الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الكريمة، ولا صفاته (1). والنظري كتخصيص قوله تعالى:(وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا)[آل عمران: 97] فإن العقل بنظره اقتضى عدم دخول الطفل، والمجنون بالتكليف بالحج؛ لعدم فهمهما، بل هما من جملة الغافلين الذين هم غير مخاطبين بخطاب التكليف. قال بعض أعيان الشافعية: لا خلاف في ذلك. قال البرماوي: نعم، منع كثير من العلماء أن ما خرج من الأفراد بالعقل من باب التخصيص، وإنما العقل اقتضى عدم دخوله في لفظ العام، وفرق بين عدم دخوله في لفظ العام، وبين خروجه بعد أن دخل
…
).
ومما سبق يتضح رجحان ما أشار إليه الشيخ العثيمين رحمه الله في "الأصول"(ص/41) بقوله: (ومن العلماء من يرى أن ما خص بالحس والعقل ليس من العام المخصوص وإنما هو من العام الذي أريد به الخصوص إذ المخصوص لم يكن مراداً عند المتكلم ولا المخاطب من أول الأمر وهذه حقيقة العام الذي أريد به الخصوص).
ثالثا التخصيص بالشرع:
يخصص الكتاب بالكتاب، والكتاب بالسنة، والسنة بالكتاب، والسنة بالسنة، والكتاب بالإجماع، والسنة بالإجماع، والكتاب بالقياس، والسنة بالقياس. وقد مثل الشيخ في الأصل لهذه الأنواع إلا السادس، ولم يتعرض للخلاف الوارد في بعضها كالخلاف في تخصيص القرآن والسنة المتواترة بالسنة الآحادية، والخلاف في تخصيص عموم القرآن والسنة بالقياس (2).
(1) قال الشنقيطي في المذكرة (ص/209): (دل العقل على أنه تعالى لا يتناوله ذلك وان كان لفظ الشيء يتناوله كقوله: (كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ [القصص: 88] وقوله: (قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ)[الأنعام: 19]).
(2)
وقد توسع في عرض الخلاف في هذه المسألة الشيخ علي الحكمي في "تخصيص العام"(ص/315: 334) وعرض للمذاهب الثمانية في المسألة وعرض أدلتهم وناقش بينها ثم اختار أن تخصيص العام بالقياس جائز وصحيح ولكنه ليس على إطلاقه بل ينبغي النظر إلى مراتب العموم والقياس، فإن كان القياس أقوى من العام قدم القياس في الصورة التي هي أقوى من العام، وإن كان القياس أضعف قدم العام، وإن تساويا في القوة فالأولى جمعا بين الأدلة أن يخصص العام بالقياس.
قال ابن النجار في "شرح الكوكب المنير"(3/ 359): ((يخصص الكتاب ببعضه و) يخصص أيضا (بالسنة مطلقا) أي سواء كانت متواترة أو آحادا (و) تخصص (السنة به) أي بالقرآن (وببعضها) أي تخصص السنة ببعضها (مطلقا) أي سواء كانت متواترة أو آحادا.
فمن أمثلة تخصيص الكتاب بالكتاب: قوله تعالى: (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ)[البقرة: 228] فإن عمومه خص بالحوامل في قوله تعالى: (وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ)[الطلاق: 4] وخص أيضا عمومه الشامل للمدخول بها وغيرها بقوله تعالى في غير المدخول بها (فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا)[الأحزاب: 49].
ونحو ذلك قوله تعالى: (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ)[البقرة: 234] خص بقوله سبحانه وتعالى: (وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ) ونحو ذلك قوله تعالى: (وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ)[البقرة: 221] خص بقوله سبحانه وتعالى: (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ)[المائدة: 5] والمخالف في مسألة تخصيص الكتاب بالكتاب بعض الظاهرية، وتمسكوا بأن التخصيص بيان للمراد باللفظ فلا يكون إلا بالسنة، " لقوله تعالى:(لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ)[النحل: 44]
…
وأجيب بأن التخصيص لا يخرج عن كونه مبينا إذا بين ما أنزل بآية أخرى منزلة كما بين ما أنزل إليه من السنة. فإن الكل منزل (1).
ومثال تخصيص الكتاب بالسنة، حتى مع كونها آحادا عند أحمد ومالك والشافعي رضي الله عنهم: قوله سبحانه وتعالى: (وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ)[النساء: 24] فإنه مخصوص بقوله صلى الله عليه وسلم: (لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها) متفق عليه.
(1) وقوله تعالى: (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ) يدل على أن القرآن فيه تبيان لكل شيء.
ونحوه تخصيص آية السرقة بما دون النصاب، وقتل المشركين بإخراج المجوس، وغير ذلك
…
ومثال تخصيص السنة بالكتاب: قوله صلى الله عليه وسلم: (ما أبين من حي فهو ميت) رواه ابن ماجه، خص بقوله سبحانه وتعالى:(وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ)[النحل: 80].
ومن أمثلته أيضا: قوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه مسلم عن عبادة بن الصامت - رضي الله تعالى عنه - (خذوا عني خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا، البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة، والثيب بالثيب: جلد مائة والرجم) والمقصود بيان السبيل في قوله تعالى: (وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا) فقوله صلى الله عليه وسلم: (البكر بالبكر، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم) يشمل الحرة والأمة، ولكن الأمة خصت بقوله سبحانه وتعالى:(فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ)[النساء: 25] فدل على أنه ليس عليهن قتل لأن القتل لا ينصف كما أن عليهن جلد خمسين لا مائة جلدة وهكذا.
ومن ذلك حديث (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله) خص بقوله سبحانه وتعالى: (حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ)[التوبة: 29].
ومثال تخصيص السنة بالسنة: قوله صلى الله عليه وسلم: (فيما سقت السماء العشر) فإنه مخصوص بقوله صلى الله عليه وسلم: (ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة) وهو كثير
…
(وبإجماع) يعني أن العام يخص بإجماع (والمراد دليله) أي دليل الإجماع، لا أن الإجماع نفسه مخصص؛ لأن الإجماع لا بد له من دليل يستند إليه، وإن لم نعرفه (1).
(1) قال الشيخ علي الحكمي في " تخصيص العام"(ص/314): (لا خلاف بين العلماء في أن المخصص حقيقة هو سند الإجماع، وأن للإجماع فائدة هي تقوية ذلك المستند وجعله في درجة يكون معها صالحا لتخصيص كل من القرآن والسنة المتواترة حتى عند القائلين بقطعية دلالة العام؛ لأن الإجماع أقوى من النصوص، لعدم احتماله النسخ، ولا التخصيص، وهي محتملة لذلك).
ومن أمثله المسألة: قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ)[الجمعة: 9] خص بالإجماع على عدم وجوب الجمعة على المرأة (1)
…
(و) يجوز تخصيص اللفظ العام أيضا (بالقياس) قطعيا كان أو ظنيا، ثم إن كان قطعيا خص به العام قطعا، قاله الإبياري في شرح البرهان وغيره، وإن كان ظنيا، فالذي عليه الأئمة الأربعة والأشعري والأكثر: جواز التخصيص به، وعند ابن سريج والطوفي من أصحابنا: يخصص القياس الجلي دون غيره، وهو قول جماعة من الشافعية
…
).
ومن أمثلة تخصيص عموم القرآن بالقياس تخصيص عموم قوله تعالى: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ)[النور: 2] .. فان عموم الزانية خصص بالنص وهو قوله في الإماء: (فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ)[النساء: 25]. فقيس عليها العبد بجامع الرق فيلزم جلد العبد خمسين لقياسه على الأمة ويخرج بذلك من عموم ((الزاني)) الذي يجلد مائة.
- وهذا القياس للعبد على الأمة بجامع الرق خصص قوله صلى الله عليه وسلم: «البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام» في تنصيف الحد والاقتصار على خمسين جلدة على المشهور.
- ومن أمثلة تخصيص القياس لعموم القرآن: تخصيص عموم قوله تعالى: (وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ)[البقرة: 275] بقياس الأرز على البر في تحريم بيعه متفاضلا أو نسيئة وكذلك كل ما وجدت فيه علة الربا الموجودة في الأجناس الربوية المنصوص عليها في قوله صلى الله عليه وسلم (لا تبيعوا الذهب بالذهب ولا الفضة بالفضة ولا البر بالبر ولا الشعير بالشعير ولا التمر بالتمر ولا الملح بالملح إلا مثلا بمثل
(1) قال ابن قدامة في المرجع السابق (2/ 94): (أما المرأة فلا خلاف في أنها لا جمعة عليها. قال ابن المنذر أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم أن لا جمعة على النساء ولأن المرأة ليست من أهل الحضور في مجامع الرجال ولذلك لا تجب عليها جماعة).
سواء بسواء) فمقتضى الآية حل جميع أنواع البيع، وخصها الحديث بتحريم بيع الأجناس الربوية المذكورة بجنسها إلا يدا بيدا مثلا بمثل ثم استنبط الفقهاء من حديث النهي علة التحريم - على خلاف بينهم فيها - وألحقوا بتلك الأجناس كل ما وجدت فيه العلة وخصوا الآية بذلك.
بقيت لنا أمثلة على تخصيص السنة بالإجماع.
قال المرداوي في "التحبير"(2/ 2670): (وأما تخصيص السنة العامة بالإجماع فلم أرهم تعرضوا له كأنهم استغنوا بمثال تخصيص القرآن).
ومن أشهر الأمثل على ذلك تخصيص عموم قوله صلى الله عليه وسلم: (إن الماء طهور لا ينجسه شيء) إذ أن (شيء) نكرة في سياق النفي فتعم لكن هذا العموم مخصوص بما تغير بالنجاسة بالإجماع (1)(2).
(1) هذا المثال ذكره الشيخ العثيمين رحمه الله في شرحه لهذا الحديث من بلوغ المرام.
(2)
قال شمس الدين الزركشي في شرحه على مختصر الخرقي (1/ 15): ((إلا ما غير ريحه أو طعمه) إلا أن الشافعي رحمه الله قال: هذا الحديث لا يثبت أهل العلم مثله. إلا أنه قول العامة، لا أعرف بينهم فيه خلافاً، وكذلك قال أحمد رحمه الله: ليس فيه حديث، ولكن الله تعالى حرم الميتة، فإذا صارت الميتة في الماء فتغير طعمه أو ريحه، فذلك طعم الميتة أو ريحها، فلا تحل له).