الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المسلك الخامس: إثبات اعتراف المنصفين من علماء النصارى:
من حكمة القول مع النصارى في دعوتهم إلى الله الاستشهاد عليهم بشهادة المنصفين من علماء النصارى، ومن وفقه الله منهم للإسلام، فإن هذا من باب {وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا} [يوسف: 26] (1) ومن هؤلاء على سبيل المثال لا الحصر ما يأتي:
1 -
النجاشي ملك الحبشة رحمه الله ورضي عنه: عندما قرأ جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه على النجاشي (2) صدرا من سورة مريم، بكى النجاشي حتى اخضلت لحيته، وبكى أساقفته حين سمعوا ما تلي عليهم، وقال النجاشي للوفد: ما يقول صاحبكم في ابن مريم؟ فقال جعفر رضي الله عنه: يقول فيه قول الله: هو روح الله، وكلمته، أخرجه من البتول العذراء التي لم يقربها بشر. . . فتناول النجاشي عودا فرفعه، فقال: يا معشر القسيسين والرهبان، ما يزيد على ما تقولون في ابن مريم ما تزن هذه، وقال للوفد: مرحبا بكم وبمن جئتم من عنده، فأنا أشهد أنه رسول الله، وأنه الذي بشر به عيسى، ولولا ما أنا فيه من الملك لأتيته حتى أقبل نعله (3).
2 -
سلمان الفارسي رضي الله عنه وأرضاه: قصة سلمان مشهورة عجيبة (4) فقد عاش مع مجموعة من علماء النصارى، وعندما كان مع آخر عالم من هؤلاء بعمورية بالروم حضرته
(1) سورة يوسف، الآية 26.
(2)
أصحمة ملك الحبشة، أسلم وحسن إسلامه، وهو معدود في الصحابة، ولم يهاجر، ولا له رؤية، فهو تابعي من وجه، صحابي من وجه، توفى في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، فصلى عليه بالناس صلاة الغائب، ولم يثبت أنه صلى على غائب سواه. انظر: سير أعلام النبلاء 1/ 428 - 443.
(3)
انظر: سير أعلام النبلاء 1/ 438.
(4)
انظر: قصته وإسلامه رضي الله عنه في سير أعلام النبلاء 1/ 505 - 556.
الوفاة، فأوصى سلمان الفارسي وقال:" قد أظلك زمان نبي يبعث من الحرم، مهاجره بين حرتين إلى أرض سبخة ذات نخل، وإن فيه علامات لا تخفى: بين كتفيه خاتم النبوة، يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة، فإن استطعت أن تخلص إلى تلك البلاد فافعل، فإنه قد أظلك زمانه ".
وسافر سلمان ووجد العلامات التي وصفت له، فأسلم رضي الله عنه (1).
3 -
هرقل عظيم الروم: قال هرقل لأبي سفيان في آخر حديثه: ". . . وسألتك هل يغدر؟ فذكرت أن لا، وكذلك الرسل لا تغدر، وسألتك بم يأمركم؟ فذكرت أنه يأمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا، وينهاكم عن عبادة الأوثان، ويأمركم بالصلاة والصدق والعفاف، فإن كان ما تقول حقا فسيملك موضع قدمي هاتين، وقد كنت أعلم أنه خارج، لم أكن أظن أنه منكم، فلو أني أعلم أني أخلص إليه لتجشمت لقاءه، ولو كنت عنده لغسلت عن قدمه. . . "(2).
ثم قال للروم بعد ذلك: يا معشر الروم هل لكم في الفلاح والرشد، وأن يثبت ملككم فتبايعوا هذا النبي؟ (3) ولكن رغب في ملكه وضن به، فلم يسلم!
وهذا مما يبين أن عدول أهل الكتاب ومنصفيهم قد شهدوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأنه رسول الله حقا، فلا يقدح قدح المكذبين بعد ذلك (4).
(1) انظر: سير أعلام النبلاء للذهبي 1/ 509، 510.
(2)
البخاري مع الفتح، كتاب بدء الوحي، باب حدثنا أبو اليمان الحكم بن نافع، 1/ 32، ومسلم، كتاب الجهاد والسير، باب كتاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى هرقل يدعوه إلى الإسلام، 3/ 1396، وتقدم تخريجه أيضا.
(3)
انظر: البخاري مع الفتح، كتاب بدء الوحي، باب حدثنا أبو اليمان الحكم بن نافع، 1/ 33.
(4)
انظر: هداية الحيارى لابن القيم ص 525.
وقد أسلم الجم الغفير علماء النصارى، وشهدوا بأن محمدا صلى الله عليه وسلم رسول الله إلى الناس أجمعين، {ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ} [المائدة: 82] (1).
فحري بجميع النصارى أن يسيروا على طريق علمائهم المنصفين، ويسلموا لله رب العالمين.
فينبغي للداعية إلى الله أن لا يغفل هذا المسلك في دعوته للنصارى إلى الله تعالى (2).
(1) سورة المائدة، الآية 82.
(2)
ممن سلك هذا المسلك من العلماء المعاصرين: فضيلة الشيخ / عبد المجيد الزنداني- وفقه الله وحفظه- فهو يستشهد على النصارى بشهادة علمائهم، فأسلم على يديه الجم الغفير- فجزاه الله خيرا.