الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
تعريف التخصيص:
أ-لغة:
سبق أن ذكرنا أن الخاص لغة بمعنى المنفرد، وعليه فالتخصيص في اللغة مصدر خصص، بمعنى خص، والتخصيص: إفراد وتمييز بعض الشيء بما لا يشاركه فيه الجملة، وذلك خلاف التعميم (1).
ب- اصطلاحا:
التخصيص هو: (قصر العام على بعض أفراده الغالبة بدليل يقتضي ذلك)(2).
وقولنا: (قصر) لإخراج النسخ الجزئي من التعريف، وذلك لأن نسخ البعض ليس قصرا بل هو رفع بعد إثبات، والتخصيص قصر للدليل العام عن إثبات الحكم قبل دخوله وقت العمل فلا يدخل النسخ في التعريف (3).
قال الشيخ النملة في "شرح الروضة"(6/ 211): (والمراد من (قصر العام) قصر حكمه، وإن كان لفظ العام باقيا على عمومه، لكن لفظا لا حكما. وبذلك يخرج إطلاق العام وإرادة الخاص، فإن ذلك قصر إرادة لفظ العام لا قصر حكمه).
فائدة - الفرق بين النسخ الجزئي والتخصيص:
في حالة النسخ الجزئي يكون الحكم قد تناول جميع الأفراد ابتداء ثم رفع بالنسبة إلى بعض الأفراد وبقي الحكم فيما عداهم. وأما في حالة التخصيص فإن حكم العام تعلق ببعض أفراده ابتداء، ولهذا يشترط في النسخ أن يكون متراخيا عن وقت العمل بالعام، بخلاف التخصيص فإنه لا يشترط أن يكون متأخرا عن وقت العمل بالعام سواء جاء مقترنا بالعام، أو متقدما عليه، أو متأخرا عنه - وذلك على القول الراجح من أنه يجوز تأخير البيان عن وقت الخطاب إلى وقت الحاجة إلى العمل به ولا يجوز تأخيره عن وقت الحاجة للعمل به -.
(1) انظر لسان العرب مادة (خ ص ص).
(2)
هذا التعريف مستفاد من كلام الشنقيطي في "المذكرة"(ص/66، 208)، والطوفي في "شرح مختصر الروضة"(1/ 579)، والعطار في "حاشيته على جمع الجوامع"(2/ 31).
(3)
نظر رسالة "تخصيص العام" للشيخ عباس الحكمي (ص/53).
مثال النسخ الجزئي قوله تعالى: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ)[النور: 6]، هو نسخ جزئي للعام في قوله تعالى:(وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً)[النور: 4]، لأن هذه الآية الثانية بعمومها تشمل كل قاذف سواء قذف زوجته أو غيرها، وقد شرع الحكم ابتداء عاماً، ثم قام الدليل وهو آيات اللعان على قصر الجلد على القاذف الذي يقذف غير زوجته، والدليل على ذلك ما رواه ابن ماجه وأحمد من حديث عبد الله قال:(كنا في المسجد ليلة الجمعة. فقال رجل لو أن رجلا وجد مع امرأته رجلا فقتله قتلتموه، وإن تكلم جلدتموه، والله لأذكرن ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فذكره النبي صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله آيات اللعان، ثم جاء الرجل بعد ذلك يقذف امرأته) الحديث.
وأما مثال التخصيص فقوله تعالى: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ)[العنكبوت: 14] الظاهر أن الألف كاملة لكن قوله: (إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا) بين أن هذه الخمسين غير مراد دخولها في الألف بداية وأن المراد بالألف تسعمائة وخمسون عاما. وسوف يأتي أمثلة أخرى كثيرة في محلها بإذن الله.
وقيدنا أفراده أو أجزائه بالغالبة لتخرج النادرة وغير المقصودة:
قال العطار في "حاشيته على جمع الجوامع"(2/ 31): (ينبغي تقييد أفراده بالغالبة ليخرج النادرة وغير المقصودة فإن القصر على أحدهما ليس تخصيصا خلافا للحنفية ولذلك ضعف تأويلهم أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل بحمله على المكاتبة أو المملوكة لأنه نادر فلا يقصر عليه الحكم
…
).
قال الطوفي في "شرح مختصر الروضة"(1/ 579 (: (فحصل من هذا الكلام في أمثلة التأويل والتخصيص المذكورة أن إخراج النادر من العام قريب، كإخراج المكاتبة من عموم حديث النكاح كما سبق بيانه (1)، وقصر العموم على النادر ممتنع،
(1) - قال (1/ 575): (بيان قوة عموم النص المذكور من وجوه - «أيما امرأة أنكحت نفسها بغير إذن وليها فنكاحها باطل» -:
أحدها: أنه صدره بلفظة: أي، وهي من ألفاظ الشرط.
الثاني: أنه أكدها بما في قوله: «أيما امرأة» وهي من مؤكدات العموم وغيره.
الثالث: أنه رتب بطلان النكاح على هذا الشرط المفيد للعموم في معرض الخبر، وقرائح ذوي الفصاحة لا تسمح في العموم بأبلغ من هذه العبارة، ولا أجزل من هذا الكلام.
وأما ضعف تأويلهم، فإنه تخصيص بعد تخصيص، لأنهم خصوا العموم بالأمة، فقصروه عليها، ثم قصروا الأمة على المكاتبة، وهي صورة نادرة بالنسبة إلى هذا العموم المؤكد، وإطلاق مثل هذا العموم، وإرادة مثل هذه الصورة النادرة يعد عند الفصحاء إلغازا في الكلام، وهذرا من القول، بل لو قال المتكلم بمثل هذا العموم: لم أرد المكاتبة، ولم تخطر ببالي، لم يستنكر ذلك منه لقلتها وندورها بالنسبة إلى مدلول صيغة العموم، وهو جميع النساء، فما يبلغ من القلة والندرة).