الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
سابعا: التربية بالترغيب والترهيب:
الأسس النفسية والتربوية:
بني هذا الأسلوب التربوي الإسلامي على ما فطر الله عليه الإنسان من الرغبة في اللذة والنعيم، والرفاهية وحسن البقاء، والرهبة من الألم والشقاء وسوء المصير.
ويشترك الحيوان مع الإنسان في أدنى درجاب هذه الرغبة والرهبة، فجميع الكائنات الحية تقريبا، تبتعد عما يؤذيها حال شعورها به، وتقبل على ما يلذها، ويحق استمرار الحياة لها أو لجنسها.
لكن الله ميز الإنسان -كما لاحظنا في بحثنا لأسس التربية الإسلامية- بالقدرة على التعلم والاعتبار، والتفكير لما بعد الفترة التي يعيشها، والعمل والتحضير للمستقبل والتمييز بين الضار والنافع، والاختيار بينهما، عاجلا حينا، وآجلا حينا آخر.
ومن أوضح الأمثلة على ذلك أن الفتى تستيقظ عنده الرغبة الجامحة في الزواج منذ بلوغه الحلم، لكنه يؤجل ذلك إذ يجد نفسه عاجزا عن نفقات الحياة الزوجية، فيفضل لذة ومتعة مؤجلة، ولو كان التأجيل مديدًا، لكنها مكفولة الاستقرار بحسب ما يبدو له، على لذة عاجلة ينغصها الحرمان والنكد، أو خراب البيوت وسوء السمعة، أو نقمة المجتمع، إلخ
…
وهكذا يرغبه مجتمعه بزواج هانئ مستقر إن هو صبر، ونال الشهادات أو الخبرات أو القدرة على الكسب، وإعالة الزوجة وتأمين المسكن.
كما يرهبه المجتمع كالأبوين والأصدقاء والأقارب، من النتائج الوخيمة إن هو اقترف لذة غير مشروعة، أو تسرع في زواج غير مناسب ولا ملائم.
تعريف:
يمكننا باستقراء آيات القرآن أن نعرف الترغيب، والترهيب كما يلي:
الترغيب وعد يصحبه تحبيب وإغراء، بمصلحة أو لذة أو متعة آجلة، مؤكدة، خيرة، خالصة من الشوائب، مقابل القيام بعمل صالح، أو الامتناع عن لذة ضارة أو عمل سيئ ابتغاء مرضاة الله، وذلك رحمة من الله لعباده.
والترهيب وعيد، وتهديد بعقوله تترتب على اقتراف إثم، أو ذنب مما نهى الله عنه أو على التهاون في أداء فريضة مما أمر الله به، أو هو تهديد من الله يقصد به تخويف عباده، وإظهار صفة من صفات الجبروت، والعظمة الإلهية، ليكونوا دائما على حذر من ارتكاب الهفوات والمعاصي، كقوله تعالى:{وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا، ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا} [مريم: 19/ 71-72] .
وقوله تعالى: {قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ، لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ} [الزمر: 39/ 15-16] .
مميزات الترغيب، والترهيب القرآني والنبوي:
يمتاز الترغيب والترهيب في التربية الإسلامية عما يسمونه في التربية الغربية "الثوب والعقاب" بميزات صادرة عن الطبيعة الربانية المواتية لفطرة الإنسان التي تتسم بها التربية الإسلامية، وأهم هذه المميزات:
1-
يعتمد الترغيب والترهيب القرآني، والنيوي على الإقناع والبرهان، فليس من آية فيها ترغيب أو ترهيب بأمر من أمور الآخرة إلا، ولها علاقة أو فيها توجيه خطاب إلى المؤمنين.
وهذا معناه تربويا أن نبدأ بغرس الإيمان، والعقيدة الصحيحة في نفوس الناشئين، ليتسنى لنا أن نرغبهم بالجنة، أو نرهبهم من عذاب الله، وليكون لهذا الترغيب والترهيب ثمرة عملية سلوكية، ولهذا بدأنا في هذا الكتاب بعرض أسس التربية الإسلامية قبل أساليبها، وقد يكون الإقناع عن طريق أخذ العبرة من القصة القرآنية، ثم يعقبها التهديد أو الترغيب.
2-
يكون الترغيب والترهيب القرآني، والنبوي مصحوبا بتصور فني رائع، لنعيم الجنة أو لعذاب جهنم، بأسلوب واضح يفهمه جميع الناس.
لذلك يجب على المربي أن يستخدم الصور، والمعاني القرآنية والنبوية في عرضه لعقاب الله وثوابه، وتقريبها إلى إفهام الناشئين كتصوير مواقف القيامة بالصور القرآنية مدعومة بالتفاصيل النبوية كقصة الشفاعة يطلبها الناس في موقف الحشر من جميع الأنبياء، لشدة الهول فيعتذرون، إلا رسول الله محمدا صلى الله عليه وسلم، وقصة آخر رجل يدخل الجنة، ونحو ذلك من القصص النبوي عن مواقف القيامة.
وعلى المربي هنا ألا يتقيد بنصوص المنهج وحدها بل يجب اقتباس تفاصيل من كتب الحديث "كرياض الصالحين" و"الترغيب والترهيب" وغيرها، من كتب الحديث عندما يدرس التلاوة، أو التفسير أو التوحيد، أو أي مادة يمكن عرضها بأسلوب الترغيب والترهيب.
3-
يعتمد الترغيب والترهيب القرآني، والنبوي على إثارة الانفعالات، وتربية العواطف الربانية، وهذه التربية الوجدانية مقصد من مقاصد الشريعة الإسلامية.
أ- كعاطفة الخوف من الله التي أمر الله بها: {فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [آل عمران: 3/ 175] ومدح عباده الذين يخافونه، ووعدهم بالثواب العظيم:{وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ} [الرحمن: 55/ 46] بل أمرنا أن ندعوه، خوفا من عذابه، وطمعا في ثوابه.
وعلى تربية هذه العاطفة الربانية بنيت بعض العبادات كالصوم، وتحريم الصيد في
الحج: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ} [المائدة: 5/ 94] .
كما بني كثير من المعاملات الإسلامية عليها كالنصح في البيع والشراء، ورعاية اليتيم وحسن معاملة الزوجة، والعدل بين الأولاد، فكل من خاف ربه كان إنسانا فاضلا عادلا في سلوكه ومعاملاته، ومن لم يستح من ربه يفعل ما يشاء بلا ضابط ولا وازع، له قلب كالحجارة، أو أشد قسوة.
ب- الخشوع ومعناه التذلل، والخضوع والشعور بالانقياد، والعبودية لله تعالى وهو ثمرة للخوف، فنحن نرى في الدنيا أن الناس إذا خافوا من بعض الطواغيت الباطشين، سارعوا إلى الانقياد لأوامرهم والخضوع لها، ولو ظاهريا، ولكن الخشوع لله يمتاز عن الخضوع الظاهري بأنه مصحوب بشعور حقيقي بالتبعية لله تعالى، وبطاعته، والإذعان لعظمته، إذعانا ناتجا عن الأعجاب بآثار إبداعه، وتدبيره في هذا الكون وفي أنفسنا.
وقد ورد الحض على الخشوع عند ذكر الله، وقراءة القرآن في قوله تعالى:{أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ} [الحديد: 57/ 16] .
ولهذا الخشوع عند تلاوة القرآن علامات، وتغيرات جسدية وردت في قوله تعالى:{اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} [الزمر: 39/ 23] ، وذلك من شدة الخوف من الله، والشعور برقابته أثناء تلاوة كتابه.
تربية عواطف الخوف والخشوع: هذه أهم الانفعالات المصاحبة لآيات الترهيب
ولحالة الإنسان الخاشع الخائف من ربه، وقد عبر عنها القرآن بالخوف، والرهبة والخشية، والخشوع.
وينبغي أن يستشعرها المربي فتنتقل إلى طلابه، أو أبنائه بالعدوى الانفعالية، والاقتداء به والمحبة والتقليد.
كما ينبغي أن يتخذ في ملامح وجهه، ولهجة كلامه الهيئة التي تثير هذه الانفعالات كلما اقتضى الأمر ذلك، في نفوس الناشئين كذلك ينبغي الاعتماد على الإقناع، والبرهان والتكرار لتربية العواطف الربانية، فتكرار الانفعالات1 المتشابهة مرة بعد مرة حول موضوع معين وبمناسبات مختلفة، كالقصة والوصف والحوار، والاستفهام واستجواب الطلاب، هذا التكرار يربي في النفس الاستعداد الدائم الثورة انفعالية وجدانية كلما وجد الإنسان في موقف مشابه، وهذا الاستعداد يسمى عاطفة.
والعواطف قوى دافعة للسلوك، محرضة على الصبر، مثيرة ومغذية لطاقات الإنسان، لا تقل أهمية عن الدوافع الغريزية بل إنها تهيمن عليها، وتوجهها وتنظمها وتسمو بها، وبها يمتاز الإنسان على الحيوان، وكما أن في النفس عواطف سلبية ترافق التربية بالترهيب كالخف، والخشوع كذلك في النفس عواطف إيجابية ترافق التربية بالترغيب أهمها:
ج- المحبة:
فطر الإنسان منذ طفولته على الميل إلى أن يحب ويكون محبوبا، وقد ورد الحب في القرآن في عدد من الآيات، والحب في الأصل -كما هو معروف بين الناس- تعرق المحب بالمحبوب، وتتبع آثاره، ودوام تذكره، وحضور القلب معه، وعمل ما يرضيه ويحقق سروره.
1 أوضحنا هذا المعنى في فقرة "الحوار العاطفي" في بحث التربية بالحوار القرآني.
قال تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ} [البقرة: 2/ 165]، قال ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم":"ولحبهم له وتمام معرفتهم به وتوقيرهم، وتوحيدهم له لا يشركون به شيئا، بل يعبدونه وحده، ويتوكلون عليه ويلجئون إليه في جميع أمورهم"1.
قال تعالى: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [آل عمران: 3/ 31] .
فجعل الله اتباع رسوله الذي يبلغ أوامره من شروط محبته، كما وصف الله الذين يحبهم الله، ويحبونه بقوله:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [المائدة: 5/ 54] .
وإذا تتبعنا حياة الرسول صلى الله عليه وسلم، وأصحابه نرى أن محبة الله من أهم الدوافع التي تجعل الإنسان حريصًا على تحقيق شريعة الله في سلوكه وحياته، دون أن يكون عليه رقيب من البشر، وأن من أهم العوامل التي تؤدي إلى محبة الله، والشعور بفضله والتعرف إلى نعمه، وإلى ما أعد للمتقين في جنات النعيم، وطول مناجاته وقراءة كلامه، وتأمل آثار رحمته، إلخ.
د- الرجاء وهو الطمع في رحمة الله، والأمل في ثوابه وجزيل الأجر عنده، وقد كان هذا الرجاء دافعا إلى الجهاد، وطلب الموت في سبيل الله، فكان الصحابي والمجاهد يقول:"بخ، بخ، هل بيني وبين الجنة إلا أن أقاتل فأقتل في سبيل الله؟ " ويهجم على الأعداء حتى يستشهد.
1 تفسر ابن كثير، 1/ 202، ط دار الفكر - بيروت.
وقد أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم مرة "عبد الله بن جحش، ومعه ثمانية من المهاجرين، ومعه كتاب أمره ألا يفتحه إلا بعد مرحلة من الطريق، فلما فتحه وجد فيه الأمر بالذهب إلى نخلة بين الطائف ومكة، ليرصد قريشا ويعلم من أخبارهم، ويعود إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم".
فذهب مع ثنانية من أصحابه، وقتلوا قتيلًا من المشركين وأسروا أسيرين وبعيرا، وكان ذلك في آخر يوم من رجب، وتكلم فيها الناس وزعموا أنهم انتهكوا حرمة الشهر الحرام، فأنزل الله قرآنا ودافع عنهم، وأباح قتال المشركين في الشهر الحرام، فلما سري عنهم قالوا:"يا رسول الله! أنطمع أن يكون لنا غزوة نعطى فيها أجر المجاهدين؟ " فأنزل الله عز وجل: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [البقرة: 2/ 218] .
فكانت أول غنيمة غنمها المسلمون على يد تسعة من المهاجرين ساروا أياما في أراضي الأعداء، كل ذلك تحقيقا لأمر رسول الله، ورجاء رحمة الله وجنته وثوابه1.
فانظر إلى أثر هذا الرجاء ما أعظمه في نفوسهم، لقد كانوا حقا يرجون رحمة الله.
وغرس هذا الرجاء في نفوس الناشئة يبنى على الإيمان بالله واليوم الآخر، وعلى الإكثار من وصف الجنة، ونعيمها وربطها بضرورة التقيد بأوامر الله وترك نواهيه، وبالجهاد وإعلاء كلمة الله.
4-
تعتمد التربية بالترغيب والترهيب على ضبط الانفعالات، والعواطف والموازنة بينها.
فلا يجوز أن يطغى الخوف، على الأمل والرجاء فيقنط المذنب من عفو الله ورحمته، وقد نهى الله عن هذا اليأس، فقال تعالى: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى
1 في ظلال القرآن، 1/ 225، وتفسير المنار 2/ 317-318، الطبعة الأولى 1346هـ.
أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [الزمر: 39/ 53] .
مع علم الله بأن من عادة الإنسان إن لم يتسلح بالإيمان، والأمل بثواب الله أن يتصف باليأس، والقنوط عند نزول الشدائد:{لا يَسْأَمُ الْأِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَؤُوسٌ قَنُوطٌ} [فصلت: 41/ 49] ، ولكن الله يرضى لعباده اليأس والقنوط، ولذلك قرن اليأس بالكفر:{وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَؤُوسٌ كَفُورٌ، وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ، إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ} [هود: 11/ 9-11] .
كذلك لا ينبغي أن يطغى الفرح بزوال الشدة، فينسى الإنسان عقاب الله وقدرته، ويجعله فخورا بنفسه، معتدا بحوله وقوته مما يدعوه للعودة إلى المعاصي.
بل ينبغي أن يجمع الإنسان بين الخوف والرجاء، الخوف من عقاب الله وعظمته ومقامه، فلا يطغى ولا يتملكه الغرور، والرجاء في رحمة الله، فلا ييأس من عفوه.
وكل من اليأس والغرور يؤدي إذا تمادى بصاحبه إلى الكفر، أو الفسوق والطغيان: كما يفهم من الآيات السابقة، ومن قوله تعالى:{فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ} [الأعراف: 7/ 99]، وقوله:{وَأَخِيهِ وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ} [يوسف: 12/ 87] .
ولو استجمع الإنسان في ذهنه صفة من صفات الكمال الإلهي، مع ما يقابلها من تلك الصفات، لما وقع في شيء من التناقض، أو الإفراط والتفريط في جنب الله، فاستشعار غضب الله يجب ألا ينسينا رحمته، وإرادته المطلقة ينبغي ألا تنسينا حكمته، وهكذا يقول الله تعالى:{إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ} [الأعراف: 7/ 167] .
ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيما رواه عنه أبو هريرة رضي الله عنه:"لو يعلم المؤمن ما عند الله من العقوبة ما طمع بجنته أحد، ولو يعلم الكافر ما عند الله من الرحمة ما قنط من جنته أحد" 1، رواه مسلم.
وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الجنة أقرب إلى أحدكم من شراك نعله، والنار كذلك" 2، رواه البخاري.
وهكذا ينبغي أن نربي العواطف الربانية عند الناشئين باعتدال واتزان، فلا يتمادون في المعاصي مغترين برحمة الله ومغفرته، مسوفين ومؤجلين توبتهم إلى الله، ولا ييأسوا من نصر الله، ورحمته بدعوى أن المجتمع كله منغمس في المعاصي، منحرف عن الإسلام الصحيح، فيتركوا العمل بشريعة الله والدعوة إليها، والله تعالى يقول:{وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} [العنكبوت: 29/ 69] .
تم بحث التربية بالترغيب والترهيب، وتم الفراغ من مراجعته ظهر التاسع من ذي الحجة عام 1398هـ، وبه يتم هذا القسم من كتاب "أصول التربية الإسلامية"، وأرجو الله أن يوفقني إلى متابعة هذا البحث الجليل في مؤلفات أخرى.
"والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات".
1 رياض الصالحين للنووي، ص176، ط/ دار القلم بيروت سنة 1389هـ-1970م.
2 رياض الصالحين للنووي، ص176، ط/ دار القلم بيروت سنة 1389هـ-1970م.