الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
القسم الثاني: آدابهما في درسهما واشتغالهما
1
فمنها: ألا يزال كل منهما مجتهدا في الاشتغال قراءة ومطالعة وتعليقا ومباحثة ومذاكرة وفكرا وحفظا وإقراء وتصنيفا إن تأهل لهما، ووظائف الأوراد في كل الأحوال.
ومنها: ألا يخل بوظيفته من حضور درس ومذاكرة وقراءة ونحوها ولو لعروض مرض خفيف، أو ألم لطيف، وليستشف بالعلم وليشتغل بقدر الإمكان كما قيل "من البسيط":
إذا مرضنا تداوينا بذكركم
…
ونترك الذكر أحيانا فننتكس2
هذا والحكايات عن السلف في ارتكابهم الأهوال في طلب العلم مشهورة، مدونة في كتب التواريخ والسير ومسطورة3.
حكى الإمام عبد الحميد بن عيسى الخسروشاهي4 تلميذ الإمام فخر الدين
1 تذكرة السامع والمتكلم ص26-27.
2 تذكرة السامع والمتكلم ص27.
3 انظر فتح الباري 1/ 159، والبداية والنهاية 9/ 100، وتذكرة الحفاظ 1/ 108، والمنهج الأحمد 1/ 81، ووفيات الأعيان 2/ 233، انظر أيضا تذكرة الحفاظ 2/ 627 و789 و973، 3/ 1032.
4 هو أبو محمد، عبد الحميد بن عيسى بن عمُّويه بن يونس، شمس الدين، الخسروشاهي: من علماء الكلام، نسبته إلى خسروشاه "من قرى تبريز" ومولده فيها، تقدم في علم الأصول والعقليات والفقه، وأقام في دمشق والكرك، وتوفي في دمشق سنة 652هـ. النجوم الزاهرة 7/ 32، وشذرات الذهب.
الرازي1 عن جلالة الإمام واجتهاد طلبته2: أنه صحب طلبة الإمام في ثلج أبيض، ونوء بات ياسمينه على الأرض ينفض، والثلج قد أبطل كل حركة وكيف لا وهو بلا شك كافور، والسحائب عم عطاؤها في البلد، فساوى بين مستفل الأرض وشرفات السور، وهمتهم مع ذلك لم تخمد نيرانها، ولم تفتر عن سماع كلام الإمام آذانها، وإن عامت الأرض لكثرة الماء، وعمت الجدران سحائب السماء، وأبت همتهم: أن تبطل فوائد الإمام، ولو بطلت منهم الحواس الخمس، ونفوسهم أن تغيب عن كلماته وإن غابت تحت الغمام عين الشمس، ووضعوا على رءوسهم كساء يمنع وصول المطر، وفتحوا المحصول3 وشرع واحد يقرأ ثم واحد، والإمام لا يدني رأسه من الكوة إلا لمن يرتضيه، فمنهم من يجيبه، ومنهم من يقرأ إلى آخر درسه والإمام لا يلتفت إليه، ولا ينظر فيه، تمرينا منه رحمه الله لهم على الآداب، وتعريفا لمقدار العلم، وإن اقتحم ذو العزيمة الأهوال وظن أن همته تعلو على السحاب.
ومنها: أن يجتهد ألا يحضر مجلس الدرس إلا متطهرا من الحدث والخبث ومطيبا بدنه وثوبه، قاصدا بذلك تعظيم العلم، وتبجيل الشريعة، وإن كان في مسجد نوى في ابتداء جلوسه الاعتكاف.
ومنها: ألا يسأل أحدا تعنتا وتعجزا، فإنه لا يستحق جوابا، وسيأتي النهي عن ذلك.
1 هو أبو عبد الله، محمد بن عمر بن الحسن بن الحسين التيمي البكري، فخر الدين الرازي: الإمام المفسر، أوحد زمانه في المعقول والمنقول وعلوم الأوائل، وهو قرشي النسب، أصله من طبرستان، مولده في الري وإليها نسبته، رحل إلى خوارزم وما وراء النهر وخراسان، وتوفي في هراة سنة 606هـ، وله شعر بالعربية والفارسية، وكان واعظا بارعا في اللغتين العربية والفارسية، وقد أقبل الناس على كتبه في حياته يتدارسونها. الوافي 4/ 248، وطبقات الشافعية 8/ 161.
2 طبقات السبكي 8/ 162.
3 أي: كتاب المحصول في علم الأصول، لفخر الدين الرازي، وهو مطبوع.
ومنها: أن يتصور ويتأمل ويهذب ما يريد أن يورده، أو يقرره أو يسأل عنه قبل إبرازه والتفوه به؛ ليأمن من صدور هفوة، أو زلة، أو وهم، أو انعكاس فهم، لا سيما إن كان هناك من يخشى منه أن يصير ذلك عليه وصمة، ويجعله عند نظرائه ومن يحسده وسمة، والله هو الموفق، وهو اللطيف الخبير.
ومنها: ألا يستنكف من التعلم والاستفادة1 ممن هو دونه في منصب أو سن أو نسب أو شهرة أو دين أو في علم آخر، بل يحرص على الفائدة ممن كانت عنده، فقد كان كثير من السلف يستفيدون من تلاميذهم ما ليس عندهم، قال الحميدي2 وهو تلميذ الشافعي: صحبت الشافعي من مكة إلى مصر فكنت أستفيد منه المسائل، وكان يستفيد مني الحديث3، وقال أحمد بن حنبل: قال لنا الشافعي: أنتم أعلم بالحديث مني، فإذا صح عندكم الحديث فقولوا لي حتى آخذ به4، وقد ثبت في الصحيحين5 وغيرهما رواية جماعة من الصحابة عن التابعين وروى جماعات من التابعين عن تابع التابعين، وهذا عمرو بن شعيب6 ليس تابعيا، وقد روى عن أكثر من سبعين من التابعين، وأبلغ من هذا ما ثبت في الصحيحين7 من أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ: {لَمْ يَكُنِ
1 الجامع لأخلاق الراوي 1/ 211 فما بعد، وتذكرة السامع 28-29.
2 هو أبو بكر، عبد الله بن الزبير الحميدي الأسدي: أحد الأئمة في الحديث، من أهل مكة، رحل منها مع الإمام الشافعي إلى مصر، ولزمه إلى أن مات، فعاد إلى مكة يفتي بها، وهو شيخ البخاري، ورئيس أصحاب ابن عيينة، توفي بمكة سنة 219هـ. السير 10/ 616، والنجوم الزاهرة 2/ 231، وطبقات الحفاظ 200.
3 تذكرة السامع 29.
4 حلية الأولياء 9/ 106، وتذكرة السامع ص29.
5 تدريب الراوي 2/ 245 و388 و386.
6 هو إبراهيم، عمرو بن شعيب بن محمد السهمي القرشي: من رجال الحديث، كان يسكن مكة، وتوفي بالطائف سنة 118هـ. تهذيب التهذيب 8/ 48، والأعلام 5/ 79.
7 صحيح البخاري حديث 4676 و4677 في التفسير، ومسلم رقم 799 في صلاة المسافرين.
الَّذِينَ كَفَرُوا} [البينة: 1] على أُبي بن كعب1 رضي الله عنه وقال: "أمرني الله أن أقرأ عليك" 2، هذا وقد استنبط العلماء من هذا الحديث فوائد3:
الأولى: بيان التواضع من الفاضل بقراءته على المفضول، قال صلى الله عليه وسلم:"الكلمة الحكمة ضالة المؤمن، فحيث وجدها التقطها"، وفي رواية:"فهو أحق بها"4، وقال سعيد بن جبير5: لا يزال الرجل عالما ما تعلم، فإذا ترك العلم وظن أنه قد استغنى واكتفى بما عنده، فهو أجهل ما يكون، وأنشد بعضهم "من الطويل":
وليس العمى طول السؤال وإنما
…
تمام العمى طول السكوت على الجهل6
الثانية: ألا يستحي من السؤال عما لا يعلم، وعن مجاهد: لا يتعلم العلم مستحٍ ولا مستكبر7.
1 هو أبو المنذر، أبي بن كعب بن قيس النجاري الخزرجي: صحابي أنصاري، كان قبل الإسلام حبرا من أحبار اليهود، مطلعا على الكتب القديمة، ولما أسلم كان من كتاب الوحي، وشهد المشاهد كلها مع رسول الله، وكان يفتي على عهده، وأمره عثمان بجمع القرآن، فاشترك في جمعه، مات بالمدينة 21هـ. الإصابة 1/ 26، وغاية النهاية 1/ 31.
2 رواه البخاري رقم 4676 في التفسير، ومسلم 1/ 799، والمستدرك 2/ 244، والترمذي 5/ 665 و711، والسنن الكبرى 5/ 28.
3 فتح الباري 8/ 725، وشرح النووي على صحيح مسلم 6/ 85 و16/ 20.
4 الترمذي 5/ 51، وابن ماجه 2/ 1395، ومسند الشهاب 1/ 118، وتذكرة السامع 29، وشرح سنن ابن ماجه 1/ 307.
5 هو أبو عبد الله، سعيد بن جبير الأسدي، بالولاء، الكوفي: تابعي، كان أعلمهم على الإطلاق، وهو حبشي الأصل، أخذ العلم عن ابن عباس وابن عمر، وخرج ابن الأشعث على بني أمية، وكان معه سعيد، إلى أن قتل ابن الأشعث، فذهب سعيد إلى مكة، ثم قبض عليه، وقتله الحجاج بواسط سنة 95هـ، قال أحمد بن حنبل: قتل الحجاج سعيدا وما على وجه الأرض أحد إلا وهو مفتقر إلى علمه. وفيات الأعيان 2/ 371، والسير 4/ 322، وانظر قوله في تذكرة السامع والمتكلم 28.
6 جامع بيان العلم 1/ 380، وفيه: قال أبو عمر: كان الأصمعي ينشد: شفاء العمى
…
، وتذكرة السامع 28، ومحاضرات الأدباء 1/ 49.
7 ذكره البخاري تعليقا، كتاب العلم، باب الحياء في العلم، قال: وقال مجاهد: "لا يتعلم العلم
…
"، وهو عند أبي نعيم موصولا 3/ 287، والدارمي في سننه 1/ 112، وانظر أيضا فتح الباري 1/ 229، وجامع بيان العلم 1/ 535-536.
الثالثة: الانقياد إلى الحق بالرجوع عند الهفوة، فالرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل.
الرابعة: ترك المراء والجدال، وجعل الأخبار الواردة في ذلك نصب عينيه، عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أنا زعيم ببيت في ربض 1 الجنة، وببيت في وسط الجنة، وببيت في أعلى الجنة، لمن ترك المراء وإن كان محقا، وترك الكذب وإن كان مازحا، وحسَّن خلقه" 2، والأخبار في ذلك كثيرة، والله أعلم.
1 ربض المدينة: ما حولها من العمارة.
2 صحيح ابن حبان 10/ 479، والمستدرك على الصحيحين 2/ 69 و81، وفتح الباري 13/ 181، وفيض القدير 5/ 5، وموارد الظمآن 1/ 382، وأبو داود رقم 4800 في الأدب، وجامع الأصول 11/ 734، والمعجم الأوسط 1/ 269 و5/ 68 و285، ومجموعة رسائل في الحديث 1/ 45، والترغيب والترهيب 1/ 78 و2/ 184 و3/ 273، وهو حديث حسن، وراه أبو داود في سننه، وانظر سلسلة الضعيفة 135، والصحيحة 273، وصحيح الجامع الصغير 1/ 306.