الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
حكم التمذهب والتقليد:
ينبغي أن ننتبه إلى أن المقلدين والمجتهدين على طبقات، وقد اصطلحنا على أن منزلة الإتباع تدخل ضمنا في مرتبة التقليد ما لم يُحَصِّل أصحابها ملكة الاستنباط ويحققوا شروط الاجتهاد.
المجتهد المستقل لا يتقيد بمذهب، ولا يقلد أحدا. وأما من هو دون مرتبته كالعامي والمتبع ففيه التفصيل الآتي:
العامي أو المقلد الذي لا دراية عنده بالأدلة ولا يملك أي نوع من النظر فهذا الأقوى عندي أنه لا يتمذهب بل إن مذهبه هو مذهب مفتيه، وإنما سمى عاميا اشتقاقا من العمى فهو بيد من أخذ بيده.
وأما من ارتقى عن هذه المنزلة، وله نوع نظر في الأدلة، إلا أنه قاصر عن مرتبة الاجتهاد فهذا الراجح في حقه هو جواز التمذهب دون التعصب، وفائدة التمذهب أن يتحصل عند الطالب منهج ومعيار منضبط وغير متناقض في النظر إلى المسائل الفقهية، وأيضا سيحقق له التدرج والترقي في سلم العلم، فكل مذهب من المذاهب تعاقبت أجيال على خدمته على مدار قرون طوال، وصنف العلماء فيه مؤلفات كثيرة منها ما يقتصر على رواية واحدة ثم يتدرج، ويعرض للطالب روايتين، وهكذا، وهذه المزية لا يجدها في غير كتب المذاهب، وإنما أنكر الناس التمذهب حينما خلطوه بالتقليد المذموم الذي يتعصب فيه الطالب للإمام ويعتقد أنه قد أحاط بكل مسائل الدين وأدلتها، وأنه معصوم عن الخطأ.
وعليه فالصواب أن الطالب يجوز له أن يتمذهب، شريطة ألا يتعصب، بل يرجع عما ظهر له خطأ إمامه فيه، وأقوال الأئمة كثيرة في النهي عن تقليدها.
فتوى المقلد:
الراجح أنه لا يفتي إلا مجتهد سواء أكان مستقلا أو مقيدا بمذهب، والمجتهد في باب أو مسألة لا يفتى إلا في الباب أو المسألة التي هو أهل للنظر فيها دون غيرها، وأما من دون هؤلاء وليس على صفة من صفاتهم فلا يحل له الفتوى لا لنفسه ولا لغيره، وغاية الأمر أنه إن عدم العالم المجتهد في بلدة ما، واحتيج إلى فتوى المقلد فهنا يجوز له أن ينقل أقوال العلماء، فيقول قال أحمد، قل الشافعي، وهكذا ويكون
قبول قوله من باب الخبر لا الإفتاء، ولابد أن يكون عالما بما ينقل من أحكام بصيرا بمواردها وشمولها لمحل النزاع، وهذه حالة ضرورة على خلاف الأصل.
قال ابن حمدان في "صفة الفتوى"(ص/24): (فمن أفتى وليس على صفة من الصفات المذكورة من غير ضرورة فهو عاص آثم (1)؛ لأنه لا يعرف الصواب وضده فهو كالأعمى الذي لا يقلد البصير فيما يعتبر له البصر؛ لأنه بفقد البصر لا يعرف الصواب وضده (أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (4) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ) [المطففين: 4، 5] قال ابن الجوزي: يلزم ولي الأمر منعهم كما فعل بنو أمية، ومن تصدى للفتيا ظانا أنه من أهلها فليتهم نفسه وليتق ربه فإن الماهر في علم الأصول، أو الخلاف، أو العربية دون الفقه يحرم عليه الفتيا لنفسه ولغيره؛ لأنه لا يستقل بمعرفة حكم الواقعة من أصول الاجتهاد لقصور آلته ولا من مذهب إمام لعدم حفظه وإطلاعه عليه على الوجه المعتبر فلا يحتج بقوله في ذلك وينعقد الإجماع دونه على أصح المذهبين
…
وقيل يجوز لمن حفظ مذهب ذي مذهب ونصوصه أن يفتي به عن ربه وإن لم يكن عارفا بغوامضه وحقائقه وقيل لا يجوز أن يفتي بمذهب غيره إذا لم يكن متبحرا فيه عالما بغوامضه وحقائقه كما لا يجوز للعامي الذي جمع فتاوي المفتين أن يفتي بها. وإذا كان متبحرا فيه جاز أن يفتي به والمراد بقول من منع الفتوى به أنه لا يذكره على صورة ما يقوله من عند نفسه بل يضيفه إلى غيره ويحكيه عن إمامة الذي قلده لصحة تقليد الميت، فعلى هذا من عددناه من أصناف المفتين من المقلدين ليس على
(1) قال النووي في " شرح مسلم"(12/ 13): (قوله صلى الله عليه وسلم (إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر) قال العلماء أجمع المسلمون على أن هذا الحديث في حاكم عالم أهل للحكم فإن أصاب فله أجران أجر باجتهاده وأجر بإصابته وإن أخطأ فله أجر باجتهاده وفي الحديث محذوف تقديره إذا أراد الحاكم فاجتهد قالوا فأما من ليس بأهل للحكم فلا يحل له الحكم فإن حكم فلا أجر له بل هو آثم ولا ينفذ حكمه سواء وافق الحق أم لا؛ لأن إصابته اتفاقه ليست صادرة عن أصل شرعي فهو عاص في جميع أحكامه سواء وافق الصواب أم لا وهي مردودة كلها ولا يعذر في شيء من ذلك وقد جاء في الحديث في السنن القضاة ثلاثة قاض في الجنة واثنان في النار قاض عرف الحق فقضى به فهو في الجنة وقاض عرف الحق فقضى بخلافه فهو في النار وقاض قضى على جهل فهو في النار).
الحقيقة من المفتين ولكن قاموا مقامهم وأدوا عنهم فعدوا معهم وسبيلهم في ذلك أن يقولوا مثلا مذهب أحمد كذا وكذا ومقتضى مذهبه كذا وكذا أو نحو ذلك ومن ترك منهم إضافة ذلك إلى إمامة إن كان ذلك منه اكتفاء بالمعلوم من الحال عن التصريح بالمقال جاز
…
).
وكتبه حامدا ومصليا
…
أبو المنذر محمود بن محمد بن مصطفى المنياوي
غفر الله له، ولوالديه
وكان الفراغ من تلخيصه يوم الأحد 2 من شهر ذي القعدة لعام 1431هـ الموافق 10 من شهر أكتوبر لعام 2010م
أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يتقبل مني هذا العمل وأن يجعله خالصا لوجهه الكريم، وألا يجعل لأحد فيه شيئا، وأن يدخر لي أجره يوم ألقاه.
وأرجو من الله أن يكتب له ولأصله القبول وأن ينفع بهما المسلمين، أنه ولي ذلك وهو القادر عليه.
سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.