الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ثالثا: الضروريات الخمس، وأثرها التربوي
يرى جمهور الفقهاء أن الشريعة الإسلامية تدور أحكامها حول حماية خمسة أمور هي أمهات لكل الأحكام الفرعية، ويسمونها الضروريات الخمس وهي:
حفظ الدين-حفظ النفس-حفظ المال-حفظ العرض-حفظ العقل.
1-
حفظ الدين:
فالله تعالى أراد أن يسود الإسلام، ولا يحق لمسلم أن يعيش ذليلا تحت إمرة دين آخر، ولا لدولة مسلمة أن تتخلى عن الحكم بالشرع، أو تسمح بحرية الإلحاد والردة والكفر، أو تحمي الزندقة، ولا أن تقرها وتسمح بوجودها، ولو سموا ذلك، زورا وبهتانا، حرية اعتقاد، أو تسمحا؛ لأن في 1ذلك تجرؤا على حرمات الله، وتلاعبا بعقائد الناس.
وحلول هذه المعاني وردت آيات عديدة نذكر منها قوله تعالى:
{هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} [التوبة: 9/ 33] وقوله سحبانه: {فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُون} [التوبة: 9/ 12] .
وأحكام هذه الضرورة مثبوتة في أبواب الجهاد، وحد الردة، الفسق، والابتداع، ونحو ذلك، فلأهل الكتاب معاملة في الجهاد تختلف عن معاملة المشركين الوثنيين، قال سبحانه:{يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ} [التوبة: 9/ 29] .
والنتيجة التربوية لتدريس هذه الأبواب الفقهية إعداد الجيل لمحاربة أعداء الله دفاعا عن دينه وعقيدته، وشعوره بالعزة والكرامة، والاعتزاز بالشريعة الإسلامية، وبرفع رايتها، ويتميز الأمة الإسلامية، وبأخوة الجهاد والسلاح في سبيل الله مع جميع الشعوب الإسلامية، فلا يجوز التساهل في تدريس هذه الأبواب في الفقه الإسلامي، ولا يجوز إهمالها أو إغفالها عند وضع مناهج التعليم؛ لأن الجهاد هو ذروة سنام الإسلام، كما أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم؛ ولأن الصلح مع الدولة المعادية لا يجوز إذا كانت تلك الدول تحتل أرض الإسلام، أو تعين على احتلالها.
2-
المحافظة على النفس:
حرم الله قتل النفس بغير حق، وأنزل أشد العقوبة بمرتكب ذلك، قال تعالى:{وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا} [الإسراء: 17/ 33] .
وقال: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا} [النساء: 4/ 93] .
وذكر الله قصة قتل أحد أبناء آدم لآخيه، وكانت أول حادثة قتل على الأرض، ثم عقب عليها بقوله:{مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرائيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا} [المائدة: 5/ 32] .
وحرم الله الانتحار: {وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} [النساء: 4/ 29] .
وفي بعض أبواب الحدود من الفقه الإسلامي أحكام القتل، والديات والقصاص، ودراستها تزرع في نفوس الناشئة احترام الأرواح، والنفوس، والبعد عن التفكير بالثأر أو الاعتداء، أو أي جريمة من هذا النوع، كما تزرع العدالة، وحب القصاص، وما ينتج عن ذلك.
3-
المحافظة على المال:
المال وديعة في أيدي العباد، قال تعالى:{وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ} [النور: 24/ 33] استودعهم الله إياها، ليؤدوا زكاتها، وليثمروها بالطرق المشروعة دون ظلم، ولئلا يسرفوا فيها، ولا ينفقوها في المفاسد الخلقية، كالمعارف والخمور والزنا، ولا يجوز تبديد المال بوضعه بين أيدي السفهاء الذين لا يعرفون قيمته، ولا يحفظونه، قال تعالى:{وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا} [النساء: 4/ 5] .
فاعتبر أموال اليتامى السفهاء ملكا للأمة، وفيها قوام شئون الأمة، وحياتها الاقتصادية، فلا يجوز السماح لهم بتبذيرها وتبديدها، فكيف بوضعها في أيدي الذي يحاربون بها الله ورسوله، والأمة الإسلامية؟
وقال سبحانه محرما أكل الأموال بالتزوير والاحتيال كالرشوة، ونحوها:{وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْأِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 2/ 188] .
وقال سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} [البقرة: 4/ 29] .
والفقه الإسلامي اعتنى بأحكام المال عناية فائقة، في أبواب البيوع والإجارة والزكاة، وسائر المعاملات، وحرم الربا، وذكر أنواعه وشبهاته.
فترك بذلك أثرا تربويا طيبا، جعل الناشئ اقتصاديًّا، يخشى الله في المال، فلا يسرف ولا يبذر ولا يبدد، ويحترم أموال الآخرين فلا يقربها، ولا يفكر في اغتصابها أو الاحتيال في أخذها.
كما ربى الإنسان على احترام العمل، الكسب الحلال، وشرع الميراث للولد صغيرًا كان أم كبيرًا، خلافا للأنظمة المنحرفة التي تجعل الميراث للولد الأكبر.
4-
المحافظة على العقل:
أشاد العقل بذوي العقل المفكر، فقال:{إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهَى} [طه: 20/ 128] ، وقد كرر ذلك، أو ما يشبهه في العديد من الآيات، كلما ذكر آية من آيات قدرته، وتدبيره وإبداعه:{لِقَوْمٍ يَعْقِلُون} [البقرة: 2/ 164]، ومواضع أخرى من القرآن:{لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُون} [يونس: 10/ 24] ومواضع
أخرى من القرآن.
وقد نهى الإسلام عن الخمر لما فيها من أضرار، وأشار إشارة صحيحة إلى ضررها العقلي، فقال تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ} [النساء: 4/ 34] ، وفي هذا إشارة إلى أن الخمر يؤدي إلى اختلاط عند الإنسان حتى إنه لا يدري ما يقول، وأنه بدئ تحريمها لهذا السبب.
وقال سبحانه منددا بالذين لا يفكرون لا يستعملون عقولهم في الخير والمعرفة: {إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ} [الأنفال: 8/ 22] .
وقد عرض القرآن آيات الله في الكون، كما رأينا، عرضا ربى العقل على حسن المعرفة، والمنطق العلمي، والفكر الاستدلالي، والنهج التجريبي.
5-
المحافظة على العرض، والنسل، والأنساب:
من عظمة الإسلام التربوية أنه حمى الطفولة، وأحاطها بحصن اجتماعي متين، حين جعل علاقة الأبوين على درجة من المتانة لا يتطرق إليها أي خلل أو شك، أو ريبة تنغص على الأسرة حياتها، وجعل ميثاق الزوجية ميثاقا متينا عظيما، فقال عز من قائل:{وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا} [النساء: 4/ 21] .
فقد حمى العلاقة الزوجية من أية خيانة، أو إهانة تصدر عن أي من الزوجين وجعل عقوبة الموت رجما بالحجارة لكل زوج تثبت عليه1 خيانة صريحة، أي اتصال جنسي غير مشروع، بشهادة أربعة شهداء.
فكما أن الأمة: "المجتمع الكبير" تدافع عن كيانها بإعدام من يخونها، وينقل أسرارها أو يهين رئيسها أو حكمها، كذلك الأسرة، ذلك "المجتمع الصغير" الذي هو نواة لمجتمع الأمة، وأساس له، قد دافع الله عنها بهذا التشريع العادل العظيم، فتبناه المجتمع وأحاطه بهالة من الاحترام والتقديس، والرهبة، والاهتمام.
فتوفر بذلك للطفل الانتماء إلى نسب شريف، وآل بيت نظيف، وانعدام وجود الأبناء غير الشرعيين في المجتمع المسلم؛ على حين نجد المجتمع الأوروبي يعاني منهم بنسبة كبيرة، تهدد بخطر اجتماعي جسيم.
وقد تهيأ للطفل كل ذلك بما شرع الله من أحكام تحفظ الأسرة من التشتت والضياع، وتحفظ المرأة من الابتذال، وترفع مكانتها من أن يجعلها الفساق أو مرضى القلوب مضغة في أفواههم، فيحطمون مكانتها في قلب زوجها وأولادها باتهامات باطلة، ووضع الإسلام حدودا وعقوبات لذلك كله، حتى لا يقترب أحد من ذلك السياج الزوجي بسوء.
وكان من نتيجة ذلك أن حفظت الأنساب، وعرف الناس بآبائهم وقبائلهم، وتعارفوا بالنسب أو المصاهرة.
وحفظ النسل من الضياع، فوجد الأولاد العش الأمن، يترعرعون فيه من غير خوف يهدد كيانهم النفسي، ومن غير أن يفقدوا حنان الأم والاعتزاز بالأب، ورعاية كل منهما.
من أجل ذلك وجدنا كتب الفقه، والتشريع الإسلامي تخصص جانبا كبيرا لأحكام الرضاع، والزواج، القذف واللعان، والطلاق والحدود، والحضانة، وما إلى ذلك من فروع وأحكام.
ولنا عودة إلى هذا البحث، عندما سنطرق موضوع الإسلام والطفولة، إن شاء الله.
1 تطلق كلمة زوج في اللغة والقرآن على كل من الرجل والمرأة، وقد أرجعت إليه الضمير بالتذكير؛ لأنه يشمل النوعين معا إذا ذكر جميعا، أو أشير إليهما، كما هو معروف في اللغة.