الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الموقوف:
الموقوف هو: (ما يروى (1) عن الصحابة رضي الله عنهم من أقوالهم وأفعالهم (2)، ما لم يتجاوز به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم (3) -).
فائدة:
هل تقرير الصحابي حجة:
ليس المقصود أن ذلك حجة ملزمة كالكتاب والسنة، وإنما المقصود أنه دلالة على ذهاب الصحابي إلى هذا القول - وسيأتي قريبا الكلام عن حجية قول الصحابي -.
قال الشيخ عبدالله الفوزان في "تيسير الوصول إلى قواعد الأصول ومعاقد الفصول": (لا ينسب لساكت قول، ثم إنه لا يجزم بأن هذا الساكت بلغه ذلك القول، أو يكون بلغه وقام مانع من الاعتراض، إمَّا لهيبة القائل، أو لأنه لا يرى الإنكار في مسائل الاجتهاد، أو لكونه يخاف على نفسه، أو أنه أنكر ولم يبلغنا إنكاره، إلى غير ذلك من الاحتمالات الواردة في مثل هذه الحال.
وقد جعل المصنف المسألة عامة في مجتهدي الأعصار، وبعض الأصوليين يخص ذلك بالصحابة رضي الله عنهم دون من بعدهم؛ لأن منصبهم الشريف لا يقتضي السكوت في موضع المخالفة).
وهذا الأخير هو الراجح عندي، فروى الشيخان من عبادة بن الصامت رضي الله عنه أنه قال:(بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن نقوم أو نقول بالحق حيثما كنا لا نخاف في الله لومة لائم) ونحن نشهد بالله أنهم وفوا بهذه البيعة وقالوا بالحق وصدعوا به ولم تأخذهم في الله لومة لائم ولم يكتموا شيئاً منه مخافة سوط ولا عصاً ولا أمير ولا وال كما هو معلوم لمن تأمله من هديهم وسيرتهم، وعليه فتقرير الصحابي قول له.
(1) يدخل فيه ما كان متصلا، أو منقطعا.
(2)
ويدخل التقرير في الفعل كما سبق بيان ذلك.
(3)
أي لم يثبت له حكم الرفع.
حجة قول (1) الصحابي:
تحرير محل النزاع:
قول الصحابي إما أن يثبت له حكم الرفع أو لا؟ والأول سبق الكلام عنه، وكلامنا فيما لم يثبت له حكم الرفع - وهو لا يخلو من أن يشتهر، أو لا يشتهر، أو لا يعلم اشتهر أم لم يشتهر.
- والأول وهو ما اشتهر من أقوالهم: إما أن يوافقه سائر الصحابة على ذلك، أو يخالفوه، أو لا ينقل لنا كلامهم في ذلك.
- فإن اشتهر قوله ووافقه الصحابة فهو إجماع وهو حجة باتفاق.
- وإن اشتهر فخالفوه، فهنا ثلاث مسائل:
الأولى - أن قول بعضهم ليس حجة على بعض:
قال الجويني: [واجمعوا أن قول الصحابي لا يكون حجة على الصحابي](2).
قال الآمدي: [اتفق الكل على أن مذهب الصحابة في مسائل الاجتهاد لا يكون حجة على غيره من الصحابة المجتهدين، إماماً كان أو حاكماً أو مفتياً](3).
قال الشوكاني: [اعلم أنهم قد اتفقوا على أن قول الصحابي في مسائل الاجتهاد ليس بحجة على صحابي آخر. وممن نقل هذا الاتفاق القاضي أبو بكر والآمدي وابن الحاجب وغيرهم](4).
قال الشنقيطي: [قول الصحابي الذي ليس له حكم الرفع ليس بحجة على مجتهد آخر من الصحابة إجماعاً](5).
الثانية - ألا نخرج عن أقوالهم:
قال الأثرم سمعت أبا عبد الله يقول: (إذا كان في المسألة عن النبي صلى الله عليه
(1) دأب العلماء على التبويب لهذه المسألة بالقول، وهي عندي أعم من ذلك فيدخل فيها كل ما نسب للصحابي، ويدخل فيها عندي الإقرار.
(2)
الاجتهاد (ص/121).
(3)
الإحكام (4/ 385).
(4)
إرشاد الفحول (ص/405).
(5)
المذكرة (ص/166).
وسلم حديث لم نأخذ فيها بقول أحد من الصحابة ولا من بعدهم خلافه وإذا كان في المسألة عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قول مختلف نختار من أقاويلهم ولم نخرج عن أقاويلهم إلى قول من بعدهم) (1) - وسيأتي لهذه المسألة مزيد بيان - بإذن الله - في باب الإجماع -.
الثالثة - أننا نرجح من بين أقوالهم ما ترجحه القرائن.
قال تقي الدين في "مجموع الفتاوى"(20/ 14): (وان تنازعوا - أي الصحابة - رد ما تنازعوا فيه إلى الله والرسول ولم يكن قول بعضهم حجة مع مخالفة بعضهم له باتفاق العلماء).
- وأما أن يشتهر ولا يعلم له مخالف أو موافق فهذا هو الإجماع السكوتي، وهو حجة ظنية على الراجح من أقوال العلماء.
قال تقي الدين في "مجموع الفتاوى"(20/ 14): (وأما أقوال الصحابة فان انتشرت ولم تنكر في زمانهم فهي حجة عند جماهير العلماء).
وإن لم يشتهر قوله أولم يعلم هل اشتهر أم لا؟. فهذا هو موطن النزاع.
الأقوال في المسألة:
اختلف العلماء في هذه المسألة على أقوال كثيرة تزيد على الستة أقوال، ولن استطرد في تتعبها - حتى لا نخرج عن المقصود - وسأكتفي بذكر أقوال المذاهب الأربعة:
المشهور عن الأحناف القول بحجية قول الصحابي مطلقا، والقول بحجية قول الصحابي قول مشهور عن مالك وقد نسبه إليه كثير من المالكية، وذكر القاضي عبد الوهاب المالكي أن الأصح الذي يقتضيه مذهب مالك أن قول الصحابي ليس بحجة.
للإمام الشافعي رحمه الله قولان في المسألة:
القول الأول: القديم ولا يختلف أصحابه أنه يرى الاحتجاج بقول الصحابي في قوله القديم.
القول الثاني: الجديد وهو القول بعدم حجية قول الصحابي وقد اختلف في نسبة
(1) انظر المسودة (ص/248).
هذا القول للشافعي رحمه الله وأكثر أتباعه ينقلون عنه ذلك.
للإمام أحمد رحمه الله قولان في المسألة:
الأول: أن قوله ليس حجة وقد أومأ إلى هذا في عدة روايات منها:
1 -
ونقل المروذي عنه أنه قال في حد قاذف أم الولد: " ابن عمر يقول على قاذف أم الولد الحد (1) وأنا لا أجترئ على ذلك إنما هي أمة أحكامها أحكام الإماء "(2).
2 -
ونقل عنه الميموني أنه سأله عن المسح على القلنسوة؟ فقال: ليس فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم شيء وهو قول أبي موسى (3) وأنا أتوقاه " (4).
القول الثاني: أن قوله حجة:
1 -
قال في رواية أبي طالب: في أموال المسلمين إذا أخذها الكفار ثم ظهر عليه المسلمون فأدركه صاحبه فهو أحق به، وإن أدركه وقد قسم فلا حق له كذا قال عمر ولو كان القياس كان له ولكن كذا قال عمر) (5).
2 -
ونقل عنه أبو الحارث: (ترك الصلاة بين التراويح واحتج بما روي عن عبادة بن الصامت وأبي الدرداء فقيل له فعن سعيد والحسن أنهما كانا يريان الصلاة بين التراويح فقال: أقول لك أصحاب النبي وتقول التابعون)(6).
والروايات عن أحمد في هذا القول كثيرة جداً وظاهرة.
الأدلة والترجيح:
الراجح عندي أن قول الصحابي حجة.
وقد ذكر الشيخ ترحيب الدوسري في رسالته: "حجية قول الصحابي عند السلف" أدلة على حجية قول الصحابة. ومن ذلك:
(1) أخرجه عبد الرزاق في المصنف (7/ 439).
(2)
العدة لأبي يعلى (4/ 1183 - 1184).
(3)
أثر أبي موسى رضي الله عنه في المسح على القلنسوة ذكره ابن حزم في المحلى (8/ 84).
(4)
ونقل هذا أيضاً ابن هاني في مسائله (1/ 19).
(5)
العدة (4/ 1181) وينظر مسائل أبي داود (ص 243).
(6)
العدة (4/ 1182).
1 -
ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيح من وجوه متعددة أنه قال:- (خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم).
فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن خير القرون قرنه مطلقاً. وذلك يقتضي تقديمهم في كل بابٍ من أبواب الخير. وإلا لو كانوا خيراً من بعض الوجوه فلا يكونون خير القرون مطلقاً. فلو جاز أن يخطئ الرجل منهم في حكم وسائرهم لم يفتوا بالصواب وإنما ظفر بالصواب من بعدهم وأخطأوا هم لزم أن يكون ذلك القرن خيراً منهم من ذلك الوجه لأن القرن المشتمل على الصواب خير من القرن المشتمل على الخطأ في ذلك الفن. ثم هذا يتعدد في مسائل عديدة لأن من يقول قول الصحابي ليس بحجة يجوز عنده أن يكون من بعدهم أصاب في كل مسألة قال فيها الصحابي قولاً ولم يخالفه صحابي آخر وفات هذا الصواب الصحابة. ومعلوم أن هذا يأتي في مسائل كثيرة تفوق العد والإحصاء فكيف يكونون خيراً ممن بعدهم وقد امتاز القرن الذي بعدهم بالصواب فيما يفوق العد والإحصاء مما أخطأوا فيه. ومعلوم أن فضيلة العلم ومعرفة الصواب أكمل الفضائل وأشرفها.
2 -
ما روى مسلم في صحيحه من حديث أبي موسى الأشعري قال:- صلينا المغرب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلنا لو جلسنا حتى نصلي معه العشاء فجلسنا. فخرج علينا. فقال:- (ما زلتم ههنا). فقلنا:- يا رسول الله صلينا معك المغرب ثم قلنا نجلس حتى نصلي معك العشاء. قال:- (أحسنتم وأصبتم) - ورفع رأسه إلى السماء وكان كثيرا ما يرفع رأسه إلى السماء -. فقال:- (النجوم أمنة للسماء فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما توعد. وأنا أمنة لأصحابي. فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون. وأصحابي أمنة لأمتي. فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون).
ووجه الاستدلال بالحديث أنه جعل نسبة أصحابه إلى من بعدهم كنسبته إلى أصحابه وكنسبة النجوم إلى السماء.
ومن المعلوم أن هذا التشبيه يعطي من وجوب اهتداء الأمة بهم ما هو نظير اهتدائهم بنبيهم صلى الله عليه وسلم ونظير اهتداء أهل الأرض بالنجوم.