الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
رابعًا: ذكر جملةٍ من دعاوى منكري الحديث، وردّها:
أنكر جماعة من أهل العلم ثبوت هذا الحديث، بل قد زعم بعضهم وضعَه (1) !! وكان مبنى دعواهم إنكارهم ابتداءً لحقيقة أثر السحر في نفس المسحور، وكذلك لإمكان تأثيره في حقائق الأشياء، واعتقادهم بأن أصل السحر لا يعدو كونه تمويهًا وتخييلاً، وأن الروايات قد أثبتت تأثيرًا بالنبيِّ صلى الله عليه وسلم بمرض ووجع، وأنه عليه الصلاة والسلام دعا ربّه فاستجاب له، فأنبأه تعالى بمرضه، وأن ذلك كان بأثر السحر، ثم دلّه سبحانه على كيفية التخلص من ذلك التأثير، فلما أن فعل صلى الله عليه وسلم عافاه ربه عز وجل، وهذا يناقض - في نظرهم - كون السحر من لطيف أمور التخاييل وخفيِّها، ثم إنهم زعموا - بناء على ما سبق - أن حصول مثل هذا التأثير يحطّ من منزلة النبوة، ويشكّك بما بلَّغه النبيُّون عن ربهم، حيث يكون من المحتمل أنهم تخيّلوا سماعًا للوحي ورؤية لجبريل، وليس ثَمَّ، وقالوا: إن تجويز تأثير السحر فيهم، يلزم منه الإقرار بزعم الكفار أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم كان رجلاً مسحورًا، كما حكاه عنهم تعالى بقوله:[الفُرقان: 8]{وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَاّ رَجُلاً مَسْحُورًا} ، ثم إن السحرة - فيما نصّ عليه القرآن - لا يتأتّى لهم الفلاح فيما رَموْا إليه، وذلك بقوله تعالى:[طه: 69]{وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى} ، وكيف - والحال هذه - قد تأتى لهم إنفاذ تأثير سحرهم برسول الله صلى الله عليه وسلم؟!
ثم إن المنكرين زعموا كذلك ضعفًا في إسناد الحديث، واضطرابًا في متنه، يقضيان - بما رأَوا - بردّه، وترك التمسك به.
أخي القارئ: إن ما سبق هو غاية ما استند إليه منكرو هذا الحديث، وهاك - مكرمًا - وجوهًا في ردّ هذه الدعاوى، أُوردها ذبًّا عن حياض السنَّة
(1) ممن أنكر هذا الحديث أبو بكر الجصّاص، وأبو بكر الأصمّ، والقاسمي وغيرهم رحم الله الجميع. انظر: أحكام القرآن (1/49) ، وتفسير القاسمي (17/6308) .
المطهَّرة، وإظهارًا لوجه الحق الذي أقرّه جمّ غفير من أهل التفسير والسنن والفقهاء من الأعلام العلماء رحمهم الله تعالى. فأقول - مستعينًا بالله تعالى -:
يمكن رد هذه الدعاوى من وجوه أربعة:
الأول:
…
إثبات صحة إسناد هذا الحديث.
الثاني:
…
إثبات سلامة متن الحديث من الاضطراب.
الثالث:
…
النظر فيما ادّعَوْه من إنكار حقيقة تأثير السحر.
الرابع:
…
النظر فيما زعموه من شبه في أن وقوع تأثير السحر قادح في منزلة النبوة، ومشكّك في صحة الوحي.
أما إسناد هذا الحديث؛ فإن روايته في الصحيحين، لكافية في تلقيه بالقبول، بل هو في أعلى درجات الصحة، حيث اتفق عليه إماما أهل الحديث [والحديث إذا اتفق عليه الشيخان صار له حكم المتواتر، كما صرّح به الحافظ ابن الصلاح وغيرُه من الحُفّاظ؛ كالعراقي، وابن دقيق العيد، وابن حجر، والمحقق العلاّمة العَيْني، والجلال السيوطي، والقسطلاني، رحم الله الجميع. ثم إن رواة حديث سحر لبيد بن الأعصم للنبيِّ صلى الله عليه وسلم في الصحيحين ليس فيهم واحد مُتكلَّم فيه بعدم العدالة، فالحديث صحيح بإجماع المحدّثين](1) .
أما ادعاء المنكرين تضعيف هذا الحديث لوجود هشام بن عروة - الراوي عن عائشة رضي الله عنها وأن رواية هذا الحديث إنما تدور عليه في الصحيحين، [فهو مردود عند أهل العلم، فإن هشامًا من أوثق الناس وأعلمهم، ولم يقدح فيه أحد من الأئمة بما يوجب ردَّ حديثه، وقد رواه غير هشام، عن عروة، عن عائشة، - كما في دلائل البيهقي عن عَمْرة عن عائشة - والقصة مشهورة عند
(1) انظر: زاد المسلم للعلاّمة محمد بن أحمد الشنقيطي (4/223) .
أهل التفسير والسنن والحديث والتأريخ والفقهاء] (1) يضاف إليه أن عائشة رضي الله عنها لم تنفرد برواية هذا الحديث بل رواه - كما سبق إيراده - جمع من الصحابة، منهم: ابن عباس كما في طبقات ابن سعد، وزيد بن أرقم كما عند الحاكم مصحَّحًا، وابن أبي شيبة عنه أيضًا.
والحاصل في ذلك: أن رواية الحديث في الصحيحين، ورواية غير هشام له عن عائشة، ثم رواية غير واحد من الصحابة له، كلُّ ذلك يجعل الحديث بمنأىً عن تضعيفه، كما يجعل دعوى الإنكار بهذا التضعيف غايةً في الوَهْن والتهافت، وهي رَدٌّ على القائلين بها.
نأتي بعدها إلى إثبات سلامة متن هذا الحديث من الاضطراب؛ فنقول: إن المتأمل في مجموع رواياته يتبين له وقوع اختلاف ظاهر بينها من وجوه، لكن ذلك لا يقتضي وجود اضطراب في الروايات، حيث إن ذلك الاختلاف في ألفاظها لا يُفضِي إلى التناقض في معانيها، بل إلى التبيين والتكامل، وسوف أفصّل في ذلك - إن شاء الله - بما يتسع له المقام:
أولاً: اختلاف الروايات في بعض ألفاظها؛ نحو: [ «أَشَعَرْتِ» ، «أَِعَلِمْتِ» ]-[ «مُشَاطَةٍ» ، «مُشَاقَةٍ» ]-[ «وَجُفِّ طَلْعَةٍ ذَكَرٍ» ، «وَجُبِّ طَلْعَةِ ذَكَرٍ» ]-[ «بِئْرٍ ذَرْوَانَ» ، «بِئْرٍ ذِي أَرْوَانَ» ] ، [فَهَلاًّ أَخْرَجْتَهُ» ، «أَفَلَا أَحْرَقْتَهُ» ]-[ «أن أُثِيرَ» ، «أن أُثَوِّرَ» ] .
إن مثل هذا الاختلاف الظاهر في ألفاظ الروايات لا يترتب عليه اختلاف في المعنى، بل هو ناتج من رواية المحدثين له بالمعنى، وهو يؤدي غالبًا إلى تكامل في معاني ألفاظ الحديث لا إلى تناقض في فحوى الروايات. أما الاختلاف الظاهر الذي يُبدِي تعارضًا في الروايات، فإن
(1) انظر: التفسير القيم، للإمام ابن القيم ص 566.
المحدثين وشُرّاح الحديث لم يَدَعوا لمثل ذلك مسلكًا للطعن في صحة الأحاديث، حيث إنهم يعمدون إلى الجمع بين الروايات؛ إما بترجيح إحداها لمزيد ضبط الراوي لها ورسوخ قدمه في الإتقان في جملة الرواية وتأديته لها، أو بحمل المراد من اللفظ العام في رواية على ما جاء من لفظ خاص في أخرى، أو باحتمال تكامل المعاني في ألفاظ الروايات، أو بجعل الاختلاف في بعض الألفاظ ناشئًا من رواية الحديث بالمعنى، بما لا يغير المعنى المقصود، وهذا جارٍ من سنّة المحدثين، ولا يقدح ذلك في صحة الحديث. والمعوّل عليه عندهم: هو العمل على الجمع بين الروايات، فإن أمكن الجمع فلا مسوّغ عندها لرد الحديث أو تضعيفه. وهاك - إن شئت - مصداق ذلك في متن الحديث الذي بين أيدينا، فالجفّ والجبّ بمعنىً، وهو: وعاء الطلعة - كما سبق بيانه في موضعه - (وذروان) هي عينُها (ذي أروان) ، والمشاطة هي المشاقة، حيث تبدل القاف من الطاء لقرب مخرجهما.
أما استخراج عمل السحر الذي ثبت في بعض الروايات، وانتفى حصوله في بعضها، فإنه يمكن الجمع بين الأمرين على أن الاستخراج حصل حتى رآه النبيُّ صلى الله عليه وسلم وعَلِمه، لكن الاستخراج المنفي، والذي كره رسول الله صلى الله عليه وسلم حصوله، وهو الذي طلبته السيدة عائشة، فذاك استخراج ما وقع به السحر من جف الطلعة وما حواه ذلك الجف، ثم إظهاره للناس حتى يعاينوه، فكَرِه صلى الله عليه وسلم ذلك الاستخراج لما قد يثيره من فتنة بين المسلمين الغاضبين من جهةٍ، وبين قوم الساحر (بني زريق) ويهود مِن بعدِهم من جهة أخرى، فيُهراق دم كثير بسبب ذلك، والحال أن الله تعالى قد أحدث الشفاء لنبيِّه صلى الله عليه وسلم، فلا داعي إذًا لإخراج السحر كيما يعاينه الناس، مع علمه صلى الله عليه وسلم بما في معاينة الناس لهذا السحر من كشف للساحر، ومعرفة شدة عداوته وقومه ومن وراءهم، ومع ما فيه كذلك من مصلحةٍ في التحذير من أمر السحر وبيان قبحه، لكنْ - وكما هو مقرر - فإن درء المفسدة مقدّم على جلب
المصلحة، وبخاصة إذا كانت المفسدة المتوقعة: فتنة عظيمة كما هو الحال هنا، فَكَرِه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يثير تلك الفتنة بين الناس، حتى إنه عليه الصلاة والسلام لم يذكر ذلك لذلك المنافق، ولا رآه في وجهه قط، وكل ذلك مرده إلى بالغ حكمته صلى الله عليه وسلم، فهو الأسوة الحسنة في تعليم الصبر لمن ابتلي من أمته بمثل ذلك، ليعمد إلى الدعاء بعظيم إخلاص، ثم لا يغضب لنفسه فيسعى للانتصار لها، فيكون بذلك سببًا لإثارة شر على الناس، فإن اقتدى بنبيِّه صلى الله عليه وسلم بذلك كان ذلك سببًا متيقنًا لحصول شفائه ومعافاته، والله أعلم.
ومما اختلفت به الروايات كذلك ورود بعضها بلفظ عام، والآخر مخصوصًا، ومثاله:«حتى كان يُخيَّل إليه أنه يفعل الشيء، وما يفعله» ، و «حتى كان يرى أنه يأتي النساء ولا يأتيهن» ، وهذا - كما هو معلوم - لا يستلزم ضعفًا في الحديث أو اضطرابًا في ألفاظ متنه، فإن لفظ الرواية الثانية جاء مخصِّصًا لما في الأولى، ومبينًا لما أُجمِل فيها، فالمراد بالشيء: مباشرة النساء، وقد ذكرت السيدة عائشة رضي الله عنها ما يفيد معرفة السامع للمراد، دون التصريح بما يخص الجماع، وذلك فيه مزيد تأدب واستحياء منها، وتعظيم لمقام النبيِّ صلى الله عليه وسلم، لكن التصريح في بعض الروايات يبين المجمل منها، حتى لا يُظنّ أن التخيّل الذي وقع لرسول الله صلى الله عليه وسلم كان عامًّا في كل أفعاله صلى الله عليه وسلم، فيكون ذلك مسلكًا لطاعن في مقام النبوَّة الكريم، من أنه يحتمل عندئذ أن يتخيل نزول جبريل بالوحي، وليس ثمة ذلك. فتأمل - رحمك الله - كيف تكامل معنى الروايات، وكيف صدَّق بعضُها بعضًا.
كما أنه لم يَرِد - فيما تتبعتُه من روايات الحديث - ما يفيد تلميحًا أو تصريحًا نسبةَ التخيل في القول إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم حتى يكون لذلك التخيل مدخلاً
في أمر التشريع. وبذلك يتحصل - مما سبق - سلامة متن هذا الحديث من الاضطراب، بحسب ما قرره علماء هذا الفن من ضبطٍ للحُكم باضطرابٍ أو عدمه، ولله الحمد والمنة.
ولننظر بعدُ في شبهة قوية، قضت - بزعم معتقِدِها - بأن حديث السحر موضوع لا أصل له!! فقد أنكر قوم أن للسحر أثرًا في نفس المسحور من غير اتصال به ولا مماسة، وعليه فقد حكموا بوضع هذا الحديث، حيث إن متنه ينصّ على أن لبيد بن الأعصم قد أثّر في تخيل النبيِّ صلى الله عليه وسلم في فعله للأشياء دون أن يكون قريبًا منه مماسًّا له صلى الله عليه وسلم.
وفي مثل ذلك يقال: إن ظاهر نصوص الشريعة تقرر حصول أثر الساحر إذا قال الساحر عزائم، أو نفث في عقد، بل بحصول أثر العائن والحاسد من غير تلفّظ، بل بمجرد التشهّي لحصول نعمة، أو إعجاب بما حظي به المَعين من نعمة!! فكيف يُنكَر حصول أثر السحر عن بُعدٍ، وقد قال تعالى:[البَقَرَة: 102]{فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ} وقال سبحانه: [الفَلَق]{وَمِنْ شَرِّ النَفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ *وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ *} ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«الْعَيْنُ حَقٌّ، وَلَوْ كَانَ شَيْءٌ سَابَقَ الْقَدَرَ سَبَقَتْهُ الْعَيْنُ، وإذا استُغسِلتم فاغسلوا» (1) ، ثم إن النبيَّ عليه الصلاة والسلام قد أذن بالاسترقاء من العين، وبالتداوي بعجوة المدينة للسحر (2) . كل ذلك دالّ - ولا
(1) هذا الحديث بتمامه مما انفرد بروايته مسلم؛ كتاب: السلام، باب: الطب والمرض والرقى، برقم (2188)، عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما. وعند الشيخين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه:«العين حق» . أخرجه البخاري؛ كتاب: الطب، باب: العين حق، برقم (5740) ، ومسلم؛ كتاب السلام، باب: الطب والمرض والرقى أيضًا - برقم (2187) .
(2)
كما في الصحيحين: «أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو: أمر أن يسترقى من العين» . انظر: البخاري برقم (5738)، ومسلم برقم (2195) . وفيهما أيضًا:«من تصبّح سبع تَمَرات عجوةً لم يضرَّه ذلك اليوم سمّ ولا سحر» . انظر: البخاري برقم (5769) ، ومسلم برقم (2047) .
ريب - على أن للسحر أثرًا في المسحور، ولا يقتصر أثره على سحر الأعين عند إيقاع الساحر لعمله، فيرى الناظر غير ما هو واقع، وإنما ذلك نوع من السحر، لا جميعه. وكما لا يخفى فإن نفس الساحر الخبيثة، أشد تأثيرًا من نفس العائن والحاسد، حيث إن العائن قد يعين صاحبه من غير قصد إيقاع ضرر به، والحاسد يوقع شرًا بمن حسده دون أن يعاينه فضلاً عن أن يماسّه، فلا شأن للمماسة في إحداث الأثر إذًا، لكن غاية ما هنالك أن حصول الضر في جميع ذلك لا يكون إلا بإذن الله، وقد قال سبحانه:[البَقَرَة: 102]{وَمَا هُمْ بِضَآرِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَاّ بِإِذْنِ اللَّهِ} ، وقال تعالى:[الفَلَق: 1-5]{قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ *مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ *وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ *وَمِنْ شَرِّ النَفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ *وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ *} .
وقال عز وجل: [القَلَم: 51-52]{وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ *وَمَا هُوَ إِلَاّ ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ *} .
[والتحقيق الذي عليه جماهير العلماء من المسلمين: أن السحر منه ما هو أمر له حقيقة لا أنه مطلق تخييل لا حقيقة له، ومما يدل على أن منه ما له حقيقة قوله تعالى: [البَقَرَة: 102]{فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ} فهذه الآية تدل على أن السحر شيء موجود له حقيقة تكون سببًا للتفريق بين الرجل وامرأته. وقد عبّر الله عنه بـ (ما) الموصولة وهي تدل على أنه شيء له وجود حقيقي. ومما يدل على ذلك أيضًا قوله تعالى: [الفَلَق: 4]{وَمِنْ شَرِّ النَفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ *} ، يعني السواحر اللاتي يعقدن في سحرهن وينفثن في عُقَدهن. فلولا أن للسحر حقيقة لم يأمر الله بالاستعاذة منه.
أما قوله تعالى: [طه: 66]{يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى} ، وقوله سبحانه:[الأعرَاف: 116]{فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ} ، فالآيتان تدلان على أن من السحر ما لا حقيقة له في نفس الأمر، وإنما هو تخييل لأعين الناظرين وحسب، وبذلك يتضح عدم التعارض بين الآيات الدّالة على أن له حقيقة،
والآيات الدالة على أنه خيال] (1) .
الوجه الرابع في الرد على منكري الحديث: استبعد هؤلاء أن يكون النبيُّ صلى الله عليه وسلم قد سُحِر، وقالوا: إن في الاعتقاد بحصول ذلك تصديقًا لمقولة الكفار وزعمهم أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم رجل مسحور، كما حكاه الله عنهم:[الفُرقان: 8]{وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَاّ رَجُلاً مَسْحُورًا} . كذلك قد زعم المنكرون أن تأثير السحر على النبيِّين عليهم السلام يحطّ من مقام نبوتهم، ويقدح بصحتها، وهو يُعدِم الثقة - بزعمهم - بما أتى به هؤلاء الأنبياء عليهم السلام من عقائد وشرائع.
والردّ على هذين الزعمين يتطلب بسطًا لا يتسع له المقام لكن سأبين ما بوسعي بيانه، فأقول مستعينًا بالله تعالى: ما القصد بوصف الكفار للنبيِّ صلى الله عليه وسلم بأنه رجل مسحور؟ إن الكفار يعيبون بذلك على المؤمنين اتباعهم وتصديقهم لرجل مسحور قد أثر السحر في اتزان عقله، بل قد أذهبه عنه بالكلية، وهو مثل قوله تعالى:[الحِجر: 6]{وَقَالُوا يَاأَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ *} ، وقوله تعالى:[القَلَم: 51]{وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ} . ذلك أن السحر قد يصل أثره أن يبلغ بالمسحور حدَّ الجنون، فإن تقرر أن ذلك هو قصدهم حين وصفوا النبيَّ صلى الله عليه وسلم بالرجل المسحور، فإن وقوع أثر السحر على هيئة مرض جسدي حال بينه صلى الله عليه وسلم وبين إتيانه نساءه، لا يتطابق؛ بل لا يتوافق مع زعم الكفار بأن السحر قد أخذ بعقله، أو سلبه القدرة على التفكير، فلا يكون - على ذلك - في إثبات الحديث تصديق لمقولتهم ألبتة، [وإن قَدَّر بعد ذلك ضعيف العقيدة - مُصِرًّا - أن الحديث فيه تصادم لظاهر نص القرآن، في قولهم هذا، فنجيبه بأن قول الكفار ذلك وادعاؤهم به كان قبل قصة سحر اليهودي للنبيِّ صلى الله عليه وسلم الذي مرض بسببه، وبذلك تعلم أنه لا منافاة بين الآية المذكورة
(1) انظر: أضواء البيان للعلاّمة الشنقيطي (4/474) .
وبين إثبات سحر اليهودي له عليه الصلاة والسلام] (1) .
أما الزعم بأن وقوع أثر السحر على الأنبياء يحطُّ من مقام نبوَّتِهم، [فإن وقوع المرض لهم بسبب السحر، لا يجرّ خللاً لمنصب النبوة، لأن المرض الذي لا نقص فيه يقع للأنبياء في الدنيا ويزيد في درجاتهم في الآخرة، فإذا خُيّل إليه - بسبب مرض السحر - أنه يفعل شيئًا من أمور الدنيا وهو لم يفعله، ثم زال ذلك عنه بالكلية بسبب إطْلاع الله تعالى له على مكان السحر وإخراجه إياه من محله ودفنه، فلا نقص يلحق الرسالة من هذا كله، لأنه مرض كسائر الأمراض، لا تسلّط له على عقله؛ بل هو خاص بظاهر جسده كبصره حيث صار يخيل إليه فعل الشيء من ملامسة بعض أزواجه، وهو لم يفعله، وهذا في زمن المرض لا يضر، والعجيب ممن يظن هذا الذي وقع من المرض بسبب السحر لرسوله صلى الله عليه وسلم قادحًا في رسالته، مع ما هو صريح في القرآن في قصة موسى مع سحرة فرعون، حيث صار يخيل إليه من سحرهم أن عصيَّهم تسعى، فثبّته الله، كما دلّ عليه قوله تعالى: [طه: 66-69]{قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى *فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى *قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الأَعْلَى *وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى *} . ولم يقل أحد من أهل العلم ولا من أهل الذكاء أن ما خُيّل لموسى عليه الصلاة والسلام أولاً من سعي عِصِيّ السحرة قادح في رسالته، بل إن وقوع مثل هذا للأنبياء عليهم الصلاة والسلام يزيد قوة الإيمان بهم، لكون الله تعالى ينصرهم على أعدائهم، ويخرق لهم العادة بالمعجزات الباهرة ويخذل السحرة والكفرة، ويجعل العاقبة للمتقين، كما هو مبين في آيات الكتاب المبين] (2) .
بقي أن دعواهم في أن تأثير السحر على النبيِّ صلى الله عليه وسلم فيه جنس فلاح
(1) انظر: زاد المسلم للعلاّمة محمد بن أحمد الشنقيطي (4/222) .
(2)
زاد المسلم أيضًا (4/222) .
للساحر، حيث استطاع الإمراضَ بسحره، فيرده [أن مرض النبيِّ صلى الله عليه وسلم دام مدة ثم أطلعه الله عليه، فأخبر أصحابه بمحلّه، فوجدوه في المحل الذي أخبر به، فكان ذلك من أعلام نبوته، وشفى الله رسوله عليه الصلاة والسلام من المرض، وباء الساحر بالخزي ولم يفلح في مسعاه، كما قال تعالى: [طه: 69]{وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى} . والأمور لا يُنظر فيها إلا عواقبُها، والنصر في العاقبة للرسل، ولمن كان على قدمهم من أممهم] (1) .
وملخص ما سبق جميعه: هو أن الحديث ثابت، وهو في أعلى درجات الصحيح، وقد سلم متنه من اضطراب وإسناده من تضعيف، وأن السحر الذي وقع قد أثّر في بعض قوة النبيِّ صلى الله عليه وسلم الجسمية، دون أن يمس قدرته الفكرية بشيء، فهو من جنس المرض الذي يعتري سائر البشر، وليس ذلك قادحًا في منصب النبوة، بل هو دليل من دلائلها (2) ، حيث أثبت الحديثُ صدق النبيِّ صلى الله عليه وسلم فيما يُخبِر به عن حال نفسه الشريفة، فضلاً عما يخبر به من خبر السماء، وإلا فلو أنه كان مُخفِيًا شيئًا لأخفى مثل هذا عن الناس مخافة أن يتنقصوا من مقامه، ثم إن إثبات ذلك دالّ بالمحصّلة على إثبات النبوَّة من حيث إن الله سبحانه قد استجاب دعاءه وأعلمه بجنس مرضه، وعيّن له موضع السحر - بتفصيل شهد الواقع أنه حق - ثم أكرمه ربّه فعافاه، وزاده إكرامًا أن أوحى إليه بدواء السحر: المعوذتين، وقد فقهَتْ مثلَ ذلك أخت الساحر لبيد بن الأعصم، حيث قالت:(إن يكن نبيًا فسيُخبَر، وإلا فسيذهله هذا السحر حتى يُذهِب عقله)(3)، وقال الحافظ ابن حجر:(فوقع الشِّق الأول كما في هذا الحديث الصحيح)(4) ، أي أخبره الله بذلك، وهذا - أي
(1) زاد المسلم أيضًا (4/223) .
(2)
يشار هنا إلى أن من عظيم فقه الإمام أبي بكر البيهقي اعتبارَه هذا الحديث من أعلام نبوته صلى الله عليه وسلم. انظر: دلائل النبوة (6/247) .
(3)
كما ذكره ابن سعد في طبقاته (2/152) ، مرسلاً عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك.
(4)
انظر: الفتح (10/237) .
وقوع مرض له صلى الله عليه وسلم بسبب السحر - نظير ما كان يعتريه صلى الله عليه وسلم من المرض بسبب تلك الشاة المسمومة التي أتت بها يهودية فأكل عليه الصلاة والسلام منها (1) ، وقد أدرك يهود خيبر أن نجاته عليه الصلاة والسلام من الموت بالحال من أثر ذلك السمِّ الفتاك الذي دُسَّ له، هو دليل دامغ على صدق نبوته، حيث سألهم صلى الله عليه وسلم:«هل جعلتم في هذه الشاة سمًا؟» فقالوا: نعم، فقال:«ما حَمَلكم على ذلك» ؟ فقالوا: أردنا إن كنت كاذبًا نستريح منك، وإن كنت نبيًا لم يضرّك» (2) .
فلم يضره ذلك السمّ على الوجه المعهود، - وبخاصة أن اليهودية التي أهدت الشاة كانت قد أكثرت السم في الكتف والذراع؛ لأنه بلغها أن ذلك كان أحبّ أعضاء الشاة إليه صلى الله عليه وسلم لكن أثره مع ذلك كان بصورة ألم ناشئ عن ذلك الأكل ومرض كان يعتريه صلى الله عليه وسلم من تلك الأكلة أحيانًا، وقد أخبر أنس رضي الله عنه عن أثر ذلك السم بقوله:(فما زلت أعرفها في لهوات (3) رسول الله صلى الله عليه وسلم (4) ، كذلك هنا، فإن أشد أنواع السحر لم يُذهِب بعقله، بل أثّر في ظاهر جسده مرضًا حتى صار كالذي ينكر بصره وأُخِذ عن النساء فترة يسيرة. وعلى ذلك كلِّه لا يبقى لمن ادعى تنقُّصًا من مقام النبوَّة بإثبات حديث السحر حجّة، بل إن فيه من دلائل نبوَّته صلى الله عليه وسلم ما فيه، وأن من دلائلها الباهرات عصمة الله تعالى لنبيِّه صلى الله عليه وسلم من قتل الناس له بسُمٍّ، ولو كان فتاكًا، أو ذهول عقل بسِحر ولو كان أشد أنواع السحر، وكذلك عصمته صلى الله عليه وسلم عن مطلق تسليطٍ مُهلِكٍ من الناس، وهو القائل سبحانه:[المَائدة: 67] .
(1) كما في صحيح البخاري، برقم (2617) ، عن أنس رضي الله عنه، وعند مسلم من حديثه أيضًا، برقم (2190)، بزيادة:«فسألها عن ذلك» ؟ فقالت: أردت لأقتلك، قال:«ما كان الله ليسلطك على ذاك» ، أو قال:«عليّ» .
(2)
كما في صحيح البخاري؛ برقم (5777) ، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(3)
اللَّهَوات، جمع لَهاةٍ، وهي اللحمة المعلّقة في أصل الحَنَك - والحنك: ما تحت الذقن -، وقيل: هي ما بين مُنقطَع اللسان إلى منقطع أصل الفم. انظر: الفتح لابن حجر (10/258) .
(4)
قول أنس رضي الله عنه، هو في الصحيحين، وقد سبق تخريجه آنفًا بالهامش ذي الرقم (1) .
فائدة: إن ما ذكر سابقًا من أن أثر السحر الذي أصاب النبيَّ صلى الله عليه وسلم هو من جنس الأمراض التي تتسلط على ظاهر الجسد قد جاءت الإشارة إليه في لفظ النبيِّ صلى الله عليه وسلم فإنه [لم يُرو عنه صلى الله عليه وسلم إلا الحديث الدالّ على المرض، بدليل قوله في مراجعة الملكين الكائنين في صفة رجلين: ما وجع الرجل، فقال المجيب منهما: مطبوب؛ وقوله صلى الله عليه وسلم بعدما أخرج المشط والمشاطة وما معهما مما عمل فيه السحر: (قد عافاني) وفي رواية (وشفاني) . ففي نفس الحديث التصريح بالوجع وبالمعافاة منه، فدلّ هذا على أنه مجرد مرض وليس في لفظ رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه صار يخيل إليه فعل ما لم يفعله، وتعبير عائشة رضي الله عنها بذلك إنما هو على حسب ما ظهر لها أنه تخيّل](1) .
كذلك فإن في قوله صلى الله عليه وسلم: «من تصبّح سبع تَمْرات عجوةً لم يضرُّه ذلك اليوم سُمّ ولا سِحر» (2) . تلميح إلى مشابهة أثر السحر والسم في أن كلاً منهما ضارّ بالإمراض، وأنه يتداوى منهما، وليس بالضرورة أن يُذهِب السحرُ بالعقل، أو يُزهِق السمُّ الروح. وانظر بعدها - رحمك الله - إلى فقه الإمام البخاري رحمه الله، حيث جعل حديث السحر في كتاب الطب في صحيحه، ثم جعل بابًا في كتاب الطب: الدواء بالعجوة من السحر، ما يشير إلى أن من أثر السحر والسم إحداث ما يُمرِض، وأن عجوة المدينة يتداوى بها من جميع ذلك، والله أعلم.
مسألة: متى عُمِل السحرُ للنبيِّ صلى الله عليه وسلم؟
[لمّا رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من الحديبية في ذي الحجة، ودخل المحرَّمُ من سنة سبعٍ جاءت رؤساء يهودَ الذين بقوا بالمدينة ممن يُظهِر الإسلام، وهو
(1) انظر: زاد المسلم للعلامة الشنقيطي (4/224) .
(2)
متفق عليه من حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه: أخرجه البخاري؛ كتاب: الطب، باب: الدواء بالعجوة للسحر، برقم (5769) . ومسلم؛ كتاب: الأشربة، باب: فضل تمر المدينة، برقم (2047) .
منافقٌ إلى لبيد بن الأعصم اليهودي، وكان حليفًا في بني زُريق، وكان ساحرًا قد علمَتْ ذلك يهودُ وأنه أعلمهم بالسحر وبالسموم، فقالوا له: يا أبا الأعصم أنت أسحرُ منا، وقد سحَرْنا محمدًا، فسحَره منا الرجال والنساء ولم نصنع شيئًا، وأنت ترى أثره فينا وخلافه دينَنا، ومَنْ قتل منا وأجلى، ونحن نجعل لك على ذلك جُعْلا على أن تسحره لنا سحرًا ينكَؤه، فجعلوا له ثلاثة دنانير على أن يسحر رسولَ الله صلى الله عليه وسلم
…
] (1) .
مسألة: كم كانت مدة مرض النبيِّ صلى الله عليه وسلم بهذا السحر؟
[ورد في ذلك روايتان، أفادت الأولى أنه صلى الله عليه وسلم أقام في ذلك المرض أربعين يومًا، والثانية أنه صلى الله عليه وسلم لبث ستة أشهر في ذلك. ويمكن الجمع بأن تكون الستة أشهر من ابتداء تغيُّر مزاجه، والأربعين يومًا من استحكامه - أي: أثر السحر -](2) ، [وهذا الجمع هو المتعيّن، لأنه لم يشتهر أن مرضه هذا عليه أتم الصلاة والسلام قد طال به، ولو طال به لنقل ذلك متواترًا لتوفّر الدواعي على نقله لشدة شأنه عند أصحابه وتابعيهم، لكنه لم يَطُل، ولم يتعدّ حالَ مَن عُقِد عن النساء مدةً يسيرة](3) .
أخي القارئ المكرم، أكتفي بما أوردته من بعض فقه أهل العلم لهذين النصين الجامعين - عنيت: آية السحر وحديثه -، مع أن كلاً منهما هو أهلٌ لأن يُفرَد بمصنّف تام لسعة ما حواه من معان وأحكام وعظات، سائلاً الله تعالى أن يرزقني وإياك فقهًا في دينه، وأن يهديَنا لما اختُلِف فيه من الحق بإذنه.
(1) طبقات ابن سعد (2/152) ، يرويه بسنده إلى عمر بن الحكم، مرسلاً.
(2)
أورد ذلك ابن حجر في الفتح (10/237) ؛ الرواية الأولى: عن أبي ضمرة عند الإسماعيلي - في مستخرجه - والثانية من رواية وهيب عن هشام عند أحمد (6/63) ، وقد سبق إيرادها ص 49.
(3)
انظر: زاد المسلم للعلاّمة الشنقيطي (2/224) .