الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الحصن الثالث: الإكثار من الاستعاذة بالله تعالى:
إن تحصين المؤمن نفسه مدارُه جميعًا على وقاية قلبه مما قد يؤثر فيه فيفتح فيه ثلمة يلج الشيطان وأتباعه منها فيستحوذ على روحه، أو يضره في جسده، وقد علمت - بفضل الله - ما يحصن قلبك بتلاوة آيات الله تعالى، وملازمة ما أرشد إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم من أذكار مباركات، لكن مع ذلك فقد يتحيّن الشيطان وجنده من السحرة - عياذًا بالله - فرصة يغفل فيها العبد عن ذكر ربه، فيقع المؤمن عندها بتأثير أعمالهم، ويكون فريسة سهلة لمكائدهم، لذا فقد أرادت الشريعة المطهرة ألاّ تدع لعدوك إليك سبيلاً يسلكه، ولا تسلُّطًا يتسلط به عليك، فإن غفلت أو أُنسيت، أو شغلك شاغل عن ذكر ربك، فما أيسر من أن تتلفظ عندها بكلمات تلتجئ بقولهن إلى حمى مولاك، وتستجير بعزته، وتستمسك بقدرته، وتُظهِر بها مدى ضعفك وافتقارك، فيُضعِف اللهُ كيد عدوك، فيخنس عن قلبك. فإذا ما أردت - أخي المؤمن - أن تتخلص من كيد شياطين الإنس والجن، لتلج في حِرْز العبادة والتقوى، فما عليك إلا أن تستعين بخالقهم، وتستجير بجنابه سبحانه، وتلتجئ إلى حماه، وتلوذ بكنفه، فهو القادر سبحانه على إعاذتك من نزغات الشيطان، ومن كيد السحرة الفجرة، الذين ما فتئوا يخدمون شياطينهم ويتقربون إليهم.
لذلك كله فقد أرشدت الشريعة المطهرة إلى وجوب الاستعاذة بالله تعالى رحمة بهذا الإنسان وطلبًا لسلامته، وتحصينًا متواصلاً له، وهاك نصوصًا من كتاب الله تعالى وسُنَّة نبيِّه صلى الله عليه وسلم دالّة على ذلك:
-
…
قال الله تعالى: [الأعرَاف: 200]{وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ *} .
-
…
وقال تبارك اسمه: [النّحل: 98]{فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ *} .
-
…
وقال سبحانه: [المؤمنون: 97-98]{وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ *وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ *} .
-
…
وقال عز وجل: [فُصّلَت: 36]{وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ *} .
أما السنُّة فمنها قول النبيِّ صلى الله عليه وسلم لرجل مغضَبٍ قد احمرّ وجهُه -: إِنِّي لَأَعْلَمُ كَلِمَةً لَوْ قَالَهَا لَذَهَبَ عَنْهُ مَا يَجِدُ، لَوْ قَالَ: أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، فقال الصحابة للرجل: ألا تسمع ما يقول النبيُّ صلى الله عليه وسلم؟ قال: إني لست بمجنون (1) .
ويُلحظ هنا ضرورة أن يكون غضب المؤمن لله تعالى، فلا يغضب لأمر من أمور الدنيا، ولا ينتقم لنفسه قطّ، وإن له في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة، «وَمَا انْتَقَمَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم لِنَفْسِهِ، إِلَاّ أَنْ تُنْتَهَكَ حُرْمَةُ اللهِ، فَيَنْتَقِمُ لِلّهِ بِهَا» (2) .
ومن مواضع الاستعاذة عند استفتاح صلاة التطوع، وذلك بقوله صلى الله عليه وسلم: اللهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا - ثَلَاثَ مِرَارٍ - وَالْحَمْدُ لِلّهِ كَثِيرًا - ثَلَاثَ مِرَارٍ - وَسُبْحَانَ
(1) متفق عليه من حديث سليمان بن صُرَد رضي الله عنه. أخرجه البخاري؛ كتاب: الأدب، باب: الحذر من الغضب، برقم (6115)، ومسلم؛ كتاب: البر والصلة والآداب، باب: فضل من يملك نفسه عند الغضب، برقم (2610) . والقائل للرجل الغضبان، هو الصحابي الجليل معاذ بن جبل رضي الله عنه، كما في سنن أبي داود برقم (4780)، بلفظ:(فجعل معاذ يأمره، فأبى ومَحِكَ، وجعل يزداد غضبًا) .
(2)
جزء من حديث أخرجه البخاري؛ كتاب: المناقب، باب: صفة النبيِّ صلى الله عليه وسلم، برقم (3560)، ومسلم؛ كتاب: الفضائل، باب: مباعدته صلى الله عليه وسلم للآثام، برقم (2327) ، عن عائشة رضي الله عنها.
اللهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً - ثَلَاثَ مِرَارٍ - اللهُمَّ إِني أَعُوذُ بِكَ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، مِنْ هَمْزِهِ وَنَفْثِهِ وَنَفْخِهِ، قلت - القائل: جبير بن مُطعِم رضي الله عنه: همزُه ونفثُه ونفخُه؟ قال صلى الله عليه وسلم: أَمَّا هَمْزُهُ: فَالْمَوْتَةُ (1) الَّتِي تَأْخُذُ ابْنَ آدَمَ، وَأَمَّا نَفْخُهُ: الْكِبْرُ، وَنَفْثُهُ: الشِّعْرُ (2) .
كذلك، فإن الاستعاذة تتأكد عند إرادة الشروع بتلاوة آيات من القرآن الكريم. قال تعالى:[النّحل: 98]{فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ *} . وفي ذلك حِكم بالغة أوجزها فيما يلي:
-
…
أن القرآن الكريم وهو شفاء للصدر وهداية للقلب، يشفي الله به الصدر مما علق به من الوساوس، فيصير القلب قابلاً للهداية فيتأثر بما يتلوه صاحبه من آيات الله، كما وتؤثر التلاوة عندها بمن يسمعها، ويمكن إذ ذاك تمكُّن الهداية في النفس وبقاؤها مانعًا للنفس عن الشهوات، وحاجزًا للفكر عن الشبهات، وهذا من أشد ما يغتاظ به الشيطان
(1) الموتة: أي الخَنْق، الذي يأخذ صاحبَ المس، والعياذ بالله تعالى.
(2)
أخرجه أصحاب السنن:
- أبو داود؛ كتاب: الصلاة، باب: من رأى الاستفتاح بسبحانك اللهم وبحمدك، برقم (775) ، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه. وفي الكتاب عينه، باب: ما يُستفتح به الصلاة من الدعاء، برقم (764) ، عن جبير بن مُطعِم رضي الله عنه.
- الترمذي؛ كتاب: الصلاة، باب: ما يقول عند افتتاح الصلاة برقم (242)، عن أبي سعيد رضي الله عنه. قال أبو عيسى: وحديث أبي سعيد رضي الله عنه أشهر حديث في هذا الباب. اهـ.
- والنَّسائي؛ في الصلاة، كتاب: الافتتاح، باب: نوع آخر من الذكر بين افتتاح الصلاة وبين القراءة، عنه أيضًا.
- وابن ماجهْ؛ كتاب: أبواب إقامة الصلوات والسنن فيها، باب: الاستعاذة في الصلاة، برقمي (807) و (808) ، الأول عن جبير، والثاني عن ابن مسعود رضي الله عنهما.
والحديث أخرجه أحمد في مسنده؛ مسند المدنيين، من حديث جبير بن مُطعِم رضي الله عنه، برقم (16860) ، وكذلك برقم (16861) . وفي مسند الأنصار، من حديث أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه، برقم (22530)، لكنْ في آخره:«شِرْكِهِ» بدل «نَفْثِهِ» . والحديث صحّحه الألباني. انظر: «الإرواء» برقم (342) .
الرجيم، لذا، فهو يهرع عندئذٍ لشغل القارئ والسامع عن ذلك الانتفاع، حسدًا من عند نفسه، وحجزًا للمؤمن عن الهداية، فإذا استعاذ المؤمن صرف اللهُ كيدَ الشيطان وأَذِن بهدايته وانتفاعه بالتلاوة، ولله الحمد والمنة. قال تعالى: ُ [الإسرَاء: 45]{وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا *} . وقال سبحانه وتعالى: [فُصّلَت: 44] {
…
قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمىً
…
*} .
-
…
ومن الأحوال أيضًا التي تتأكد فيها مشروعية التعوّذ حدوث نزغ من الشيطان، أو طائف منه، قال تعالى:[الإسرَاء: 53]{وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِيناً *} . وقال سبحانه: [الأعرَاف: 200-201]{وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ *إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ *} .
فائدة في الفرق بين العدو الإنسيِّ، والعدو الشيطانيّ:
قال الإمام ابن كثير رحمه الله: قال الله تعالى: [الأعرَاف: 199-200]{خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ *وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ *} وقال تعالى: [المؤمنون: 96-97]{ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ *وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ *} وقال تعالى: [فُصّلَت: 34-36]{وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ *وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَاّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَاّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ *وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ *} .
قال رحمه الله: [فهذه ثلاث آيات (1) ليس لهن رابعة في معناها، وهو أن الله يأمر بمصانعة العدوّ الإنسيِّ والإحسان إليه ليردَّه عنه طبعُه الطيبُ الأصلِ، بالموادّة والمُصافاة، ويأمر سبحانه بالاستعاذة به من العدو الشيطاني لا محالةَ، إذ لا يقبل مصانعة ولا إحسانًا، ولا يبتغي غير هلاك ابن آدم، لشدة العداوة بينه وبين أبيه آدم من قبلُ] اهـ. من كلام الإمام رحمه الله (2) .
-
…
كما يشرع التعوّذ بالله، عند إرادة دخول الخلاء، فقد كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم إذا دخل الخلاء، قال: اللهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْخُبُثِ وَالْخَبَائِثِ (3) .
-
…
وعند سماع نباح الكلاب، أو نهيق الحُمُر - في الليل خاصةً - وذلك لقوله صلى الله عليه وسلم:«وَإِذَا سَمِعْتُمْ نَهِيقَ الْحِمَارِ، فَتَعَوَّذُوا بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَإِنَّهَا رَأَتْ [فَإِنَّهُ رَأَى] شَيْطَانًا» (4) الحديث. ولقوله عليه الصلاة والسلام: «إِذَا سَمِعْتُمْ نُبَاحَ الْكِلَابِ وَنَهِيقَ الْحُمُرِ بِاللَّيْلِ
(1) يعبّر السلف رحمهم الله عن الموضع من القرآن بالآية، وإن كان قد حوى أكثر من آية فيما اصطُلح عليه بعدُ من مطالع الآيات ومقاطعها، ومن ذلك قول ابن عباس رضي الله عنهما: أخوف آية في القرآن: [الزّلزَلة: 7-8]{فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ *وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ *} ، فقد أطلق تسمية آية على هذا النص، وفيه آيتان كما لا يخفى.
(2)
انظر: تفسير القرآن العظيم، للإمام ابن كثير رحمه الله. ص 730 ط: بيت الأفكار.
(3)
متفق عليه، من حديث أنس رضي الله عنه؛ أخرجه البخاريُّ، في موضعين، الأول: في كتاب الوضوء، باب: ما يقول عند الخلاء، برقم (142)، والثاني: في كتاب الدعوات، باب: الدعاء عند الخلاء، برقم (6322) . ومسلم؛ كتاب الحيض، باب: ما يقول إذا أراد دخول الخلاء، برقم (375) .
(4)
جزء من حديث متفق عليه، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، ومطلع الحديث:«إِذَا سَمِعْتُمْ صِيَاحَ الدِّيَكَةِ، فَاسْأَلُوا اللهَ مِنْ فَضْلِهِ، فَإِنَّهَا رَأَتْ مَلَكًا» .
…
أخرجه البخاري؛ كتاب: بدء الخلق باب: خير مال المسلم غنم، برقم (3303) . ومسلم؛ كتاب: الذّكر والدعاء، باب: استحباب الدعاء عند صياح الديك، برقم (2729) . وما بين معقوفتين من لفظِ مرويِّ البخاري رحمه الله.
فَتَعَوَّذُوا بِاللهِ، فَإِنَّهُنَّ يَرَيْنَ مَا لَا تَرَوْنَ» (1) .
-
…
هذا، ومما يحسن ختم صنوف التعوذ به، الاستعاذة بالله تعالى من أن يتسلط الشيطان على نفس المؤمن عند النزع الأخير، فيُخْتَمُ له بخاتمة السوء، عياذًا بالله، لذا فقد شُرِع لنا التعوذ بالله تعالى من ذلك، قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم:«وَأَعُوذُ بِكَ أَنْ يَتَخَبَّطَنِيَ الشَّيْطَانُ عِنْدَ الْمَوْتِ» (2) .
كذلك فإن مما يشرع في التحصين بذكر الله تعالى تعويذ الولد، وذلك بما كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم يعوّذ به الحسن والحسين رضي الله عنهما، ويقول: إِنَّ أَبَاكُمَا كَانَ يُعَوِّذُ بِهَا إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ عليهم السلام: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللهِ التَّامَّةِ، مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ وَهَامَّةٍ، وَمِنْ كُلِّ عَيْنٍ لَامَّةٍ (3) . ومما يدخل في تحصين الولد كذلك ما أرشد إليه النبيُّ صلى الله عليه وسلم بقوله: لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا أَتى أَهْلَهُ قَالَ: بِسْمِ اللهِ، اللهُمَّ جَنِّبْنَا الشَّيْطَانَ، وَجَنِّبِ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتَنَا، فَقُضِيَ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ، لَمْ يَضُرَّهُ شَيْطَانٌ أَبَدًا، [وَلَمْ يُسَلَّطْ عَلَيْهِ](4) . ومما يحصَّن به المولود أيضًا التأذين في
(1) أخرجه أبو داود؛ كتاب: الأدب، باب: نهيق الحمير ونباح الكلاب، برقم (5103)، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما وصحّحه الألباني بطرقه. انظر: الكلم الطيب برقم (221) . وأخرجه الترمذيُّ - وصحّحه -؛ كتاب: الدعوات، باب: ما يقول إذا سمع نهيق الحمار، برقم (3459) ، عن أبي هريرة رضي الله عنه.
(2)
جزء من حديث، أخرجه أبو داود، كتاب الصلاة، باب: في الاستعاذة، برقم (1552) عن أبي اليَسَر رضي الله عنه. صحّحه الألباني. انظر: صحيح أبي داود (1373) .
(3)
أخرجه البخاري؛ كتاب: أحاديث الأنبياء عليهم السلام، بابٌ بعد باب [الصَّافات: 94] {يَزِفُّونَ *} : النَّسَلان في المشي، برقم (3371) ، عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما.
…
و «هامّة» ، بالتشديد - كما في الرواية -: هي واحدة الهوام، وهي ذات السموم، وقيل: دواب الأرض التي تهمّ بأذى الناس، وهذا مما لا يصح نفيه - أي في تأويل حديث:(لا عدوى، ولا طيرة، ولا هامّة، ولا صفر) - إلا إن أُريد به أنها لا تضر بذواتها، وإنما تضر إذا أراد الله إيقاع الضرر بمن أصابته، انظر: فتح الباري: (10/241) .
(4)
متفق عليه، من حديث عبد الله بن العباس رضي الله عنهما؛ أخرجه البخاري؛ كتاب: الوضوء، باب: التسمية على كل حال، وعند الوِقاع، برقم (141)، ومسلم؛ كتاب: النكاح، باب: ما يستحب أن يقوله عند الجِماع، برقم (1434) ، وما بين معقوفتين زيادة عند البخاري رحمه الله.
أُذنه حين الولادة، كما: أَذَّنَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فِي أُذُنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ - حِينَ وَلَدَتْهُ فَاطِمَةُ - بِالصَّلَاةِ (1) . ولعل الحكمة في ذلك: أن تسبق كلمةُ التوحيد إلى قلب المولود، قبل أن ينخسه الشيطان أو ينزغه، أو يطعنه - يمسه - في جنبيه بأصبعه، فإذا سمع النداء للصلاة استقرت كلمة التقوى في قلبه، وعلَتْ روحَه، فلا يجتاله الشيطان عن الفطرة التي فُطر عليها، ولا يتسلط عليه بعد ذلك ولا يضره.
أما الرابع من التحصينات الواقية - بإذن الله - فهو: بالاجتهاد في تحقيق حسن الاقتداء بالنبيِّ صلى الله عليه وسلم.
ويكون ذلك بإعمال سنّته صلى الله عليه وسلم فيما أرشدت إليه من محادّة الشيطان، وقصد مخالفته، ومخالفة أتباعه. وليس المقصود في هذا المقام استقصاء الوصايا النبوية الكريمة جميعها، لكنْ بعض ما أرشدت إليه، ومن ذلك:
1-
…
أكثِرْ من الاستعاذة بالله تعالى من الشيطان الرجيم، وبخاصة عند الغضب. قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم:«إِنِّي لَأَعْلَمُ كَلِمَةً لَوْ قَالَهَا لَذَهَبَ عَنْهُ: أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ» (2) .
2-
…
سمِّ الله تعالى، عند كل أمرٍ ذي بال من قول أو عمل تريد الشروع به. كتلاوة القرآن، والوضوء، ودخول المسجد والخروج منه، ودخول البيت والخروج منه، وركوب الدابة، وعند البدء بطعام أو شراب،
(1) أخرجه أبو داود؛ كتاب: الأدب، باب: في المولود يؤذّن في أذنه، برقم (5105)، عن أبي رافع رضي الله عنه. والترمذي؛ كتاب: الأضاحي، باب: الأذان في أذن المولود، برقم (1514)، عنه أيضًا. قال أبو عيسى (الترمذي) : هذا حديث حسن صحيح. والعمل في العقيقة عليه. اهـ. ومعنى «بالصلاة» ، أي: بأذان الصلاة، وهو متعلق بـ «أذَّن» ، والمعنى: أذّن بمثل أذان الصلاة، وهذا يدل على سُنّية الأذان في أذن المولود. انظر: عون المعبود للعظيم آبادي (14/7) .
(2)
سبق تخريجه ص259، بالهامش ذي الرقم (1) .
أو عند ذبح مأكول اللحم، أو عند إرادة الجماع، أو دخول الخلاء، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «كُلُّ كَلَامٍ، أَوْ أَمرٍ ذِي بَالٍ، لَا يُفتَحُ بِذِكْرِ اللهِ عز وجل، فَهُوَ أَبْتَرُ» (1) .
3-
…
تيمَّنْ في شأنك كلِّه، فقد:«كَانَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم يُعْجِبُهُ التَّيَمُّنُ فِي تَنَعُّلِهِ، وَتَرَجُّلِهِ، وَطُهُورِهِ، وَفِي شَأْنِهِ كُلِّهِ» (2)، أي: في الأمور المستحسنة جميعها (3) . اهـ.
4-
…
خالف سَمْت الشيطان، ومحبوبَه وما يميل إليه، ومن ذلك:
*
…
الكِبْرُ والاستعلاء، وهما داءان مهلكان مانعان من كل خير، مردّهما إلى العُجْب بالنفس، والبَطْرِ بأنعُم الله وكفرٍ وجحود بها، وهذا عين ما اتصف به إبليس الرجيم حين أمره الله تعالى بالسجود لآدم تكريمًا لهذا الخَلْق؛ اعترافًا بقدرة الخالق، وامتثالاً لأمره سبحانه، قال تعالى:[ص: 73-78]{فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ *إِلَاّ إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ *قَالَ يَاإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ *قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ *قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ *وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ *} ، وفي الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «مَا زَادَ اللهُ
(1) أخرجه أحمد في المسند، (2/359) ، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. وهو في مصنّف عبد الرزاق، بمعناه، برقم (10455) - (20280) ، وكذا هو عند البيهقي في الكبرى، برقم (10331) . كل ذلك بلفظ:«فَهُوَ أَبْتَرُ» ، وعند أبي داود، بلفظ:«فَهُوَ أَجْذَمُ» ، كتاب: الأدب، باب: الهُدى في الكلام، برقم (4840) ، عن أبي هريرة رضي الله عنه أيضًا. والحديث ضعيف، وقد توسّع في تخريجه مع بيان ضعفة الشيخ الألباني رحمه الله. انظر:«الإرواء» برقم (1) ، (2) .
(2)
متفق عليه من حديث عائشة رضي الله عنها: أخرجه البخاري؛ كتاب: الوضوء، باب: التيمُّن في الوضوء والغُسل، برقم (168) . ومسلم؛ كتاب: الطهارة، باب: التيمُّن في الطُّهور وغيره، برقم (268) .
(3)
قال الإمام النووي رحمه الله: (قاعدة الشرع المستمرة أن كلَّ ما كان من باب التزيين والتحسين استُحِبَّ فيه التيمُّنُ، وما كان بضِدّ ذلك استُحِبَّ فيه التياسر) . اهـ. انظر: صحيح مسلم بشرح النووي (3/160) .
عَبْدًا بِعَفْوٍ إِلاّ عِزًّا، وَمَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ إِلَاّ رَفَعَهُ اللهُ تَعَالى» (1) .
*
…
والعجلةُ [وهي المانعة عن التمهل والتأمل قبل الشروع بالأفعال، فيشرع المرء بها من غير تبصُّرٍ ولا معرفة، فيروّج الشيطانُ شرَّه على المستعجِل من حيث لا يدري](2) ، ومردّ العجلة الكِبْر والعُجْب بالنفس، والتشبّع بما لم يعط، فإن المرء إذا اعتدّ بنفسه توهّم قدرته على إنجاز ما يريده كأسرع ما يكون، فإذا حاول ذلك أعياه الأمر، فاستشاط عندها غيظًا، وربما جرّه ذلك إلى إحباطٍ يستتبع تركًا للأعمال النافعة، واستسلامًا لوساوس الشيطان بالعجز، والتنحّي جانبًا عن مسار العمل النافع، وترك الاستعانة بالله، فيلقي الشيطان عندئذٍ شُبُهاته في قلبه، ويُخيِّل إليه عجز الإنسان عمومًا عن أداء ما يحقق له الاستخلاف في الأرض أو القيام بما خُلِق له من العبادة، فيتوجه عندها إلى اتباع الهوى والتطفل على موائد الغير، ويُمضي حياته على هذا المنوال!! فهل كان يتصور عند تعجّله في أداء مهامه أن يصير إلى ما صار إليه؟! قال الله تعالى:[الإسرَاء: 11]{وَكَانَ الإِنْسَانُ عَجُولاً} . وقال سبحانه: [الأنبيَاء: من الآية 37] {خُلِقَ الإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ
…
} ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«الأَْنَاةُ مِنَ اللهِ وَالْعَجَلَةُ مِنَ الشَّيْطَانِ» (3) . وقال عليه الصلاة والسلام: «يُسْتَجَابُ لأَِحَدِكُمْ
(1) جزء من حديث أخرجه مسلم؛ كتاب: البِرّ والصلة والآداب، باب: استحباب العفو والتواضع، برقم (2588) ، عن أبي هريرة رضي الله عنه.
(2)
انظر: الإحياء، لأبي حامد الغزالي رحمه الله (3/33) .
(3)
أخرجه الترمذي؛ كتاب: البرّ والصلة، باب: ما جاء في التأنِّي والعجلة، برقم (2012)، عن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه. وقال الترمذي: هذا حديث غريب، وقد تكلم بعض أهل العلم في عبد المهيمن بن عباس بن سهل، وضعَّفه من قِبَل حفظه. اهـ. وقد حسّن الحديثَ الألبانيُّ رحمه الله في الصحيحة برقم (3795) .
مَا لَمْ يَعْجَلْ، يَقُولُ: دَعَوْتُ فَلَمْ يُسْتَجَبْ لِي» (1) . فإن كان التعجُّل مذمومًا حالَ الدعاء، عندما تعظم الرغبة في الاستجابة، فكيف بما دون ذلك من أمور الدنيا؟!
*
…
والغضبُ: وهو آفة الخُلُق، ويكون بتوقّد جمرة في قلب ابن آدم تؤزُّه على إنفاذ ما يريده قسرًا، وإن الملقي لهذه الجمرة الخبيثة هو الشيطان الرجيم؛ يلقيها على حين غفلة من هذا القلب عن ذكر الله. وكم ألحق الغضب بابن آدم من ويلات تندَّم بعد وقوعها، بل استغرب أحيانًا صدورها عنه، لكنْ لاتَ ساعةَ مَنْدَمِ، فكم من قتيل - بغير حق - وطلاق بغير بصيرة، وعداوة بغير مسوِّغٍ، وقطيعة رحم جرَّاء غضب في ساعة غفلة، غطى عقل صاحبه، وأحرق الحكمة المودعة في قلبه، فاستحال شبيهًا بمجنون، لا يعي ما يقول ولا يدرك ما يفعل، فغلب الشيطان على عقله واستحوذ على بصيرته فأوقعه بما لا يريد فأورده المهالك، والمرء يحسب - أنه في ذلك كله - ينتصر لنفسه، ويُنْفِذ رأيه، ويحقق مراده. لذا، فقد أكد رسول الله صلى الله عليه وسلم النهي عن الوقوع بمثل هذا الفخ الشيطاني المتكرر، حيث حذر عليه الصلاة والسلام مرارًا من الغضب، وأرشد النبيُّ الكريم صلى الله عليه وسلم إلى قول الكلمة الطيبة، وإلى أن يملك المؤمن نفسه عند الغضب، وأن يكثر من الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم، وبالوضوء عند الغضب، كما أرشد عليه الصلاة والسلام إلى تغيير هيئة الغضبان بجلوسٍ بعد قيام، وباستلقاء بعد
(1) متفق عليه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: أخرجه البخاري؛ كتاب: الدعوات: باب: يُستجابُ للعبد ما لم يعجل، برقم (6340)، ومسلم؛ كتاب: الذِّكْر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب: بيان أنه يستجاب للداعي ما لم يعجل، برقم (2735) .
جلوس، مما يُسهم في إطفاء جذوة تلك الجمرة المتوقدة في قلبه.
قال الله تعالى: [آل عِمرَان: 134]{وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} .
وقال رسول صلى الله عليه وسلم: «لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ، إِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ» (1) .
وقد روي عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم الدلالةُ على مايطفئ الغضب، من وضوء، وتغيير هيئة:«إِنَّ الْغَضَبَ مِنَ الشَّيْطَانِ، وَإِنَّ الشَّيْطَانَ خُلِقَ مِنَ النَّارِ، وَإِنَّمَا تُطْفَأُ النَّارُ بِالْمَاءِ، فَإِذَا غَضِبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَتَوَضَّأْ» (2) . وأوصى عليه الصلاة والسلام جاريةَ بن قدامة رضي الله عنه، بقوله مرارًا:«لَا تَغْضَبْ» (3) . وقال صلى الله عليه وسلم: «إِذَا غَضِبَ أَحَدُكُمْ وَهُوْ قَائِمٌ فَلْيَجْلِسْ، فَإِنْ ذَهَبَ عَنْهُ الْغَضَبُ، وَإِلَاّ فَلْيَضْطَجِعْ» (4) .
*
…
والحَيْرة: وهي كثرة التردد، وذلك سبب مؤكد لاستهواء الشيطان ابنَ آدم بإضلاله، وتسييره إلى مَهلِكه، لكنِ المؤمنُ يحزم أمره فيما يريد في حياته الدنيا، أما غيره فقد تلمّس معالم طريقه من وحي شيطان إنس أو جن، فاجتاله وألقى في رُوْعه الشبهات وتلاعب به
(1) متفق عليه، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: أخرجه البخاري؛ كتاب: الأدب، باب: الحذر من الغضب، برقم (6114) . ومسلم؛ كتاب: البِر والصلة والآداب، باب: فضل من يملك نفسه عند الغضب، برقم (2609) .
(2)
أخرجه أبو داود، كتاب: الأدب، باب: ما يقال عند الغضب، برقم (4784) ، عن عطيةَ السعدي رضي الله عنه. وهذا الحديث ضعيف.
(3)
أخرجه البخاري؛ كتاب: الأدب، باب: الحذر من الغضب، برقم (6116) ، عن أبي هريرة رضي الله عنه.
(4)
أخرجه أبو داود، كتاب: الأدب، باب: ما يقال عند الغضب، برقم (4782)، عن أبي ذرٍّ الغفاري رضي الله عنه. صحّحه الألباني. انظر: صحيح أبي داود (4000) .
حتى أضلّه، فألفى الأفّاكون - من سحرة ودجاجلة - طريقًا إليه، فهلك هلاكًا محتمًا، والعياذ بالله تعالى.
قال تعالى: [الأنعَام:71] {كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الأَرْضِ حَيْرَانَ
…
} (1)، وقال سبحانه:[النِّسَاء: 143] {مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ
…
} ، وقد أرشد الله عز وجل نبيَّه صلى الله عليه وسلم، ومن بعده أمته صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى:[آل عِمرَان: 159]{فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ} ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم مرشدًا أمته صلى الله عليه وسلم:«إِذَا دَعَا أَحَدُكُمْ فَلْيَعْزِمِ الْمَسْأَلَةَ، وَلَا يَقُولَنَّ: اللهُمَّ إِنْ شِئْتَ فَأَعْطِنِي، فَإِنَّه لَا مُسْتَكْرِهَ لَهُ» (2) .
فتأمّل - رحمك الله - إن كان العزم مأمورًا به عند إرادة العمل الصالح، وفي مقام الطلب من الله تعالى مع أن الأصل هو الحث على عمل الصالحات، مع عظم مشروعية الدعاء، فكيف بما هو دون ذلك من الأمور؟!.
*
…
والتبذير، ويكون بالإسراف في الإنفاق، ومجانبة التوسط فيه، وكذلك في الإنفاق بغير وجه حق، أو في معصية، أو في الحث عليها، والمؤمن يجانب ذلك كلَّه، فيكون إنفاق النعمة - من مالٍ وغيره - عنده قوامًا بين الإسراف والتقتير، مع إعطاء كل ذي حقٍّ
(1){استهوته} : أضلَّته، كما في البخاري، كتاب: التفسير، من تفسير سورة الأنعام، في سياق النقل عن ابن عباس رضي الله عنهما. وفي الفتح [8/141] : هو تفسير قتادة، أخرجه عبد الرزاق. اهـ.
(2)
متفق عليه من حديث أنس رضي الله عنه: أخرجه البخاري؛ كتاب: الدعوات، باب:«لِيعزم المسألة فإنه لا مكرِه له» برقم (6338) . ومسلم؛ كتاب: الذِّكْر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب: العزم بالدعاء، ولا يقل: إن شئتَ، برقم (2678) .
حقه، وفي طاعة الله بمباح أو قُرْبَةٍ، وهو يعلم أن مِنْ أَحَبِّ ما يُنفَق به المال عند الله تعالى: ما كان زكاةً، أو صلة أرحام، أو إحسانًا إلى جار مسكين، أو إجابةً لسائل. وحيث يجانب المؤمنُ ذلك فقد قارب التشبه بصفة الشيطان في التبذير والسَّفَه، الذي يودي به إلى كفرٍ بالنعمة وجحود بها، وذلك باستعمالها في غير ما وُهِبَتْ لأجله، فيتآخى المسرف المبذر مع الشيطان من هذه الحيثية، فيكون للشيطان على إخوانه المبذرين سبيل للغواية ونوع تسلطٍ على قلوبهم الجاحدة.
قال تعالى: [الإسرَاء: 26-27]{وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا *إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيْاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا *} .
وقال سبحانه: [الفُرقان: 67]{وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا *} .
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ رِزْقُهُ، أَوْ يُنْسَأُ لَهُ فِي أَثَرِهِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ» (1) . وجاء رجل إلى النبيِّ عليه الصلاة والسلام، فقال: يا رسول الله، مَنْ أحق الناس بحسن الصحبة؟ قال:«أُمُّكَ، ثُمَّ أُمُّكَ، ثُمَّ أُمُّكَ، ثُمَّ أَبُوكَ، ثُمَّ أَدْنَاكَ أَدْنَاكَ» (2) .
(1) متفق عليه من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه: أخرجه البخاري؛ كتاب: البيوع، باب: من أحبّ البَسْط في الرزق، برقم (2067)، ومسلم؛ كتاب: البِرّ والصلة والآداب، باب: صلة الرَّحِم وتحريم قطيعتها، برقم (2557) .
(2)
أخرجه مسلم - واللفظ له -؛ كتاب: البرّ والصلة والآداب، باب: بِرّ الوالدين وأنهما أحقُّ به، برقم (2548)، وعند البخاري؛ من غير زيادة:«ثُمَّ أَدْنَاكَ أَدْنَاكَ» في آخره. كتاب: الأدب، باب: من أحق الناس بحسن الصحبة، برقم (5971) ، عن أبي هريرة رضي الله عنه.
وقد روي عن النبيِّ - عليه أزكى صلاة وأتم تسليم - أن رجلاً كان ذا مال كثير وذا أهل وولد وحاضرةٍ، كيف يصنع بماله؟ فأمره صلى الله عليه وسلم بقوله:«تُخْرِجُ الزَّكَاةَ مِنْ مَالِكَ، فَإِنَّهَا طُهْرَةٌ تُطَهِّرُكَ، وَتَصلُ أَقْرِبَاءَكَ، وَتعْرِفُ حَقَّ السَّائِلِ وَالْجَارِ وَالْمِسْكِينِ» (1) .
*
…
المِراء، أو الجدال بالباطل، ومردّه إلى (إعجاب كل ذي رأي برأيه)(2) ، وأصله من الكِبْر المذموم. والجدل مشتق من محاولة كل من المتخاصمين جَدْل صاحبه عن رأيه، فإن كان بغير وجه حق سُمّي مِراءً، وهو المعنيّ هنا، وإن كان بالحق سمي جدالاً، وقد فطر الإنسان على حب المجادلة، فمن أعمل ذلك من غير حجة بيِّنةٍ، وكان قصده إعلاء كلمته وإظهار مذهبه تعظيمًا لشأن نفسه وتحقيرًا لنظيره، لا إظهارًا لوجه الحق الذي التزمه، وجد إذ ذاك غيظًا في قلبه واستفاض حَنَقًا على صاحبه، فإن قهره الخصم بحجته الدامغة استحال الغيظ غِلاًّ في قلبه، حتى إذا تظاهر أنه نسي تلك الجولة الخاسرة، تحوّل الغِلُّ في قلبه إلى إِحَنٍ وحقد دفين، وهو أخطر مدخل للشيطان على قلبه، حيث يبقى صاحبه يتحين الفرصة ليُنفِذ غيظه، ولينقضّ على صاحبه فيفتك به. إن مثل هذا المشكِّك بالحق - لأجل رأيه - لا
(1) جزء من حديث أخرجه أحمد في مسنده، (3/136) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه. وهذا الحديث ضعيف.
(2)
هذا مستفاد من حديث، أخرجه الترمذي مطولاً - ومنه: «.... حَتَّى إِذَا رَأَيْتَ شُحًّا مُطَاعًا، وَهَوىً متَّبَعًا، وَدُنْيَا مُؤْثَرَةً، وَإِعْجَابَ كُلِّ ذِي رَأْيٍ بِرَأْيِهِ، فَعَلَيْكَ بِخَاصَّةِ نَفْسِكَ وَدَعِ الْعَوَامَّ
…
» الحديث - كتاب: تفسير القرآن، باب: ومن سورة المائدة، برقم (3058)، عن أبي ثعلبة الخُشَني رضي الله عنه. وقال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب. وأخرجه أبو داود أيضًا مطولاً برقم (4341) . وابن ماجه كذلك، برقم (4014) . والحديث ضعّفه الألباني. انظر:«الضعيفة» برقم (1025) .
ريب أنه وليٌّ للشيطان، قد زخرف له مولاه الكِبْرَ والمماراةَ على أنها فضيلة يُتوصَّل بها إلى تحقيق الذات وقهر الخصم. هذا، فضلاً عما يورثه هذا الجدل من تحريش من الشياطين بين المتخاصمَيْن، هذا إن لم تتعصب لرأي كل واحد منهما زمرة، مما يثير العداوة والبغضاء بينهم، وقد تجد أحدهم على أتم الأهبة لعمل ما بوسعه ليوقع الضر بصاحبه وقد يسلب عقله بسحر، أو يفرق بينه وبين من يحب، أو يتسبب في إمراضه، أو حتى قتله، وهذا عين ما يبغيه الشيطان وأتباعه من تحريش بين الناس، وإيقاع العداوة بينهم.
-
…
قال تعالى: [الكهف: 54]{وَكَانَ الإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً} .
-
…
وقال سبحانه: [الأنعَام: 121]{وَإِنَّ الشَّيْاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَولِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ} .
-
…
وقال عزّ شأنه: [غَافر: 56]{إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَاّ كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ *} .
-
…
وقال تقدست أسماؤه: [الأنعَام: 112]{وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ *} .
-
…
وقد طرق النبيُّ صلى الله عليه وسلم باب حجرة عليٍ وفاطمةَ عليهما السلام ليلةً، فقال:«أَلَا تُصَلِّيَانِ» ، فقلت - أي علي رضي الله عنه: يا رسول الله، أنفسنا بيد الله، فإذا شاء أن يبعثنا بعَثَنا، فانصرف حين قلنا ذلك، ولم يرجع إلي شيئًا، ثم سمعته - وهو مولٍّ [أي قد قَفَل راجعًا] يضرب
فَخِذه - وهو يقول: [الكهف: 54]{وَكَانَ الإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً} (1) .
*
…
والعمد إلى تغيير خلق الله تعالى، وهو من أعظم ما يستهوي الشياطين، والعياذ بالله عز وجل، فتعمد إلى تزيين ذلك للناس، فيقع كثير منهم في هذا الشَّرْك، متوهّمين بأن هذا التغيير يحسّن مظهرهم ويرفع منزلتهم، وقد لا يقتصر هذا التغيير على صاحبه، بل قد يسوِّل له الشيطان أن يتعدى ذلك إلى محاولة تغيير وتشويه خلقٍ آخر، وهذا عين ما فعله بعض مشركي العرب، حين عمدوا إلى تشقيق آذان الأنعام وجعلوا ذلك سمة وعلامة على تحكّمهم بجواز الانتفاع بها، أو على حرمة ذلك، أو على اختصاص هذا النفع بأناس دون آخرين، ومن ذلك ما ادَّعَوْه افتراءً من [بَحِيرة، أو سائبة، أو وصيلة، أو حامٍ](2) ، فوقعوا في تغيير دين الله، ومحادّة
(1) أخرجه البخاري - واللفظ له - كتاب: أبواب التهجَّد، باب: تحريض النبيِّ صلى الله عليه وسلم على صلاة الليل، برقم (1127) . ومسلم؛ صلاة المسافرين وقَصْرِها؛ باب: ما رُوي فيمن نام الليل أجمعَ حتى أصبح، برقم (775) ، عنه أيضًا.
(2)
السائبة: هي الناقة التي كانت تُسيَّبُ في الجاهلية لنذر أو نحوه، لكونها قد ولدت عشرة أبطن كلهن إناث، فلا يُركب ظهرها ولا يُشرب لبنها، إلا ولدُها فيُشرِبونه من لبنها، وكذلك الضيف، وتبقى كذلك حتى تموت، فإذا ماتت اشترك في أكلها الرجال والنساء، ثم بُحِرَتْ أذن بنتها الأخيرة، أي شُقَّتْ الأذن وخُرِقَتْ. فسميت هذه البنت (بحيرة) ، وكان حكمها كحكم أمها بعد ذلك.
أما (الوصيلة) : فهي الشاة تلد سبعة أبطن، عَناقين عَناقين - أي: أنثيين أنثيين -، فإن ولدت في الثامنة جَدْيًا - أي: ذكرًا -: ذبحوه لآلهتهم المزعومة، واختصُّوها به، وإن ولدت جديًا وعناقًا، قالوا: قد وصلت أخاها، أي: وصلت العناق أخاها الجدي، فلا يذبحون أخاها من أجلها، ولا تشرب لبنَها النساءُ، وكان لبنها للرجال فقط، ثم يُجْرُونها مجرى السائبة - على ما عَرَفْتَ من حالها -.
وأما (الحامي) ، فهو الفحل من الإبل الذي طال مكثه عندهم، بحيث لَقِحَ ولدُ ولدِه، فيقولون: قد حمى ظهرَه، فلا يُركب، ولا يُجَزُّ له وبرٌ، ولا يُمنع من مرعى.
…
انظر: في بيان ذلك كله، مختار الصحاح، مادة (سيب - بحر - وصل - حمي) .
ما شرعه لخلقه، واسترضَوْا بذلك الشيطانَ الرجيم، ومن ثَمَّ استحوذ عليهم فمَرَدُوا على الشرك، وحاربوا دين الله حرب استماتة لا هوادة فيها. يتبين بما سبق أن تغيير خلق الله، هو مدعاة لطرد الإنسان من رحمة الله تعالى، ذلك أنه - في حقيقته - تدخُّلٌ سافِرٌ في حق التشريع الذي هو من أخص خصائص الألوهية.
ومما يدخل في تغيير خلق الله تعالى ما يحرم من زينة النساء: كالوشم (1) ، والنَّمْص (2) ، والتفلُّج (3) في الأسنان، ووصل الشعر، وما يحرم من زينة الرجال: كالتزين بما اختُصّت به النساء من لباس، أو تحلٍّ بذهب، أو ادهانٍ بطِيب ملوّنٍ كحناء في اليدين أو الرِّجْلين، أو تَزَعْفُرٍ (4) لكونه مختصًا بالنساء، وكذلك التزيُّن بما فيه مُثْلة أو تشويه للخِلْقة، كالقَزَع (5) ، وغير ذلك كثير مما يَطْلُع به علينا، أصحاب (التقليعات الغربية) وإنْ كلُّ ذلك إلا مدعاة للشياطين لاستخفاف نفوس فاعليه، مما يتسبب باستهوائها لتلك الأنفس، ومن ثم استعبادها وإضلالها.
(1) الوشم: جعل علامة مستقرة في الجلد، وذلك بغرز إبرة فيه، ثم ذَرُّ - أي: إلقاء - النَّثُور، وهو مادة تترسّب في مسام الجلد تسمى النَّيْلَج، تُجعل بعد الغرز في الجلد. انظر: مختار الصحاح (وشم) .
(2)
النَّمْصُ، نتف الشعر من الوجه، وتسمى من تفعله نامصة، ومن تأمر بفعله متنمِّصة، أو منتمصة. انظر: النهاية لابن الأثير (5/104) .
(3)
التفلّج: ما تفعله المرأة بأسنانها للتفريج قليلاً ما بين الثنايا والرَّباعيات، وكُنَّ يفعلن ذلك رغبة في التحسين. انظر: النهاية أيضًا (3/420) .
(4)
التزعفر: صبغ الثوب بالزعفران، أو التطيُّب به. انظر: مختار الصحاح مادة (زَعْفَرَ) .
(5)
القَزَع: أن يُحلَق رأسُ الصبي، ويُترَكَ في مواضعَ منه الشعرُ مُتفرِّقًا. انظر: مختار الصحاح، مادة (قَزَعَ) . ويكون ذلك على وجه غير متناسق، مما كان يفعله بعض الأعراب في الجاهلية، ويفعله - للأسف - بعض شبابنا اليوم، وهو ما يطلق عليه قصة الكابوريا، تقليدًا لمن يسمى بـ (الهيبيز أو البنكيز) من فَسَقة الغربيين.
وهاك - مكرمًا - ما يدل من كتاب الله تعالى وسنة نبيِّه صلى الله عليه وسلم على التحذير مما سلف ذكره:
وقال عز وجل: [المَائدة: 103]{مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ} .
وقال عز وجل: [الرُّوم: 30]{فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ *} .
قال الإمام ابن كثير رحمه الله: [الرُّوم: 30]{لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ} ، قال بعضهم: معناه لا تُبدِّلوا خلق الله، فتغيروا الناس عن فطرتهم التي فطرهم الله عليها، فيكون خبرًا بمعنى الطَّلَب، كقوله تعالى:[آل عِمرَان: 97]{وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِناً} ، وهذا معنى حسنٌ صحيح. اهـ (1) . والمعنى المقصود: أمّنوا - أعطوا الأمان - كمن استأمن بدخوله بيت الله المحرّم.
وقال الإمام البخاري رحمه الله: {لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّه} : لدين الله. اهـ (2) .
وقد خطب النبيُّ صلى الله عليه وسلم ذات يوم، فقال في خُطبته: «إِنَّ رَبِّي عز وجل أَمَرَنِي أَنْ أُعَلِّمَكُمْ مَا جَهِلْتُمْ مِمَّا عَلَّمَنِي فِي يَوْمِي هَذَا: كَلُّ مَا نَحَلْتُهُ عِبَادِي
(1) انظر: تفسير القرآن العظيم، لابن كثير (ص1326) ، ط - بيت الأفكار.
(2)
انظر: صحيح البخاري: كتاب: التفسير، مطلع عنوان بابٍ فيه، من تفسير سورة الروم، وتمامُه: خُلُق الأولين: دينُ الأولين، والفطرةُ: الإسلام. اهـ.
حَلَالٌ، وَإِنِّي خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ كُلَّهُمْ، وَإِنَّهُمْ أَتَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ، فَأَضَلَّتْهُمْ عَنْ دِينِهِمْ، وَحَرَّمَتْ عَلَيْهِمْ مَا أَحْلَلْتُ لَهُمْ، وَأَمَرَتْهُمْ أَنْ يُشْرِكُوا بِي مَا لَمْ أُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا
…
» الحديث (1) .
وفي الصحيح قولُه صلى الله عليه وسلم: «لَعَنَ اللهُ الْوَاشِمَاتِ وَالْمُوتَشِمَاتِ، وَالْمُتَنَمِّصَاتِ، وَالْمُتَفَلِّجَاتِ لِلْحُسْنِ، الْمُغَيِّرَاتِ خَلْقَ اللهِ» ، وقال ابن مسعود رضي الله عنه: ما لي لا ألعنُ مَن لعنَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، ومَن هو في كتاب الله [الحَشر: 7] {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} (2) .
وقد تزوجَتْ جاريةٌ من الأنصار، فمرضت وتمعّط شعرها، فأرادوا أن يَصِلُوها، فسألوا النبيَّ صلى الله عليه وسلم فقال:«لَعَنَ اللهُ الْوَاصِلَةَ وَالْمُسْتَوْصِلَةَ» (3) .
أما تشبُّه كلٍّ من الجنسين بالآخر، فقد «لَعَنَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم الْمُتَشَبِّهِينَ مِنَ الرِّجَالِ بِالنِّسَاءِ، وَالْمُتَشَبِّهَاتِ مِنَ النِّسَاءِ بِالرِّجَالِ» (4) . كما أمر عليه الصلاة والسلام بإخراج المتشبِّهين بالنساء من البيوت، فقال صلى الله عليه وسلم:«أَخْرِجُوهُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ» (5) .
(1) أخرجه مسلم - مُطوّلاً - كتاب: الجنة، باب: الصفات التي يُعرف بها في الدنيا أهل الجنة وأهل النار، عن عياض بن حمار المجاشعي رضي الله عنه برقم (2865) . ومعنى «نَحَلْتُه» ، النُّحْل، بالضم: العطية والهبة ابتداءً من غير عِوَض ولا استحقاق. انظر: النهاية (5/24) .
(2)
جزء من حديث متفقٍ عليه، من حديث ابن مسعود رضي الله عنه: أخرجه البخاري، كتاب: التفسير، باب:{وما آتاكم الرسول فخلوه} ، برقم (4886) . ومسلمٌ؛ كتاب: اللباس والزينة، باب: تحريم فعل الواصلة والمستوصلة، برقم (2125) .
(3)
أخرجه البخاري؛ كتاب اللباس، باب: الوصل في الشعر، برقم (5934)، ومسلم؛ بلفظ:«فَتَمَرَّطَ شَعْرُهَا» ، كتاب: اللباس والزينة، باب: تحريم فعل الواصلة والمستوصلة، برقم (3123) ، عن عائشة رضي الله عنها..
(4)
أخرجه البخاري؛ كتاب: اللباس، باب: المتشبهون بالنساء والمتشبهات بالرجال، برقم (5885) ، عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما.
(5)
أخرجه البخاري؛ كتاب اللباس، باب: إخراج المتشبهين بالنساء من البيوت، برقم (5886) ، عن ابن عباسٍ أيضًا.
وقد «أُتي النبيُّ صلى الله عليه وسلم بمُخنَّثٍ قد خضب يديه ورجليه بالحِنَّاء، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: مَا بَالُ هَذَا؟» ، فقيل: يا رسول الله، يتشبَّه بالنساء! فأُمر به فنُفي إلى النقيع (1)، قالوا: يا رسول الله، ألا نقتله؟ قال:«إِنِّي نُهِيتُ عَنْ قَتْلِ الْمُصَلِّينَ» (2) .
وأما حرمة تَخَتُّمِ الرجل بذهب، فقد رَأَى رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم خَاتَمًا مِنْ ذَهَبٍ فِي يَدِ رَجُلٍ، فَنَزَعَهُ فَطَرَحَهُ، وَقَالَ صلى الله عليه وسلم:«يَعْمِدُ أَحَدُكُمْ إِلى جَمْرَةٍ مِنْ نَارٍ فَيَجْعَلُهَا فِي يَدِهِ» ، فقيل للرجل بعدما ذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم: خذ خاتمك انتفع به، قال: لا واللهِ، لا آخذه أبدًا، وقد طَرَحه رسول الله صلى الله عليه وسلم (3) .
وأما كراهة التَّزَعْفُر، فقد «نَهَى رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ يَتَزَعْفَرَ الرَّجُلُ» (4) .
وأما كراهية القَزَع، فلِما صح «أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم نَهَى عَنِ القَزَعِ» (5) .
(1) النقيع: ناحية عن المدينة، وليس بالبقيع، الذي هو موضع مقبرة أهل المدينة. كما بينه أبو داود رحمه الله، بعد إخراجه للحديث. وبين المدينة والنقيع عشرون فرسخًا، - أي ما يقارب 110.88 كلم - كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد حماه لخيله، وله هناك مسجد يقال له مقمّل، وهو من ديار مُزَينة. انظر: معجم البلدان لياقوت الحَمَوي، (5/348) .
(2)
أخرجه أبو داود؛ كتاب: الأدب، باب: الحكم في المخنثين، برقم (4928)، عن أبي هريرة رضي الله عنه. صحّحه الألباني. انظر: صحيح أبي داود (4119) .
(3)
أخرجه مسلم؛ كتاب: اللباس والزينة، باب: تحريم خاتم الذهب على الرجال
…
، برقم (2090) ، عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما.
(4)
متفق عليه من حديث أنس رضي الله عنه: أخرجه البخاري؛ كتاب: اللباس، باب: التزعفر للرجال، برقم (5846)، ومسلم؛ كتاب: اللباس والزينة، باب: نهي الرجل عن التزعفر، برقم (2101) ، عن أنس رضي الله عنه. والحديث عند الجماعة إلا الموطأ، وقال الترمذي: ومعنى كراهية التزعفر للرجل: أن يتطيب به. اهـ.
(5)
أخرجه البخاري - مطولاً - كتاب: اللباس، باب: القزع، برقم (5920)، ومسلم؛ كتاب: اللباس والزينة، باب: كراهة القَزَع، برقم (2120)، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما. قال مسلم رحمه الله: قال - أي (عبيد الله بن حفصٍ الراوي عن عمر بن نافع) - قلت لنافع: وما القَزَع؟ قال: يُحلق بعضُ رأس الصبي ويُترك بعض. اهـ.
*
…
والعمد إلى أفعال يحبها الشيطان، قد يستصغرها المؤمن فلا يلقي لها بالاً، ومن ذلك:
1-
…
الإكثار من التثاؤب.
2-
…
ترك القيلولة (وهي نومة يسيرة قبيل الزوال) .
3-
…
الجلوس في مجلس الشيطان، وهو الموضع الذي تخلله الظل والشمس.
4-
…
التصرف باليد الشمال في أكل وشرب، أو أخذ وإعطاء.
5-
…
ترك التأذين (المناداة للصلاة) .
6-
…
النوم الطويل، وترك قيام الليل.
7-
…
ترك اللقمة إذا سقطت على الأرض، لما فيه من تفريطٍ بنعمة الله تعالى.
8-
…
المكث على غير وضوء، وترك صلاة الجماعة في المسجد.
9-
…
اقتناء كلب (لغير صيد أو حراسة أو زرع) ، أو وضعِ صورٍ في البيوت، لذوات أرواح، ولو لم يكن لها ظِلّ.
10-
…
العمد إلى الأكل منفردًا، والإكثار من المأكل والمشرب، لحد الشِّبَع والتُّخَمة.
ومن أدلة النهي عما سبق بترتيبه:
-
…
قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْعُطَاسَ، وَيَكْرَهُ التَّثَاؤُبَ، فَإِذَا عَطَسَ فَحَمِدَ اللهَ، فَحَقٌّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ سَمِعَهُ أَنْ يُشَمِّتَهُ، وَأَمَّا التَّثَاؤُبَ: فَإِنَّمَا هُوَ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَلْيَرُدَّهُ مَا اسْتَطَاعَ، فَإِذَا قَالَ: هَا، ضَحِكَ مِنْهُ الشَّيْطَانُ» (1) .
(1) أخرجه البخاري - مطوّلاً -؛ كتاب: الأدب، باب: ما يُستحَبُّ من العطاس وما يُكرَه من التثاؤب، برقم (6223)، ومسلم - بشطره الثاني -؛ كتاب: الزهد والرقائق، باب: تشميت العاطس وكراهة التثاؤب، برقم (2994) ، عن أبي هريرة رضي الله عنه.
-
…
ترغيب رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقيلولة، معللاً ذلك بأن الشياطين لا تقيل. قال صلى الله عليه وسلم:«قِيلُوا، فَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَا تَقِيلُ» (1) .
-
…
-
…
قال عليه الصلاة والسلام: «لَا يَأْكُلَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمْ بِشِمَالِهِ، وَلَا يَشْرَبَنَّ بِهَا، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَأْكُلُ بِشِمَالِهِ وَيَشْرَبُ بِهَا» (3) . وقال صلى الله عليه وسلم: «لِيَأْكُلْ أَحَدُكُمْ بِيَمِينِهِ، وَيَشْرَبْ بِيَمِينِهِ، وَلْيَأْخُذْ بِيَمِينِهِ وَلْيُعْطِ بِيَمِينِهِ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَأْكُلُ بِشِمَالِهِ، وَيَشْرَبُ بِشِمَالِهِ، وَيُعْطِي بِشِمَالِهِ، وَيَأْخُذُ بِشِمَالِهِ» (4) .
-
…
قال النبيُّ عليه الصلاة والسلام: «إِذَا نُودِيَ بِالصَّلَاةِ أَدْبَرَ الشَّيْطَانُ وَلَهُ ضُرَاطٌ حَتّى لَا يَسْمَعَ الأَْذَانَ، فَإِذَا قُضِيَ الأَْذَانُ أَقْبَلَ، فَإِذَا ثُوِّبَ بِهَا أَدْبَرَ، فَإِذَا قُضِيَ التَّثْوِيبُ أَقْبَلَ
…
» الحديث (5) .
(1) رواه أبو نُعيم في الحِلْية، انظر: صحيح الجامع: (4/147) .
(2)
أخرجه أحمد في المسند، (3/414) ، من حديث رجلٍ من أصحاب النبيِّ صلى الله عليه وسلم، قال المنذري في الترغيب والترهيب (5/260) : سنده جيد. اهـ. وصحّحه الألباني في «صحيح الترغيب والترهيب» ، برقم (3081) . وكان سعيد بن المسيِّب يقول:[مقيل الشيطان بين الظل والشمس] . انظر: آكام المرجان في غرائب الأخبار وأحكام الجانّ. لبدر الدين الحنفي. ص: 235. والضِّح - بالكسر وتشديد الحاء -: شعاع الشمس. انظر: مختار الصحاح، لابن الأثير، مادة (ضحَحَ) .
(3)
أخرجه مسلم؛ كتاب: الأشربة، باب: آداب الطعام والشراب وأحكامهما، برقم (2020)، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما. قال مسلم:[قال - أي سالم -: وكان نافع يزيد فيها: «وَلَا يَأْخُذُ بِهَا، وَلَا يُعْطِي بِهَا» ] . اهـ.
(4)
أخرجه ابن ماجَهْ، كتاب: أبواب الأطعمة، باب: الأكل باليمين، برقم (3266)، عن أبي هريرة رضي الله عنه. وقد صحح سندَه المنذريُّ في الترغيب والترهيب (4/191) . والألباني. انظر:«صحيح الترغيب والترهيب» برقم (2114) .
(5)
جزء من حديثٍ أخرجه البخاري بتمامه؛ كتاب: السهو، باب: إذا لم يدرِ كم صلّى برقم (1231)، ومسلم بنحوه؛ كتاب: الصلاة، باب: فضل الأذان وهربِ الشيطان عند سماعه، برقم (389) ، عن أبي هريرة رضي الله عنه.
…
والتثويب: الإقامة، والضُراط: هو حُصاصُ الشيطان - أي: شدة عَدْوه - وصوتُه. كما بيَّنه مرويُّ مسلم رحمه الله.
-
…
قال الله تعالى: مخاطبًا نبيَّه صلى الله عليه وسلم: [المُزّمل: 1-4]{يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ *قُمِ اللَّيْلَ إِلَاّ قَلِيلاً *نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً *أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً *} .
-
…
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ الشَّيْطَانَ يَحْضُرُ أَحَدَكُم عِنْدَ كُلِّ شَيْءٍ مِنْ شَأْنِهِ، حَتّى يَحْضُرَهُ عِنْدَ طَعَامِهِ، فَإِذَا سَقَطَتْ مِنْ أَحَدِكُمُ اللُّقْمَةُ، فَلْيُمِطْ مَا كَانَ بِهَا مِنْ أذىً، ثُمَّ لِيَأْكُلْهَا، وَلَا يَدَعْهَا لِلشَّيْطَانِ، فَإِذَا فَرَغَ فَلْيَلْعَقْ أَصَابِعَهُ، فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي فِي أَيِّ طَعَامِهِ تَكُونُ الْبَرَكَةُ» (2) .
-
…
سمع عثمانُ بن عفان رضي الله عنه رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول: «مَنْ تَوَضَّأَ لِلصَّلَاةِ فَأَسْبَغَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ مَشَى إِلَى الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ، فَصَلَاّهَا مَعَ النَّاسِ، أَوْ مَعَ الْجَمَاعَةِ، أَوْ فِي الْمَسْجِدِ، غَفَرَ اللهُ لَهُ ذُنُوبَهُ» (3) .
وقال عليه أعطر الصلاة وأزكى التسليم: «إِذَا تَوَضَّأَ الْعَبْدُ الْمُسْلِمُ (أَوِ الْمُؤْمِنُ) ، فَغَسَلَ وَجْهَهُ، خَرَجَ مِنْ وَجْهِهِ كُلُّ خَطِيئَةٍ - نَظَرَ إِلَيْهَا بِعَيْنَيْهِ - مَعَ الْمَاءِ (أَوْ مَعَ آخِرِ قَطْرِ الْمَاءِ) ، فَإِذَا غَسَلَ يَدَيْهِ خَرَجَ مِنْ يَدَيْهِ كُلُّ خَطِيئَةٍ كَانَ
(1) متفق عليه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: أخرجه البخاري؛ كتاب: أبواب التهجُّد، باب: عَقْد الشيطان على قافية أحدكم إذا لم يصلِّ بالليل، برقم (1142)، ومسلم؛ كتاب: صلاة المسافرين وقَصْرها، باب: ما روي فيمن نام الليل أجمعَ حتى أصبح، برقم (776) .
(2)
أخرجه مسلم؛ كتاب الأشربة، باب: استحباب لعق الأصابع والقصعة، برقم (2033) ، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما.
(3)
أخرجه البخاري؛ كتاب: الرقاق، باب: قول الله تعالى: ُ $ % × ' () ِ [فَاطِر: 5] {يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ
…
} . برقم (6433)، ومسلم - واللفظ له - كتاب: الطهارة، باب: فضل الوضوء والصلاة عَقِبه، برقم (232) ، عن عثمان بن عفان رضي الله عنه.
بَطَشَتْهَا يَدَاهُ مَعَ الْمَاءِ (أَوْ مَعَ آخِرِ قَطْرِ الْمَاءِ) ، فَإِذَا غَسَلَ رِجْلَيْهِ خَرَجَتْ كُلُّ خَطِيَئةٍ مَشَتْهَا رِجْلَاهُ مَعَ الْمَاءِ (أَوْ مَعَ آخِرِ قَطْرِ الْمَاءِ) ، حَتَّى يَخْرُجَ نَقِيًّا مِنَ الذُّنُوبِ» (1) . فأكرِمْ بمنزلةٍ نزلها المُسبِغُ لوضوئه، الماشي إلى الجماعات، فقد أخزى اللهُ شيطانَه، وسلّمه من مكائده، وجعل سعيَ شيطانِه هباءً منثورًا، لمّا أشغل قلبه وجوارحه بطاعة مولاه سبحانه.
-
…
قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: «مَنِ اقْتَنَى كَلْبًا، إِلَاّ كَلْبًا ضَارِيًا لِصَيْدٍ أَوْ كَلْبَ مَاشِيَةٍ، فَإِنَّهُ يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطَانِ» (2) .
وقال عليه الصلاة والسلام: «مَنْ أَمْسَكَ كَلْبًا، فَإِنَّهُ يَنْقُصُ مِنْ عَمَلِهِ، كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطٌ، إِلَاّ كَلْبَ حَرْثٍ أَوْ مَاشِيَةٍ» (3) .
ويقول عليه الصلاة والسلام: «لَا تَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ وَلَا صُورَةُ تَمَاثِيلَ» (4) .
-
…
قال بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله، إنا نأكل ولا نشبع، قال:«فَلَعَلَّكُمْ تَفْتَرِقُونَ؟» قالوا: نعم. قال: «فَاجْتَمِعُوا عَلَى طَعَامِكُمْ،
(1) أخرجه مسلم؛ كتاب: الطهارة، باب: خروج الخطايا مع ماء الوضوء، برقم (244) ، عن أبي هريرة رضي الله عنه. وعن عثمان رضي الله عنه، برقم (245)، بلفظ:«مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ خَرَجَتْ خَطَايَاهُ مِنْ جَسَدِهِ، حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ تَحْتِ أَظْفَارِهِ» .
(2)
متفق عليه؛ من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: أخرجه البخاري؛ كتاب الذبائح والصيد، باب: من اقتنى كلبًا ليس بكلب صيد أو ماشية، برقم (5481)، ومسلمٌ؛ كتاب: المساقاة، باب: الأمر بقتل الكلاب وبيان نسخه، برقم (1574) .
(3)
متفق عليه، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: أخرجه البخاري؛ كتاب: المزارعة، باب: ما يُحذر من عواقب الاشتغال بآلة الزرع، برقم (2322)، ومسلمٌ؛ كتاب: المساقاة، باب: الأمر بقتل الكلاب وبيان نسخه، برقم (1575) .
(4)
متفق عليه، من حديث أبي طلحة رضي الله عنه: أخرجه البخاري؛ كتاب: بدء الخلق، باب: إذا قال أحدكم آمين، برقم (3225)، ومسلم؛ كتاب: اللباس والزينة، باب: تحريم تصوير صورة الحيوان، برقم (2106) .
وَاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ، يُبارَكْ لَكُم فِيهِ» (1) .
ويقول عليه الصلاة والسلام: «مَا مَلَأَ ابْنُ آدَمَ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْنِهِ، حَسْبُ ابْنِ آدَمَ أُكُلَاتٌ، يُقِمْنَ صُلْبَهُ، فَإِنْ كَانَ لَا مَحَالَةَ، فَثُلُثُ طَعَامٍ، وَثُلُثُ شَرَابٍ، وَثُلُثٌ لِنَفْسِهِ» (2) .
أخي القارئ، تلك تحصينات أربعة أوردتُّها مدلِّلاً عليها، فاجتهد وُسْعَك في حفظ الله تعالى يحفظْك، فإنك إنْ فعلتَ فلن يضرَّك شيء بعدها، - شيطان ولا غيره - لكنَّ ذلك لا يمنحك عصمة مستمرة، فالعبد المؤمن قد يغفُل عن صنوف الحفظ تلك، لا بعمدِ محادّةٍ، لكنْ بغلَبة نفسٍ وميلِ هوىً، فيعمد ساحر لعين إلى تسليط خادمه ابتداءً على عبدٍ أذيةً له، أو استرضاء لعدوٍّ متربصٍ به، والحال أنه بحسب تمكّن العبد من تحصين نفسه، يتفاوت ضُرُّ ذلك عليه، أو يتملكه الضرّ حال خلوّه من ذلك التحصين، عياذًا بالله تعالى. لذا، فإن ثمة طرقًا مشروعة لإبطال السحر، سأبينها فيما يلي مستعينًا بالله تعالى متوكلاً عليه.
***
(1) أخرجه أبو داود؛ كتاب: الأطعمة، باب: في الاجتماع على الطعام، برقم (3764)، عن وحشيِّ بنِ حربٍ رضي الله عنه. قال أبوداود: إذا كنت في وليمةٍ فوُضع العَشاء فلا تأكل، حتى يأذن لك صاحب الدار. اهـ. وأخرجه عنه ابن ماجَهْ أيضًا؛ كتاب: الأطعمة، باب: الاجتماع على الطعام، برقم (3286) . حسّنه الألباني بشواهده. انظر:«الصحيحة» برقم (664) .
(2)
أخرجه من أهل السنن: الترمذيُّ؛ كتاب: الزهد، باب: ما جاء في كراهية كثرة الأكل، برقم (2380) . وقال الترمذي: حسن صحيح. والنسائي - في الكبرى - (4/2769)، باب: ذِكْر القَدْر الذي يُستحَب للإنسان من الأكل. وابن ماجَهْ، كتاب: الأطعمة، باب: الاقتصاد في الأكل وكراهية الشِّبَع، برقم (3349) . وأخرجه أحمد في المسند، (4/132)، الجميع من حديث المقدام بن مَعْدِي كَرِب الكِندي رضي الله عنه. والحديث صحّحه الألباني. انظر:«الصحيحة» ، برقم (2265) .
الباب الثاني: الطرق المشروعة لإبطال السحر.
إن من رحمة الله بعباده أنه - سبحانه - جعل: «لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءٌ، فَإِذَا أُصِيبَ دَوَاءُ الدَّاءِ، بَرَأَ بِإِذْنِ اللهِ عز وجل» (1) ، وإن من أعظم الداء ما قد يبتلى به المؤمن من مرضٍ بأثر سحر، قد يصل به إلى صَرْع بسبب المس من الجن، بتسليط ساحر لعين، وذلك المس - عياذًا بالله - يكون بالإجمال: إما لاستحسان بعض الصور الإنسيّة، وإما بقصد إيقاع الأذية (2) ، وقد أتت أدلة الشرع مثبتة إمكان حصول هذا الصرع، وإن كان حصوله في غاية الندرة، لكنه مما تقرر إمكانُه عند أهل السنة والجماعة، فلا يُعتدّ بقول من أنكر ذلك كالجُبّائي من المعتزلة، والرازي من الأطباء، وغيرهما. أقول: لما كان هذا المس من أعظم ما يبتلى به مؤمن بسبب أثر السحر، فقد جعلت الشريعة طرقًا عديدة لمعالجة أثر السحر وإبطاله، من أنفعها الرقى المشروعة - وسيأتي باب مختص ببيان ما يتعلق بها - لكن ثمة طرق أخرى يتم بها إزالة السحر، هذا بيانها:
1-
…
استخراج السحر، وإبطاله: وطريقته أن يُنظر فيما فعله الساحر، فإن جعله في موضع، وعُرِف موضع ذلك (3) ، فإن هذا الشيء يُزال ويتلف إما بحرق أو بإتلاف أو برمي في ماء جارٍ ونحو ذلك، وهذا من أبلغ ما يعالج به المطبوب، ويبطل به السحر (4) .
(1) أخرجه البخاري - بلفظ: «مَا أَنْزَلَ اللهُ دَاءً إِلَاّ أَنْزَلَ لَهُ شِفَاءً» -؛ أول كتاب الطب، باب: ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء، برقم (5678)، عن أبي هريرة رضي الله عنه. ومسلم - بلفظه -؛ كتاب: السلام، باب: لكل داء دواء واستحباب التداوي، برقم (2204) ، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما.
(2)
انظر: فتح الباري، لابن حجر رحمه الله (10/119) .
(3)
يمكن معرفة موضع السحر بالإكثار من الدعاء بإخلاص، كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، كذلك فإن لولي أمر المسلمين إلزام الساحر بالدلالة على موضع السحر، وكذلك إلزامه بإزالة ما تسبب به من ضرر.
(4)
انظر: زاد المعاد، لابن القيم رحمه الله (3/104) .
2-
…
الحجامة (1) : (وتكون باستفراغ الدم في المحل الذي يصل إليه أذى السحر، فإن للسحر تأثيرًا في الطبيعة وهيجان أخلاطها وتشويش مزاجها، فإذا ظهر أثره في عضو، وأمكن استفراغ المادة الرديئة من ذلك العضو نَفَع جدًا، ذلك أن السحر الذي هو مركّب من تأثيرات الأرواح الخبيثة وانفعال القوى الطبيعة عنها، وهو سحر التمزيجات، وهو أشد ما يكون من السحر، ولا سيما في الموضع الذي انتهى السحر إليه، فيكون استعمال الحجامة في ذلك المكان الذي تضررت أفعاله بالسحر من أنفع المعالجة إذا استُعمِلت على القانون الذي ينبغي)(2) .
3-
…
تناولُ سبعِ تَمْرات صباحًا قبل تناول أي طعام أو شراب، وبخاصة صنف من تمر المدينة، هو العجوة، وهو (ضرب من أجود تمر المدينة وألينه وهو أكبر من الصَّيْحَانِيّ، يضرب بلونه إلى السواد، وهو مما غرسه النبيُّ صلى الله عليه وسلم بيده الشريفة في المدينة النبويَّة المنوَّرة)(3) ، وبخاصة منه ما كان من عجوة عالية المدينة (4)، - فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ تَصَبَّحَ سَبْعَ
(1) الحِجامة: هي المداواة بالمِحْجَم، وهي: آلة الحَجْم، وهي تشبه كأسًا يُفرغ منه الهواء، ويوضع على الجلد فيُحدِث فيها تهيّجًا وينجذب إليه الدم أو المادة بقوة، فيقوم الحجّام عندها بإخراج ذلك الدم المنجذب بمِشْرط. ومنافع الحجامة - سوى إبطال أثر السحر - جمّة، منها: أنها تُنْقِي سطح البدن باستفراغ العروق من أخلاط الدم الزائد الفاسد هذا. انظر: الطب النبوي لابن القيم ص 43.
…
هذا، وإن الحجامة تساعد بشكل ملحوظ - كما قرره أطباء الطب البديل اليوم - في التداوي من أمراض عديدة: كداء الشقيقة، والتجلط الدموي، وداء آلام المفاصل، وغيرها.
(2)
انظر: زاد المعاد، لابن القيم (3/104) .
(3)
انظر: فتح الباري، لابن حجر (10/249) ، ينقله عن ابن الأثير في غريب الحديث، مادة (عجا) 3/188.
(4)
عالية المدينة: القرى التي في الجهة العالية من المدينة، وهي جهة نجد. انظر: الفتح لابن حجر (10/249) .
تَمْرَاتٍ عَجْوَةً لَمْ يَضُرَّهُ ذَلِكَ الْيَومَ سُمٌّ وَلَا سِحْرٌ» (1) .
فائدة:
[إن نفع هذا العدد (سبعة) من هذا التمر (العجوة) من هذا البلد (المدينة) من هذه البقعة بعينها (عالية المدينة) ، من السُّم والسحر، بحيث تمنع إصابته، هو من الخواص لهذا التمر التي لو قالها بقراط وجالينوس (من أكابر أطباء اليونان) ، وغيرهما من الأطباء، لتلقاها عنهم الأطباء بالقبول والإذعان والانقياد، مع أن القائل طبيب إنما معه الحَدْس والتخمين والظن، فمَنْ كلامُه يقين، وقطعٌ وبرهان، ووحيٌ صلى الله عليه وسلم أولى أن تُتلَقَّى أقوالُه بالقبول والتسليم وترك الاعتراض](2) .
4-
…
التنشر بما سبق بيانه (3) ، من أنواع النشرة، وهي اختصارًا:
أ-
…
أن يخلط بماء سبع ورقات من سدر أخضر دُقَّت بين حجرين، ثم يُقرأ بالماء آيةُ الكرسي، والقواقل - الكافرون، الإخلاص، المعوذتان -، ثم يحسو منه ثلاثًا، ويغتسل به.
ب-
…
إلقاء ما استطاع جمعَه من ورد البساتين، في ماء عذب، ثم يغليه فإذا تبرّد أفاضه عليه.
جـ-
…
يجمع من ورق شجر العضاه، ثم يدقه، ويخلطه بماء، ويقرأ على هذا الماء، ثم يغتسل به.
(1) متفق عليه من حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه: أخرجه البخاري؛ كتاب: الطب، باب: الدواء بالعجوة للسحر، برقم (5769) . ومسلم؛ كتاب: الأشربة، باب: فضل تمر المدينة، برقم (2047) .
(2)
أفاده الإمام ابن القيم رحمه الله، بعد أن بيّن أن للعدد (سبعة) خاصية ليست لغيره، وأن العجوة يكثر نفعها - في دفع أثر السم وضر السحر - لأهل المدينة ومن جاورهم، إذا اعتقد أحدهم جازمًا النفع بذلك. انظر: الطب النبوي (ص 75 - 78) .
(3)
انظر: ص 232 وما بعدها.
وهذه النشرة مختصة النفع بمن حُبِس عن أهله، وهو السحر المسمى بالصَّرْف.
5-
…
الاغتسال بماءٍ فرات، أي: عذب، سبع مرات. تقول السيدة عائشة:(من أصابه سم أو سحر، فليأت الفراتَ (1) ، فليستقبل الجِرْيَةَ، فيغتمس فيه سبع مرات) (2) .
هذه طرق خمس لإبطال السحر، والعلاج من أثره، لكن يبقى أن الرقى المشروعة هي الأنفع في ذلك كلِّه، وهو ما سأبيّنه في الباب الآتي.
(1) لعل تخصيص نهر الفرات بالذكر هنا، لعظم جريان مائه، مع عذوبته الفائقة. ولو اغتسل المسحور بماء نهر ما، أو بأي ماء طهور كماء البئر أو البحر مثلاً، لتحقق المراد من توجيه السيدة عائشة رضي الله عنها، والله أعلم.
(2)
أخرجه ابن أبي شيبة في «مصنفه» (5/434) . برقم (22864) ، بإسناد حسن.