الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فإن قلت: في المناظرة فائدتان:
إحداهما: ترغيب الناس في العلم؛ إذ لولا حب الرئاسة لاندرست العلوم، وفي سد بابها ما يفتر هذه الرغبة.
والأخرى: أن فيه تشحيذ1 الخاطر وتقوية النفس لدرك مأخذ الشرع.
فتقول: صدقت لم نذكر ذلك لسد باب المناظرة، بل ذكرنا شروطها وآفاتها ليحترز المناظر عن الآفات بعد مراعاة الشروط، ثم يستدر2 فوائدها من الرغبة في العلم لوجه الله لا للدنيا، نسأل الله العافية.
ولنختم الكلام في هذا الباب بذكر مناظرات نفيسة من عيون مناظرات السلف تكملة للفائدة وتبركا بأنفاسهم، حشرنا الله في زمرتهم، آمين.
1 شحذته: سقته، وتشحيذ الخاطر: دفعه.
2 استدر يستدر فوائدها: يطلب فوائدها، واستدرت الريح السحاب: استجلبته.
مناظرة بين الشافعي ومالك رضي الله عنهما
1:
وهي سبب إذن مالك له بالإفتاء وسنه أربع عشرة سنة.
نقل الدميري4 في حياة الحيوان2وغيره أن الشافعي كان جالسا بين يدي مالك فجاء رجل فقال لمالك: إني رجل أبيع القمري6 وإني بعت في يومي هذا قمريا فرده عليَّ المشتري وقال: قمريك ما يصيح فحلفت له بالطلاق أنه لا يهدأ من الصياح، فقال له مالك: طلقت امرأتك ولا سبيل لك عليها، وكان الشافعي يومئذ ابن أربع عشرة سنة، فقال لذلك الرجل: أيما أكثر: صياح قمريك أو سكوته؟ فقال: لا، بل صياحه، فقال: لا طلاق عليك، فعلم بذلك مالك
1 حياة الحيوان الكبرى 2/ 222-223.
2 القمري، جمعه قمر وقماري، والأنثى قُمرية، والذكر ساق حر، كنيته أو ذكرى، وأبو طلحة: طائر مشهور، وضرب من الحمام حسن الصوت.
فقال: يا غلام من أين لك هذا؟ 1 فقال: لأنك حدثتني عن الزهري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن2 عن أم سلمة3 أن فاطمة بنت قيس4 قالت: يا رسول الله، إن أبا جهم5 ومعاوية6 خطباني، فقال:"أما معاوية فصعلوك لا مال له، وأما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه"، وقد علم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أبا جهنم كان يأكل وينام ويستريح، وقال: لا يضع عصاه عن عاتقه على المجاز7، والعرب تجعل أغلب الفعلين كمداومته، ولما كان صياح قمري هذا أكثر من سكوته جعلته كصياحه دائما، فتعجب مالك من احتجاجه وقال له: أفتِ فقد آن لك أن تفتي، فأفتى في ذلك السن رضي الله عنهما.
1 حياة الحيوان الكبرى 2/ 223.
2 هو أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف الزهري، من فقهاء المدينة السبعة الذين ذكرهم عبد الله بن المبارك، توفي سنة 104هـ. طبقات الفقهاء 1/ 44.
3 هي أسماء بنت يزيد بن السكن الأنصارية الأوسية: من أخطب نساء العرب، ومن ذوات الشجاعة والإقدام، وفدت على رسول الله صلى الله عليه وسلم في السنة الأولى للهجرة فبايعته وسمعت حديثه، وحضرت وقعة اليرموك، فكانت تسقي الظماء وتضمد جراح الجرحى، توفيت نحو سنة 30هـ. الأعلام 1/ 306.
4 فاطمة بنت قيس بن خالد القرشية الفهرية، أخت الضحاك بن قيس الأمير: صحابية، من المهاجرات الأول، كانت ذات جمال وعقل، ولها رواية للحديث، وفي بيتها اجتمع أهل الشورى لما قتل عمر، وتوفيت نحو سنة 50هـ. الإصابة 8/ 276، وتهذيب التهذيب 12/ 443.
5 هو أبو الجهم بن حذيفة بن غانم القرشي العدوي، قيل في اسمه عامر، وقيل عبيد: صحابي، من مسلمة الفتح، كان من معمري قريش، ومن مشيختهم، واشترك في بناء الكعبة مرتين: في الجاهلية، وفي الإسلام، وهو أحد الأربعة الذين دفنوا عثمان، وله خبر مع معاوية، وهو أحد الأربعة الذين كانت قريش تأخذ عنهم النسب، وقالوا: إنه كان ضرابا للنساء، توفي نحو سنة 70هـ. وفيات الأعيان 2/ 535، والسير 2/ 556.
6 قال النووي في شرحه على صحيح مسلم: إن الخاطب هو معاوية بن أبي سفيان بن حرب، وهو الصواب، وقيل: إنه معاوية آخر، وهو غلط نبهت عليه لئلا يغتر به، وأوضحته في تهذيب الأسماء واللغات في ترجمة معاوية. شرح النووي على صحيح مسلم 10/ 98.
7 الحديث رواه مسلم 1480، وانظر الموطأ 2/ 580 و581 في الطلاق، وأبو داود 2284 في الطلاق، والرسالة للشافعي فقرة 856، والسير 2/ 502 و557، وانظر الإصابة 6/ 239، و 7/ 61، وقوله صلى الله عليه وسلم:"لا يضع عصاه عن عاتقه" فيه تاويلان مشهوران؛ أحدهما: أنه كثير الأسفار، والثاني: أنه كثير الضرب للنساء، وهذا أصح، والعاتق هو ما بين العنق إلى المنكب.