الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل الثاني
بيان معنى السحر
، وما يتعلق به من مصطلحات
درج المصنِّفون في بيان معنى السحر على الاقتصار على ذكر التعريفين اللغوي والاصطلاحي له، وقد أحببت - إتمامًا للفائدة - بيان مصطلحاتٍ لها تعلق وثيق بمعنى السحر، وعليه فإن محتوى هذا الفصل سيكون على بابين: الباب الأول في التعريف بالسحر لغة واصطلاحًا. والثاني: في بيان مصطلحات متعلقة بالسحر.
الباب الأول: بيان معنى السحر؛ وفيه مبحثان:
الأول: في التعريف اللغوي للسحر.
الثاني: في تعريفه اصطلاحًا.
المبحث الأول: التعريف اللغوي
.
السِّحْر مصدر سَحَر يَسْحَرُ. وله معان عديدة في أصل اللغة، منها:[صرف الشيء عن حقيقته إلى غيره، فكأن الساحر لما أرى الباطل في صورة الحق وخَيّل الشيءَ على غير حقيقته، قد سَحَر الشيءَ عن وجهه، أي: صَرَفَه. وإنما سمّت العرب السِّحْر سِحْرًا لأنه يزيل الصحة إلى المرض، وإنما يقال: سَحَره، أي: أزاله عن البغض إلى الحب](1) . [ومن الصرف: البيان في فطنةٍ، والفصاحة في الكلام واللِّسانةِ فيه، كما في الحديث:«إن من البيان لسحرًا» (2) ، ومعناه - والله أعلم - أنه يبلغ من ثنائه أنه يمدح
(1) انظر: لسان العرب، لابن منظور (4/348)[فصل السين من باب الراء] . مادة (سحر) .
(2)
أخرجه البخاري؛ كتاب: الطب، باب:«إن من البيان لسحرًا» . برقم (5767)، عن ابن عمر رضي الله عنهما. وفي لفظٍ له:«إن بعض البيان لَسحرٌ» ، وعند مسلم - من حديث عمّار بن ياسر رضي الله عنهما؛ كتاب: الجمعة، باب: تخفيف الصلاة والخُطبة، برقم (869) :«إن طول صلاة الرجل، وقِصَر خُطبته، مَئِنَّةٌ من فقهه، فأطيلوا الصلاة، واقصُروا الخطبة، وإن من البيان سحرًا» . ومناسبة ورود الحديث: (أنه قدم رجلان من المشرق فخطبا، فعَجِب الناسُ
…
لبيانهما، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«إن من البيان لسحرًا» والرجلان هما: الحصين بن بدر، ولقبه الزِّبْرِقان - والزِّبْرقان: من أسماء القمر، وسمي به الحصين لمزيد حسنه -، وعمرو ابن الأهتم، والرجلان تميميان قدما في وفد بني تميم على النبيِّ صلى الله عليه وسلم سنة تسع مع الهجرة. انظر: الفتح لابن حجر (10/247) .
الإنسانَ فيصدُقُ فيه حتى يصرفَ قلوب السامعين إليه، أو يبالغ في ذمّه فيصدقُ فيه حتى يصرف قلوبهم أيضًا عنه، فكأنه سَحَر السامعين بذلك] (1) . ومن معاني السحر:[الخِداع والاستمالة، وكلُّ من استمال شيئًا فقد سحره، ومنه إطلاق الشعراء سِحْرَ العيون لاستمالتها النفوس، حتى قالت الأطباء: الطبيعة ساحرة](2)، ومنها:[اللطف والدقة، فكل ما لَطُف - أي: خفي - مأخذُه ودقّ سمي سحرًا، والجمع: أسحار وسُحور](3)، [لذلك تقول العرب في الشيء الشديد الخفاء: أخفى من السحر، ومنه قول مسلم بن الوليد الأنصاري:
جعلتُ علاماتِ المودّة بيننا
مصائدَ لَحْظٍ هنّ أخفى من السِّحْر
ولهذا قيل لملاحة العينين: سحر؛ لأنها تصيب القلوب بسهامها في خفاء. ومنه قول المرأة التي شُبِّبَتْ (4) بنصر بن حجّاجٍ السُّلَمي:
وانظر إلى السِّحْر يجري في لواحظه
وانظر إلى دَعْجٍ (5) في طَرْفه الساجي] (6)
(1) انظر: القاموس المحيط، للفيروزآبادي ص519. مادة (سحر) .
(2)
انظر: المفردات، للراغب الأصفهاني ص 232. مادة (سحر) .
(3)
انظر: تاج العروس، للزَّبِيدي (3/258) ، مادة (سحر) .
(4)
شُبِّبَتْ به، أي: توقَّدت نار حبِّه في قلبها حتى قالت فيه شعرًا غزلاً. انظر: المصباح المنير للفيومي ص115 (شبب) .
(5)
دَعَجِت العين دَعْجًا، إذا كان فيها سعة مع سواد، وقيل: شدة سوادها في شدة بياضها، فالرجل أدعج والمرأة دعجاء. انظر: المصباح المنير للفيومي ص74 (دعج) .
(6)
انظر: لسان العرب، لابن منظور (4/350) ، مادة (سحر) .
ومنها كذلك: الفساد، [تقول: طعام مسحور، إذا أُفسِد عملُه، ونَبْت مسحور: مفسود، وأرض مسحورة: أصابها من المطر أكثر مما ينبغي فأفسدها، فهي لا تُنبِت، وغيث ذو سِحْر إذا كان ماؤه أكثر مما ينبغي، وسَحَر المطرُ الطينَ والترابَ سِحْرًا: أفسده، وتقول غنم مسحورة: إذا كانت قليلة اللبن] (1)، وأخيرًا من معاني السحر: العِضَه، والعِضَهُ عند العرب: شدة البَهْت وتمويه الكذب، وقال ابن مسعود رضي الله عنه: كنا نسمّي السحر في الجاهلية: العِضَه. وقال الشاعر:
أعوذ بربّي من النافثا
تِ في عِضَهِ العاضِهِ المُعْضِه] (2)
والمعنى: ألتجيء إلى الله تعالى وأستجير به من شر السواحر اللواتي ينفثن في كذب الساحر وبهتانه في عُقَده، والله أعلم.
[ثم السِّحْرُ يُطلق ويُراد به الآلة التي يُسحر بها، سواء كانت معنوية كالرقى والنفث في العقد، أو حسية كتصوير الصورة على صورة المسحور (3) ، وتارة يطلق ويراد به فعل الساحر](4) .
هذه معان خمسة للسحر في أصل اللغة، أوردتُّها من أجل أن يعاين القارئ ما حوته مادة هذا اللفظ من خفاء وتمويه وخداع وتخييل وفساد وكذب وبَهتٍ، فالسحر - حتى في أصله اللغوي - مبني على خلاف الحق والظهور والصدق والصلاح، فمعانيه لغةً متناسبة تمامًا مع ما سيأتي حالاً من معنىً للسحر شرعًا.
(1) انظر: أضواء البيان للعلاّمة محمد الأمين الشنقيطي (4/482) .
(2)
انظر: تفسير القرطبي (2/44) .
(3)
وهو المسمّى - عند السَّحَرة - بالشِّعباذ.
(4)
انظر: الفتح لابن حجر (10/233) .