الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أنواع العلاقة:
المجاز له أربعة أنواع (1):
1 -
المجاز المفرد وهو عندهم الكلمة المستعملة في غير ما وضعت له لعلاقة مع قرينة صارفة عن قصد المعنى الأصلي.
- والعلاقة إن كانت المشابهة كقولك رأيت أسداً يرمي سمي هذا النوع من المجاز استعارة، وحد الاستعارة مجاز علاقته المشابهة.
- وإن كانت علاقته غير المشابهة كالسببية والمسببية ونحو ذلك سمي مجازاً مفرداً مرسلاً كقول الشاعر:
أكلت دماً إن لم أرعك بضرة
…
بعيدة مهوى القرط طيبة النشر (2)
أطلق الدم وأراد الدية مجازاً مرسلاً علاقته السببية لأن الدية المعبر عنها بالدم سببها الدم وهي مسبب له.
2 -
المجاز المركب وضابطه أن يستعمل كلام مفيد في معنى كلام مفيد آخر، لعلاقة بينهما ولا نظر فيه إلى المفردات، فقد تكون حقائق لغوية، وقد تكون مجازات مفردة، وقد يكون بعضها مجازاً وبعضها حقيقة.
- وعلاقته إن كانت المشابهة فهو استعارة تمثيلية، ومنها جميع الأمثال السائرة والمثل يحكي بلفظه الأول، ومثاله قولك لمن فرط في أمر وقت إمكان فرصته، ثم بعد أن فات إمكان فرصته جاء يطلبه (الصَّيفُ ضَيَّعتِ اللَبَن) وأصل المثل أن امرأة من تميم خطبها رجلان أحدهما كبير في السن وله مواشي كثيرة، والثاني شاب
(1) مستفاد من كلام الشنقيطي في المذكرة (ص/58) مع بعض التصرف والزيادات.
(2)
قائل هذين البيتين أعرابي كان قد تزوج امرأة فلم توافقه فقيل له أن حمى دمشق سريعة في موت النساء فحملها إلى دمشق وأنشد هذين البيتين
(دمشق خذيها واعلمي أن ليلة
…
تمر بعودي نعشها ليلة القدر)
(أكلت دما إن لم أرعك بضرة
…
بعيدة مهوى القرط طيبة النشر)
أكلت دما هذا يجري مجرى اليمين والمراد بالدم الدية يريد قتل لي قتيل فأعجز عن الأخذ بثأره فأرضى بأخذ الإبل في ديته فإذا طعمت ألبناها فكأنما أشرب دم ذلك القتيل وكنى ببعيدة مهوى القرط عن طول العنق والنشر الرائحة الطيبة والمعنى إن لم أتزوج عليك امرأة حسنة طيبة الرائحة تروعك وتفزعك فقتل الله لي قتيلا أعجز عن أخذ ثأره فآخذ ديته.
وماشيته قليلة، فاختارت الشاب، وكانت الخطبة زمن الصيف، ثم طلبت بعد ذلك من الكبير الذي ردت خطبته لبناً فقال لها:(الصَّيفُ ضَيَّعتِ اللَبَن) وهذا الاستعمال لعلاقة المشابهة، بين مجموع الصورتين.
- وان كانت علاقته غير المشابهة، سمي مجازاً مركباً مرسلاً كقوله:
هَوايَ مع الرَّكْبِ اليَمانِينَ مُصْعِدٌ
…
جَنِيبٌ وجُثْمانِي بمَكَّةَ مُوثَقُ (1)
فالبيت كلام خبري أريد به إنشاء التحسر والتأسف لان ما أخبر به عن نفسه هو سبب التحسر والتأسف، وهو مجاز مركب مرسل، علاقته السببية
…
3 -
المجاز العقلي (2): التجوز فيه في خصوص الإسناد لا في لفظ المسند إليه ولا المسند كقول المؤمن: (أنبت الربيعُ البقلَ) فالربيع وإنبات البقل كلاهما مستعمل في حقيقته، والتجوز إنما هو في إسناد الإنبات إلى الربيع وهو لله جل وعلا عند المتكلم وكذلك هو في الواقع.
4 -
مجاز النقص والزيادة: فمداره على وجود زيادة، أو نقص يغيران الإعراب.
مجاز النقص مثلوا له بقوله تعالى: (وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ)[يوسف: 82] والمراد أهل القرية.
والتحقيق أنه لا مجاز في هذه الآية (3)، وإنما هي أساليب استعملتها العرب،
ومعان حقيقية جاءت بها اللغة، فقوله تعالى:(وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ) فيه حذف مضاف، وحذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، أسلوب من أساليب العربية معروف، لأنه مما يعلم وحذف ما علم جائز كما قرره علماء العربية.
ولتعلم أنه جاء استعمال العرب للقرية تارة للمكان، وتارة للسكان، وقد جاء القرآن
(1) ومعنى البيت هواي راحلٌ ومبعدٌ مع ركبان الإبل القاصدين نحو اليمن، منضمٌ إليهم، مقودٌ معهم، وبدني مأسورٌ مقيدٌ بمكة.
(2)
قال الشنقيطي في "المذكرة"(1/ 58) معقبا على تعريف ابن قدامة للمجاز: وتعريفه للمجاز لا يدخل فيه الا اثنان من أنواع المجاز الأربعة، وهما المجاز المفرد، الثاني المجاز المركب، والنوعان اللذان لم يدخلا في كلامه هما المجاز العقلي ومجاز النقص والزيادة.
(3)
انظر كلام الشيخ العثيمين رحمه الله في الرد على من ذهب إلى أن في الآية مجاز في "شرح نظم الورقات"(ص/72).
بذلك كله، قال تعالى:(وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ (4) فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا إِلَّا أَنْ قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ) [الأعراف: 4، 5])، وقال في آية أخرى:(وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلَا نَاصِرَ لَهُمْ)[محمد: 13]، فالمراد بالقرية هنا السكان، وكذلك قوله تعالى:(وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا)[الكهف: 59]، والمراد السكان.
وقد أطلق لفظ القرية، وأريد به المكان، قال تعالى:(أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ)[البقرة: 259] الآية.
فالحاصل أن العرب تطلق هذا اللفظ، وتريد به تارة المكان، وتارة السكان، والسياق هو الذي يحدد ذلك، وليس هذا اللفظ مجازا، وإنما أسلوب من أساليب العربية المعروفة (1).
- ومثال مجاز الزيادة عندهم قوله تعالى: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ)[الشورى: 11].
قال الشيخ العثيمين رحمه الله في "الشرح"(ص/132): (وقوله: (مثلوا للمجاز بالزيادة بقوله تعالى: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) فقالوا: إن "الكاف " زائدة، لتأكيد نفي المثل عن الله):
قالوا: لا يمكن أن يجتمع كلمتان دالتان على التشبيه؛ لأنه، لو اجتمع كلمتان دالتان على التشبيه لكان هذا عين التشبيه، لأن نفي النفي إثبات.
فلو كان المعنى: ليس مثلَ مثلِ اللَّه شيء، لثبت المثلُ! وهذا مستحيل، والكاف: حرف يدل على التشبيه.
فقالوا: "الكاف " زائدة في الكلام من حيثُ التركيب فلو قيل: ليس مثله شيء. أي ليس شيء مثله، لاستقام الكلام، إذًا فنحمل الآية الكريمة على أن "الكاف" زائدة مجازًا (2).
(1) انظر مجموع الفتاوى (7/ 112 - 113)، (20/ 463).
(2)
قال الشيخ في "شرح نظم الورقات"(ص/74): (هل الكاف في قوله تعالى: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) هل هي زائدة بمعنى أن وجودها كالعدم؟ الجواب: لا؛ فإنك لو حذفتها نقص توكيد الكلام، فليس فيها زيادة، وهي في مكانها لازمة؛ لأن المراد بها توكيد نفي المثل، فإذا جاءت الكاف الدالة على التشبيه مع "مثل" صار كأن "المثلَ" نُفِي مرتين، فنحن نقول: الزائد هو الذي وجوده كالعدم، والكاف في:(لَيْسَ كَمِثْلِهِ) ليس وجودها كالعدم أبدا، ولو كان وجودها كالعدم لكان في كلام الله ما هو لغو لا فائدة منه، فسبحان الله! لو تصور الإنسان هذا القول لكان قولا شديدا أن يكون في كلام الله شيء زائد، ليس له معنى، فنقول: الكافُ ليس فيها زيادة، هي في موضعها أصلية حقيقية تفيد معنى أبلغ مما لو حُذِفَت).
س: فما الفائدة؟
ج: الفائدة: توكيد النفي، كأن هذه الجملة صارت جملتين، كل جملة فيها ما يدل على نفي الماثلة، كأنه قال:"ليس كهو شيء"، "ليس مثله شيء"، فيكون المراد بالزيادة هنا التوكيد.
وبهذا التقرير نسلم من معارضات واعتراضات كثيرة وإلا فإن الناس تكلموا في هذه الآَية كلامًا طويلًا عريضًا. لكن اخترنا هذه الآية من أجل تقريب المعنى فيها، ولا نلتفت إلى ما سطره بعض العلماء حول هذه الآية، فقد أوردوا من الإِشكالات والاعتراضات والإِجابات الأشياء الكثيرة، نقول: التوكيد في اللغة العربية جارٍ مجرى التكرار، كما لو قلتَ:"جاء زيد نفسه " كأنك تقول: "جاء زيد زيد").