المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌خروج المسيح الدجال، وما يتبعه من علامات - الحديث الموضوعي - جامعة المدينة

[جامعة المدينة العالمية]

فهرس الكتاب

- ‌الدرس: 1 الحديث الموضوعي - إخلاص النية لله تعالى في سائر الأعمال

- ‌تعريف الحديث الموضوعي، وبيان فوائده

- ‌إخلاص النية لله تعالى في سائر الأعمال

- ‌الدرس: 2 تابع: إخلاص النية لله تعالى في سائر الأعمال

- ‌تتمة الحديث عن إخلاص النية لله تعالى في سائر الأعمال

- ‌كيف يخلص العبد نيته لله تعالى

- ‌الدرس: 3 تعريف الإيمان، وبيان متعلقاته

- ‌تعريف الإيمان، وبيان أنه قول وعمل

- ‌متعلقات الإيمان "الإيمان بالله وملائكته

- ‌الدرس: 4 تابع: تعريف الإيمان، وبيان متعلقاته

- ‌تتمة الحديث عن الإيمان بالملائكة

- ‌من متعلقات الإيمان: الإيمان بالكتب السماوية، والإيمان بالرسل

- ‌الدرس: 5 أثر الإيمان في حياة الأمة

- ‌من آثار الإيمان: ترابط المسلمين وتآخيهم، وصيانة الأعراض، والحياء

- ‌من آثار الإيمان: ترك أذى المسلمين، وهجرة الذنوب

- ‌ما كتبه الشيخ سيد سابق رحمه الله تحت عنوان "ثمار الإيمان

- ‌الدرس: 6 علامات الساعة، وحكم الإيمان بها

- ‌علامات الساعة في حديث جبريل عليه السلام

- ‌حكم الإيمان بعلامات الساعة

- ‌الدرس: 7 علامات الساعة الصغرى - علامات الساعة الكبرى

- ‌من علامات الساعة الصغرى

- ‌رفع العلم، وثبوت الجهل، وشرب الخمر، وظهور الزنا، وقلة الرجال وكثرة النساء

- ‌علامات الساعة الكبرى

- ‌الدرس: 8 تابع: علامات الساعة الكبرى

- ‌طلوع الشمس من المغرب، وخروج الدابة، وظهور المهدي

- ‌العلامات الكبرى

- ‌خروج المسيح الدجال، وما يتبعه من علامات

- ‌الدرس: 9 الفتن وتحذير النبي صلى الله عليه وسلم من الوقوع فيها

- ‌الفتن: تعريفها، والمراد منها

- ‌تحذير النبي صلى الله عليه وسلم من الوقوع في الفتن

- ‌الدرس: 10 كيف يتقي المسلم الفتن

- ‌المراد بالتقوى في كيفية اتقاء المسلم للفتن

- ‌كيف يتقي المسلم الفتن

- ‌الدرس: 11 تابع: كيف يتقي المسلم الفتن

- ‌التورع عن الشبهات، وأكل الطيب من الحلال، والتحذير من أكل الحرام

- ‌فضل الورع والزهد، وما جاء في الشهرة، وباب الصمت وحفظ اللسان

- ‌الدرس: 12 الآداب والأخلاق الإسلامية

- ‌تعريف: الآداب، والأخلاق

- ‌دعوة الإسلام إلى الأخلاق الكريمة الفاضلة

- ‌الدرس: 13 الحياء من الإيمان

- ‌نماذج من الآداب والأخلاق الإسلامية

- ‌الحياء من الإيمان

- ‌الدرس: 14 الوفاء بالعهد، وحفظ السر

- ‌(الوفاء بالعهد

- ‌حفظ السر

- ‌الدرس: 15 الأمانة

- ‌الأمانة: تعريفها، والنصوص التي وردت فيها

- ‌المجالات التي تراعى فيها الأمانة

- ‌الدرس: 16 تابع: الأمانة - العدل

- ‌تتمة الحديث عن الأمانة

- ‌العدل، ونماذج من عدل النبي صلى الله عليه وسلم

- ‌الدرس: 17 الدعوة إلى الصدق، والتحذير من الكذب

- ‌تعريف الصدق، والدعوة إليه

- ‌تعريف الكذب، والتحذير منه

- ‌الدرس: 18 أدب الحديث في الإسلام، ولين الكلام واختيار الألفاظ

- ‌(أدب الحديث في الإسلام

- ‌لين الكلام واختيار الألفاظ

- ‌الدرس: 19 الدعوة إلى التواضع، والتحذير من الكبر

- ‌(الدعوة إلى التواضع

- ‌التحذير من الكبر

- ‌الدرس: 20 بر الوالدين، وصلة الرحم

- ‌(بر الوالدين

- ‌صلة الرحم

- ‌الدرس: 21 حق المسلم على المسلم، وجزاء من قام بهذه الحقوق

- ‌(حق المسلم على المسلم

- ‌جزاء من قام بهذه الحقوق

الفصل: ‌خروج المسيح الدجال، وما يتبعه من علامات

عليه من الردَّة، وليس بعد الكمال إلا الفناء والزوال قال تعالى:{إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} (يونس: 24).

‌خروج المسيح الدجال، وما يتبعه من علامات

خروج المسيح الدجال:

يُقال المسيح، ويقال المسيخ، المسيح لأنه يمسح الأرض، ولأنه ممسوح العين، كما يقال: المسيخ لأنه ممسوخ الخِلقة، فعينه طافئة كأنها عنبة، والدجال أي: الكذاب. خروج المسيح الدجال من علامات الساعة، ومن أماراتها الكبرى أنس يخرج هذا المسيح الدجال ويدَّعي الألوهية، ويُحاول أن يفتن الناس عن دينهم مما يُحدثه من خوارق للعادات، وبما يظهر على يديه من عجائب فيفتن به بعض الناس، ويثبِّت الله الذين آمنوا فلا يُخدعون بأضاليله، ثم ينجلي أمره، وينكشف، ويُفضح، ويُقضى على فتنته، ويُقتل بأيدي المسلمين وقائدهم حينئذٍ عيسى عليه السلام.

وقد حذَّرت الرسل أممهم من فتنته وغوايته، كما حذَّر منها -أي: من فتنته ومن غوايته- خاتم الرسل صلى الله عليه وسلم عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ((أن النبي صلى الله عليه وسلم استنصت الناس يوم حجة الوداع)) معنى استنصت أي: طلب من أصحابه أن يطلبوا من بقية الصحابة أن يسمعوا قوله، وأن ينصتوا له- ((فحمد الله وأثنى عليه، ثم ذكر الدجال فأطنب في ذكره -يعني: أطال- وقال: ما بعث الله من نبي إلا أنذر أمته، وإنه يخرج فيكم، فما خُفي عليكم من شأنه فلا يخفى عليكم، إن ربكم ليس بأعور؛ وإنه أعور العين اليُمنى كأن عينه طافئة)) رواه البخاري ومسلم.

ص: 144

قال الشيخ رشيد رضا -رحمه الله تعالى: "ويَدُلّ القدر المشترك منها على أن النبي صلى الله عليه وسلم كُشف له، ومثَّل له ظهور دجال في آخر الزمان يُظهر للناس خوارق كثيرة، وغرائب يفتتن بها خلقٌ كثير، وأنه من اليهود، وأن المسلمين يقاتلونه، ويقاتلون اليهود في هذه البلاد المقدسة، وينتصرون عليهم، وقد كشف له ذلك مجملًا غير مفصل، كما كشف له غير ذلك من الفتن، فذكره فتناقله الرواة بالمعنى، فأخطأ بعضهم، وتعمَّد الذين كانوا يبثُّون الإسرائيليات ويدسونها في الروايات، تعمدوا أن يدسُّوها أيضًا في المسيخ الدجال".

ولا يبعد أن يكون طُلَّاب الملك من اليهود الصهيونيين بتدبير فتنة في هذا المعنى، يستعينون عليها بخوارق العلوم، والفنون العصرية، كالكهرباء والكيمياء، وغير ذلك، والله أعلم.

ويؤيِّد هذا الرأي الذي قاله الشيخ رشيد رضا الأحاديث الآتية: عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((لا تقومنَّ الساعة حتى تقاتلوا اليهود، حتى يقول الحجر وراءه اليهودي: يا مسلم، هذا يهودي ورائي فاقتله)) وهذا مجاز عن عدم إفادة الاختباء شيئًا.

وعن معاذ بن جبل رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((عمران بيت المقدس خراب يثرب، وخراب يثرب خروج الملحمة، وخروج الملحمة فتح القسطنطينية، وفتح القسطنطينية خروج الدجال)) رواه أبو داود، وهذا الفتح غير الفتح الأول، ففي رواية الترمذي ((فتح القسطنطينية مع قيام الساعة)).

نزول عيسى عليه السلام: يُستخلص من مجموع الأحاديث أن عيسى عليه السلام ينزل في آخر الزمان أثناء وجود الدجال، ويكون نزوله هذا علامة من علامات الساعة الكبرى فيحكم بالقسط، ويقضي بشريعة الإسلام، ويُحيي من شأنها ما تركه الناس،

ص: 145

ويقتل الدجال، ثم يمكث ما شاء الله أن يمكث، ثم يموت، ويُصلى عليه ويُدفن، ثم تهبّ ريحٌ تقبض أرواح المؤمنين جميعًا فلا يبقى بعد ذلك إلا شرار الناس، فلا يكون بعد الكمال إلا الفناء والزوال.

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((والذي نفسي بيده ليوشكنَّ أن ينزل فيكم ابن مريم حكمًا مقسطًا، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد حتى تكون السجدة الواحدة خيرًا من الدنيا وما فيه ا))، ثم قال أبو هريرة رضي الله عنه:"اقرءوا إن شئتم {وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا} (النساء: 159) أي: ما من أحد من أهل الكتاب إلا ليؤمننَّ بعيسى عليه السلام قبل موت عيسى حين ينزل إلى الأرض قبل قيام الساعة".

وعن عروة بن مسعود الثقفي رضي الله عنه قال: سمعت عبد الله بن عمرو يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يخرج الدجال في أمتي فيمكث أربعين)) قال: لا أدري أربعين يومًا أو أربعين شهرًا أو أربعين عامًا، يعني: الراوي الذي قال: لا أدري.

((فيبعث الله عيسى ابن مريم كأنه عروة بن مسعود فيطلبه فيهلكه، ثم يمكث الناس سبع سنين ليس بين اثنين عداوة، ثم يرسل الله ريحًا باردة من قِبل الشام؛ فلا يبقى على وجه الأرض أحد في قلبه مثقال ذرة من خير أو إيمان إلا قبضته؛ حتى لو أن أحدكم دخل في كبد جبل لدخلته عليه حتى تقبضه، فيبقى شرار الناس في خِفَّة الطير وأحلام السباع، لا يعرفون معروفًا ولا يُنكرون منكرًا، فيتمثل لهم الشيطان فيقول: ألا تستجيبون؟ فيقولون: فما تأمرنا؟ فيأمرهم بعبادة الأوثان، وهم في ذلك دارٌّ رزقهم -رزق كثير- حسن عيشهم، ثم يُنفخ في الصور فيُصعق الناس جميعًا، ثم يُنزل الله مطرًا كأنه الطلّ، فتنبت منه أجساد الناس، ثم يُنفخ فيه أخرى، فإذا هم قيام ينظرون، ثم يقال: يا أيها

ص: 146

الناس هلمُّوا إلى ربكم {وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ} (الصافات: 24)، ثم يقال: أخرجوا بعث النار، فيقال: من كم؟ فيقال: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين، قال: فذاك يوم يجعل الولدان شيبًا، وذلك يوم يُكشف عن ساق)).

وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((من شرار الناس؟ من تُدركهم الساعة وهم أحياء)) رواه البخاري ومسلم.

ولنقرأ بعض الأحاديث التي جاءت في هذه العلامات الكبرى، كما رواه الإمام مسلم في صحيحه بسنده، والتي هي العلامات العشر التي قال عنها صلى الله عليه وسلم لأصحابه:((لن تكون الساعة حتى تروا عشر آيات)) فذكر الإمام مسلم تفاصيل عن كل علامة بأحاديث لرسول الله صلى الله عليه وسلم رواها لنا صحابته الكرام رضي الله عنهم جميعًا.

يقول الإمام مسلم: باب ذكر الدجال وصفة ما معه، روى بسنده عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر الدجال بين ظهراني الناس فقال:((إن الله تعالى ليس بأعور، ألا وإن المسيح الدجال أعور العين اليُمنى، كأن عينه عنبة طافئة)).

وبسنده أي: روى مسلم بسنده أيضًا عن قتادة قال: سمعتُ أنس بن مالك رضي الله عنه يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما من نبيٍّ إلا وقد أنذر أمته الأعور الكذاب ألا إنه أعور، وإن ربكم ليس بأعور، ومكتوب بين عينيه: ك ف ر)) يعني: كفر، أو كُفر، وبسنده عن أنس أيضًا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال:((الدجال مكتوب بين عينيه: ك ف ر)) أي: كافر، وبسنده عن أنس أيضًا قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الدجال ممسوح العين، مكتوب بين عينيه كافر، ثم تهجَّاها ك ف ر)) قال عليه الصلاة والسلام: ((يقرؤه كل مسلم)) يعني: كل مسلم يُعتبر سبحانه وتعالى حتى وإن كان غير قارئ يقرأ ك ف ر أي: كافر ويعلم أنه الدجال.

ص: 147

وروى مسلم أيضًا بسنده عن شقيق عن حذيفة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الدَّجال أعور العين اليُسرى، جُفال الشعر، معه جنة ونار؛ فناره جنة، وجنته نار))، وجفال الشعر يعني: كثير الشعر. وعن حذيفة أيضًا قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لأنا أعلم بما مع الدجال منه)) يعني: الرسول صلى الله عليه وسلم يعلم ما مع الدجال أكثر من علم الدجال بما معه، قال صلى الله عليه وسلم:((لأنا -واللام هنا موطَّأة للقسم أي: والله لأنا- أعلم بما مع الدجال منه -أي: من الدجال نفسه- معه نهران يجريان: أحدهما رأي العين ماؤه أبيض، والآخر رأي العين نار تأجَّج)((فإما أدركن أحد فليأت النهر الذي يراه نارًا، وليغمّض، ثم ليطأطئ رأسه فيشرب منه، فإنه ماء بارد، -النار ماء بارد- وإن الدجال ممسوح العين، عليها ظفرة غليظة -يعني: عليها جلدة كبيرة- مكتوب بين عينيه كافر، يقرؤه كل مؤمن كاتب وغير كاتب)) طبعًا الزمن بتتغير فيه الأمور، وأمور خارقة للعادة، يعني: الذي لا يعرف القراءة يقرأ في هذه الأيام.

وبسنده أيضًا بسند الإمام مسلم عن ربعي بن خراش، عن حذيفة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في الدجال:((إن معه ماء ونارًا، فناره ماء بارد، وماؤه نار، فلا تهلكوا)) قال أبو مسعود: وأنا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وبسنده عن أبي مسعود الأنصاري رضي الله عنه قال: "انطلقت إلى حذيفة بن اليمان فقال له عقبة بن عمرو: حدثني يا حذيفة ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم في الدَّجال. قال حذيفة: قال صلى الله عليه وسلم: ((إن الدجال يخرج، وإن معه ماء ونارًا، فأما الذي يراه الناس ماء فنار تحرق، وأما الذي يراه الناس نارًا فماء بارد عذب، فمن أدرك ذلك منكم فليقع في الذي يراه نارًا؛ فإنه ماء عذب طيب)) فقال عقبة: وأنا قد سمعته، تصديقًا لحذيفة.

ص: 148

وروى مسلم أيضًا بسنده قال: اجتمع حذيفة وأبو مسعود الأنصاري فقال حذيفة راويًا لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لأنا بما مع الدجال أعلم منه، إن معه نهرًا من ماء ونهرًا من نار، فأما الذي ترون أنه نار ماء، وأما الذي ترون أنه ماء نار، فمن أدرك ذلك منكم فأراد الماء فليشرب من الذي يراه أنه نار، فإنه سيجده ماء)) قال أبو مسعود: هكذا سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول.

وبسنده عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ألا أخبركم عن الدجال حديثًا ما حدثه نبي قومه، إنه أعور، وإنه يجيء معه مثل الجنة والنار، فالتي يقول إنها الجنة هي النار، وإني أنذرتكم به كما أنذر به نوح قومه)). وبسنده عن النواس بن سمعان قال: ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم الدجال ذات غداة فخفض فيه ورفع يعني: رفع من شأنه وقلل من شأنه في نفس الأمر، وقربه إليهم حتى ظنناه في طائفة النخل فلما رحنا إليه عرف ذلك فينا، فقال:((ما شأنكم؟ قلنا: يا رسول الله، ذكرت الدجال غداة فخفَّضت فيه ورفَّعت حتى ظنناه في طائفة النخل، فقال: غير الدجال أخوفني عليكم)) -أي: أخاف عليكم- ((إن يخرج وأنا فيكم فأنا حجيجه دونكم وإن يخرج ولست فيكم فامرؤ حجيج نفسه، والله خليفتي على كل مسلم، إنه شاب قطط -يعني: شديد جعودة الشعر مباعد للجمودة المحبوبة- عينه طافئة كأنه يشبهه بعبد العزى بن قطن، فمن أدركه منكم فليقرأ عليه فواتح سورة الكهف، إنه خارج خَلة بين الشام والعراق، فعاث يمينًا وعاث شمالًا يا عباد الله فاثبتوا، قلنا: يا رسول الله وما لبثه في الأرض؟)) -يعني: يمكث كم- ((قال عليه الصلاة والسلام: أربعون يومًا، يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كجمعة، وسائر أيامه كأيامكم. قلنا: يا رسول الله، فذلك اليوم الذي كسنة أتكفينا فيه صلاة يوم؟، قال: لا، اقدروا له قدره. قلنا: يا رسول الله وما إسراعه في الأرض؟ قال: كالغيث استدبرته الريح، فيأتي على القوم فيدعوهم

ص: 149

فيؤمنون به، ويستجيبون له، فيأمر السماء فتمطر، والأرض فتنبت، فتروح عليهم سارحتهم أطول ما كانت ذرًّا، وأسبغه دروعًا)).

يعني: تعود المواشي مليئة باللبن- ((وأمد خواصر)) تسمن، ((ثم يأتي القوم فيدعوهم، فيردون عليه قوله، فينصرف عنهم فيُصبحون ممحلين)) -يعني: أصابهم الجفاف والجدب لما تركوا دعوته، ما هي فتنة- ((ليس بأيديهم شيء من أموالهم، ويمر بالخربة)) يعني: المكان الخرب ((فيقول للأرض الخربة: أخرجي كنوزك، فتتبعه كنوزها كيعاسيب النحل، ثم يدعو رجلًا ممتلئًا شبابًا فيضربه بالسيف فيقطبه جزلتين رمية الغرض، ثم يدعوه فيُقبل)) بعد ما يقطعه نصفين ((يقول له: قم فيقم، ويتهلل وجه الكذاب)) يضحك الدجال، ((فبينما هو كذلك إذ بعث الله المسيح بن مريم فينزل عند المنارة البيضاء شرقي دمشق بين مهرودتين)) بين مهرودتين معناه: لابس مهرودتين أي: ثوبين مصبوغين بورس ثم بزعفران، وقيل هما شقتان والشقة نصف الملاءة، ((واضعًا كفَّيه على أجنحة ملكين، إذا طأطأ رأسه قطر، وإذا رفعوا تُحدر منه جمان كاللؤلؤ، فلا يحل لكافر يجد ريح نَفَسه إلا مات، ونفسه ينتهي حيث ينتهي طرفه، فيطلبه حتى يدركه)) يعني: سيدنا عيسى يطلب الدجال فيدرك الدجال ((حتى يقتله بباب لد فيقتله)) يعني: بيقتله عند باب لد بفلسطين.

((ثم يأتي عيسى ابن مريم قوم قد عصمهم الله منه))، جماعة ربنا عصمهم من المسيح، ((فيمسح عن وجوههم، ويحدثهم بدرجاتهم في الجنة، فبينما هو كذلك إذ أوحى الله إلى عيسى إني قد أخرجت عبادًا لي، لا يدان لأحد بقتالهم)) هم يأجوج ومأجوج ((فحرز عبادي إلى الطور)) سيدنا عيسى يعزل المؤمنين إلى الطور، ((ويبعث الله يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون، فيمر أوائلهم على بحيرة طبرية فيشربون ما فيها، ويمر آخرهم فيقولون: لقد كان بهذه

ص: 150

مرة ماء، ويُحسر نبي الله عيسى وأصحابه، حتى يكون رأس الثور لأحدهم خيرًا من مائة دينار لأحدكم اليوم، فيرغب نبي الله عيسى وأصحابه فيرسل الله سبحانه وتعالى على يأجوج ومأجوج النغف في رقابهم)) دود يأكلهم ((فيصبحون فرسى)) يعني: ميتين ((كموت نفس واحدة، ثم يهبط نبي الله عيسى وأصحابه إلى الأرض، فلا يجدون في الأرض موضع شبر إلا ملأه زهمهم ونتنهم))

((فيرغب نبي الله عيسى وأصحابه إلى الله، فيرسل الله سبحانه وتعالى طيرًا كأعناق البخت -الجمال الكبيرة- فتحملهم فتطرحهم حيث شاء الله، ثم يرسل الله مطرًا، لا يكُنُّ منه بيت مدر ولا وبر -يعني: مطر شديد- فيغسل الأرض حتى يتركها كالزلفة)) كالزلفة يعني: مكان نظيف ((ثم يقال للأرض: أنبتي ثمرتك، ورُدِّي بركتك، فيومئذ تأكل العصابة -يعني: الجماعة الكبيرة تصل أربعين رجلًا- من الرمانة الواحدة، ويستظلون بقحفها، ويبارك في الرسل)) هو اللبن ((حتى إن اللقحة)) يعني: الحلبة الواحدة من الإبل ((لتكفي الفئام من الناس)) تكفي مجموعة من الناس، ((واللقحة من البقر لتكفي القبيلة من الناس، واللقحة من الغنم لتكفي الفخذ من الناس، فبينما هم كذلك؛ إذ بعث الله ريحًا طيبة، فتأخذهم تحت آباطهم فتقبض روح كل مؤمن وكل مسلم، ويبقى شرار الناس يتهارجون فيها تهارج الحمر -يعني: الحمير- فعليهم تقوم الساعة)).

وبسنده زاد بعد قوله: ((لقد كان بهذه مرة ماء، ثم يسيرون حتى ينتهوا إلى جبل خنر)) وهو الشجر الملتف الذي يستر من فيه، وهذا جبل فُسِّر بأنه في بيت المقدس ((فيقولون: لقد قتلنا من في الأرض، هلم فلنقتل من في السماء، فيرمون بنشبابهم -يعني: حرابهم- إلى السماء، فيرد الله عليهم نشابهم مخضوبة دمًا)) زيادة في فتنتهم، وفي رواية ابن حجر ((فإني قد أنزلت عبادًا لي لا يدي لأحد بقتالهم)).

ص: 151

وصفة الدجال روى فيها الإمام مسلم في صحيحه بسنده عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: "حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يومًا حديثًا طويلًا عن الدجال فكان فيما حدثنا قال: ((يأتي وهو محرم عليه أن يدخل نقاب المدينة، فينتهي إلى بعض السباخ التي تلي المدينة، فيخرج إليه يومئذ رجل هو خير الناس، أو من خير الناس فيقول له: أشهد أنك الدجال الذي حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثه، فيقول الدجال: أرأيتم إن قتلت هذا، ثم أحييته أتشكون في الأمر؟ فيقولون: لا، قال: فيقتله ثم يحييه، فيقول حين يحييه هذا الشاب: والله ما كنت فيك قط أشد بصيرة مني الآن، قال: فيريد الدجال أن يقتله فلا يُسلط عليه))، قال أبو إسحاق: يقال: إن هذا الرجل هو الخضر عليه السلام.

وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يخرج الدجال فيتوجه قبله رجل من المؤمنين، فتلقاه المسالح)) جمع سلاح يرقبون في المراكز كالخفراء، سُموا بذلك لحملهم السلاح ((فتلقاه المسالح مسالح الدجال، فيقولون له: أين تعمد؟ فيقول: أعمد إلى هذا الذي خرج، قال: فيقولون له: أو ما تؤمن بربنا، فيقول: ما بربنا خفاء، فيقولون: اقتلوه، فيقول بعضهم لبعض: أليس قد نهاكم ربكم أن تقتلوا أحدًا دونه، قال: فينطلقون به إلى الدجال، فإذا رآه المؤمن قال: يا أيها الناس هذا الدجال الذي ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: فيأمر الدجال به فيُشبَّح -يعني: يصلب- فيقول: خذوه وشجُّوه، فيوسع ظهره وبطنه ضربًا، قال: فيقول: أو ما تؤمن بي؟ قال: فيقول: أنت المسيح الكذاب. قال: فيُؤمر به فينشر بالمنشار من مفرقه حتى يُفرَّق بين رجليه، قال: ثم يمشي الدجال بين القطعتين ثم يقول له: قم فيستوي قائمًا. قال: ثم يقول له: أتؤمن بي؟ فيقول: ما ازددت فيك إلا بصيرة، قال: ثم يقول: يا أيها الناس، إنه لا يفعل بعدي بأحد من الناس، قال: فيأخذه الدجال ليذبحه فيُجعل ما بين رقبتيه إلى ترقوته

ص: 152

نحاسًا، فلا يستطيع إليه سبيلًا، قال: فيأخذ بيديه ورجليه فيقذف به، فيحسب الناس أنما قذفه إلى النار، وإنما أُلقي في الجنة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هذا أعظم الناس شهادة عند رب العالمين)).

قال بعض الصحابة: كنا نظن أن هذا الرجل الذي يُواجه الدجال بهذه المواجهة هو عمر بن الخطاب؛ لقوته في الحق، فكنا لا نرى أحدًا يستطيع أن يواجهه حتى مات عمر بن الخطاب، فعلمنا أنه واحد من الأمة غير عمر، والأمة فيها الخير إلى يوم القيامة.

وبسنده عن المغيرة بن شعبة قال: ((ما سأل أحد النبي صلى الله عليه وسلم عن الدجال أكثر مما سألت، قال: وما يُنصبك منه إنه لا يضرك قال: قلت يا رسول الله: إنهم يقولون: إن معه الطعام والأنهار، قال: هو أهون على الله من ذلك)).

وعن المغيرة بن شعبة قال: "ما سأل أحد النبي صلى الله عليه وسلم عن الدجال أكثر مما سألته، قال: وما سؤالك؟ قال: قلت: ((إنهم يقولون معه جبال من خبز ولحم، ونهر من ماء. قال: هو أهون على الله من ذلك)).

هذا وبالله التوفيق والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

ص: 153