الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
2-
تربي القصة القرآنية العواطف الربانية وذلك:
*- عن طريق إثارة الانفعالات كالخوف والترقب، وكالرضا والارتياح والحب، وكالتقزز والكره، كل ذلك يثار في طيات القصة بما فيها من وصف رائع ووقائع مصطفاة، فقصة يوسف مثلا تربي الصبر والثقة بالله، والأمل في نصره، بعد إثارة انفعال الخوف على يوسف، ثم الارتياح إلى استلامه منصب الوزارة.
*- وعن طريق توجيه جميع هذه الانفعالات حتى تلتقي عند نتيجة واحدة هي النتيجة التي تنتهي إليها القصة، فتوجه مثلا حماسة قارئ القصة نحو يوسف وأبيه، حتى يلتقيا في شكر الله في آخر القصة، ويوجه بغض الشر الذي صدر عن إخوة يوسف حتى يعترفوا بخطئهم، ويستغفر لهم أبوهم في آخر القصة، وهكذا..
*- وعن طريق المشاركة الوجدانية حيث يندمج القارئ مع جو القصة العاطفي حتى يعيش بانفعالاته مع شخصياتها، ففي قصة يوسف يعتري القارئ خوف أو قلق عندما يراد قتل يوسف، وإلقاؤه في الجب، ثم تنسرح العوطف قليلا مع انفراج الكربة عنه، ثم يعود القارئ إلى الترقب عندما يدخل يوسف دار "العزيز"، وهكذا يعيش القارئ مع يوسف في سجنه، وهو يدعو إلى الله، حتى يفرح بإنقاذه، ثم بتوليه وزارة مصر، وبنجاة أبيه من الحزن، وهو في كل ذلك رسول الله والداعية إلى دينه.
د- تمتاز القصة القرآنية بالإقناع الفكري بموضوع القصة:
*- عن طريق الإيحاء، والاستهواء والتقمص، فلولا صدق إيمان يوسف لما صبر في الجب على الوحشة، ولما ثبت في دار امرأة العزيز على محاربة الفاحشة، والبعد عن الزلل، هذه المواقف الرائعة توحي للإنسان بأهمية مبادئ بطل القصة وصحتها، وتستهويه صفات هذا البطل، وانتصاره بعد صبر ومصابرة طويلة، فيتقمص هذه الصفات حتى إنه ليقلدها، ولو لم يقصد إلى ذلك، وحتى إنه ليردد بعض هذه المواقف ويتصورها، ويسترجعها من شدة تأثره بها.
*- عن طريق التفكير والتأمل: فالقصص القرآني لا يخلو من محاورات فكرية ينتصر فيه الحق، ويصبح مرموقا محفوظا بالحوادث، والنتائج التي تثبت صحته، وعظمته في النفس وأثره في المجتمع، وتأييد الله له، ففي قصة يوسف تجد حوارا يدور بينه وبين فتيين عاشا معه في السجن فدعاهما إلى توحيد الله، وقصة نوح كلها حوار بين الحق والباطل، وكذلك قصة شعيب، وصالح وسائل الرسل، حوار منطقي مدعوم بالحجة، والبرهان1 يتخلل القصة، ثم تدور الدوائر على أهل الباطل، ويظهر الله الحق منتصرا في نتيجة القصة، أو يهلك الباطل وأهله، فيتظاهر الإقناع العقلي المنطقي والإثارة الوجدانية، والإيحاء وحب البطولة "الاستهواء"، والدافع الفطري إلى حب القوة وتقليد الأقوياء، تتظاهر كل هذه العوامل وتتضافر، يؤيدها التكرار مرة بعد مرة، فما أكثر تكرار بعض قصص القرآن، حتى تؤدي بمجموعها إلى تربية التصور الرباني للحياة، وللعقيدة واليوم الآخر، وإلى معرفة كل جوانب الشريعة الإلهية
1 تقدم شرح ذلك في الحوار القصصي، والحوار الجدلي.
معرفة إجمالية، وإلى تربية العواطف الربانية من حب في الله، وكراهية للكفر وحماسة لدين الله ولحماته، ولرسل الله، وولاء الله وانضواء تحت لوائه، وإلى السلوك المستقيم وفق شريعة الله، والتعامل حسب أوامره، وبهذا تحيط القصة القرآنية نفس الناشئ بالتربية الربانية من جميع جوانبها العقلية، والوجدانية والسلوكية.
2-
أغراض القصة القرآنية 1:
ليست القصة القرآنية عملا فنيا مطلقا مجردا عن الأغراض التوجيهية، إنما هي وسيلة من وسائل القرآن الكثيرة إلى تحقيق أغراضه الدينية الربانية، فهي إحدى الوسائل بإبلاغ الدعوة الإسلامية وتثبيتها.
والتعبير القرآني مع ذلك يؤلف بين الغرض الديني والغرض الفني، وبهذا امتازت القصة القرآنية بميزات تربوية وفنية، ذكرنا بعضها في الصفحات الماضية حيث لاحظنا أن القصص القرآني يجعل الجمال الفني أداة مقصودة للتأثير الوجداني، وإثارة الانفعالات، وتربية العواطف الربانية.
وسنعرض للقارئ بعض أغراض القصة القرآنية2 لكي يكون المربي على بينة من هذه الأغراض، فيوجه الطلاب بالاستجواب عن كل غرض إلى معرفة هذا الغرض، وتحقيقه في نفوسهم أو في سلوكهم، أو في تربية عقولهم ووجدانهم وعواطفهم، وهاك أهم هذه الأغراض:
أ- كان من أغراض القصة القرآنية إثبات الوحي والرسالة، وتحقيق القناعة بأن محمد صلى الله عليه وسلم، وهو الأمي الذي لا يقرأ، ولا عرف عنه أنه يجلس إلى أحبار اليهود والنصارى، يتلو على قومه القصص من كلام ربه، وقد جاء بعضها في دقة وإسهاب، فلا يشك عاقل في أنها وحي من الله، وأن محمدا رسول الله يبلغ رسالة ربه، والقرآن ينص على هذ الغرض نصا في مقدمات بعض القصص، أو في أواخرها فقد جاء في أول سورة يوسف:
1 التصوير الفني في القرآن: سيد قطب ص117-128، الطبعة الثانية دار المعارف بمصر، وقد اقتبست أهم هذه الأغراض باختصار حينا، وبالنص حينا آخر.
2 من أهم أغراض القصة عمومًا الاعتبار، وقد أجلت ذلك إلى بحث" التربية بالعبرة والموعظة"، وذكرت هناك بعض خطوات تدريس القصة للوصول إلى العبرة منها بالاستجواب.
{إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ، نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ} [يوسف: 12/ 2-3]، وجاء في سورة هود بعد قصة نوح:{تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا} [هود: 11/ 49] .
ب- ومن أغراض القصة القرآنية: بيان أن الدين كله من عند الله.
ج- وأن الله ينصر رسله والذين آمنوا، ويرحمهم وينجيهم من المآزق والكروب، من عهد آدم ونوح إلى عهد محمد صلى الله عليه وسلم، وأن المؤمنين كلهم أمة واحدة، والله الواحد رب الجميع.
وكثيرا ما وردت قصص عدد من الأنبياء مجتمعه في سورة واحدة، معروضة عرضا سريعا بطريقة خاصة لتؤيد هذه الحقيقة، كما في سورة الأنبياء، حيث ورد ذكر: موسى وهارون، ثم لمحة موجزة عن قصة إبراهيم ولوط، وكيف نجاهما الله وأهلك قومهما، وقصة نوح، وجانب من أخبار داود وسليمان، وما أنعم الله وكلهم من الصابرين الصالحين، وذكر الله لنا:{وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا} [الأنبياء: 21/ 87]، والتقمه الحوت:{فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ} [الأنبياء: 21/ 87]، قال تعالى:{فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ} [الأنبياء: 21/ 88] ثم قال تعالى: {وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ} [الأنبياء: 21/ 90] ، ويختم الله هذه السلسلة من الأنبياء بخبر مريم، وابنها عيسى عليهما السلام:{وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 21/ 91]، ثم يخاطب الله مباشرة جميع أنبيائه ورسله وأتباعهم بقوله:{إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء: 21/ 92] .
فتبين بهذه الآية الكريمة تقرير الغرض الأصيل من هذا الاستعراض الطويل، وهو
أن جميع الأنبياء يدينون دينًا واحدًا يخضعون لرب واحد يعبدونه وحده لا يشركون به شيئا.
وعندما نستعرض خير كل نبي نجد أن الله قد شد أزره، ونصره ونجاه من الكرب
الذي نزل به، أو المأزق الذي أوشك أن يقع فيه، كما نجى ذا النون "يونس" واستجاب لزكريا، وكما نجى إبراهيم، وقد أوشك أن يخترق بالنار، وأنه
سبحانه دائما ينعم على رسله، والذين آمنوا إذا صبروا وصدقوا، كما أنعم على داود بالنصر، وسليمان بالملك، فشكروا نعمة ربهم.
د- وفي هذا شد الأزر المؤمنين، وتسلية لهم عما يلاقون من الهموم والمصائب، وتثبيت لرسول الله ومن تبعه من أمته، وتأثير في نفوس من يدعوهم القرآن إلى الإيمان وأنهم إن لم يؤمنوا لا محالة هالكون، وموعظة وذكرى للمؤمنين، وقد صرح القرآن بهذا المعنى في قوله تعالى:{وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ} [هود: 11/ 120] .
وجاء في سورة العنكبوت لمحة خاطفة عن قصة كل نبي، مختومة بالعذاب الذي عذب به المذنبون من قومه حتى ختمت جميع القصص المجملة بقوله تعالى:{فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [العنكبوت: 29/ 40] فعلى المربي أن يستحضر مكان الموعظة، والذكرى من كل قصة، ليحاور الطلاب حوارا يوجههم إلى معرفتها، والتأثر بها والعمل بمقتضاها.
هـ- ومن أغراض القصة في التربية الإسلامية: تنبيه أبناء آدم إلى خطر غواية الشيطان1، وإبراز العداوة الخالدة بينه وبينهم منذ أبيهم إلى أن تقوم الساعة، وإبراز هذه العداوة عن طريق القصة أروع وأقوى، وأدعى إلى الحذر الشديد من كل هاجسة في النفس تدعو إلى الشر، ولما كان هذه موضوعا خالدا، فقد تكررت قصة
1 [الأعراف: 7/ 25-30] .
آدم في مواضع شتى، مما يدعو المربي إلى الإلحاح على هذا الموضوع، وتوجيه الطلاب إلى الحذر من غواية الشيطان في كل مناسبة ملائمة.
و ومن أغراض القصص التربوية: بيان قدرة الله تعالى، بيانا يثير انفعال الدهشة، والخوف من الله لتربية عاطفة الخشوع، والخضوع والانقياد ونحوها من العواطف الربانية.
كقصة الذي أماته الله مئة عام ثم بعثه1 وقصة خلق آدم2، وقصة إبراهيم والطير الذي آب إليه بعد أن جعل على كل جبل جزءا منه قال تعالى:{وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [البقرة: 2/ 260] .
القصص النبوي:
لا يختلف القصص النبوي من حيث أهميته، وميزاته التربوية عن القصص القرآني، ولكننا قد نجد فيه تفصيلا، وتخصيصا من حيث الأهداف، فللقصص النبوي، بالإضافة إلى الأهداف الأصلية التي رأينا للقصص القرآني، أهداف فرعية وأخلاقية نذكر منها على سبيل المثال:
الهدف الأول: بيان أهمية إخلاص العمل الصالح لله، والتوسل به إلى الله لتفريج الأزمات، وفيه جاءت قصة الثلاثة الذين آواهم المبيت إلى غار، فانحدرت صخرة من الجيل فسدت عليهم الغار، فقالوا: إنه لا ينجيكم من هذه الصخرة إلا أن تدعوا لله بصالح أعمالكم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: $"قال رجل منهم: اللهم كان لي أبوان شيخان كبيران، وكنت لا أغبق3 قبلهما أهلا ولا مالا، فنأى بن طلب شجر يوما، فلم أرح عليهما حتى ناما، فحلبت فلهما غبوقهما4، فوجدتهما نائمين فكرهت أن أغبق5
1 [البقرة: 259] .
2 [البقرة من 33 إلى 37]، [آل عمران: 59] .
3 لا أسقي.
4 اللبن الذي خصصت لسقيهما.
5 أسقي.
قبلهما أهلًا أو مالًا، فلبثت والقدح على يدي أنتظر استيقاظهما، فشربا غبوقهما، اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك، ففرج عنا ما نحن فيه من هذه الصخرة.."، فانفرجت الصخرة شيئا لا يستطيعون الخروج، قال النبي صلى الله عليه وسلم: "قال الآخر: "اللهم كانت لي ابنة عم كان أحب الناس إلي، فأردتها عن نفسها فامتنعت مني، حتى ألمت بها سنة من السنين، فجاءتني فأعطيتها عشرين ومئة دينار على أن تخلي بيني وبين نفسها ففعلت، حتى إذا قدرت عليها قالت: لا أحل لك أن تفض الخاتم إلا بحقه، فتحرجت من الوقوع عليها، فانصرفت عنها وهي أحب الناس إلي، وتركت لها الذهب الذي أعطيتها، اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك، فافرج عنا ما نحن فيه"، فانفرجت الصخرة غير أنهم لا يستطيعون الخروج منها، قال النبي صلى الله عليه وسلم:"وقال الثالث: اللهم استأجرت أجراء وأعطيتهم غير رجل واحد ترك الذي له وذهب، فثمرة أجره حتى كثرت منه الأموال، فجاءني بعد حين فقال لي: يا عبد الله أد لي أجري، فقلت: كل ما ترى من أجرك، من الإبل والغنم والبقر، فقال: يا عبد الله لا تستهزئ بي، فقلت: إني لا أستهزئ بك، فأخذه كلهه فاستاقه، فلم يترك منه شيئا، اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك، فافرج عنا ما نحن فيه، فانفرجت الضخرة، فخرجوا يمشون"1.
بعض مميزات القصص النبوي:
ومن هذه القصة نجد أن القصص النبوي يمتاز:
أ- ببساطة الأسلوب وتفصيله ووضوحه، مما يجعله مناسبا للأطفال والكبار، سهل الفهم قريب المنال مبسطًا.
ب- بتكرار بعض الألفاظ والعبارات للإلحاح على الغرض من الحديث، أو القصة كتكرار قول كل واحد:"اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك، فافرج عنا ما نحن فيه".
ج بطرافة الموضوع وجاذبيته للنفوس، وأخذه بمجامع القلوب، وهكذا سنرى
1 رواه البخاري ومسلم، والنسائي، الترغيب والترهيب، ج1، ورياض الصالحين ص16، ط دار القلم.
أن لكل قصة من القصص النبوي موضوعًا جديدًا وأسلوبًا طريفًا، واتجاهًا مغايرًا للقصص الأخرى.
الهدف الثاني: الحث على الصدقة، وشكر نعمة الله.
وفي هذا المعنى عدد من القصص النبوي: منها قصة الأقرع والأبرص، والأعمى وقد أرسل الله ملكا إلى كل منهم وقف بطريقة فمسحه فعافاه الله، وأعطاه مالا ثم أرسل الله الملك ذاته يطلب من كل صدقة، فرفض الأقرع والأبرض وأنكرا نعمة الله إذ ذكرهما بها الملك فأذهبها الله، ورضي الأعمى واعترف بنعمة
الله، فقال للملك السائل: خذ ما شئت، فأبقى الله عليه النعمة1.
ومنها قصة السحابة: عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بينما رجل في فلاة من الأرض، فسمع صوتا في سحابه: "اسق حديقة فلان" فتنحى ذلك السحاب فأفرغ ماءه في حرة، فإذا شرجة من تلك الشراج 2 قد استوعبت ذلك الماء كله، فتتبع الماء فإذا رجل قائم في حديقة يحول الماء بمسحاته، فقال له: يا عبد الله ما اسمك؟ قال: فلان -للاسم الذي سمع في السحابة- فقال له: يا عبد الله لم سألتني عن اسمي؟ قال: سمعت في السحاب الذي هذا ماءه يقول: اسق حديقة فلان لاسمك، فما تصنع فيها، قال: أما إذا قلت هذا فإني أنظر إلى ما يخرج منها فأتصدق بثلثه، وآكل أنا وعيالي ثلثا، وأرد فيه ثلثه"3.
القصص النبوي التاريخي:
يستطيع الباحث أن يميز بين ثلاثة أشكال لقصص الرسول التاريخية:
أ- كان بعض القصص النبوي التاريخي تكميلا وتوضيحا، وتوسيعا لما ورد في القرآن من إشارات إلى قصص مختصرة اقتصر القرآن منها على ما يحقق غرضه من إيرادها، كقصة إسماعيل وإبراهيم عليهما السلام إذ يرفعان القواعد من البيت، وإذ
1 حديث أبي هريرة في البخاري ومسلم، الحديث 66، ص22، رياض الصالحين، ط شركة الشمولي بالإسكندرية.
2 الشرجة: مسيل الماء إلى الأرض السهلة.
3 رواه مسلم، الترغيب والترهيب من الحديث، 1/ 261-262.
ترك إبراهيم زوجه وطفله، ثم أنعم الله عليهما ببئر زمزم، وقد أورد البخاري القصة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بما يقارب ثلاث صفحات، وكذلك قصة الخضر وموسى عليهما السلام، ومثل هذه القصص النبوية منثورة في كتب الحديث والسنة، وخاصة في أبواب التفسير.
ب- والبعض الآخر ليس كله من كلام الرسول صلى الله عليه وسلم، ولكنها قصص فيها عبرة، وفي عرضها فائدة عظيمة، فهي وقائع بارزة من حياة بعض الصحابة في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، كان لها وقع عظيم، وربما نزل فيها قرآن.
كقصة الثلاثة الذين خلفوا عن الجهاد، ثم قاطعهم الرسول والصحابة، حتى أنزل الله توبتهم في القرآن، "في سورة التوبة: 118".
وقصة الإفك حيث اتهم المنافقون عائشة رضي الله عنها حتى أنزل الله براءتها في القرآن: "سورة النور: من 11 إلى 25".
وقصة المرأة التي ظاهر منها زوجها، وراحت تشتكي إلى الله حتى نزل فيها قوله تعالى:{قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا} [المجادلة: 58/ 1] ، وهذه
القصص نجدها أيضا في كتب التفسير وأسباب النزول.
ج- أما الوقائع التاريخية وغزوات الرسول صلى الله عليه وسلم، فهي قصص متتابعة آخذ بعضها بأطراف بعض، يجدها المربي في كتب السيرة، ولا يستغني أي منهاج عن حصة، أو أكثر في الأسبع تخصص لدراسة السيرة النبوية لما فيها من عبرة وقدرة وفقه نبوي، وبيان لأسباب النزول، وتاريخ التشريع الإسلامي، ولحياة الرسول القدوة صلى الله عليه وسلم يقتدي الجيل بسجاياه الحميدة.