الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
حمل المطلق على المقيد:
قال الشيخ العثيمين رحمه الله في "الأصول"(ص/44): (وإذا ورد نص مطلق ونص مقيد وجب تقييد المطلق به إن كان الحكم واحداً وإلا عمل بكل واحد على ما ورد عليه من إطلاق أو تقييد.
مثال ما كان الحكم فيهما واحداً: قوله تعالى في كفارة الظهار: (فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا)(المجادلة: 3)، وقوله في كفارة القتل:(فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ)(النساء: 92). فالحكم واحد هو تحرير الرقبة فيجب تقييد المطلق في كفارة الظهار بالمقيد في كفارة القتل ويشترط الإيمان في الرقبة في كل منهما.
ومثال ما ليس الحكم فيهما واحداً: قوله تعالى: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا)(المائدة: 38). وقوله في آية الوضوء: (فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ)(المائدة: 6). فالحكم مختلف ففي الأولى قطع وفي الثانية غسل فلا تقيد الأولى بالثانية بل تبقى على إطلاقها ويكون القطع من الكوع مفصل الكف، والغسل إلى المرافق).اهـ
ومثال ما اتحد حكمه وسببه: كما لو قال في كفارة الظهار: (اعتق رقبة)، وقال عن نفس الكفارة في موضع آخر:(اعتق رقبة مؤمنة) فهنا يحمل المطلق على المقيد، وتقيد الرقبة بالإيمان.
ومثال ما اختلف حكمه واتحد سببه: مثل آية الوضوء؛ قال الله - تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ)[المائدة: 6]، وقال تعالى:(فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ)[المائدة: 6]؛ ففي الآية: تقييد غسل اليدين إلى المرفقين، وفي التيمم إطلاق الأيدي، وسببهما واحد وهو الحدث فلا يحمل المطلق على المقيد هنا، وفي بعض هذه الحالات خلاف في المذهب وغيره، والراجح هنا ما اختاره الشيخ من حمل المطلق على المقيد عند إتحاد الحكم
سواء اتحد السبب أم اختلف.
شروط حمل المطلق على المقيد:
اشترط القائلون بالحمل شروطا كثيرة وقد ذكرها الزركشي في البحر المحيط
ولخصها عنه الشوكاني في إرشاده، والسلمي في أصوله، ومن هذه الشروط (1):
1 ـ أن يكون القيد من باب الصفات، كالإيمان في الرقبة، ولا يصح أن يكون في إثبات زيادة لم ترد في المطلق، ولذلك لا يصح أن يقال: يجب أن يُيَمم الرجلين والرأس إذا أراد التيمم.
2 ـ أن لا يعارض القيد قيدٌ آخر، فإن عارضه قيد آخر لجأ المجتهد إلى الترجيح.
مثاله: حديث غسل الإناء من ولوغ الكلب، ورد بلفظ: فليغسله سبعا إحداهن بالتراب، وورد بلفظ: أولاهن، وبلفظ أخراهن، وكلها صحيحة السند، فالأولى مطلقة، والثانية والثالثة مقيدتان بقيدين متضادين فلا يمكن حمل المطلق على المقيد هنا إلا بترجيح.
3 ـ أن يكون ورود المطلق في باب الأوامر والإثبات، أما في سياق النفي والنهي فلا يحمل المطلق على المقيد، فلو قال: لا تعتق مكاتبا، ثم قال: لا تعتق مكاتبا كافرا، فلا يحمل المطلق على المقيد؛ لأنه لو أعتق مكاتبا مؤمنا لأخل بعموم اللفظ الأول.
كذا قالوا، ولا يخفى أن النكرة في سياق النفي والنهي تكون للعموم فلا يكون تقييدها من تقييد المطلق بل من تخصيص العام، والعام لا يخصص بما يدل على ثبوت الحكم لبعض أفراده.
4 ـ أن لا يقوم دليل يمنع من التقييد، فإن قام دليل يمنع منه لم يجز، ويمكن أن نمثل له بإطلاق الرقبة في كفارة الظهار في قوله تعالى:(فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ)، [المجادلة: 3] وتقييد الرقبة في كفارة القتل بالإيمان كما في قوله تعالى: (فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ)[النساء: 92] فقد تقرر حمل المطلق على المقيد في هذه الحالة فالواجب تحرير رقبة مؤمنة في كفارة الظهار، ولنفترض أنه ورد نص آخر في كفارة الظهار ينص على اجزاء الرقبة الكافرة نحو: فتحرير رقبة مؤمنة أو كافرة، لكان ذلك دليلا مانعا من حمل المطلق على المقيد، فيجزئ في الظهار رقبة مؤمنة، أو كافرة (2).
(1) انظر البحر المحيط (3/ 14)، وإرشاد الفحول (2/ 9)، وأصول الفقه الذي لا يسع الفقيه جهله (ص/372).
(2)
ذكر هذا المثال إبراهيم بن عبدالله في "الدليل الشرعي بين الإطلاق والتقييد"(ص/138).