المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌أركان الإيمان: إن أركان الإيمان في نظر الإسلام كل لا يتجزأ، - أصول التربية الإسلامية وأساليبها في البيت والمدرسة والمجتمع

[عبد الرحمن النحلاوي]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمة

- ‌المحتوى:

- ‌الفصل الأول: الإسلام والتربية

- ‌أولا- التربية الإسلامية هي العلاج:

- ‌ثانيا: مفهوم التربية

- ‌ثالثا: مفهوم الدين

- ‌رابعا: مفهوم الإسلام

- ‌خامسا: العلاقة بين الإسلام والتربية

- ‌ التربية الإسلامية: فريضة إسلامية

- ‌ التربية الإسلامية قضية إنسانية، وضرورة مصيرية:

- ‌الفصل الثاني: مصادر التربية الإسلامية

- ‌أولًا: القرآن: أثره التربوي في نفس الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة

- ‌ثانيا: السنة

- ‌الفصل الثالث: أسس التربية الإسلامية

- ‌مدخل

- ‌الاسس الفكرية

- ‌مدخل

- ‌أولا: نظرة الإسلام إلى الإنسان

- ‌ثانيا: نظرة الإسلام إلى الكون:

- ‌ثالثا: نظرة الإسلام إلى الحياة

- ‌الأسس التعبدية:

- ‌الأسس التشريعية

- ‌مدخل

- ‌أولا: أثر الشريعة في تربية الفكر

- ‌ثانيا: أثر الشريعة في تربية الخلق

- ‌ثالثا: الضروريات الخمس، وأثرها التربوي

- ‌رابعا: العقيدة الإسلامية، وأثرها التربوي:

- ‌أركان الإيمان:

- ‌الفصل الرابع: غاية التربية الإسلامية وأهدافها

- ‌أولًا: معنى الهدف

- ‌ثانيًا: أهمية الهدف وتحديده

- ‌ثالثا: هدف التربية الإسلامية

- ‌رابعا: التربية الإسلامية، والمواطنة الصالحة

- ‌خامسا: التربية الإسلامية، وهدف كسب الرزق

- ‌سادسًا: مميزات هدف التربية الإسلامية

- ‌سابعًا: أهمية التربية الدينية "بمعناها الخاص" في تحقيق هدف التربية الإسلامية

- ‌الفصل الخامس: وسائط التربية الإسلامية

- ‌أولًا: المسجد وأثره التربوي

- ‌ثانيا: الأسرة المسلمة، ومهمتها التربوية

- ‌ثالثا: المدرسة في التربية الإسلامية

- ‌ تمهيد في أهمية المدرسة ونشأتها:

- ‌ المدرسة في عصر الرسول صلى الله عليه وسلم:

- ‌ المدارس في العصر العباسي المتأخر:

- ‌ المدرسة المعاصرة:

-

- ‌وظائف المدرسة الحديثة

- ‌وظيفة التبسيط والتخليص

- ‌ وظيفة التصفية، والتطهير:

- ‌ توسيع آفاق الناشئ وزيادة خبراته بنقل التراث:

- ‌ وظيفة الصهر والتوحيد وإيجاد التجانس، والتأليف بين الناشئين:

- ‌ وظيفة تنسيق الجهود التربوية المختلفة وتصحيحها:

- ‌ التكميل لمهمة المنزل التربوية:

- ‌رابعا: المربي المسلم

- ‌ تمهيد حول أهمية المربي:

- ‌ صفات المربي المسلم وشروطه:

- ‌خامسًا: المجتمع ومسئوليته التربوية

- ‌سادسا: النشاط المدرسي والتربية الإسلامية:

- ‌سابعا: المنهج التربوي الإسلامي وخصائصه

- ‌الفصل السادس: أساليب التربية الإسلامية

- ‌مدخل

- ‌أولًا: التربية بالحوار القرآني والنبوي

- ‌مدخل

- ‌ الحوار الخطابي أو التعبدي:

- ‌ الحوار الوصفي، وآثاره التربوية:

- ‌الحوارص القصصي

- ‌ الحوار الجدلي لإثبات الحجة:

- ‌ الحوار النبوي:

- ‌ثانيًا: التربية بالقصص القرآني والنبوي

- ‌الميزات التربوية للقصص القرآني والنبوي

- ‌ تربي القصة القرآنية العواطف الربانية وذلك:

- ‌ثالثا: التربية بضرب الأمثال:

- ‌رابعًا: التربية بالقدرة

- ‌خامسا: التربية بالممارسة والعمل

- ‌سادسًا:‌‌ التربية بالعبرةوالموعظة

- ‌ التربية بالعبرة

- ‌ التربية بالموعظة:

- ‌سابعا: التربية بالترغيب والترهيب:

- ‌مستخلص:

الفصل: ‌ ‌أركان الإيمان: إن أركان الإيمان في نظر الإسلام كل لا يتجزأ،

‌أركان الإيمان:

إن أركان الإيمان في نظر الإسلام كل لا يتجزأ، وكل من كفر بواحد منها، أو بجزئية من لوازمها مما ثبت في القرآن صراحة أو في السنة، فقد حبط عمله ولا يقبل منه إيمانه بباقي الأركان.

ذلك؛ لأنها سلسلة مترابطة الحلقات؛ ولأن الإسلام كله بناء فكري متشابك الأجزاء، يتهدم أو يختل إذا انهدم أحد أركانه، في ذهن إنسان ما أو عند مجتمع منحرف عن حقيقة الإسلام، كبعض الفرق الضالة.

ولذلك يرى المتتبع لآيات القرآن التي تتحدث عن الإيمان، أن الحجر الأساسي لنظام الإسلام كله هو الإيمان، وبالتالي فإن التربية الإسلامية التي تعني بتنشئة الإنسان المسلم المنطبع بطابع الإسلام العامل بكل تعالميه، يجب أن تبنى على أساس الإيمان بكل أركان الدين إيمانا واضحا متميزا.

وكل تربية تهمل ركنا من أركان الإيمان تصبح تربية ناقصة شوهاء، لا فائدة منها، فالله تعالى إنما جعل القرآن كله هدى للذين يؤمنون بالغيب، كما أخبر في أول سورة البقرة، والغيب في القرآن يطلق على كل ما يجب الإيمان به مما غاب عن الحس، ومعنى ذلك أن من لا يؤمن بالغيب، لا يستطيع أن يهتدي بالقرآن، ولا يقبل الله منه إسلامه، وهذا من البداهة، إذ كيف يعمل بتعاليم القرآن من لا يؤمن بمن أنزل القرآن، وكيف يؤمن بالقرآن من لا يؤمن بالملائكة، وعلى رأسهم جبريل الذي تنزل بالقرآن على قلب محمد صلى الله عليه وسلم.

ثم كيف يتبع تعاليم القرآن من لا يؤمن بأن محمدا مكلف بتبليغها من الله، أمين على شرع الله، أي أنه رسول الله؟

ص: 67

من ذلك تعرف أن أركان الإيمان سلسلة لا ينفك بعضها عن بعض، ولا تصلح حلقة منها دون سائر الحلقات، وأنها كل لا يتجزأ ولا يجوز إنكار أي جزء منها.

فتعال نستوضح كل ركن من أركان الإيمان، فنتبين أهميته التربوية بالنسبة إلى بحثنا، بعد أن تبينا ضرورة الإيمان، من أجل تربية جيل سليم صحيح، ومجتمع قوي متين.

1-

الإيمان بالله:

يخطي من يعتقد أن مجرد التسليم أو الاعتقاد بوجود الله، وبكونه خالقا لهذا الكون، عقيدة كافية تنجي صاحبها من عذاب الله، فقد كان كفار قريش يسلمون بهذا، ومع ذلك اعتبرهم الله جل جلاله منصرفين عن إجابة الدعوة الإسلامية فقال منكرا انصرافهم بعد أن ذكر اعترافهم بأن الله خلق السموات والأرض:{فَأَنَّى يُؤْفَكُون} [العنكبوت: 29/ 61] ، ومواضع أخرى من القرآن، أي كيف يصرفون عن الإيمان بتوحيد الله؟

فالإيمان الصحيح بالله تعالى يجب أن يشتمل على ثلاثة معان، أو عناصر أساسية:

أولها: معرفة معنى الإله، ذلك المعنى الذي أبى المشركون أن ينسبوه الله وحده، وينفوه عن معبوداتهم الأخرى.

العنصر الثاني: إثبات معنى الألوهية لله عز وجل.

العنصر الثالث: نفي معنى الألوهية عن كل كائن سوى الله.

معنى الألوهية 1:

جميع الأديان التي وصلت إلينا، عدا الإسلام، كان تصورها عن الألوهية إما خاطئا، وإما ناقصا، وإما ملوثا بالتشبيه والتجسيد، والتناسل.

والكتاب الوحيد الذي صحح هذه التصورات الخاطئة وكملها، عن الألوهية، إنما هو "القرآن"، وخلاصة ما جاء في القرآن عن معنى الألوهية "أنه لا يجوز أن يكون الإله إلا من يكون صمدا، حيا، قيوما، لم يلد ولم يولد، ويكون من الأزل، فليس

1 الحضارة الإسلامية: أبو الأعلى المودودي، ص137-139، دار العربية - بيروت.

ص: 68

قبله شيء، ويبقى إلى الأبد فليس بعده شيء، ويكون علمه محيطا بكل شيء، ورحمته وسعت كل شيء، وقوته غالبة على كل شيء، ويكون منزها عن أي نقص في حكمته، أو عيب في عدالته، ويكون قادرا ويكون مشرعا، حاكما على الإطلاق، واهبا للحياة ومهيئا لأسبابها ووسائلها، ويكون مالكا لكل قوة من قوى النفع أو الضرر، ويكون كل من سواه محتاجا لعطائه، فقيرا إلى حفظه ورعايته، ويكون إليه مرجع كل مخلوق، ويكون هو محاسبا ومجازيا لكل من سواه".

ثم إن القرآن بعد بيانه هذا التصور الصحيح الكامل الواضح للألوهية، يدل بأقوى ما يكون من الكلمات، وأوقع ما يكون من الأدلة العقلية المنطقية، وأساليب البيان، على "أن هذا العالم ليس فيه شيء، أو قوة يصدق عليها هذا التصور للألوهية، إذ ليست كل موجودات العالم إلا مسخرة محتاجة لغيرها، باقية حينا وفانية حينا آخر، غير قادرة على دفع الضرر عن نفسها، فضلا عن أن تجلب النفع، أو الضرر إلى غيرها، وليس المصدر لأفعالها، وتأثيراتها موجودا في داخل ذاتها، وإنما هي تستمد قوتها للبقاء والفعل، والتأثير من غيرها".

"وبعد هذا النفي، فإن القرآن لا يثبت الألوهية إلا لذات واحدة هي ذات الله، ويطالب الإنسان بألا يؤمن إلا بالله وحده، ولا يسجد إلا لله، ولا يعظم إلا إياه، ولا يتوكل إلا عليه، ويعلم علم اليقين أنه راجع إليه، ومحاسب بين يديه لا محالة، وأنه لا يتوقف حسن العاقبة، أو سوءها إلا على قضاء الله".

ولقد آمن العرب ومن يليهم بهذه المعاني، وغيروا سلوكهم، وربوا أنفسهم على مقتضاها، فبدل الله بهم الأرض غير الأرض التي كانت، والعالم الذي فتحوه غير العالم الذي كان من قبلهم، فأخرجوا البشرية من ظلم الملوك، والطواغيت إلى عدالة الله وشريعته، ومن جور الأديان وخرافاتها، إلى سماحة الإسلام وسمو تعاليمه، وجديته، وإليك سر المعجزة التي أجراها الله على يد هؤلاء الموحدين: معجزة الفتح الإسلامي، وتثبيت حضارته في أكبر رقعة عرفتها حضارة في التاريخ، ولأطول مدة سجلتها أقلام المؤرخين، هذا السر يتجلى في:

ص: 69

الآثار التربوية والمعنوية لعقيدة التوحيد، والإيمان بالله:

تنظيم عقيدة التوحيد حياة الإنسان النفسية، وتوحد نوازعه، وتفكيره وأهدافه، وتجعل كل عواطفه، وسلوكه، وعاداته، قوى متضافرة، متعاونة ترمي كلها إلى تحقيق هدف واحد هو الخضوع لله وحده، والشعور بألوهيته، وحاكميته ورحمته، وعلمه لما في النفوس، وقدرته، وسائر صفاته.

وكل صفة أساسية من صفات الألوهية، يقابلها في النفس الإنسانية جانب من جوانب الحياة النفسية، فلا سعادة للنفس ولا استقامة، ولا انضباط إلا إذا ارتبط كل جانب من جوانبها بما بناسبه من معاني الألوهية.

أ- لنأخذ على سبيل المثال لا الحصر:

ميل الإنسان الفطري إلى الرفاهية وحب البقاء، والعمل للحياة الدنيا، يقابله من ناحية الترغيب، الأمل في رحمة الله وجنته، ومن ناحية الضبط ومنع الشطط يقابلها الشعور بأبدية الله وتفرده بالبقاء، وفناء هذه الحياة الدنيا.

فترى المؤمن يعمل من جهة، بجد وأمل وتفاؤل، في هذه الحياة؛ لأنها مزرعة الآخرة، ومن جهة أخرى يبقى حذرًا من الموت لا يغتر، ولا يغفل عن ترقب المفاجآت والمصائب، فإذا وقعت لم تفت في عضده، فهو ينتظر لقاء ربه، فهو جريء لا يهاب أحدًا إلا الله.

ب- وخذ مثالًا آخر: طمع الإنسان وحبه للمال:

فترى المؤمن يستخدم المال وهو يعلم أنه مال الله، وأن كل ما في ملكوت الكون ملك لله، هو مالك كل شيء، وهو راهب الرزق لمن يشاء، فالمؤمن يثمر المال، ولكن المال لا يستعبد قلبه، فإذا احتاجت الأمة ماله لمصلحة عامة بذله بسخاء، وهو يعلم أن الله هو الرزاق ذو القوة المتين، وقس على ذلك حب الإنسان للزعامة وشهوته للنساء، وميله وحنوه على الأولاد، وغيره وغيره من جوانب الحياة النفسية.

فالمؤمن الموحد يمتاز بعزة النفس، لا يستعبده جاه ولا مال، ولا بذل لأحد من الطواغيت.

ج- وقد ضرب الله لنا مثلًا في القرآن يبين فضل عقيدة التوحيد في تحقيق وحدة النفس الإنسانية.

ص: 70

{ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ} [الزمر: 39/ 29] .

فشبه الله النفس الموحدة لربها، بالعبد الذي يملكه رجل واحد، فجيمع تصرفات هذا العبد تأتي حسب رغبة سيده، وبهذا تهدأ نفسه، وتستقيم حياته، وتنسجم تصرفاته وفق نظام معين، وعلى نسق واحد.

أما العبد الذي يمكله عدة شركاء متشاكسين، لا يؤمن أن يتصرف اليوم على نمط يعاكس تصرفاته بالأمس، وتبقى نفسه نهبأ للمخاوف والهواجس.

كذل المشرك الذي يعلم بفطرته عظمة الله، ويشرك مع الله آلهة آخرى، فتراه تارة ينافق للناس، وتارة يتخذ إلهه هواه، وتارة يستعبده المال، وتارة يتعلق بالحياة، فينخلع قلبه من الموت أو المرض، وهو في كل ذلك قلق، لا يطمئن على نفسه ولا على ماله، ولا على شيء من ملذاته؛ لأنه لا يؤمن بمصير معين، ولا يخضع لإله واحد، بيده كل شيء، وهو على كل شيء قدير.

ولتحقيق هذا الأثر التربوي العظيم، يجب على المربي أن يربط كل جوانب التربية بتوحيد الله، وبصفات الألوهية التي أشرنا إليها.

فدراسة الكون، أو ما يسمونه بالطبيعة، يجب أن يكون هدفها استحضار عظمة الله الخالق المالك للكون، الحي القيوم الذي يقوم بكل شئون الكون، وأفلاكه ونظامه وسيره، ودورانه.

وعند دراسة اللغة يستحضر عظمة الله في جعل الإنسان خصيما مبينا، ويبين أن العبد محاسب على هذه المقدرة اللغوية، وفيم يجب أن يستخدمها.

وهكذا يفعل المربي، لدى دراسة التاريخ والجغرافيا وسائر المواد الاجتماعية، وقد أوضح واضعو منهج الدراسة الثانوية في المملكة العربية السعودية أهداف هذه المواد على ضوء هذا المعنى الذي يوحد الأمة الإسلامية تحت لواء الألوهية والتوحيد.

د- وتربي عقيدة التوحيد والإيمان بالله، عقل الإنسان على سعة النظر، وحب الاطلاع على أسرار الكون، والطموح إلى معرفة ما وراء الحس، فكل ما في الكون

ص: 71

مما نرى وما لا نرى من السموات، والكرسي والعرش والملائكة، كل ذلك من ملك الله، وكل كائن صغير أو كبير يسبح بحمد الله ويشهد بعظمته، وقد أمرنا القرآن أن نتأمل ذلك كله، نتأمل خلق السموات، والأرض، والبحار، والأنهار، والإبل والدواب، والنحل، ويبين لنا أنه ما من شيء إلا يعلمه الله، من أصغر ذرة إلى أكبر جرم، {وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ} [الأنعام: 6/ 59] .

هـ- كما تربى عند الإنسان التواضع وعدم التطرف، أو الغرور بأي صفة من صفاته الإنسانية، فإذا اغتر بقوته وأراد البطش، أو الظلم ذكر قدرته الله عليه، وأنه هو الذي يحيى ويميت، وإذا اغتر بماله وأسرف واستهتر، وبطر وتكبر ذكر أن الله هو الغني، وهو الذي وهبه المال، فعاد إلى السخاء، والبذل والتضحية، والتودد إلى عباد الله.

وإذا اغتر بعلمه فظن أنه بلغ الكمال، نظر إلى الكون الكبير الذي هو جزء صغير من علم الله، فانقلب بصره خاسئا وهو حسير، وعاد إلى نفسه صاغرًا متواضعا يطلب المزيد من المعرفة، بروية وصبر وأناة، وتدبر وتفكر، ودأب واستمرار، وقس على هذا كل ما وهب الله الإنسان.

و وبالتوحيد وإفراد الله بكل صفات الألوهية يبتعد الإنسان عن التعلل بالآمال الكاذبة، فلا تنفع عند الله شفاعة الشافعين، إلا لمن يأذن الله ويرضى، وما من أحد يفيده قربه من الله، إلا عن طريق العمل الصالح، فليس لله قرابة رحم، ولا صلة أبوة، ولا صحة سابقة لأحد من العالمين، الكل عباد الله، والكل محاسبون، مجزيون بأعمالهم إن خيرا فخير، وإن شر فشر.

ز- ويتسلح الإنسان، إذا آمن بالله حق الإيمان، بالطمأنينة، والرجاء مع السعي وعد التواكل.

فهو مطمئن بعد أن عرف أن الله قريب، يجيب دعوة الداعين، ويتوب على التائبين، وينصف المظلومين، وقد وسعت رحمته كل شيء.

{وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ} [البقرة: 2/ 186] .

ص: 72

{وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيد} [آل عمران: 3/ 182] .

{قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ} [الأعراف: 7/ 156] .

وفي هذا توازن بين إبعاد الغرور عن النفس، والتسلح بالأمل والرجاء، فالمؤمن يخاف عذاب الله إن قصر، ويرجو رحمته إن أخطأ.

وبهذا يصبح الإنسان أبعد ما يكون عن اليأس أو الانتحار، أو الهروب من الحياة، والانحراف بتعاطي المخدرات والمسكرات.

فقد صرح القرآن أن اليأس من صفات غير المؤمنين قال تعالى: {وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُون} [يوسف: 12/ 87] .

فإذا زل، جدد عزمه بالتوبة والاستغفار، واللجوء إلى رحمة الله، قال جل جلاله:{قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا} [الزمر: 39/ 53] .

ح- الانتماء إلى الله والاعتزاز به، وموالاته والانضواء تحت لوائه، فالمؤمنون هم حزب الله وهو وليهم، والكافرون لا مولى لهم، وأي شيء أعظم من الانتماء والانتساب إلى خالق الكون ومذل الجبابرة، ومالك الموت والحياة، والبعث والنشور والجزاء، قال سبحانه وتعالى:{وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ} [المائدة: 5/ 56] .

وقال في وصف حزب الشيطان: {اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ} [المجادلة: 58/ 19] .

{ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لا مَوْلَى لَهُمْ} [محمد: 47/ 11] .

وهذا الولاء يربى النفس دائما على أن تكون في حرب مع الشر والشيطان، وأتباع الشيطان، أولئك الذين يزينون للناس معصية الله، ونسيانه واتباع الشهوات كما يربي الانتماء إلى الأمة الإسلامية والاعتزاز بها، وتفقد شئونها والتراحم، والتعاون بين شعوبها، أي تربي وحده كلمة الإنسانية على أساس الخير والانتماء، من غير تعصب عنصري، أو تحيز مصلحي مادي استعماري، غايته استغلال الشعوب، وامتصاص خيراتها.

ص: 73

فكل من آمن بالله على أساس القرآن، فهو من حزب الله أيا كان جنسه أو عرقه أو لونه، وكل من كفر الله وحارب حزبه، وقاوم دعوته فهو من حزب الشيطان أيا كان لونه أو عرقه.

قال تعالى في وصف الموالين لله: {أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ، الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ} [يونس: 10/ 62-63] .

ولكي يتم الاعتزاز بالله والانتماء إلى الله وحزبه، وهم المؤمنون، لا بد من محاربة حزب الشيطان، والابتعاد عن الكفار وعدم الركون إليهم، لئلا يقع الشقاق والخلاف في صفوف الأمة، قال تعالى:

{بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا، الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا} [النساء: 4/ 138-139] .

وقال سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ} [النساء: 4/ 144] .

وقد جعل الله هذا الولاء لله ورسوله، وحزب المؤمنين فوق ولاء الأبوة، والقرابة والرحم.

قال سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [التوبة: 9/ 23] .

وهذا المعنى من أهم أركان التربية الإسلامية، لذلك يجب أن تبنى عليه أهداف التربية الاجتماعية، في جميع مراحل التدريس والحياة، وأن يعاد النظر في جميع كتب التاريخ، والجغرافيا على هذا الأساس؛ لأن الولاء لله ولحزبه من تمام توحيده وعبادته، والولاء للكفار مما ينفافي عقيدة التوحيد.

وقد أقيمت العلوم الاجتماعية التي ترجمت عنها معظم المناهج التعليمية في البلاد العربية والإسلامية، على أساس من الكفر والإلحاد، واعتبار البلاد الغربية هي المدار الذي تدور حوله، وتصدر عنه جميع حوادث التاريخ في العالم، وقسمت عصور التاريخ على هذا الأساس، وهذا مخالف للواقع التاريخي، حيث كانت الأمة الإسلامية هي منبع النهضة العلمية، والحضارية في العالم.

ص: 74

لذلك فإن من واجب علماء الأمة الإسلامية اليوم إعادة النظر في تدوين هذه العلوم على ضوء الواقع بدون تحيز إلا للحق، ولما فيه خير الإنسانية، وجعل تاريخ الأنبياء، ومدى امتداد، أو انحسار عقيدة التوحيد، هو المدار الذي يدور حوله تدوين هذا العلم، كما أشار إليه القرآن الكريم عندما عرض أخبار الأمم الماضية، فالتاريخ في عرف القرآن وصف لمعارك دارت بين أولياء الرحمن، وأولياء الشيطان، بين الكفر والإيمان على مدى العصور، يساق للعبرة والاتعاظ، والابتعاد عن المصير السيئ الذي آلت إليه نتيجة الكفر، والانحلال والبعد عن الله؛ والأخذ بسير الصالحين الذين عمروا الأرض بالإيمان، والعدالة والسيرة الطيبة، وبتوحيد الله وعبادته، وبهذا تحقق التربية الولاء لله تعالى، وهو من لوازم عقيدة التوحيد، كما أشرنا.

2-

الإيمان بالملائكة:

إذا تتبعنا الآيات التي ذكرت فيها الملائكة استطعنا أن نعرفها بأنها: كائنات خلقها الله وسخرها لأعمال ومهمات معينة، عين كل فئة منها لمهمة أو وظيفة، لا يحيدون عنها، وهم عباد الله:{لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُون} [التحريم: 66/ 6] .

ومن أشرف هذه الوظائف النزول بالوحي على الأنبياء، قال تعالى:{قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدىً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ} [النحل: 16/ 102] .

ومن الملائكة من كلفه الله بحمل العرش: قال تعالى في الإخبار عنهم: {الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا} [غافر: 40/ 7] .

وبعض الملائكة تكلف بحفظ الإنسان، حتى إذا جاء أجله أرسل له وملائكة مختصة باستيفاء روحه: قال تعالى في الإخبار عن ذلك.

{وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ} [الأنعام: 6/ 61] .

ص: 75

وقال في وصف الملائكة الحفظة للإنسان: {سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ، لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ} [الرعد: 13/ 10-11] .

ويحرص القرآن، بأسلوبه الرائع، أن يفهمنا، كما ذكر لنا الملائكة، أنهم عباد الله وحسب، وليس لهم بالله أي صلة قربى أو نسب، كما زعم المشركون، بل لقد أوضح القرآن، أن الله أمر جميع الملائكة أن يسجدوا لآدم عند خلقه، اعترافا بفضل الله وإبداعه فيما خلق، ويميزه الإنسان على الملائكة، وأن الله علم آدم ما لم يعلمه للملائكة، ففضل الله آدم بهذا العلم، فكيف يجوز لهذا الإنسان، الذي كرمه الله وميزه، أن يسجد لغير الله، أو يعبد الملائكة أو غيرها؟

أهمية الإيمان بالملائكة، وآثاره التربوية:

يظهر لنا مما أوردنا أن الإيمان بالملائكة متمم للإيمان بالله، أو هو من لوازمه، ويدلنا على جانب من جوانب الألوهية، فمن تام عظمة الله أن له جندا وموظفين يعملون بأمره.

وهذا يربي في النفس النظام والطاعة، وترتيب الأمور، فالله القادر على كل شيء، قد نظم شئون الكون، ووكل ببعضها بعض ملائكته، فأطاعوه، وعملوا بأمره.

كما أن الملائكة في تسبيحهم لله، وتعظيمهم له يمكن اعتبارهم قدوة للبشر، وهم يؤنسوننا، ويحافظون علينا حتى أن من أعظم الملائكة منزلة، وأقواهم عند الله، من يستغفر للمؤمنين، وهم حملة العرش.

وهذا يزيد من عزة الإنسان وكرامته، ومعرفته منزلته عند الله، حتى سخر له الملائكة يحفظونه ويستغفرون له، ويطلبون له من ربه أن يحفظه من العذاب.

3-

الإيمان بكتب الله المنزلة:

الكتاب هنا هو ما يحتوي على شريعة الله وأوامره وكلامه، وهديه الذي ينير للبشر سبل الحياة، ويحدد لهم ما كلفهم الله به من حرام وحلال، وأوامر ونواه وعبادات ونسك، وغير ذلك مما أراد الله أن يعلمه عباده.

ص: 76

وقد اختلفت الصور التي أنزل الله بها هديه على رسله، حسبما وصف لنا في القرآن، فقد وصف ما أنزله على إبراهيم وموسى بـ"الصحف".

وكذلك أطلق لفظ الصحف على القرآن: {رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً} [البينة: 98/ 2] .

والذي يهمنا أن نعرفه هنا هو أن الإيمان بالكتب السماوية التي ورد ذكرها في القرآن ركن من أركان الإيمان، ومطلب من مطالب الإسلام، إلا أن الله لم يكلفنا أن نؤمن بما فيها تفصيلًا، بل ذكر الإيمان بها جملة، قال تعالى:{آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ} [البقرة: 2/ 285] .

ميزات القرآن:

أما القرآن فالبشرية مكلفة أن تعمل بكل ما ورد فيه تفصيلا مع الإيمان بأنه منزل من عند الله، ويمتاز القرآن بميزات أهمها:

1-

أنه إنساني عالمي خوطبت به البشرية عمومًا، وكانت الكتب السماوية من قبله تخاطب أقوامًا معينين.

2-

وصل إلينا القرآن سالما من التحريف، قرآنا واحدا أجمعت الأمة على صحته، وثبت نقله بالسند الصحيح، ولم يصل أي كتاب سماوي آخر كاملا صحيحا.

3-

كل كتاب كان يتناول بعض جوانب الحياة، على حين نجد القرآن يتناول كل جوانب الحياة، فقد جاء كاملا أتم الله به ما جاء في الكتب السابقة.

4-

كل كتاب كان يأمر أتباعه باتباع القرآن إذا أدركوه، ولكن القرآن لم يأمر باتباع الكتب السماوية السابقة تفصيلًا، بل ضرب منها أمثلة، وأمر الإيمان بها جملة.

الآثار التربوية للإيمان بالقرآن، وتلاوته والعمل به:

لو تتبعنا الآيات التي وصفت القرآن لوجدنا فيها بعض الأوصاف التي تدل على أهميته التربوية كقوله تعالى:

1-

{إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ} [الإسراء: 17/ 9] .

ص: 77

فالقرآن يربي الإنسان على الحياة المستقيمة، والأخلاق القويمة، لما فيه من العبر والحكم والتشريع العظيم، وكفى به أنه من لدن حكيم عليم: حكيم يضع التشاريع والعبر في مواضعها، عليم بطباع الناس وما يصلحهم، والإيمان بأن القرآن من عند الله هو الذي يجعله مقوما لحياة الفرد والمجتمع، قال تعالى:{قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُون} [الزمر: 39/ 28] .

{وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا} [النساء: 4/ 82] .

2-

{أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} [محمد: 47/ 24] .

{إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} [الزخرف: 43/ 3] .

وهذا المعنى تكرر عشرات المرات، وهو المطالبة بالعقل والتدبر والتفكير، وفي هذا تربية الإنسان على إعمال عقله، وتربية ذهنه على التأمل، والاستنتاج والقياس والاستقراء، كما أنه يربي الفكر على عدم قبول شيء بغير حجة، أو برهان أو علم.

قال تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدىً وَلا كِتَابٍ مُنِيرٍ، ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} [الحج: 22/ 8-9] .

وقال تعالى: {قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [البقرة: 2/ 111][النمل: 27/ 64] .

وقال سبحانه: {أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ} [الأنبياء: 21/ 24] .

3-

التروي والتأني وعدم التسرع في الفهم أو الحكم والتعليم، وتثبيت القلب بالتدرج في الفهم، قال تعالى:{وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا} [الإسراء: 17/ 106] .

وقال سبحانه: {لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِه} [القيامة: 75/ 16] .

وقال: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا} [الفرقان: 25/ 32] .

د- تعويد اللسان على الفصاحة والبيان: وهذا معروف لدى كل مشتغل بالقرآن، فهو بإعجازه وفصاحته يطبع قلب الإنسان على حسن البيان، والأسلوب اللغوي

ص: 78

المبين، فيصبح واضح القصد موضحًا لمراده ومع ذلك، فهناك إشارات إلى فصاحة القرآن، وبيانه مثل قوله تعالى:{حم?، وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ} [الزخرف: 43/ 1-2] وقوله جل من قائل: {بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآياتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ} [العنكبوت: 29/ 49]، وقال سبحانه:{لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ} [النحل: 16/ 103] .

هـ- تربية العواطف الربانية: من خوف وخشوع، ورغبة ورهبة، وترقيق للقلب والمشاعر، فالقرآن ما يزال دائما يوقظ هذه العواطف، وقد يصف آثارها عند من يتلون القرآن حق تلاوته، قال تعالى:{اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ} [الزمر: 39/ 23] .

ومن حسن تلاوة القرآن أنه إذا قرأ القارئ فيه دعاء دعا به، وإن قرأ تهديدًا أو عذابا، استعاذ بالله منه، وإن قرأ آيات تدل على عظمة الله خشع قلبه، واغرورقت عيناه بالدموع، وهؤلاء الذين يعملون بتعاليم القرآن بعد أن يرقق قلوبهم قد وصفهم الله تعالى بقوله:{الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} [البقرة: 2/ 121] .

وقال سبحانه: {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ} [الرحمن: 55/ 46] .

ولا يكتفي القرآن بتربية العواطف المنظمة، بل يربي أيضا العواطف المرغبة التي تربي الأمل، والإقبال على العمل الصالح، ومحبة الله تعالى:{وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ} [البقرة: 2/ 165]، وقال سبحانه:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ} [المائدة: 5/ 54] .

وقد بين الله في هذه الآية بعض الآثار العظيمة لمحبة الله، من تذلل للمؤمنين، وإظهار العزة في وجه الكافرين، والجهاد في سبيل الله.

وهكذا نجد في حسن تلاوة القرآن بقصد التربية بالقرآن، أنه يمكن تربية العقل على حسن التفكير، وتأمل آثار عظمة الله، وتربية المشاعر والعواطف بالخوف من الله

ص: 79

والخشوع له وتعظيمه وتقديسه، أما تربية السلوك بالقرآن، فقد علمنا ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان له أذكار وأدعيه من القرآن، يتلو بعضها ويدعو ببعضها في مناسبات معينة، فإذا استيقظ من نومه نظر في السماء، وتلا قوله تعالى:{إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ، الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّار} [آل عمران: 3/ 190-191] .

وإذا أوى إلى فراشه تذكر قوله تعالى: {اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً} [الزمر: 39/ 42]، فدعا بهذا الدعاء:

"اللهم إن أمسكت نفسي فارحمها، وإن أرسلتها فاحفظها بما حفظت عبادك الصالحين".

وفي القرآن آداب سلوكية عظيمة تعلمنا غض البصر، والغض من الصوت، والقصد في المشي، وبر الوالدين، والتواضع للمسلمين، وعدم انتهار الأيتام، وإخفاء الصدقات، وعدم إبطالها بالمن والأذى، وكثيرًا كثيرًا مما لا يحصى في هذا المقام.

واجبات المربي:

فعلى المربي بواسطة القرآن:

أ- أن يربي لسان الناشيء ويقومه بحسن التجويد، وعدم اللحن.

ب- وأن يربي لسان الناشئ بالخشوع عندما يمر بآية تستوجب الخشوع، أو الغضب في الله، أو الحنين إلى الجنة، أو الشعور بمحبة الله.

ج- وأن يربي سلوك الناشئ فيأخذ العهد عليه، ويتعهده ليعمل بتعاليم القرآن في أثناء الرحلة مع الطلاب وعند التغذية، وتناول الطعام وفي كل المجالات.

د- وأن يربي عقل الناشئ بالاستدلال على ما استند عليه القرآن، وبتأمل ما يدل على عظمة الله، وأن يضع أسئلة كثيرة بعد كل درس لتمرين العقل على ذلك.

ص: 80

كل ذلك بعد أن ينتهي من فهم المعنى، والمراد الإجمالي لكل مجموعة من الآيات "في درس التلاوة"، أو لكل أية أو كلمة "في درس التفسير والاستحفاظ".

وهكذا نجد أن التربية بالقرآن يمكن أن تتناول كل جوانب النفس الإنسانية.

أما التربية الاجتماعية ففي الجهاد يتلو القراء، والحفاظ عل المجاهدين آيات الجهاد.

وفي الحج يتلو الحجيج آيات تذكر بإبراهيم، وبأهمية الصفا والمروة، ونحو ذلك.

والقرآن هو الذي يجمع قلوب البشرية على مبدأ واحد ودستور واحد، وله الأثر الأول في جمع كلمة الأمة الإسلامية، إذ لا يختلف اثنان من المسلمين على أنه من عند الله، وأن اتباعه واجب وحق.

4-

الإيمان بالرسل:

الرسول هو القدوة، والمربي الأول لجيل مثالي، يكون من بعده من أجيال البشرية تبعًا له.

فالأساليب1 العملية للتربية الإسلامية يمكن اقتباسها من حياة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم.

وقد أمرنا الله أن نؤمن بجميع الرسل؛ لأن كل الرسالات التي جاءوا بها تطلب من البشر إخلاص العبودية لله، والاعتراف له بالألوهية، بكل معانيها أو مجمل معانيها التي أشرنا إليها.

ولكن نجاح الأثر التربوي للرسول يتوقف على الإيمان بأنه مؤيد بالوحي والإلهام من عند الله، فلا يقره الله على خطأ في التشريع، وأنه أمين قد بلغ رسالات ربه.

فإذا تم هذا الإيمان شعر الإنسان بسعادة عظيمة كلما اقتدى بأمر من أوامر الرسول، أو أسلوب من أساليبه التربوية في الحياة.

أما الفلاسفة والزعماء وعلماء التربية، فإنما يتبعون الظن، ويضعون نظريات

1 أشرنا إلى ذلك إجمالًا في الفصل الثاني "مصادر التربية الإسلامية"، وسنفصله في "أساليب التربية الإسلامية" إن شاء الله.

ص: 81

مؤقتة يجربونها على الأجيال، وكلما فشلت عدلوا وغيروا فيها، بعد أن يكونوا قد ضحوا بجيل كامل من أجيال الإنسانية.

ثم إن رسالة الرسول عندما تكون إنسانية عالمية تؤدي إلى أخوة بين البشر، وتربي عند الأجيال الشعور بالوحدة الإنسانية تحت ظل لواء خالق البشر.

{يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ، وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ} [المؤمنون: 23/ 51-52] .

وقد ختم الله النبوة بالرسول محمد صلى الله عليه وسلم، فلا نبي بعده، لذلك امتازت رسالته بأنها أكمل الرسالات وأكثرها شمولًا، وكان الرسول من قبله يبعث إلى قومه خاصة، فأرسله الله رحمة للعالمين.

فالتربية التي وضع أسسها تربية عالمية، تناسب فطرة الإنسان أينما كان، وقد نقلت إلينا أخباره بالسند الصحيح، وحفظ الله سنته، فبين علماء الحديث ضعيف الأخبار وصحيحها.

ونسخ الله برسالته سائر الرسالات التي سبقته، وكان قد أمر جميع الأمم قبله أن يتبعوه إذا أدركوا رسالته.

5-

الإيمان باليوم الآخر:

إن النتيجة الطبيعية لنظرة الإسلام إلى الكون والحياة، هي الإيمان بالحياة الآخرة، فالدنيا كما أشرنا إلى ذلك، مرحلة مؤقته، والكون كله ما خلقه الله عبثًا، بل خلقه إلى أجل مكتوب عنده.

فإذا انتهى أجل الكون والإنسان، والحياة البشرية كلها، أفنى الله هذا الكون وأنهى الحياة القائمة عليها، وأهلك كل شيء فيه، ثم يخلق عالمًا آخر غير هذا العالم، له نظام ومقومات تختلف عن نظام هذا الكون، وحياة أبدية لا موت بعدها، ليقدر الله أعمال العباد، ويزنها بالقسطاس المستقيم:{فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ، وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ} [الأعراف: 7/ 8-9] .

ويومئذ لا يخفى شيء نوايا البشر وأعمالهم، حيث تشهد عليهم أيديهم

ص: 82

وأرجلهم وينشغل كل امرئ بنفسه: {يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ، وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ، وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ، لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ} [عبس: 80/ 34-37] .

ويومئذ لا تنفع الشفاعة، ولا يقبل من أحد عدل، ولا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم، خالص من شوائب الشرك.

ويومئذ يتجلى العدل الإلهي، حين يضع الله الموازين القسط.

فإذا انقضى الحساب تجلت رحمة الله على عبادة المؤمنين، فيدخلهم الجنة خالدين فيها، وتجلى غضبه على الكفار الجاحدين، الذين يدعون إلى جهنم دعا، خالدين فيها.

النتائج التربوية للإيمان باليوم الآخر:

أ- تربية الشعور الحقيقي بالمسئولية: يلاحظ من وجهة النظر التربوية أن الإيمان باليوم الآخر، هو الوازع والدافع الحقيقي الذي يكمن وراء الشعور بالمسئولية الجدية الحقة، وأن لاشعور بالمسئولية حقا بدون هذا الإيمان، ولذلك لاحظنا أن ميزة التشريع الإسلامي تكمن في تقبل الناس له، بطواعية، ودون حاجة في كثير من الأحيان إلى استعمال السياط وأقسى العقوبات، ودون أي تهرب أو احتيال على هذا القانون الإلهي، ما دام الملائكة الحفظة يكتبون، وما دام يوم الحساب والجزاء ينتظرنا بالمرصاد، فكل من ربي تربية إسلامية يشعر بتمام المسئولية عن كل أعماله، خوفا من الوقوف للحساب بين يدي الخالق في يوم تشخص فيه الأبصار.

ب- تحقيق الأخلاق الفاضلة المطلقة، في سلوكنا وحياتنا تحقيقا فعليا مستمرًّا، ثابتا غير متقلب، بلا نفاق ولا رياء، لا يكون إلا نتيجة للإيمان باليوم الآخر،

فالحلم والأناة، والتضحية، والصبر على الشدائد، والسمو بالنفس عن الدناءات، كل ذلك يتجلى به المؤمن؛ لأنه ينتظر جزاءه عند الله، لا عند المجتمع ولا عند الناس، ويوم الجزاء آت لا ريب فيه، في موعده الذي قدره الله له، لا يتزحزح، لذلك فإن أخلاق المؤمن ثابتة لا يزعزعها شيء من أعراض الحياة الزائلة.

ج- وكذلك انضباط جميع الدوافع والغرائز، والتحكم في هذه القوى الغريزية الجامحة، إنما يتم خوفًا من الله، وطمعا في جنته، وقد أشرنا إلى أن الإسلام وضع

ص: 83

لكل دافع غريزي، من الترغيب والترهيب، ومن التسامي به، ما يخضعه لشريعة الله، فيجعله طاقات مثمرة في حياة الفرد والمجتمع، بدلا من أن يعاكس الإنسان هذه الدوافع، فتنقلب إلى طاقات مبددة عندما يصطدم بالكبت والإحباط، فتوجيه الدوافع في الإسلام خير ألف مرة من كتبها أو تناسيها، كما في العقائد الأخرى التي تبالغ في الزهد، والتي لا تراعي الفطرة الإنسانية.

د- إيثار الآخرة على الدنيا، والصبر على الشدائد.

على أن مغريات الحياة الدنيا، وما يقابلها من المصائب، والشدائد التي تصيب الأفاضل المثاليين، يكيدها لهم أتباع الشياطين، لا علاج لها إلا ما يربيه القرآن في نفوسنا من "إيثار الآخرة على الدنيا".

فنساء رسول الله، وهن من فضليات النساء في عصرهن، اجتمعن ليطالبن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بأن يمتعهن بزينة الحياة الدنيا وغناها، كما تتمتع نساء الملوك، فنزل فيهن قوله تعالى:{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا، وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا} [الأحزاب: 33/ 28-29] .

فاخترن الله ورسوله والدار الآخرة، وبقين في كنف رسول الله يصبرن على شظف العيش، وقال سبحانه:{بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا، وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى} [الأعلى: 87/ 16-17] .

وقال عز وجل: {فَأَمَّا مَنْ طَغَى، وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا، فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى، وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى، فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى} [النازعات: 79/ 37-41] .

هـ- تربية العقل على الفطرة السليمة: وذلك أن كل إنسان يفكر في هذا الكون بدون تحيز إلى أهوائه يصل إلى النتائج التالية:

*- أن كل ما في الكون من حياة وموت، وفناء أو ضعف تدريجي للطاقات وتغير، وأفول وشروق، يدل على أنه صائر إلى الزوال، ومسير بغير إرادته.

ص: 84

*- وأن هذا الإنسان الذي يقضي عمره في كدح وجد، وخصومة ونزال مع المجتمع، وهو يتمتع بالعقل والتمييز بين الخير والشر، إذا به يموت ويفقد كل حركة أو حياة، ومن الناس ظالم ومحسن وصالح وطالح، فهل يستوي ذلك كله؟ وهل تكون كل أعمال الناس إلى فناء، من غير تمييز بين المحسن المسيء؟

إن العقل الصحيح والفطرة السليمة لا تستسيغان ذلك، ولا تستسيغان أن يكون هذا الكون المنظم البديع مصيره إلى الفناء بغير هدف، ولا غاية.

*- فالكون الذي يدل على خالق مبدع حكيم، يدل على وراء وجود غاية، من أجلها أوجده الله، وهذه النتيجة يتوصل إليها العقل السليم بفطرته.

*- وبالقياس المنطقي على خلق الله لهذا الكون وللإنسان، يستلزم العقل الصحيح الخالي من التحيز للهوى، أن الذي خلق الكون، أو مرة قادر على إعاته خلقًا جديدًا، وكذلك الذي خلق الإنسان.

هذه السلسلة من التفكير كل حلقة منها مرتبطة بسابقتها، هي التي بنى عليها القرآن أدلته على وجود الله، ثم على اليوم الآخر والبعث والنشور، والتربية الإسلامية تنمي عقل الإنسان دائمًا على هذا التفكير السليم، والارتباط المنطقي بين المقدمات والنتائج، كما تربيه على ألا يستسيغ العبث وانعدام الغاية، والخضوع للمصادفة، فكل ذلك ليس من الفطرة العقلية السليمة في شيء، والله لا يرضى لنا أن يكون علقنا معوجا سقيما، لذلك قال:{وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ} [الزمر: 39/ 7] ؛ لأن الكفر بوجود الله وباليوم الآخر، معناه خضوع العقل للعبث والمصادفة، وعدم التعليل الصحيح.

6-

الإيمان بالقدر خيره وشره:

وهذا الإيمان من لوازم الإيمان بالله؛ لأن الله هو الذي قدر كل ما سيقع في الكون، وفي المجتمع الإنساني، وبين البشر من حوادث، وقدر لكل ذرة في السماوات والأرض مبدأها ومصيرها، ونظامها، وأجلها، وعلاقاتها بغيرها وبسائر الكون، وكذلك لكل جرم صغير أو كبير.

ص: 85

ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل هذا الإيمان ركنا مستقلا؛ لأن جانبا هاما من حياة الإنسان، وتربيته يرتكز على هذا الركن، فتعال ننظر إلى آثاره التربوية:

الآثار التربوية للإيمان بالقدر:

أ- العزم والقضاء على التردد: ليس في المجتمعات البشرية أمضى عزيمة من المؤمن بقدر الله، فهو إذا ناقش الأمور ورجح بينها، واسشاره غيره، واستخار ربه، يمضي قدما فيما عزم عليه، دون توقف أو تردد أو خوف، ليقينه بأن جميع الظروف والاحتمالات التي يمكن أن تكون غير واقعة في طوقه وحسبانه، هي مما وقع في علم الله وقدره، وأن الله مؤيده، فإذا يسر له ما عزم عليه، فهو الخير المقدر له، أو ليصرف الله عنه شرًّا كان محتملًا.

ب- عدم الندم أو الحسرة على ما فات، فالمؤمن لا ينوح على الماضي بالتندم والتحسر؛ لأن ذلك لن يرد عليه شيئا مما فات؛ ولأنه إنما حصل على ما كتب الله له، ولا اعتراض على قدر الله ما دام قد وقع، ولكن له أن يعتبر، فيتوب من الخطأ أو الذنب، ولا يلدغ من جحر مرتين.

ج- الجرأة أمام الموت: أما الموت فلا يمكن لنفس أن تموت إلا بإذن الله، بعد أن تستوفي أجلها الذي كتبه الله لها:{وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا} [آل عمران: 3/ 145] .

لذلك لا يحق للمؤمن أن يقول بعد أن يموت له قريب لو فعلنا كذا لما مات قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزّىً لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [آل عمران: 3/ 156] .

فإذا تربى المؤمن على الجرأة أمام الموت فقد أصبح جريئا أمام كل شيء، أمام فقد مال أو ولد أو جاه، أو أمام مرض أو أي مصاب آخر، ما دام يؤمن بأنه مقدر من الله.

د- التفاؤل الرضا وقطع دابر التشاؤم، وهو تعليل المصائب بعلل، أو أسباب غير صحيحة، كالتشاؤم من صوت البوم، أو كالتشاؤم الكفار بأنبيائهم، مع أن كفرهم هو الذي كان شؤما عليهم، كما قص الله علينا في سورة:{يّس} ، قول الكفار لأنبيائهم:

ص: 86

{قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ، قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَإِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ} [يس: 36/ 18-19] .

وعن عروة بن عامر قال: ذكرت الطيرة عند رسول الله فقال: "أحسنها الفأل 1، ولا ترد مسلمًا 2، فإذا رأى أحدكم ما يكره فليقل: اللهم لا يأتي بالحسنات إلا أنت، ولا يدفع السيئات إلا أنت ولا حوف، ولا قوة إلا بك"3.

وكالتشاؤم من المرض، مع أن له فوائد معنوية أهمها تهذيب النفس وتكفير الخطايا، فقد دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على أم السائب "أو أم المسيب"، فقال:

"مالك يا أم السائب -أو أم المسيب- تزفرين؟ " قالت: الحمى لا بارك الله فيها، فقال:"لا تسبي الحمى فإنها تذهب خطايا بني آدم كما يذهب الكير خبث الحديد"4.

وكذلك لا يجوز التشاؤم من الزمان، وحوادثه لقوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه عنه أبو هريرة:"لا يقولن أحدكم يا خيبة الدهر، فإن الله هو الدهر"5.

وكذلك نهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن التشاؤم من الريح: فقال فيما رواه عنه أبي بن كعب: "لا تسبوا الريح، فإذا رأيتم ما تكرهون فقولوا: الله إنا نسألك من خير هذه الريح وخير ما فيها، ونعوذ بك من شر هذه الريح وشر ما فيها، وشر ما أمرت به"6.

هـ- وهذا كله يربي المؤمن على العقل، وعدم تعليل الأمور حسب هواه ومصلحته، بل يجب أن يعرف أن لكل ظاهرة كونية فوائد ومضار، فيطلب فوائدها ويستبعد مضارها.

1 سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: وما الفأل؟ قال: "الكلمة الطيبة". حديث لا عدوى ولا طيرة متفق عليه -رياض الصالحين ص592 ط دار الكتاب العربي- بيروت.

2 أي لا ترد الطيرة مسلمًا عما عزم عليه.

3 قال النووي: حديث صحيح، رواه أبو داود بإسناد صحيح "رياض الصالحين ص592".

4 رواه مسلم عن جابر رضي الله عنه "رياض الصالحين ص606".

5 الأدب المفرد للإمام البخاري، الحديث 769.

6 رواه الترمذي، وقال: حديث صحيح "رياض الصالحين: ص606".

ص: 87