الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المطلب الأول
أسباب استخدام القوة الفعلية مع الكفار
أصناف المدعوين: من الملحدين، والوثنيين، وأهل الكتاب، وغيرهم من الكفار إذا لم يؤثر فيهم ما تقدم من حكمة القول في دعوتهم، ولم يستفيدوا من حكمة القول العقلية، والحسية، والنقلية، والبراهين المعجزة، والجدال بالتي هي أحسن، وأعرضوا وكذبوا فحينئذ يكون آخر الطب الكي: وهو استخدام القوة؛ فإن لها الأثر العظيم في نشر الدعوة، وقمع الباطل وأهله، ونصر الحق وأهله، قال تعالى:{لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ} [الحديد: 25](1).
فبين- سبحانه- أنه أرسل الرسل، عليهم الصلاة والسلام، بالبينات وهي: المعجزات، والحجج الباهرات، والبراهين الساطعات والدلائل القاطعات، التي يوضح الله بها الحق ويدفع بها الباطل، وأنزل مع الرسل الكتاب الذي فيه البينات والهدى والإيضاح، وأنزل معهم الميزان: وهو العدل في الأقوال والأفعال الذي ينصف به المظلوم من الظالم، ويقام به الحق، ويعامل الناس على ضوئه بالحق، وأنزل الحديد فيه قوة وردع وزجر لمن خالف الحق، فالحديد لمن لم تنفع فيه الحجة والبرهان وتؤثر فيه البينة، فهو الملزم بالحق والقامع للباطل بإذن الله -تعالى-. ولقد أحسن من قال في مثل هذا:
(1) سورة الحديد، الآية 25.
وما هو إلا الوحي أو حد مرهف
…
تميل ظباه أخدعي كل مائل
فهذا دواء من كل عالم
…
وهذا دواء الداء من كل جاهل
هو الحق إن تستيقظوا فيه تغنموا
…
وإن تغفلوا فالسيف ليس بغافل! (1).
وقال آخر: يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم:
قالوا غزوت ورسل الله ما بعثوا
…
لقتل نفس ولا جاءوك لسفك دم
جهل وتضليل أحلام وسفسطة
…
فتحت بالسيف بعد الفتح بالقلم
لما أتى لك عفوا كل ذي حسب
…
تكفل السيف بالجهال والعمم (2).
وما أحكم ما قاله الآخر:
دعا المصطفى دهرا بمكة لم يجب
…
وقد لان منه جانب وخطاب
فلما دعا والسيف صلت بكفه
…
له أسلموا واستسلموا وأنابوا (3).
فالعاقل ذو الفطرة السليمة ينتفع بالبيئة والبرهان ويقبل الحق بدليله، أما الظالم المتبع لهواه فلا يرده إلا السيف وأنواع السلاح (4) ولهذا يكون الجهاد في سبيل الله أعظم حكمة القوة في الدعوة إلى دين الله تعالى.
(1) ديوان أبي تمام، بشرح الخطيب التبريزي، 3/ 86 - 87.
(2)
الشوقيات شعر أحمد شوقي، 1/ 201، ومنى العمم: اسم جمع للعامة.
(3)
انظر: فتاوى الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز، 3/ 184، 204.
(4)
انظر الإمام محمد بن عبد الوهاب: دعوته وسيرته للعلامة عبد العزيز بن عبد الله بن باز ص 28، وفتاوى ابن تيمية 28/ 37، 264 وتفسير ابن كثير 3/ 416، 4/ 315، وتفسير السعدي، 7/ 301.