الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المطلب الثالث في تعريف أصول الفقه
لما عرفت تعريف الأصول، وتعريف الفقه، سأبين الآن تعريف
أصول الفقه، فأقول:
لقد اختلفت عبارات الأصوليين في تعريف أصول الفقه، ولكن
أقربها إلى الصحة هو: معرفة دلائل الفقه إجمالاً، وكيفية الاستفادة
منها وحال المستفيد.
شرح التعريف:
المراد بالمعرفة: العلم والتصديق، دون التصور، حيث إن المعرفة
تعلقت بالنسبة، ولم تتعلق بالمفرد.
والمعرفة جنس دخل فيها معرفة الأدلة، ومعرفة الأحكام.
والأدلة جمع " دليل "، والدليل لغة هو: المرشد إلى المطلوب،
سواء كان حسيا، أو معنويا.
وهو في الاصطلاح: ما يمكن التوصل بصحيح النظر فيه إلى
مطلوب خبري.
وهو شامل للدليل القطعي المفيد للقطع، وشامل للدليل الظني
المفيد للظن عندنا.
مثال القطعي: الدلالة على حدوث العالم، فتقول: العالم
متغير، وكل متغير حادث، فالعالم حادث.
ومثال الظني: الغيم الذي إذا نظرنا إليه فإنه يوصلنا إلى وقوع
المطر.
اعتراض:
لم يسلم ذلك أبو الحسين البصري، وفخر الدين الرازي،
والآمدي، بل قالوا: إن الدليل لا يستعمل إلا فيما يؤدي إلى العلم
أما ما يؤدي إلى الظن فلا يسمى دليلاً، وإنما يسمى أمارة.
جوابه:
هذا غير صحيح؛ لأمور ثلاثة:
أولها: أن أهل اللغة لم يفرقوا في التسمية بين ما يؤدي إلى العلم
أو الظن، فلم يكن لهذا الفرق وجه.
تانيها: أن أهل الشريعة لم يفرقوا بينهما في الاعتقاد والعمل.
ثالثها:. أن الدليل هو المرشد إلى المطلوب، والدليل الظني
مرشد إلى المطلوب، فوجب أن يكون دليلاً كالموجب للعلم.
والمقصود من معرفة أدلة الفقه: معرفة الأدلة وأحوالها المتعلقة بها
مثل: أن يعرف أن الأمر يقتضي الوجوب عند الإطلاق، وأن
الإجماع يفيد القطع، أو الظن، وأن القياس يفيد الحكم الظني
وهكذا.
وليس المراد من معرفة الأدلة هو: تصورها كأن يعرف: أن
الكتاب هو: اللفظ المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم المتعبد بتلاوته، وأن السُّنَّة هي: ما صدر عن النبي صلى الله عليه وسلم، وأن الإجماع هو: اتفاق مجتهدي أُمَّة محمد، فهذه كلها تصورات - فقط - وهي من مقاصد علم الأصول.
وليس المراد من معرفة الأدلة: حفظها؛ لأن حفظ الأدلة ليست
من الأصول في شيء.
والمقصود بالأدلة هنا: الأدلة المتفق عليها، والمختلف فيها،
والقواعد الكلية، ولو لم نحمل الأدلة على ذلك لخرج كثير من
مسائل أصول الفقه عن الحد كقاعدة: " العبرة بعموم اللفظ "،
و"الأمر المطلق يقتضي الوجوب "، ونحو ذلك.
ومن قال بأن القواعد الكلية لا تسمى أدلة: عرف أصول الفقه
بأنه: " القواعد التي يتوصل بها إلى استنباط الأحكام الشرعية من
الأدلة "، ولكن ما أثبتناه هو الأصح، كما سبق بيانه.
وأضفنا الأدلة إلى الفقه؛ لإخراج معرفة أدلة غير الفقه، كصرفه
أدلة التوحيد مثلاً، فإن ذلك ليس من الأصول.
وقولنا: " إجمالاً " هو حال من " دلائل "؛ لأن المراد هو:
المعرفة التفصيلية للأدلة الإجمالية؛ حيث إن الأدلة نوعان " كلية
وإجمالية "، و " جزئية ".
فمعرفة أن الإجماع حُجَّة، والقياس حُجَّة، والنهي يقتضي
التحريم تعتبر أدلة إجمالية؛ لأنها لا تدل على حكم معين.
أما الأدلة الجزئية: فهي التي تدل على حكم معين في حالة معينة
فقوله تعالى: (ولا تقربوا الزنا) ، والإجماع على أن الخالة ترث،
وقياس الجد على ابن الابن، ولا نكاح إلا بولي، هذه كلها أحكام
جزئية؛ لأن كلًّا منها يستفاد منه حكم معين.
فالأصولي يبحت عن أحوال الأدلة الكلية، ولا يبحث فيه عن
الأدلة الجزئية؛ لأمرين:
أولهما: أن الأدلة الجزئية غير محصورة.
ثانيهما: أن الأدلة الجزئية داخلة تحت الأدلة الكلية، فالباحث عن
أحوال الأدلة الكلية يبحث عن الأدلة الجزئية بطريق التبع، وإذا
تعرض الأصولي لدليل جزئي فهو عن طريق ضرب المثال.
وقوله: " إجمالاً " قيد أخرج علم الخلاف؛ لأن المقصود منه
معرفة أدلة الفقه التفصيلية لا لأجل أن يستفيد منها الأحكام، بل
لتكون سلاحا يدافع به كل مناظر عن وجهة نظر إمامه، وهذا لا
يدخل في أصول الفقه.
وقولنا: " وكيفية الاستفادة منها " معطوف على " دلائل " أي:
معرفة الدلائل، ومعرفة كيفية الاستفادة من تلك الدلائل.
أي: أن الأصول جث فيه عن الأحوال التي تعترض للأدلة،
وكيف نستفيد الحكم من تلك، فلا بد في ذلك من معرفة التعارض
بين الأدلة، وكيفية فك هذا التعارض، والترجيح بينها، وذلك لأن
الغرض من البحث عن أحوال الأدلة إنما هو التوصل إلى استنباط
الأحكام الشرعية من الأدلة، ومعروف أن الأدلة المفيدة للأحكام
ظنية، فهي قابلة للتعارض.
وعند التعارض لا بد في استفادة الحكم من دليله من الترجيح بينه
وبين معارضه.
لذلك لا بد من معرفة متى تتعارض الأدلة، وإذا تعارضت فبأي
شيء يكون الترجيح؟
وكذلك لا بد أن يعرف أنه لا تعارض بين دليلين قطعيين، وبين
قاطع وظني، وإذا تعارضت الأدلة الظنية فهناك مرجحات كثيرة،
بعضها يرجع إلى راوي الخبر، وبعضها يرجع إلى نفس النص،
وبعضها يرجع إلى أمور أخرى، فلا بد أن يعرف ذلك كله.
ولذلك يرجح الخبر الذي رواته أكثر على من قلَّت رواته " لأن
احتمال الكذب والغلط على الأقل أقرب، ويرجح خبر صاحب
الواقعة على خبر غيره، فرجح العلماء خبر عائشة: " إذا التقى
الختانان وجب الغسل، فعلته أنا والرسول " على خبر ابن عباس:
"الماء من الماء "، ونحو ذلك، كما سيأتي تفصيله في الباب السابع.
وقولنا: " وحال المستفيد " معطوف على دلائل، فيكون التقدير:
" ومعرفة حال المستفيد "، والمستفيد هو طالب الحكم من الدليل،
وهو المجتهد، فيكون المراد بالمستفيد هو المجتهد.
والمقصود: أن من مواضع أصول الفقه هو البحث عن حال
المجتهد والشروط التي يجب أن تتوفر فيه.
وإنما كان البحث عن حال المجتهد من أصول الفقه، لأننا قلنا فيما
سبق: فائدة البحث عن أحوال الأدلة إنما هو لأجل أن يتوصل بها
إلى استنباط الأحكام من الأدلة، ومعروف أن الأدلة ظنية.
ومعروف أنه لا يوجد بين الدليل الظني ومدلوله ارتباط عقلي "
لأنه يجوز أن لا يدل الدليل عليه، فكان لا بد من رابط يربط بينهما
والرابط هو: الاجتهاد، فلذلك بحث في الأصول عن الاجتهاد،
وذكر فيه الشروط التي يجب توافرها في المجتهد.
وإذا علمت أن المراد بالمستفيد هو المجتهد، فإن المقلد لا يدخل هنا
فالمقلد وشروطه وبحثه ليس من علم الأصول، وإنما ذكر ذلك
استطراداً لذكر المجتهد.
المبحت الثاني في الفرق بين الأصول والفقه
بعد ما تبينت لنا حقيقة الفقه، وأصولى الفقه: ظهر لنا الفرق
بينهما، ولعلي ألخص ذلك وأبين وظيفة الفقيه ووظيفة الأصولي فيما
يلي، فأقول:
إن أصول الفقه يكون في البحث عن أدلة الفقه الإجمالية بالتفصيل.
أما الفقه فهو يبحث في العلم بالأحكام الشرعية العملية المأخوذة
والمستنبطة من أدلتها التفصيلية.
وعلى هذا تكون وظيفة الفقيه هي: أن يأخذ هذه القواعد والأدلة
الإجمالية التي أغناه عن التوصل إليها الأصولي، ويطبقها على
الجزئيات.
أو أقول بعبارة أخرى: إن أصول الفقه عبارة عن المناهج والأسس
التي تبين الطريق وتوضحه للفقيه، الذي يجب عليه أن يلتزمه في
استخراج الأحكام من أدلتها، فيرتب الأصولي تلك الأدلة فيقدم
الكتاب على السُّنَّة، والسُّنَّة على الإجماع، وهكذا.
أما الفقه: فهو عبارة عن استخراج الأحكام من الأدلة مع التقيد
بتلك المناهج.
وأن مثل علم الأصولى بالنسبة للفقه كمثل علم المنطق بالنسبة لسائر
العلوم الفلسفية، فهو ميزان يضبط العقل ويمنعه من الخطأ في الفكر.