الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
كَارِهًا لِلشَّرْطِ؛ وَهُوَ لِلْجَزَاءِ أَكْرَهُ، وَيَلْتَزِمُ أَعْظَمَ الْمَكْرُوهَيْنِ عِنْدَهُ لِيَمْتَنِعَ بِهِ مِنْ أَدْنَى الْمَكْرُوهَيْنِ. فَيَقُولُ: إنْ فَعَلْت كَذَا فَامْرَأَتِي طَالِقٌ. أَوْ عَبِيدِي أَحْرَارٌ. أَوْ عَلَيَّ الْحَجُّ، وَنَحْوُ ذَلِكَ. أَوْ يَقُولَ لِامْرَأَتِهِ: إنْ زَنَيْت أَوْ سَرَقْت أَوْ خُنْت: فَأَنْتِ طَالِقٌ يَقْصِدُ زَجْرَهَا أَوْ تَخْوِيفَهَا بِالْيَمِينِ، لَا إيقَاعَ الطَّلَاقِ إذَا فَعَلَتْ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ مُرِيدًا لَهَا وَإِنْ فَعَلْت ذَلِكَ؛ لِكَوْنِ طَلَاقِهَا أَكْرَهَ إلَيْهِ مِنْ مَقَامِهَا عَلَى تِلْكَ الْحَالِ، فَهُوَ عَلَّقَ بِذَلِكَ لِقَصْدِ الْحَظْرِ وَالْمَنْعِ؛ لَا لِقَصْدِ الْإِيقَاعِ: فَهَذَا حَالِفٌ لَيْسَ بِمُوقِعٍ. وَهَذَا هُوَ الْحَالِفُ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَهُوَ الَّذِي تُجْزِئُهُ الْكَفَّارَةُ. وَالنَّاسُ يَحْلِفُونَ بِصِيغَةِ الْقَسَمِ، وَقَدْ يَحْلِفُونَ بِصِيغَةِ الشَّرْطِ الَّتِي فِي مَعْنَاهَا؛ فَإِنْ عُلِمَ هَذَا وَهَذَا سَوَاءٌ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا الْمُلْتَزِمُ لِأَمْرٍ عِنْدَ الشَّرْطِ، فَإِنَّمَا يَلْزَمُهُ بِشَرْطَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ الْمُلْتَزَمُ قُرْبَةً، وَالثَّانِي أَنْ يَكُونَ قَصْدُهُ التَّقَرُّبَ إلَى اللَّهِ بِهِ، لَا الْحَلِفُ بِهِ، فَلَوْ الْتَزَمَ مَا لَيْسَ بِقُرْبَةٍ. كَالتَّطْلِيقِ وَالْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ وَالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ لَمْ يَلْزَمْهُ.
وَلَوْ الْتَزَمَ الْقُرْبَةَ كَالصَّدَقَةِ وَالصِّيَامِ وَالْحَجِّ عَلَى وَجْهِ الْحَلِفِ بِهَا لَمْ تَلْزَمْهُ، بَلْ تُجْزِئُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ عِنْدَ الصَّحَابَةِ، وَجُمْهُورِ السَّلَفِ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ، وَإِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَوْلُ الْمُحَقِّقِينَ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ، وَهَذَا الْحَالِفُ بِالطَّلَاقِ هُوَ الْتَزَمَ وُقُوعَهُ عَلَى وَجْهِ الْيَمِينِ، وَهُوَ يَكْرَهُ وُقُوعَهُ، إذَا أَوْجَدَ الشَّرْطَ كَمَا يَكْرَهُ وُقُوعَ الْكُفْرِ إذَا حَلَفَ بِهِ، وَكَمَا يَكْرَهُ وُجُوبَ تِلْكَ الْعِبَادَاتِ إذَا حَلَفَ بِهَا، وَأَمَّا قَوْلُ الْقَائِلِ: إنَّ هَذَا حَالِفٌ بِغَيْرِ اللَّهِ فَلَا تَلْزَمُهُ كَفَّارَةٌ، فَيُقَالُ: النَّصُّ وَرَدَ فِيمَنْ حَلَفَ بِالْمَخْلُوقَاتِ، وَلِهَذَا جَعَلَهُ شِرْكًا؛ لِأَنَّهُ عَقَدَ الْيَمِينَ بِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنْ عَقَدَ الْيَمِينَ لِلَّهِ فَهُوَ أَبْلَغُ مِمَّنْ عَقَدَهَا بِاَللَّهِ، وَلِهَذَا كَانَ النَّذْرُ أَبْلَغَ مِنْ الْيَمِينِ. فَوُجُوبُ الْكَفَّارَةِ فِيمَا عُقِدَ لِلَّهِ أَوْلَى مِنْ وُجُوبِهَا فِيمَا عُقِدَ بِاَللَّهِ. وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
[الْمَرْأَة إذَا وَقَعَ بِهَا الطَّلَاقُ الثَّلَاثُ]
544 -
7 - سُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: فِيمَنْ يَقُولُ إنَّ الْمَرْأَةَ. إذَا وَقَعَ بِهَا الطَّلَاقُ الثَّلَاثُ، تُبَاحُ بِدُونِ نِكَاحٍ ثَانٍ لِلَّذِي طَلَّقَهَا ثَلَاثًا، فَهَلْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ أَحَدٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ؟ وَمَنْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ مَاذَا يَجِبُ عَلَيْهِ، وَمَا صِفَةُ النِّكَاحِ الثَّانِي الَّذِي يُبِيحُهَا أَفْتُونَا؟
الْجَوَابُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. إذَا وَقَعَ بِالْمَرْأَةِ الطَّلَاقُ الثَّلَاثُ. لَمْ تَحِلَّ لِمُطَلِّقِهَا حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ، كَمَا ذَكَرَهُ اللَّهُ ذَلِكَ فِي كِتَابِهِ، وَقَضَتْ بِهِ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، لَمْ يَقُلْ فِيهِ أَحَدٌ مِنْهُمْ أَنَّهَا تُبَاحُ بَعْدَ وُقُوعِ الثَّلَاثِ، بِدُونِ نِكَاحِ زَوْجٍ ثَانٍ، وَمَنْ نَقَلَ هَذَا عَنْ أَحَدٍ مِنْ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ، فَقَدْ كَذَبَ عَلَيْهِ، وَلَكِنَّ طَائِفَةً مِنْ مُتَأَخِّرِي الْفُقَهَاءِ، اعْتَقَدَ فِي بَعْضِ صُوَرِ التَّعْلِيقِ، وَهِيَ صُورَةُ التَّسْرِيحِ. أَنَّ صَاحِبَهَا لَا يَقَعُ مِنْهُ بَعْدَ هَذَا طَلَاقٌ، وَأَنْكَرَ ذَلِكَ جَمَاهِيرُ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ. وَرَدُّوا هَذَا الْقَوْلَ، وَهُوَ قَوْلٌ مُحْدَثٌ، لَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ مِنْ الصَّحَابَةِ، وَلَا التَّابِعِينَ، وَلَا أَحَدٌ مِنْ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ، وَلَا نُظَرَائِهِمْ، وَإِنَّمَا قَالَهُ مَنْ قَالَهُ بِشُبْهَةٍ وَقَعَتْ فِي مِثْلِ ذَلِكَ. وَقَدْ بَيَّنَّاهَا وَبَيَّنَّا فَسَادَهَا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ؛ وَمَنْ قَالَ: إنَّ الطَّلَاقَ الثَّلَاثَ لَا يَقَعُ بِحَالٍ، فَقَدْ جَعَلَ نِكَاحَ الْمُسْلِمِينَ مِثْلَ نِكَاحِ النَّصَارَى.
وَاَللَّهُ قَدْ شَرَعَ الطَّلَاقَ فِي الْجُمْلَةِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ، فَمَنْ قَالَ: إنَّهَا تُبَاحُ بَعْدَ وُقُوعِ الثَّلَاثِ بِدُونِ زَوْجٍ ثَانٍ، فَإِنَّهُ يُسْتَتَابُ، فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ، وَمَنْ اسْتَحَلَّ وَطْأَهَا بَعْدَ عِلْمِهِ أَنَّهُ وَقَعَ بِهِ الثَّلَاثُ، فَإِنْ كَانَ جَاهِلًا عُرِّفَ الْحُكْمَ، فَإِنْ أَصَرَّ عَلَى اسْتِحْلَالِ ذَلِكَ، فَهُوَ مُرْتَدٌّ تَجْرِي عَلَيْهِ أَحْكَامُ الْمُرْتَدِّينَ، بِخِلَافِ مَا تَنَازَعَ فِيهِ الْمُسْلِمُونَ وَسَاغَ فِيهِ الِاجْتِهَادُ، فَإِنَّ الْمُسْلِمِينَ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدِهِمْ، تَنَازَعُوا فِي مَسَائِلَ كَثِيرَةٍ. هَلْ يَقَعُ فِيهَا الطَّلَاقُ أَوْ لَا يَقَعُ؟ وَهَلْ يَقَعُ وَاحِدَةٌ أَوْ ثَلَاثٌ؟ وَتَنَازَعُوا فِي بَعْضِ الصُّوَرِ هَلْ الطَّلَاقُ مُبَاحٌ أَوْ مُحَرَّمٌ، وَلَمْ يَتَنَازَعُوا أَنَّهُ مُحَرَّمٌ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ كَالطَّلَاقِ فِي الْحَيْضِ، إذَا لَمْ تَسْأَلْهُ الطَّلَاقَ فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ، حَتَّى تَطْهُرَ فَيُطَلِّقَهَا فِي طُهْرٍ لَمْ يُصِبْهَا فِيهِ، وَإِنَّهُ يُبَاحُ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ، كَمَا إذَا احْتَاجَ إلَيْهِ فَإِنَّنَا مَعَ الْحَاجَةِ إلَيْهِ مُبَاحٌ، فَلَا كَرَاهَةَ وَبِدُونِ الْحَاجَةِ مُكْرَهٌ عِنْدَ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ وَتَحْرُمُ عِنْدَ بَعْضِهِمْ وَالْفَرْقُ بَيْنَ مَوَاقِعِ الْإِجْمَاعِ وَمَوَارِدِ النِّزَاعِ مَعْلُومٌ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ.
وَالْمَسَائِلُ الَّتِي تَنَازَعَ فِيهَا الْعُلَمَاءُ، مِنْ مَسَائِلِ الطَّلَاقِ كَثِيرَةٌ، كَمَسَائِلِ الْكِنَايَاتِ الظَّاهِرَةِ وَالْخَفِيَّةِ، هَلْ تَقَعُ بِهَا وَاحِدَةٌ رَجْعِيَّةٌ أَوْ يَقَعُ بِالظَّاهِرَةِ، وَاحِدَةٌ بَائِنَةٌ أَوْ ثَلَاثٌ، وَهَلْ يُفَرَّقُ بَيْنَ حَالٍ وَحَالٍ، وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنْ مَسَائِلِ الِاجْتِهَادِ وَاتَّفَقُوا كُلُّهُمْ عَلَى أَنَّهَا لَا تُبَاحُ بَعْدَ وُقُوعِ الثَّلَاثِ إلَّا بِنِكَاحِ زَوْجٍ ثَانٍ، وَلَا بُدَّ فِيهِ مِنْ الْوَطْءِ عِنْدَ عَامَّةِ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ.