الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ولقد كانت تعجبني طريقة العلامة الشنقيطي رحمه الله في الرد على القائلين بالمجاز في رسالته "منعُ جَوازِ المَجازِ في المُنزَّلِ للتَّعَبُّدِ والإعجَازِ" وذلك ببيان أن كل ما يسميه القائلون بالمجاز مجازاً فهو - عند من يقول بنفي المجاز - أسلوب من أساليب اللغة العربية، وأنها حقائق تكلم بها العرب، ولا يجوز نفيها (1).
والكلام في مناقشة المسألة وأدلة كل فريق يطول وليس هذا محله.
تعريف الحقيقة:
الحقيقة هي: (اللفظ المستعمل فيما وضع له)(2).
قال الشيخ العثيمين رحمه الله في "شرح الأصول"(ص/120): (خرج باللفظ الإشارة، فالإشارة لا توصف بحقيقة ولا مجاز - حتى لو فهمت - لأنها ليست بلفظ، والكتابة أيضا عندهم لا تسمى حقيقة ولا مجازا من حيث الكتابة ولكن من حيث المكتوب قد يكون حقيقة أو مجازا.
وقال: فخرج بقولنا: " المستعمل " المهمل فلا يسمى حقيقة ولا مجازاً.
وخرج بقولنا: " فيما وضع له " المجاز؛ لأن المجاز مستعمل في غير ما وضع له).
تنبيهان:
الأول:
قوله (فيما وضع له) يدخل فيه الحقيقة الشرعية، واللغوية، والعرفية، وذلك أن الوضع هو تعيين اللفظ للمعنى، فإن كان التعيين من جهة الشارع فوضع شرعي، وإن كان من جهة واضع اللغة فوضع لغوي، وإن كان من جهة قوم مخصوصين فوضع عرفي إما عام، وإما خاص.
ولذلك فقد قسم العلماء الحقيقة باعتبار الواضع إلى ثلاثة أقسام فإن كان الواضع الشارع فحقيقة شرعية، وإن كان اللغوي فلغوية، وإن كان العرف فعرفية.
(1) وقد تتبعت في تفسيره "أضواء البيان" كل ما قال فيه أنه من الأساليب، أو الإطلاقات العربية، وأودعته رسالة، وهي مقدمة للطبع بعناية شيخنا محمد بن عبدالحكيم القاضي.
(2)
الأصول من علم الأصول (ص/19).
الثاني:
ولتعلم أن من قسم الكلام إلى حقيقة ومجاز أثبت أن الكلام له وضع أول أي حقيقي استعملته فيه العرب كالأسد للحيوان المفترس، فإن استعملته في وضع ثان أي في الرجل الشجاع مثلا - بشروط تأتي - يقال أن هذا مجاز.
ويشكل على هذا التقسيم أمران:
الأول - أن من لوازم هذا التقسيم للوضع الأول والثاني للكلام أن اللغة توقيفية، وأن الوضع الأول معروف بتوقيف من الله، ويشكل على هذا أمور منها: أن علماء اللغة مختلفون في اللغة هل هي توقيفية أم اصطلاحية أم إلهامية على أقوال ستة مبسوطة في غير هذا الموضوع، فكيف السبيل للجزم بأن هذا هو الوضع الأول، بمعنى أنهم إن احتاجوا إلى إثبات الوضع السابق على الاستعمال تعذر عليهم ذلك للخلاف الوارد في أصل اللغة هل هي توقيفية أم لا؟
وأيضا إن عكس القول عليهم بأن الوضع الثاني أول لما استطاعوا رده.
وأيضا من لوازم قولهم أن اللفظ الموضوع قبل الاستعمال لا حقيقة ولا مجاز فإن استعمل في غير موضوعه صار مجاز لا حقيقة له.
الثاني- قولهم أن كل مجاز يجوز نفيه.
قال الشيخ العثيمين رحمه الله في "شرح نظم الورقات"(ص/71): (ونحن نجيب عن كل هذه الأمثلة - أي التي ذكرها العمريطي انتصار للقول بالمجاز في القرآن واللغة - ونقول: الصواب أنه لا مجاز في اللغة العربية، لا في القرآن، ولا في السنة، ولا في غيرهما؛ وذلك لأن المجاز أصدق ما يكون فيه هو الذي يصح نفيه ونفي المعنى المراد بمقتضى سياقه، أو لفظه لا يمكن أبدا) ثم أخذ رحمه الله في الرد على الأمثلة المذكورة.
قال العلامة الشنقيطي رحمه الله في رسالته " منع جواز المجاز في المنزل للتعبد والإعجاز "(ص 35: 38): (كل ما يسميه القائلون بالمجاز مجازاً فهو - عند من يقول بنفي المجاز - أسلوب من أساليب اللغة العربية.
فمن أساليبها إطلاق الأسد مثلاً على الحيوان المفترس المعروف، وأنه ينصرف إليه عند الإطلاق، وعدم التقييد بما يدل على أن المراد غيره.
ومن أساليبها إطلاقه على الرجل الشجاع إذا اقترن بما يدل على ذلك. ولا مانع من كون أحد الإطلاقين لا يحتاج إلى قيد، والثاني يحتاج إليه؛ لأن بعض الأساليب يتضح فيها المقصود فلا يحتاج إلى قيد، وبعضها لا يتعين المراد فيه إلا بقيد يدل عليه، وكل منهما حقيقة في محله. وقس على هذا جميع أنواع المجازات.
وعلى هذا، فلا يمكن إثبات مجاز في اللغة العربية أصلاً، كما حققه العلامة ابن القيم-رحمه الله في الصواعق. وإنما هي أساليب متنوعة بعضها لا يحتاج إلى دليل، وبعضها يحتاج إلى دليل يدل عليه، ومع الاقتران بالدليل يقوم مقام الظاهر المستغني عن الدليل، فقولك:" رأيت أسداً يرمي " يدل على الرجل الشجاع، كما أن لفظ الأسد عند الإطلاق على الحيوان المفترس. ثم إن القائلين بالمجاز في اللغة العربية اختلفوا في جواز إطلاقه في القرآن
…
والذي ندين به، ويلزم قبوله كل منصف محقق أنه لا يجوز إطلاق المجاز مطلقاً على كلا القولين.
أما على القول بأنه لا مجاز في اللغة أصلاً - وهو الحق - فعدم المجاز في القرآن واضح، وأما على القول بوقوع المجاز في اللغة العربية فلا يجوز القول به في القرآن. وأوضح دليل على منعه في القرآن إجماع القائلين بالمجاز على أن كل مجاز يجوز نفيه، ويكون نافيه صادقاً في نفس الأمر، فتقول لمن قال: رأيت أسداً يرمي، ليس هو بأسد، وإنما هو رجل شجاع، فيلزم على القول بأن في القرآن مجاز أن في القرآن ما يجوز نفيه.
ولا شك أنه لا يجوز نفي شيء من القرآن، وهذا اللزوم اليقيني الواقع بين القول بالمجاز في القرآن وبين جواز نفي بعض القرآن قد شوهد في الخارج صحته، وأنه كان ذريعة إلى نفي كثير من صفات الكمال والجلال الثابتة لله في القرآن العظيم.
وعن طريق القول بالمجاز توصل المعطلون لنفي ذلك فقالوا: لا يد ولا استواء ولا نزول، ونحو ذلك في كثير من آيات الصفات، لأن هذه الصفات لم ترد حقائقها، بل هي عندهم مجازات، فاليد مستعملة - عندهم - في النعمة أو القدرة، والاستواء في الاستيلاء، والنزول نزول أمره، ونحو ذلك، فنفوا هذه الصفات الثابتة بالوحي عن طريق القول بالمجاز
…
).