الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قال الشيخ الأشقر في "أفعال الرسول"(1/ 220) ما ملخصه: (الفعل الجبلي الاختياري على قسمين، لأنه إما أن يكون له صلة بالعبادة، أو لا يكون له بها صلة.
القسم الأول - الفعل الجبلي الصرف:
والمراد به ما ليس له صلة بالعبادة، كأكل طعام معين كالتمر واللحم والعسل، وسير في طريق معين، ولبس ثياب ذات شكل معين، كالقباء والعباء والقميص، أو من مادة معينة كالقطن والصوف.
وهذا النوع من الأفعال يقع من النبي صلى الله عليه وسلم على سبيل الإباحة. والمشهور عند الأصوليين أنه لا أسوة فيه، بل من شاء أن يفعل مثله فعل، ومن شاء أن يترك تركه، دون أن يكون للفعل ميزة على الترك من ثواب أو غيره، ودون أن يكون في الترك ذم شرعي.
قال ابن تيمية: "لو فعل النبي صلى الله عليه وسلم فعلًا بحكم الاتفاق، مثل نزوله في السفر بمكان أو أن يفضل في إداوته ماء فيصبه في أصل شجرة، أو أن تمشي راحلته في أحد جانبي الطريق، ونحو ذلك، فهل يستحب قصد متابعته في ذلك؟ كان ابن عمر يحب أن يفعل مثل ذلك (1). وأما الخلفاء الراشدون وجمهور الصحابة فلم يستحبوا ذلك؛ لأن هذا ليس بمتابعة لها، إذ المتابعة لا بد فيها من القصد، فإذا لم
(1) قال الشيخ الأشقر في "أفعال الرسول"(1/ 228): (كان يَتَتَبَع آثار النبي صلى الله عليه وسلم، والمواضع التي سار فيها أو جلس فيها. ومما يرويه المحدثون من ذلك أنه رضي الله عنه جر خطام ناقته حتى أبركها في الموضع الذي بركت فيه ناقة النبي صلى الله عليه وسلم، وسار براحلته في جانب من الطريق سارت فيه ناقة النبي صلى الله عليه وسلم، وقال:" لعل خفاً يقع على خف". ونزل تحت شجرة كان نزل تحتها النبي صلى الله عليه وسلم، وصب في أصلها الماء. وبال في موضع بال فيه النبي صلى الله عليه وسلم، وقالت عائشة:"ما كان أحدُ يتبع آثار النبي صلى الله عليه وسلم فِي منازله، كما كان يتبعها ابن عمر".
وشبيه بذلك ما نُقِل عنه أنه كان يلبس النعال السبتية اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم.
وكان ابن عمر يستجمر بالألُؤَّة غير مُطَرَّة، وبكافور يطرحه مع الألوة، ثم قال:"هكذا كان يستجمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ").
يقصد هو ذلك الفعل، بل حصل له بحكام الاتفاق، كان غير متابع له في قصده
…
يقول: ولم يكن ابن عمر ولا غيره، يقصدون الأماكن التي كان ينزل فيها، ويبيت فيها، مثل بيوت أزواجه، ومثل مواضع نزوله في مغازيه، وإنما كان الكلام في مشابهته في صورة الفعل فقط وإن كان هو لم يقصد التعبد به. فأما الأمكنة نفسها فالصحابة متفقون على أنه لا يعظم منها إلا ما عظمه الشارع ".
وقد يظن لأول وهلة أن هذا وهم من ابن تيمية، فقد صح عن ابن عمر أنه تحرى الأمكنة التي حصل الفعل النبوي فيها بحكم الاتفاق
…
وقد بين ابن تيمية مراده في موضع آخر، حيث بين أن ما فعله ابن عمر لم يزد فيه على أنه كان يختار إحدى الصورتين الممكنتين في الفعل الواحد، وهي الموافقة لما فعله النبي صلى الله عليه وسلم دون الأخرى، بأن تحضره الصلاة مثلا في بقعة معينة قد صلى النبي صلى الله عليه وسلم في ناحية منها فيختار الصلاة في تلك الناحية ويترك سائر نواحيها. والمستنكر عند ابن تنمية، ويدعى الاتفاق على إنكاره، أن تعظم بقعة لم يقصد النبي صلى الله عليه وسلم تعظيمها، ويظهر ذلك بأن ينشئ المسلم لها سفرا طويلا أو قصيراً.
فهذا تقييد جيد في المسألة وتحرير صحيح لمحل النزاع.
هذا وقد عورض ما كان يفعله ابن عمر من هذا النوع، بما فعله والده رضي الله عنهما. قال ابن حجر: ثبت عن عمر أنه رأى الناس في سفر يتبادرون إلى مكان. فسأل عن ذلك. فقالوا: قد صلى فيه النبي صلى الله عليه وسلم. فقال: (من عرضت له الصلاة فليصل، وإلا فليمض، فإنما هلك أهل الكتاب لأنهم تتبعوا آثار أنبيائهم فاتخذوها كنائس وبيعًا).
ورأينا في مثل ذلك أن الفعل الجبلي الصرف لا يدل على الاستحباب مطلقاً بل يدل على الإباحة. وسواء أكان مما واظب عليه صلى الله عليه وسلم كما تقدم الترجيح فيه، أو مما لم يواظب عليه.
ورأينا قي ما نقل عن ابن عمر أنه فعل ذلك لا على سبيل التعبيد لله بذلك. أعني لا على سبيل أنه مستحب شرعاً وإنما فعله بداعي عظم المحبة للنبي صلى الله عليه وسلم، فهو يسلي نفسه، أو يستثير شوقه، بأن يعمل صورة ما عمل النبي - صلى