الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المطلب التاسع البعث بعد الموت
استبعد المشركون والملحدون إعادة الأجساد بعد موتها، إذا تقطعت الأوصال، وتمزقت الأجساد، وبليت العظائم وتفتت وتفرقت في أجزاء الأرض، وتحلل الجسد إلى ذرات ترابية، وربما أكلته السباع، فصار غذاء لها واختلط بأجزائها (1).
ومن الحكمة القولية في دعوة هؤلاء إلى الإيمان بالبعث أن تسلك معهم المسالك التالية:
المسلك الأول: الأدلة العقلية
.
المسلك الثاني: الأدلة الحسية.
المسلك الثالث: الأدلة الشرعية.
المسلك الأول: الأدلة العقلية:
أولا: حكمة الله - تعالى - وعدله يقتضيان البعث والجزاء: لقد شاء الله عز وجل أن يجعل الحياة الدنيا دار ابتلاء واختبار وعمل، فأرسل الرسل، وأنزل الكتب، وأمر بعبادته وحده، وجعل دارا أخرى، وذلك من مقتضيات ملكه وحكمته وعدله؛ ليثيب المحسن على إحسانه، ويجازي المسيء على إساءته، ولم يخلق الخلق عبثا، ولم يتركهم هملا، قال تعالى:{تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ - الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ} [الملك: 1 - 2](2){أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ} [المؤمنون: 115](3)
(1) انظر: تفسير ابن كثير 3/ 458، 4/ 222، ومناهج الجدل ص311، ومعالم الدعوة 1/ 198.
(2)
سورة الملك، الآيتان 1، 2.
(3)
سورة المؤمنون، الآية 115.
وهو عز وجل لا يساوي بين الخبيث والطيب، والمحسن والمسيء، والكافر والمؤمن، وقد أنكر على من ظن ذلك (2) فقال تعالى:{أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ} [الجاثية: 21](3){أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ - مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ} [القلم: 35 - 36](4).
ثانيا: القادر على إيجاد الخلق قادر على إعادته، وهو أهون عليه: الشيء إذا لم يكن ثم كان ثم أعدم فإن إعادته أيسر وأهون على من بدأه أول مرة ثم أفناه، وقد رد الله -سبحانه- على من أنكر البعث بهذا فقال:{وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ} [الروم: 27](5){وَيَقُولُ الإِنْسَانُ أَئِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا - أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا} [مريم: 66 - 67](6).
وغير ذلك من الأدلة القطعية التي تدل على أن من خلق الخلائق وابتدع
(1) سورة يونس، الآية 4.
(2)
انظر: تفسير ابن كثير 3/ 458، والسعدي 6/ 185، وأضواء البيان 7/ 30.
(3)
سورة الجاثية، الآية 21.
(4)
سورة القلم، الآيتان 35، 36.
(5)
سورة الروم، الآية 27.
(6)
سورة مريم، الآيتان 66، 67.
خلقهم على غير مثال سابق قادر على إعادة خلقهم مرة أخرى، وهو أهون عليه، وله المثل الأعلى (1).
ثالثا: الخالق لما هو أعظم قادر على خلق ما هو أصغر بلا شك: من المعلوم ببداهة العقول أن خلق السماوات والأرض أعظم من خلق أمثال بني آدم، فخلقه لهذه المخلوقات العظيمة وقدرته عليها من أعظم البراهين على بعث الناس بعد الموت؛ لأن من خلق الأعظم الأكبر لا شك في قدرته الكاملة على خلق الأيسر الأضعف الأصغر، وهو أولى بالقدرة والإمكان من الأعظم (2) قال تعالى:{أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [الأحقاف: 33](3).
رابعا: اليقظة بعد النوم: النوم يعتبر موتا مصغرا، والاستيقاظ يعتبر حياة مصغرة أيضا، وكما تتم عملية النوم للإنسان والحيوان وعملية الاستيقاظ تتم عملية الموت والحياة الكاملة لهما (4) قال تعالى:{وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [الأنعام: 60](5).
(1) انظر: درء تعارض العقل والنقل 1/ 32 - 35، وأضواء البيان 1/ 89، 115، 3/ 223، 7/ 334 - 336.
(2)
انظر: درء تعارض العقل والنقل 1/ 32، وأضواء البيان 1/ 89، 116.
(3)
سورة الأحقاف، الآية 33.
(4)
انظر: أضواء البيان 4/ 24، وعقيدة المؤمن لأبي بكر الجزائري ص 265.
(5)
سورة الأنعام، الآية 60.