الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الباب الخامس: في شروط المناظرة وآدابها وآفاتها
مدخل
…
الباب الخامس: في شروط المناظرة وآدابها وآفاتها
ملخصا من كتاب فاتحة العلوم1 لحجة الإسلام الغزالي، ولنقدم على ذكرهما مقدمة في بيان سبب إقبال الخلق على المناظرة.
اعلم2 أن الأعصار قد اختلفت في إقبال الخلق على أنواع العلوم، فالخلافة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم تولاها الخلفاء الراشدون، وهم أئمة مستقلون بالفتوى، كانوا لا يستعينون بالفقهاء إلا في وقائع نادرة، وكان الإسلام في زمانهم على طراوتهم3، ولم يكن لهم رغبة في العلم إلا لله تعالى، لا جرم4 كان اشتغالهم بمهمات الدين، ومراقبة القلب وملازمة التقوى، وطلب علم القرآن والحديث للعمل والهداية لا للرياء والرواية5، فأقبلوا على الله بكنه5 همتهم.
فلما انقضى عصرهم تولى الخلافة أقوام لا استقلال لهم بعلم الفتوى، واتسعت الولاية فاحتاجوا إلى القضاة والفقهاء المستقلين بالفتاوى والأقضية، وكان قد بقي من علماء التابعين من هو على الطراز الأول في ملازمة صفو الدين من الشوائب، وكانوا إذا طُلبوا هربوا، فاضطر الخلفاء إلى إكرامهم والإلحاح في طلبهم.
فرأى أهل تلك الأعصار عز العلماء بذلك فأكبوا على طلب علم الفتاوى توصلا إلى نيل العز والجاه، وكثرت الرغبة في علم المذهب واتسع [بيداء
1 فاتحة العلوم للغزالي 107، وفيه:"الباب الخامس: في شروط المناظرة وآفاتها، وبيان سبب إقبال الخلق عليها".
2 فاتحة العلوم 107، والنقل منه حرفيا.
3 في فاتحة العلوم: "على طرواته"، وطري: غضٌّ بيِّن الطرواة.
4 الأصل في الرواية: السقاية، ثم استعملت في رواية الشعر والحديث؛ لأنها في كل منها يراد بها: حمل ما يُرْوى.
5 كنه كل شيء: قدره ونهايته وغايته.
العلم] 1 وأكب الناس عليه، ثم عرضوا أنفسهم على الولاة وتعرفوا إليهم، وطلبوا الولايات والصلات منهم، فمنهم من حرم، ومنهم من أكرم2.
ولم يخل المكرَم3 عن ذل الطلب4، فأصبح المطلوب طالبا، والهارب الراهب راغبا، إلا من وفقه الله تعالى في كل عصر من علماء دينه المعرضين عن السلاطين وولاياتهم وأموالهم، ومن فضل الله تعالى أنه لم يخل عصر منهم.
وقد كان أكثر الإقبال في ذلك العصر على علم الفتاوى والأقضية، وهو المسمى الآن بعلم المذهب، ثم نبعت طائفة المتكلمين من المعتزلة5 وغيرهم، وظهر من الصدور والخلفاء من مال إلى البحث عن العقائد وإلى التعصب فيه، وأقبلوا على من اشتغل بذلك العلم، فأكب الناس على الكلام وأكثروا فيه التصانيف، ورتبوا فيه طرق المجادلات والمناقضات، وزعموا أن غرضهم الذب6 عن الدين والنضال عن السنة كما زعم من قبلهم أن غرضهم الاستقلال بالفتوى ليتميز الحلال من الحرام.
ثم ظهر بعد ذلك من الصدورمن لم يستصوب7 الخوض في أصول العقائد لما فيه من الفتنة فأعرض عن المتكلمين، وأقبل على التعصب للمذاهب في الفروع، وأقبل على من يناظر في الفقه وبيان الأولى من مذهب أبي حنيفة
1 زيادة في فاتحة العلوم يقتضيها السياق، والبيداء: المفازة والفلاة الواسعة.
2 في فاتحة العلوم: "ومنهم من أنجح" والنجح والنجاح: الظفر بالشيء، وقد أنجح ونجح.
3 في فاتحة العلوم: "المنجح".
4 إلى هنا ينتهي النقل الحرفي من فاتحة العلوم.
5 المعتزلة: فرقة من المتكلمين يخالفون الجمهور من المسلمين ببعض المعتقدات، وسموا بذلك؛ لأن إمامهم واصل بن عطاء، اعتزل مجلس الحسن البصري، وجعل مجلسا له خاصا به، فقال الحسن: اعتزلنا واصلا.
6 الذب عن الشي: الدفع والمنع.
7 الصواب: ضد الخطأ، واستصوبه رآه صوابا.
والشافعي رضي الله عنهما خاصة، فترك الناس الكلام وانثالوا1 على المسائل الخلافية بين أبي حنيفة والشافعي خاصة.
وزعموا أنهم إنما يفعلون ذلك لله تعالى، وغرضهم استنباط دقائق الشرع وبيان مآخذ الأحكام، وأكثروا فيه التصانيف ورتبوا طرق المجادلات، وأعرضوا عن الخلاف مع مالك وأحمد بن حنبل وسفيان مع أنهم كانوا يخالفون في جملة من الأحاديث، والبحث عن معاني الأحاديث وما لا يصح منها وما يصح أهم في مآخذ الأحكام، ولكن كانت رغبتهم بحسب ميل [الولاة و] 2 الصدور للتوسل إلى الصلات والولايات3، فلم يشتغلوا إلا بما يروج4 عندهم، ثم لم يسكتوا عن قولهم إنه لا باعث لهم إلا الدين وإحياء الشرع، ولو مالت نفوس أرباب الولايات إلى الخلاف مع أحمد بن حنبل ومع مالك وغيرهم لاشتغلوا بالبحث عن مذاهبهم ومناقضاتهم.
قال: فهكذا كان ترتيب الأعصار إلى الآن، ولا ندري ما قدره الله تعالى فيما بعد من الأعصار، فهذا هو الباعث على الإكباب على الخلافيات والمناظرة لا غير5. انتهى.
هذا ما كان في زمن الغزالي، وأما في عصرنا هذا فقد قصرت الهمم، وراج الجهل وذووه، فلا إكباب لمن ينتسب للعلم على شيء مما تقدم، ولكن ربما وقع بينهم مناظرات ومناقضات لائقة بحالهم، ونحن إنما اتبعنا
1 ثال: صب، وانثالوا: اجتمعوا وانصبوا من كل وجه.
2 زيادة من فاتحة العلوم.
3 في فاتحة العلوم: "إذ كان بهم التوسل إلى الإدرار، والصلات، والولايات" ودر اللبن: كثر وسال، ويقال في العطاء: الإدرار، والوصل: ضد الهجران، والصلة: الهبة أو الجائزة والعطية جمعها صلات، والولايات: جمع ولاية، وهي الإمارة.
4 راج الأمر يروج: نفق.
5 فاتحة العلوم 108-109.
الإمام الغزالي في ذكر أمرها تنبيها على شروطها وآفاتها لاحتمال وقوعها فليعلم.
قال الغزالي1 بعد ذكره الباعث على الإكباب على الخلاف والمناظرة المذكورة: فقل ما ترى رجلا يتعلم الخلاف خوفا من أن يقال له يوم القيامة: لم تتعلم الخلاف؟ وما من أحد إلا ويخاف أن يقال له يوم القيامة: لم لم تخلص في علمك وعملك؟ ولم راءيت الناس بطاعتك، يا فاجر ويا غاوي2 يا فاسق يا مرائي؟ كما ورد في الخبر أن المرائي ينادى بهذه الألقاب3، ومع ذلك لا يتعلم علم الإخلاص، وطريق الحذر من الرياء، وما يجري هذا المجرى من صفات القلب، فانظر الآن من يتعلم لخوف الآخرة ما أهم ما يشتغل به. انتهى.
1 فاتحة العلوم 109.
2 غاوٍ وغاوي: ضال.
3 فاتحة العلوم 109، انظر فتح القدير 1/ 41، وكشف القناع 6/ 112.