الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الحوارص القصصي
…
3-
الحوار القصصي:
وهو الذي يأتي في طيات قصة واضحة في شكلها وتسلسلها القصصي، وهذا الحوار لا يتعدى أن يكون جزءا من أسلوب القصة، أو عناصر في القرآن، أما أن يكون هناك قصة كلها حوار على غرار ما يسمونه اليوم بـ"المسرحية"، فهذا لم يرد في القرآن بهذا الشكل المسرحي، ولكن بعض القصص جاءت في بعض المواضع يغلب فيها الحوار على الإخبار، كقصة شعيب مع قومه في سورة هود، فالآيات العشر الأولى من هذه القصة كلها حوار، ثم ختم الله القصة بآيتين، بين فيها عاقبة قوم شعيب، وهاك القصة بأكلمها، من سورة هود:
{وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ، وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ، بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ، قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ، قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْأِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ، وَيَا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ، وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ، قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ
وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ، قَالَ يَا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ، وَيَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ، وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ، كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ} [هود: 11/ 84-95] .
التحليل التربوي:
انتشر هذا الحوار في كثير من القصص القرآن، والحوار القصصي ذو أثر فكري رائع بالإضافة إلى أثره الوجداني العاطفي، وذلك للأسباب التالية:
*- يعتمد تأثير الحوار القصصي على الإيحاء، شأنه في ذلك شأن الحوارين السابقين، فهو يوحي إلى القارئ بطريق غير مباشر أن يكره حجج الكافرين وأحوالهم، وخاصة عندما يرى مصيرهم في آخر القصة.
*- وهو كسابقيه، يربي العواطف الربانية في النفس، كالحب في الله، والرغبة في الدعوة إلى الله، والحماسة لأنبياء الله.
*- ويمتاز عن سابقيه، بأنه يعرض حجج الأنبياء عرضا فكريا ربانيا، وتدحض فيه حجج الظالمين الماديين، ويبين لنا منطقهم المتهافت.
فقوم شعيب لم يبقوا عليه حياته، إلا خوفا من "رهطه"، وشعيب ما كان ينصحهم إلا خوفا من الله ورغبة في إرضائه، فانظر ما أبعد الشقة بينهما؟!
*- ويمتاز بذكر نتيجة القصة، ومصير كل من الظالمين والمؤمنين، وتصويره تصويرا مرتبطا بالحوار وبمراحل القصة ارتباطا وثيقا، وذلك بعد ترقب وتلهف يشد القارئ والسامع إلى تتبع الحوار، وتأمل معانيه، فهو يربي الفكر والتصور الرباني لأمور الحياة، ولروابط الحياة الاجتماعية، مع مقارنة ذلك بتصورات الظالمين المترفين، القائمة على القوة أو المنفعة العاجلة، أو الجاه أو المصالح الشخصية.
ويجب ألا يخلو تعليم أي نص قرآني فيه حوار قصصي، من استجواب المتعلم عن رأيه في الحوار أو موقفه منه، ونحو ذلك بقصد تربية مشاعره، وعواطفه الربانية وتفكيره الديني عن الحياة والعلاقات الاجتماعية، والتصور الفكري عن الإنسان ومهمته في الكون.