيداء خُسف بهم، فقلنا: يا رسول الله، إن الطريق قد يجمع الناس)) يعني: الطريق فيه الصالح، وفيه الطالح، وفيه من هو ذاهب يريد بيت الله الحرام، وفيهم من ليس يريد ذلك ((قال: نعم، فيهم المستبصر، والمجبور، وابن السبيل يهلكون مهلكًا واحدًا، ويصدرون مصادر شتَّى، يبعثهم الله على نيَّاتهم)) يعني: الذي لا يقصد هدم بيت الله لا يُؤاخذ على أنه خُسف به، يكفيه الخسف.
ثم بعد ذلك ذكر الإمام مسلم بابًا في نزول الفتن، وأنها كثيرة كمواقع القطر -يعني: المطر- يروي مسلم بسنده عن عروة، عن أسامة -أي: أسامة بن زيد رضي الله عنهما: "أن النبي صلى الله عليه وسلم أشرف على أُطم من آطام المدينة -يعني: حصن عال من حصون المدينة- ثم قال: هل ترون ما أرى، إني لأرى مواقع الفتن خلال بيوتكم كمواقع القطر"، مثل: المطر عندما ينزل.
وروى مسلم قال: حدثني عمرو الناقد، والحسن الحلواني، وعبد بن حميد قال عبد: أخبرني، وقال الآخران: حدثنا يعقوب، وهو ابن إبراهيم بن سعد، حدثنا أبي، عن صالح، عن ابن شهاب، حدثني ابن المسيب، وأبو سلمة بن عبد الرحمن: "أن أبا هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ستكون فتن القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي، من تشرَّف لها تستشرفه، ومن وجد فيها ملجأ فليَعُذْ به)) يعني: القاعد في هذه الفتن خير من القائم، خير من الواقف، والقائم خير من الذي يمشي بين الناس بالفتنة، والذي يمشي بالفتنة -يعني: ببطء- خير من الساعي الذي يسعى
بسرعة ليُشعل الفتنة بين الناس، هذه الفتنة من تعرض لها وقع فيها، ((من تشرَّف لها تستشرفه)) ثم يحذر الرسول صلى الله عليه وسلم ويدعو المسلم إلى أن يبتعد عن هذه الفتن فيقول:((ومن وجد فيها ملجأ فليَعُذْ به)).
وروى مسلم أيضًا بسنده مثل هذا الحديث؛ إلا أن أبا بكر يزيد ((من الصلاة صلاة من فاتته؛ فكأنما وُتر أهله وماله)) صلاة العصر، جاءت في أحاديث أخرى. كأنما ضاع أهله وماله. وروى مسلم أيضًا بسنده عن أبي سلمة، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((تكون فتنة النائم فيها خير من اليقظان)) يعني: والنائم هنا ليس المراد النوم وإنما الذي يكون بعيدًا عن هذه الفتن ولا يشارك فيها، النائم فيها خير من اليقظان، واليقظان فيها خير من القائم ((فمن وجد ملجأ أو معاذًا فليستعذ)) يعني: الذي يجد ملجأ، أو شيء يعيذه من هذه الفتن فليلجأ إلى هذا المكان.
وروى مسلم أيضًا بسنده قال: حدثني أبو كامل الجحدري فُضيل، وفضيل بن حسين، حدثنا حماد بن زيد، حدثنا عثمان الشحام قال: انطلقت أنا وفرقد السبخي إلى مسلم بن أبي بكرة، وهو في أرضه فدخلنا عليه فقلنا: هل سمعت أباك يُحدِّث في الفتن حديثًا؟ قال: نعم. سمعت أبا بكرة -هو أبوه- أبو بكرة نفيع بن الحارث، هذا ابنه الذي يروي هذا الحديث، قال: نعم. سمعت أبا بكرة يُحدِّث، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إنها ستكون فتن، ألا ثَمَّ تكون فتنة القاعد فيها خير من الماشي فيها، والماشي فيها خير من الساعي إليها، ألا فإذا نزلت أو وقعت، فمن كان له إبل فليلحق بإبله، ومن كانت له غنم فليلحق بغنمه)) يعني: يروح الصحراء بعيد عن الفتن، ويعيش يرعى الإبل والأغنام، ويأكل منها، ((ومن كانت له أرض فليلحق بأرضه، قال: فقال رجل: يا رسول الله أرأيت من لم يكن له إبل ولا غنم ولا أرض)) يعني: ماذا يفعل؟ كالذين
يعيشون في الحضر قال صلى الله عليه وسلم: ((يعمد إلى سيفه فيدقّ على حدِّه بحجر -يعني: معناه السلاح عنده يتخلص منه- ثم لينجُ إن استطاع النجاة يهرب، اللهم هل بلغت اللهم، هل بلغت اللهم هل بلغت، قال: فقال رجل: يا رسول الله، أرأيت إن أُكرهتُ حتى يُنطلق بي إلى أحد الصفين، أو إحدى الفئتنين، فضربني رجل بسيفه، أو يبوء أو يجيء سهم فيقتلني، قال عليه الصلاة والسلام: يبوء بإثمه وإثمك، ويكون من أصحاب النار))، المعنى: أنت ما دمت مكرهًا فلا شيء على مكره.
ثم بعد ذلك ذكر الإمام مسلم بابًا في التحذير من أن يقتتل المسلمان، وأنه يجب البُعد عن التشاحن والبغضاء؛ فقال: باب إذا تواجه المسلمان بسيفيهما:
روى بسنده عن الأحنف بن قيس قال: خرجت وأنا أريد هذا الرجل -يقصد عليًّا- ينصره وينضم إلى حزبه، يقول: فلقيني أبو بكرة فقال: أين تريد يا أحنف؟ قال: قلت: أريد نصر ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم يعني: عليًّا. قال: فقال لي: يا أحنف ارجع، ارجع يا أحنف لماذا؟ ارجع؛ فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:((إذا تواجه المسلمان بسيفيهما -يعني: توجه أحدهما إلى الآخر وكل منهما رفع سيفه على أخيه- فالقاتل والمقتول في النار، قيل: يا رسول الله، هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال عليه الصلاة والسلام: إنه قد أراد قتل صاحبه)) ما هو كان نيته يقتله، والناس تُحاسب على نيتها في هذه المواقف.
وبسنده أيضًا عن الأحنف بن قيس، عن أبي بكرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار)) والتقى بمعنى تواجه، وروى مسلم أيضًا بسنده عن ربعي بن خراش، عن أبي بكرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
عن النبي صلى الله عليه وسلم ((إذا المسلمان حمل أحدهما على أخيه السلاح، فهما على جرف جهنم)) واقفين على شفة النار، إن رجعا ولم يقتل أحدهما الآخر، هنا تكون السماحة والعفو، أما لو قتل أحدهما صاحبه وقعا الاثنان في جهنم.
وبسنده -يعني: بسند مسلم- عن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر أحاديث -يعني: أبو هريرة ذكر أحاديث- منها، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:((لا تقوم الساعة حتى تقتتل فئتان عظيمتنان، وتكون بينهما مقتلة عظيمة، ودعواهما واحدة)) الاثنين كل واحد يدعي أن الحق معه والهدف واحد للاثنين. وبسنده أيضًا عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((لا تقوم الساعة حتى يكثر الهرج. قالوا: وما الهرج يا رسول الله؟ قال: القتل القتل)).
ثم عقد الإمام مسلم بابًا بعنوان: باب هلاك هذه الأمة بعضهم ببعض يعني: الأمة الإسلامية ضمن الله سبحانه وتعالى لها ألا تُهلك على يد أعدائها، وإنما يكون هلاكها على يد بعضها، يعني: يهلك بعضها بعضًا، روى الإمام مسلم بسنده عن ثوبان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن الله زوى لي الأرض)) -زواها يعني: جمعها ووضعها كلها أمامي- ((فكشفت لي، فرأيت مشارقها ومغاربها)) طبعًا هذا لا يعجز الله سبحانه وتعالى يعني: الكرة الأرضية كُشفت لرسول الله صلى الله عليه وسلم كلها، ثم قال عليه الصلاة والسلام:((وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زُوي لي منها)) معناه: أن الإسلام سيعمّ الكرة الأرضية، وقد عمها في كل بلاد العالم الآن يوجد مسلمون، ((وأعطيت الكنزين الأحمر والأبيض)) يعني: الذهب والفضة ((وإني سألت ربي لأمتي ألا يُهلكها بسنة عامة وألا يُسلط عليهم عدوًّا من سوى أنفسهم، فيستبيح بيضتهم)).
سأل النبي صلى الله عليه وسلم ربنا سبحانه وتعالى ألا يجعل هلاك الأمة الإسلامية بسبب الجوع والقحط، كما أنه طلب من الحق سبحانه وتعالى وسأله ألا يجعل، أو ألا يسلط على أمة المسلمين عدوًّا يقضي عليهم قضاء كاملًا فيستبيح بيضتهم ((وإن ربي قال لي: يا محمد، إني إذا قضيت قضاء، فإنه لا يُردّ، وإني أعطيت لأمتك ألا أُهلكهم بسنة عامة، وألَّا أسلط عليهم عدوًّا من سوى أنفسهم يستبيح بيضتهم)) المراد بالبيضة يعني:
حوزة الإسلام، أو حرم الأرض الإسلامية، ((ولو اجتمع عليهم من أقطارها)) يعني: لو جاءت الأعداء من كل مكان من الأرض إن شاء الله لا تستبيح بيضة المسلمين يعني: كل ما يملكه المسلمون، أو قال:((من بين أقطارها، حتى يكون بعضهم يُهلك بعضًا، ويسبي بعضهم بعضًا)) وهذا ما حدث.
وبسنده -يعني: بسند الإمام مسلم- عن أبي أسماء الرحبي، عن ثوبان أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال:((إن الله تعالى زوى لي الأرض حتى رأيت مشارقها ومغاربها، وأعطاني الكنزين الأحمر والأبيض))، ثم ذكر نحو الحديث السابق، وبسنده أي: بسند مسلم؛ قال: قال الإمام مسلم: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا عبد الله بن نمير، ثم تحوَّل السند قال: وحدثنا ابن نمير، واللفظ له، قال: حدثنا أبي، حدثنا عثمان بن حكيم، أخبرني عامر بن سعد، عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم:((أقبل ذات يوم من العالية)) العالية مكان بعيد عن المدينة، وكان سيدنا عمر له فيه أغراض، كان يسكن به كثيرًا، حتى إذا مر بمسجد بني معاوية دخل فركع فيه ركعتين، وصلينا معه، ودعا ربه طويلًا، ثم انصرف إلينا فقال صلى الله عليه وسلم:((سألت ربي ثلاثًا فأعطاني ثنتين ومنعني واحدة، سألت ربي ألا يُهلك أمتي بالسنة)) يعني: بالفقر ((فأعطانيها، وسألته ألا يهلك أمتي بالغرق فأعطانيها، وسألته ألا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها)).
وقال مسلم أيضًا: حدثنا ابن أبي عمر، حدثنا مروان بن معاوية، حدثنا عثمان بن حكيم الأنصاري، أخبرني عامر بن سعد، عن أبيه:"أنه أقبل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في طائفة من أصحابه؛ فمر بمسجد بني معاوية بمثل حديث ابن نمير السابق".
ثم عقد الإمام مسلم، بابًا آخر تحت عنوان باب إخبار النبي صلى الله عليه وسلم بما يكون إلى قيام الساعة، قال الإمام مسلم: حدثني حرملة بن يحيى التجيبي، أخبرنا ابن وهب،
أخبرنا يونس عن ابن شهاب، قال حذيفة: "أن أبا إدريس الخولاني كان يقول: قال حذيفة بن اليمان: والله إني لأعلم الناس بكل فتنة هي كائنة فيما بيني وبين الساعة حذيفة كان يُعرف بأنه صاحب سرّ رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي يعرف حديث الفتن بالتفصيل، وهو الذي كان يعرف المنافقين واحدًا واحدًا بأسمائهم.
يقول: والله إني لأعلم الناس بكل فتنة هي كائنة فيما بيني وبين الساعة، وما بي إلا أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم أسرَّ إليَّ في ذلك شيئًا لم يُحدثه غيري، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: وهو يحدث مجلسًا أنا فيه عن الفتن -فأنا الذي أحفظه وأتذكره من بين أولئك الأصحاب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يَعُدّ الفتن:((منهن ثلاث لا يكدن يذرن شيئًا)) يعني: فيه ثلاث فتن لا تترك شيئًا، ((ومنهن فتن كرياح الصيف، منها صغار ومنها كبار))، قال حذيفة: فذهب أولئك الرهط كلهم غيري.
وروى مسلم بسنده عن شقيق، عن حذيفة قال:((قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم مقامًا ما ترك شيئًا يكون في مقامه ذلك إلى قيام الساعة إلا حدَّث به، حفظه من حفظه، ونسيه من نسيه، قد علمه أصحابي هؤلاء؛ وإنه لا يكون منه الشيء قد نسيته فأُراه فأذكره، كما يذكر الرجل وجه الرجل إذا غاب عنه، ثم إذا رآه عرفه)) يعني: فيه حاجات من الفتن التي ستظهر أنا نسيتها، لكن عندما تقع وأراها أتذكر ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم، كأن تنسى شبه إنسان يغيب عنك، فلما يقع أمامك تتذكره مرة أخرى، هذا ما أراد أن يقوله حذيفة رضي الله عنه وأرضاه.
وروى مسلم بسنده عن عبد الله بن يزيد عن حذيفة أنه قال: "أخبرني رسول الله صلى الله عليه وسلم بما هو كائن إلى أن تقوم الساعة، فما منه شيء إلا قد سألته، إلا أني لم أسأله ما يُخرج أهل المدينة من المدينة في آخر الزمن، مع أن الدجال سيدخل كل قرية إلا المدينة، فإنه على كل نقب يعني: طريق من طرق المدينة ملك شاهر أي: رافعًا سيفه، لو قدم الدجال ناحية المدينة قتله ذلك الملك.
يقول حذيفة: أخبرني رسول الله صلى الله عليه وسلم بما هو كائن إلى أن تقوم الساعة، فما منه شيء إلا قد سألته -يعني: كان يستفسر عن كل شيء إلا أني لم أسأله ما يُخرج أهل المدينة من المدينة، على ساكنها أفضل الصلاة وأتم السلام.
وبسنده حدثني أبو زيد يعني: عمرو بن أخطب قال: ((صلَّى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الفجر، وصعد المنبر فخطبنا حتى حضرت الظهر فنزل فصلى ثم صعد المنبر فخطبنا حتى حضرت العصر، ثم نزل فصلى، ثم صعد المنبر فخطبنا حتى غربت الشمس، فأخبرنا بما كان، وبما هو كائن، فأعلمنا أحفظنا)) يعني: الذي حفظ ذلك هو الذي صار أعلم القوم.
ثم ذكر الإمام مسلم بابًا آخر تحت عنوان: باب: الفتنة التي تموج كموج البحر، روى الإمام مسلم بسنده عن حذيفة، ما أغلب أحاديث الفتن عن حذيفة لماذا؟ لأنه كما رأيتم هو الذي حفظ أحاديث الفتن، والذين كانوا معه ماتوا، فكان كل ما يتذكر شيء من الفتن يُحدث به، فروى مسلم بسنده تحت هذا العنوان:"الفتنة التي تموج كموج البحر"، روى بسنده عن شقيق عن حذيفة قال: "كنا عند عمر -يعني: سيدنا عمر بن الخطاب- فقال عمر: أيُّكم يحفظ حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم في الفتنة كما قال: يعني: قال فقلت: أنا قال عمر: إنك لجريء، وكيف قال صلى الله عليه وسلم قال: قلت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((فتنة الرجل في أهله، وماله، ونفسه، وولده، وجاره يُكفّرها الصيام، والصلاة، والصدقة، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر)) فقال عمر: ليس هذا أريد، إنما أريد الفتن التي تموج كموج البحر، قال: فقلت: ما لك ولها يا أمير المؤمنين إن بينك وبينها بابًا مغلقًا، قال عمر: أفيُكسر الباب أم يُفتح يا حذيفة؟ قال حذيفة: قلت: لا، بل يُكسر، قال: ذلك أحرى ألا يُغلق أبدًا؛ لأنه لو فتح ممكن يغلق، إنما كُسر لا يغلق بعد كسره، قال: فقلنا لحذيفة: هل كان عمر يعلم مَن الباب؟ قال: نعم،
كما يعلم أن دون غدٍ الليلة، إني حدَّثته حديثًا ليس بالأغاليط -يعني: عمر كان هو الباب، ولما مات سيدنا عمر فُتحت الفتنة كما تعلمون- قال: فهبنا أن نسأل حذيفة مَن الباب؟ فقلنا لمسروق: سله، فسأله، فقال حذيفة: عمر"، يعني: هو الباب الذي كُسر، ولم تغلق الفتنة بعد ذلك.
وروى الإمام مسلم نفس الحديث بسند آخر، وشقيق يقول فيه: سمعت حذيفة يقول.
وروى مسلم أيضًا عن أبي وائل عن حذيفة قال: قال عمر: من يحدثنا عن الفتنة واقتص الحديث بنحو حديثهم السابق.
وروى مسلم بسنده أيضًا، قال: حدثنا محمد بن المثنى، ومحمد بن حاتم، قال: حدثنا معاذ بن معاذ، حدثنا ابن عون عن محمد قال: قال جندب: جئت يوم الجرعة؛ فإذا رجل جالس فقلت: ليهرقنَّ اليوم هاهنا دماء، فقال: ذاك الرجل كلَّا والله، قلت: بلى والله، قال: كلا والله، قلت: بلى والله، قال: كلا والله إنه لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثنيه، قلت: بئس الجليس لي أنت منذ اليوم، تسمعني أخالفك، وقد سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا تنهاني، ثم قلت: ما هذا الغضب، فأقبلت عليه وأسأله، فإذا الرجل حذيفة.
أيضًا حديث آخر نختم بهذه الأحاديث في الفتن رواه مسلم بسنده عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((لا تقوم الساعة حتى يَحسر الفرات عن جبل من ذهب يقتتل الناس عليه، فيُقتل من كل مائة تسعة وتسعون، ويقول كل رجل منهم: لعلي أكون أنا الذي أنجو)) هذه كلها أحاديث صحيحة في الكتاب الذي هو أصح الكتب بعد كتاب البخاري، وهو صحيح مسلم، فلا يسع المسلم إلا التصديق بما جاء وما ورد فيها، والإيمان بكل ما جاء فيها على لسان المصطفى صلى الله عليه وسلم. فعلى المسلم أن يحذر الفتن وأن يتوقاها.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.