الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الجنة ويباعده عن النار، فعد له النبي صلى الله عليه وسلم اثنتي عشرة خصلة من أنواع الطاعات (1).
فالداعية إذا استخدم هذه الأنواع وفق بإذن الله عز وجل للصواب (2).
المسلك الثاني: الترهيب والإنذار:
من حكمة القول أن يذكر الداعية إلى الله من هذا المسلك الأمور النافعة المفيدة في حمل الناس على ترك الجرائم والذنوب، والتحذير والإنذار من كل المعاصي، والإصرار عليها.
والترهيب قسمان:
القسم الأول: الترهيب بذكر الوعيد بالعذاب والعقوبات على جنس المعاصي والذنوب.
القسم الثاني: الترهيب بذكر الوعيد والعقوبات على أنواع الذنوب وآحادها.
القسم الأولى: الترهيب بذكر الوعيد بالعذاب والعقوبات علي جنس المعاصي والذنوب: وهذا القسم له أنواع وصور متعددة، أذكر منها على سبيل المثال ما يلي:
النوع الأول: الترهيب لذكر الوعيد بالحرمان من الخير العاجل، أو الأخذ بالعذاب العاجل:
(1) انظر. سنن الترمذي، كتاب الإيمان، باب ما جاء في حرمة الصلاة، 5/ 11، وابن ماجه، كتاب الفتن، باب كف اللسان في الفتنة، 2/ 1314، وأحمد 5/ 231، وانظر صحيح الترمذي، وانظر أحاديث أخرى في الترغيب في أنواع الطاعات في البخاري مع الفتح 6/ 11، 10/ 415، ومسلم 4/ 1982.
(2)
ويفيد الداعية في هذا القسم الترغيب والترهيب للمنذري، وكتاب المتجر الرابح في ثواب العمل الصالح للدمياطي، ورياض الصالحين للنووي.
الإصرار على المعاصي والسيئات من أسباب الابتلاء بالفقر، والضيق في العيش، والإصابة بالأمراض والأسقام، والحرمان من الخيرات العاجلة والآجلة، وهي أعظم الأسباب في إهلاك الأمم والجماعات والأفراد بالدمار والهلاك (1) قال تعالى:{وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ} [الشورى: 30](2).
وهو سبحانه يعفو عن كثير من السيئات فلا يجازي {وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا} [فاطر: 45](3).
وكل ما يحدث في الأرض من المصائب، وقلة الثمار، وقحط الأمطار، فإنما هو من عقوبة بعض ما عمل الناس من الذنوب (4) {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [الروم: 41] (5).
ويمكن للداعية أن يستخدم هذا النوع في دعوته على ضربين:
الضرب الأول: ذكر ما حل بالقرى من الأخذ بالدمار أو الحرمان من الخيرات التي كانت بين أيديهم بسبب ظلمهم أنفسهم واستكبارهم، وعدم شكرهم لله الرزاق، ومن ذلك ما حل بفرعون وقومه:
(1) انظر تفسير ابن كثير1/ 133، 234.
(2)
سورة الشورى، الآية 30. .
(3)
سورة فاطر، الآية 45.
(4)
انظر: تفسير ابن كثير 2/ 574، 4/ 117.
(5)
سورة الروم، الآية 41.
{كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ - وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ - وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ} [الدخان: 25 - 27](1) وغير ذلك كثير مما حل بالقرى المكذبة للرسل، عليهم الصلاة والسلام (2).
الضرب الثاني: الترهيب بذكر ما وقع لجماعات أو أفراد من الأخذ العاجل أو الحرمان من الخيرات، ومن ذلك ما حل بالجماعات والأفراد الآتي ذكرهم:
1 -
ما ذكره الله عن قوم سبأ، وما كانوا فيه من النعم والغبطة والسرور، فلم يشكروا الله، فحل بهم الدمار والخراب والحرمان (3).
2 -
وما ذكر الله في قصة قارون (4).
3 -
وصاحب الجنتين الذي تكبر على صاحبه الفقير (5).
4 -
وأصحاب الجنة الذين تعاهدوا أن يحرموا الفقراء والمساكين فحرمهم الله جنتهم ودمرها (6) وغير ذلك من الأمثلة كثير.
النوع الثاني: الترهيب بالإنذار من حلول العذاب العاجل: هذا النوع يوجهه الداعية إلى المعرضين عن طاعة الله إذا ظلوا على إصرارهم وعنادهم واستكبارهم عن قبول الحق بعد وضوحه، ولزوم الحجة، ومن ذلك قوله تعالى:{قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ} [الأنعام: 46] إلى قوله تعالى: {قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ} [الأنعام: 47](7).
(1) سورة الدخان، الآيات 25 - 27.
(2)
انظر سورة الأنعام، الآيات 42 - 45، والأعراف، الآيات 94 - 100، والنحل، الآية 112، والقصص، الآية 58.
(3)
انظر سورة سبأ، الآيات 15 - 19.
(4)
انظر: سورة القصص، الآيات 76 - 81، وتفسير البغوي 3/ 454، وابن كثير 3/ 99.
(5)
انظر. سورة الكهف 33 - 43، وتفسير ابن كثير 3/ 84.
(6)
انظر. سورة القلم، الآيات 17 - 27، وتفسير ابن كثير 4/ 407.
(7)
سورة الأنعام، الآيتان 46 - 47.
وقال سبحانه: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النور: 63](1){قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ} [الأنعام: 65](2).
وغير ذلك كثير في كتاب الله - تعالى- وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم (3).
النوع الثالث: الترهيب بذكر مصير الأمم التي كذبت رسلها: وهذا النوع له أعظم الأثر والوقع في النفوس؛ لأنه من أعظم العبر لمن اعتبر، ولأنه تبين سنة الله عز وجل فيمن كذب الرسل عليهم الصلاة والسلام أو وقف من دعوتهم موقف الإعراض والاستكبار، ثم بعد إقامة الحجة عليهم وقع بهم الدمار والهلاك، وهذا باب واسع لا يمكن حصره، ومن ذلك قوله عز وجل لمحمد صلى الله عليه وسلم:{وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ - وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ - وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسَى فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ - فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ} [الحج: 42 - 45](4). . . . {وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ} [العنكبوت: 39] إلى قوله تعالى: {فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [العنكبوت: 40](5).
(1) سورة النور، الآية 63.
(2)
سورة الأنعام، الآية 65.
(3)
انظر. سورة الأنفال، الآيتان 24، 25، وفصلت الآية 13، والسجدة، الآية 22. والبخاري مع الفتح، كتاب التفسير، سورة هود، باب: " وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة"، 8/ 354، ومسلم، البر والصلة، باب تحريم الظلم 4/ 1997، والبخاري مع الفتح 8/ 295، 301، 9/ 319، 13/ 383، ومسلم 4/ 2114.
(4)
سورة الحج، الآيات 42 - 45.
(5)
سورة العنكبوت، الآيتان 39 - 40.
ومن أنواع عذاب بعض هؤلاء المكذبين على سبيل المثال:
1 -
قوم نوح: أهلكهم الله- عز وجل بالغرق {فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ - وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ} [القمر: 11 - 12](1) 2 - عاد قوم هود: سلط الله عليهم الريح فألقتهم موتى على وجه الأرض كأنهم أعجاز نخل منقعر، خاوية، فدمرت الريح كل شيء بأمر ربها (2) 3 - ثمود قوم صالح: أرسل الله عليهم الصيحة حتى قطعت قلوبهم في أجوافهم، وماتوا عن آخرهم فأصبحوا في دارهم جاثمين (3).
4 -
قوم لوط: رفع الله قراهم إلى السماء، ثم قلبها عليهم فجعل عاليها سافلها، ثم أتبعهم بحجارة أمطرها عليهم، ولإخوانهم أمثالها (4) 5 - مدين قوم شعيب: أظلتهم سحابة وأمطرت عليهم شررا من نار، ولهتا ووهجا، ثم جاءتهم صيحة من السماء، ورجفة من الأرض من أسفل منهم (5).
(1) انظر سورة القمر، الآيتان 11 - 12. .
(2)
انظر سورة الأحقاف الآيتان 24 - 25، والحاقة الآيات 6 - 8، والقمر الآيتان19 - 20. .
(3)
انظر: سورة الأعراف الآية 78، والذاريات 43 - 45، والقمر الآيات 29 - 31، والحاقة الآية 5.
(4)
انظر: هود الآية 81، والحجر الآية 82، والذاريات: الآية 33. .
(5)
انظر: الشعراء الآية 178، وهود الآية 94، والأعراف الآية 91.
6 -
فرعون وقومه: أغرقهم الله في البحر (1).
7 -
قارون. خسف الله به وبداره الأرض (2).
النوع الرابع: الترهيب بالوعيد بالعذاب الآجل في الآخرة: الوعيد بالعذاب الآجل يوم القيامة هو من الأقوال العظيمة الحكيمة التي تلين لها قلوب أهل العقول حين تذكر ببطش الله ونقمته وعذابه الأليم لمن حاد الله ورسوله وتعدى حدوده، {وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ} [النساء: 14] (3){وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا} [الجن: 23](4){وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} [النساء: 115](5).
وهذا النوع كثير في كتاب الله -تعالى- وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم (6).
النوع الخامس: الترهيب بوصف حال الكفار والمجرمين وما أعد الله لهم من عذاب في الآخرة: من المعلوم يقيتا أن وضف الداعية الحكيم أحوال الكفار والمنافقين والغصاة وهم يتلفون أنواعا من العذاب الأليم، وذكره لبعض ما أعد الله
(1) انظر سورة يونس الآيات 88 - 91، والزخرف الآيات 51 - 56.
(2)
انظر سورة القصص الآية 76، وانظر التفصيل في ذلك في كتاب الجواب الكافي لابن القيم، ص84 - 86 وسورة الأعراف الآيات59 - 141، وهود 25 - 110.
(3)
سورة النساء، الآية 14.
(4)
سورة الجن، الآية 23.
(5)
سورة النساء، الآية 115.
(6)
انظر كتاب التخويف من النار لابن رجب ص13.
لهم في الآخرة من أصناف العذاب والعقاب، مما يثير الخوف والرعب والفزع في النفوس، ويحملها على أن تفر إلى الله ربها فتخلص له العبودية وتتوب إليه؛ لتنجو من عذابه، ومن خزي هذا اليوم العظيم، ومن ذلك قوله تعالى:{وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا} [الزمر: 71] إلى قوله تعالى: {خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ} [الزمر: 72](1) وقوله تعالى: {وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ} [الزمر: 60](2){فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ - يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ - وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ} [الحج: 19 - 21](3).
وقد ذكر سبحانه لباسهم في النار وشرابهم (4) وطعامهم (5) وسلاسلهم وأغلالهم، وأنكالهم، ومقامعهم، وعظم أجسادهم (6) وهذا لهم من أعظم الخسران المبين:{قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ} [الزمر: 15](7).
(1) سورة الزمر، الآيتان 71، 72.
(2)
سورة الزمر، الآية 60.
(3)
سورة الحج، الآيات 19 - 21.
(4)
انظر سورة محمد، الآية 15، وإبراهيم الآية 9، والكهف الآية 29.
(5)
انظر سورة الدخان الآية 43، والمزمل الآية 12، والحاقة الآية 35.
(6)
انظر سورة غافر، الآيتان 71، 72، والحاقة، الآية 12، والمزمل، الآيتان 12، 13، والحج، الآيتان 21، 22 وانظر عظم أجسادهم وأضراسهم في البخاري مع الفتح، كتاب الرقاق، باب صفة الجنة والنار، 11/ 415، ومسلم، كتاب الجنة وصفة نعيمها، باب النار يدخلها الجبارون والجنة يدخلها الضعفاء، 4/ 2189، 2190.
(7)
سورة الزمر، الآية 15.
النوع السادس: الترهيب بالعذاب النفسي يوم القيامة: من الحكمة القولية التي توجه إلى الغافلين والمعرضين والمصرين على الجرائم والذنوب ذكر بعض ما بينه الله- عز وجل من العذاب النفسي لأهل النار أعاذنا الله منها، ومن هذا النوع على سبيل المثال:
قال الله تعالى: {وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِي مِنْ قَبْلُ} [إبراهيم: 22](1) وقال تعالى: {قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ - رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ - قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ} [المؤمنون: 106 - 108](2) وقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ - قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ - ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ} [غافر: 10 - 12](3) وقال تعالى: {وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ - لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ} [الزخرف: 77 - 78](4).
(1) سورة إبراهيم، الآية 22.
(2)
سورة المؤمنون، الآيات 106 - 108.
(3)
سورة غافر، الآيات 10 - 12.
(4)
سورة الزخرف، الآيتان 77 - 78.
وغير ذلك من أنواع العذاب النفسي، فإنهم عندما يسألون الخروج من النار، ثم ترد عليهم مسألتهم تتقطع قلوبهم هما وغما (1).
القسم الثاني: الترهيب بذكر الوعيد بالعذاب والعقوبات على أنواع الذنوب وآحادها هذا قسم مهم، والناس بحاجة إليه، ليبتعدوا عن آحاد المعاصي، ويقلعوا عما تلبسوا به منها، ويظهروا توبتهم الصادقة.
فينبغي للداعية إلى الله- تعالى- أن يهتم بهذا القسم، ويذكر ما ورد في الكتاب والسنة من الوعيد بالعذاب والعقوبات والنقم على آحاد الذنوب وأنواعها كالتهاون ببعض أمور العقيدة الإسلامية، وكالتهاون بالصلاة والزكاة والصوم والحج عند الاستطاعة، والتحذير من عقوق الوالدين، وقطيعة الأرحام، والتهاجر بين المسلمين، والشحناء، والإنذار من قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، والزنا، واللواط، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والسرقة، وأكل أموال الناس بالباطل، وشرب الخمر، ولعب الميسر، والقذف، والغيبة، والنميمة، وأعظم من ذلك التحذير من الشركيات والبدع المحدثة في الدين والسحر، وإتيان الكهنة والعرافين، والتعلق بالأولياء والصالحين، وغير ذلك من أنواع المعاصي.
ويلزم الداعية أن يحذر الناس بالقول الحكيم من أنواع الرذائل الخلقية: كالجبن، وعدم العفة، والكذب، ونقض العهد، والغدر، والخيانة، والنفاق، والرياء، والغضب، والكبر، والبخل، والشح، والجزع عند
(1) انظر: أنواع وأصناف عذاب أهل النار وصفاتهم وبعض ما أعد الله لهم في جامع الأصول لابن الأثير 10/ 512 - 523، ثم 10/ 537 - 564، والتخويف من النار لابن رجب ص 64 - 283.
المصائب، والحقد، والحسد، والتحذير من كل ما يضر الأمة في دينها ودنياها (1).
فإذا ذكر الداعية ما ورد في ذلك من التحذير بالقول الحكيم أثمر ذلك مجتمعا مستقيما- بإذن الله تعالى-.
ونظرا لسعة هذا القسم وكثرة أنواعه فسأكتفي بالأمثلة التالية:
قال تعالى: {إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ} [المائدة: 72](2) وقال تعالى: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا} [النساء: 93](3) وقال سبحانه: {وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ} [الرعد: 25](4).
أما الأمثلة من السنة فمنها قوله صلى الله عليه وسلم: "اجتنبوا السبع الموبقات" قالوا: يا رسول الله، وما هن؟ قال:"الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات"(5).
وقال صلى الله عليه وسلم: «لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم
(1) انظر: الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي، لابن القيم ص180 - 305، وهداية المرشدين ص 215.
(2)
سورة المائدة، الآية 72.
(3)
سورة النساء، الآية 93.
(4)
سورة الرعد، الآية 25.
(5)
البخاري مع الفتح، كتاب الوصايا، باب قوله تعالى:" إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما. . . " 5/ 393، ومسلم، كتاب الإيمان، باب بيان الكبائر وكبرها 1/ 92.
الطاعون والأوجاع التي لم تكن في أسلافهم الذين مضوا، ولم ينقصوا المكيال والميزان إلا أخذوا بالسنين وشدة المؤنة وجور السلطان عليهم، ولم يمنعوا الزكاة إلا من منعوا القطر من السماء، ولولا البهائم لم يمطروا، ولم ينقضوا عهد الله وعهد رسوله إلا سلط الله عليهم عدوا من غيرهم فأخذوا بعض ما في أيديهم، وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله ويتخيروا مما أنزل الله إلا جعل الله بأسهم بينهم» (1).
وهذا من أعلام نبوته صلى الله عليه وسلم، فقد وقع ذلك كله بمن وقع في هذه المعاصي، ومن الأدلة المحسوسة على ذلك مرض الإيدز، الذي وقع بمن أباحوا الفواحش.
وقد لعن صلى الله عليه وسلم من لعن والديه، ومن ذبح لغير الله، ومن آوى محدثا، ولعن على فعل ذنوب كثيرة غير ذلك (2).
وذكر الداعية ذلك مما يدفع العصاة على الفرار من الذنوب والرجوع إلى الله - تعالى-، والندم على ما مضى، والله الموفق سبحانه (3).
(1) ابن ماجه، كتاب الفتن، باب العقوبات 2/ 333، والحاكم وصححه، ووافقه الذهبي 4/ 540، وانظر: صحيح ابن ماجه 2/ 370، وسلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني 1/ 7، برقم 106.
(2)
انظر أنواعا من المعاصي التي لعن عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجواب الكافي لابن القيم، ص 115 - 119.
(3)
انظر في الترهيب بالوعيد بالعذاب على أنواع الذنوب وآحادها: كتاب الترغيب والترهيب للمنذري، وكتاب الكبائر للذهبي، وكتاب تنبيه الغافلين عن أعمال الهالكين وتحذير السالكين من أفعال الهالكين، للإمام محي الدين أبي زكريا، أحمد بن إبراهيم بن النحاس الدمشقي، المتوفى سنة 814 هـ.