الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
3 - ثبوت الناسخ:
يشترط في الناسخ أن يصح نسبته للنبي صلى الله عليه وسلم فلا يكون ضعيفا، فلا يشترط أن يكون الناسخ أقوى من المنسوخ بل يكتفى بمجرد صحة نسبته للشرع فينسخ خبرُ الآحاد المتواترَ والقرآنَ؛ لأن الكل شرع من عند الله، قال تعالى:(وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى. إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى)[سورة النجم: 3، 4].
وحقيقة ذلك أن الناسخ إنما جاء رافعًا لاستمرار حكم المنسوخ ودوامه، وذلك ظني وإن كان دليله قطعيًا، فالمنسوخ إنما هو هذا الظني لا ذلك القطعي (1).
الخلاف في نسخ المتواتر بالآحاد:
اختلف العلماء في نسخ القرآن والمتواتر بخبر الآحاد على ثلاثة أقوال:
قال ابن عقيل في "الواضح"(4/ 258): (في نسخ القرآن بالسنة، عن أحمد روايتان: إحداهما: لا يجوز نسخه إلا بالقرآن، وبها قال الشافعي، وأكثر أصحابه.
وقال أصحاب أبي حنيفة: يجوز بالسنة المتواترة.
وعن مالك، وابن سريج من أصحاب الشافعي مثله.
وأنه يجوز بالمتواتر منها، وهو مذهب المعتزلة والأشعرية.
وأختلف أهل الظاهر في ذلك، فذهب بعضهم إلى أنه يجوز نسخ القرآن بالمتواتر والآحاد، وعن أحمد مثله لأنه استدل في النسخ بالآحاد بقصة أهل قباء، فصار قائلا بالنسخ بالتواتر من طريق التنبيه رواها عنه الفضل بن زياد، وهي تشبه مذهبه في إثبات الصفات بأخبار الآحاد، وإثبات الصفات لله سبحانه أكثر من النسخ.
واختلف القائلون بذلك والمانعون منه، هل وجد ذلك؟ فقال قوم: لم يوجد ذلك، وإليه ذهب شيخنا الإمام أبو يعلى وابن سريج من أصحاب الشافعي، وقوم من المتكلمين).
والراجح هو جواز نسخ المتواتر بما ثبت من أخبار الآحاد.
قال الشنقيطي في "المذكرة"(ص/86): (التحقيق الذي لا شك فيه هو جواز وقوع نسخ المتواتر بالآحاد الصحيحة الثابت تأخرها عنه والدليل الوقوع.
(1) انظر نزهة الخاطر العاطر (1/ 154)، وإرشاد الفحول (2/ 68) وأضواء البيان (6/ 62).
أما قولهم أن المتواتر أقوى من الآحاد والأقوى لا يرفع بما هو دونه فإنهم قد غلطوا فيه غلطاً عظيماً مع كثرتهم وعلمهم وإيضاح ذلك أنه لا تعارض البتة بين خبرين (1) مختلفي التاريخ لإمكان صدق كل منهما في وقته وقد أجمع جميع النظار أنه لا يلزم التناقض بين القضيتين إلا إذا اتحد زمانهما أما إن اختلفا فيجوز صدق كل منهما في وقتها، فلو قلت النبي صلى الله عليه وسلم صلى إلى بيت المقدس وقلت أيضاً لم يصل إلى بيت المقدس وعنيت بالأولى ما قبل النسخ وبالثانية ما بعده لكانت كل منهما صادقة في وقتها.
ومثال نسخ القرآن بأخبار الآحاد الصحيحة الثابت تأخرها عنه نسخ إباحة الحمر الأهلية مثلاً المنصوص عليها بالحصر الصريح في آية (قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً)[الأنعام: 145] الآية. بالسنة الصحيحة الثابت تأخرها عنه لأن الآية من سورة الأنعام وهي مكية أي نازلة قبل الهجرة بلا خلاف وتحريم الحمر الأهلية بالسنة واقع بعد ذلك في خيبر ولا منافاة البتة بين آية الأنعام المذكورة وأحاديث تحريم الحمر الأهلية لاختلاف زمنهما، فالآية وقت نزولها لم يكن محرماً إلا الأربعة المنصوصة فيها وتحريم الحمر الأهلية طارئ بعد ذلك والطروء ليس منافاة لما قبله وإنما تحصل المنافاة بينهما لو كان في الآية ما يدل على نفي تحريم شيء في المستقبل غير الأربعة المذكورة في الآية وهذا لم تتعرض له الآية بل الصيغة فيها مختصة بالماضي لقوله:(قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ) بصيغة الماضي ولم يقل فيما سيوحى إلي في المستقبل وهو واضح كما ترى والله أعلم.
وأما آية الوصية للوالدين والأقربين فالتحقيق أنها منسوخة بآية المواريث والحديث بيان للناسخ وبيان المتواتر لا يشترط فيه التواتر كما تقدم والحديث يشير إلى أن الناسخ لها آيات المواريث لأن ترتيبه صلى الله عليه وسلم نفى الوصية للوارث
(1) الظاهر أن مراد الشيخ بالخبر هنا ما أريد به الإنشاء، وقد يكون هذا من باب التنبيه بالأعلى
على الأدنى فإن كان لا تعارض البتة بين خبرين مختلفي التاريخ لإمكان صدق كل منهما في وقته، فبالأولى ألا يكون هناك تعارض بين أمرين أو نهيين مما لا يتطرق إليهما التصديق أو التكذيب.