الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المطلب الرابع في المكروه
ويشتمل على مسائل:
المسألة الأولى: في مناسبة ذكر المكروه هنا.
المسألة الثانية: في حقيقة المكروه.
أولاً: المكروه لغة.
ثانياً: المكروه اصطلاحا.
المسألة الثالثة: في صيغ المكروه.
المسألة الرابعة: فيما يطلق عليه المكروه.
المسألة الخامسة: في إطلاق " المكروه " بين الجمهور والحنفية.
المسألة السادسة: هل المكروه منهي عنه حقيقة؟
المسألة السابعة: في حكم المكروه.
المسألة الثامنة: هل الأمر المطلق يتناول المكروه؟
المسألة التاسعة: هل المكروه من التكليف؟
المسألة الأولى: في مناسبة ذكر المكروه هنا:
لقد ذكرنا المكروه هنا؛ لأمرين:
الأول: أنه بعد ذكر المأذون في فعله - وهو الواجب والمندوب،
والمباح لا بد أن نذكر الممنوع من فعله.
الثاني: أنه يشترك مع الحرام - الذي سيأتي ذكره - فيما يلي:
1 -
أن كلًّا من المكروه والحرام مطلوب تركه، لكن الحرام طُلب
تركه طلباً جازماً، والمكروه طُلِب تركه طلباً غير جازم.
2 -
أن كلًّا من المكروه والحرام منهي عنه، لكن المكروه منهي عنه
نهياً غير جازم، والحرام منهي عنه نهياً جازماً.
المسألة الثانية: في حقيقة المكروه:
أولاً: المكروه لغة:
المكروه لغة: ضد المحبوب، تقول:" كرهت الشيء " إذا لم تحبه.
وقيل: المكروه مأخوذ لغة من الكريهة، وهي الشدة في الحرب،
ومنه سمي يوم الحرب: " يوم الكريهة ".
والكره - بضم الكاف -: المشقة كما نقله الجوهري في الصحاح
عن الفراء.
وعلى هذا يكون المكروه هو: ما نفر عنه الشرع والطبع؛ لأن
الطبع والشرع لا ينفران إلا عن شدة ومشقة تلحق بالمكلف.
ثانيا: المكروه اصطلاحا:
المكروه هو: " ما تركه خير من فعله ولا عقاب في فعله ".
شرح التعريف، وبيان محترزاته:
قولنا: " ما " جنس في التعريف شمل كل متعلقات الحكم
التكليفي الخمسة؛ لأن المراد بها فعل المكلف.
قولنا: " تركه خير من فعله " قيد أخرج الأحكام التكليفية الثلاثة
وهي: " الواجب، والمندوب، والمباح "، وبيان ذلك:
أن الواجب خرج، لأن فعله "خير من تركه، وفي تركه عقاب.
وأما المندوب فقد خرج، لأن فعله خير لحصول الثواب، ولا
عقاب في تركه.
وأما المباح فقد خرج، لأن فعله وتركه سواء، فلا يوصف
أحدهما بالخيرية.
وقولنا: " ولا عقاب في فعله " أخرج الحرام " لأن الحرام تركه
خير من فعله، وفي فعله عقاب.
المسألة الثالثة: في صيغ المكروه:
الصيغ التي تستعمل وتدل على الكراهة هي كما يلي:
الأولى: لفظة " كره " وما يشتق منها، ومنه ما روي عن النبي
صلى الله عليه وسلم أنه قال: " إن اللَّه كره لكم قيل وقال وكثرة السؤال ".
الثانية: لفظة " بغض " وما يشتق منها، ومنه قوله عليه الصلاة
والسلام: " أبغض الحلال إلى اللَّه الطلاق ".
الثالثة: لفظة النهي: " لا تفعل " إذا احتفت بها قرينة تصرفها
عن التحريم إلى الكراهة مثل قوله تعالى: (لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ)، فإن النهي في قوله:" لا تسألوا " للكراهة،
وليس للتحريم، وقد صُرِف النهي عن التحريم إلى الكراهة بسبب
قرينة صارفة، وهي آخر الآية، وهي قوله تعالى:(وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ) ،
فالسؤال عما لا يعرف ليس بحرام.
وهناك صيغ غير ما ذكرنا للكراهة تعرف من سياق الكلام.
المسألة الرابعة: ما يطلق عليه المكروه:
اختلف في إطلاقات المكروه على ما يلي:
فبعض العلماء يطلق لفظ " مكروه "، ويريد به الحرام والمحظور،
وقد روي هذا الإطلاق عن الإمام مالك، والشافعي، وأحمد
رحمهم الله جميعاً - وهو غالب في عبارة المتقدمين، وذلك تورعاً
منهم وحذراً من الوقوع تحت طائلة النهي الوارد في قوله تعالى:
(وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ) ،
فكرهوا - لذلك - إطلاق لفظ التحريم.
وبيَّن ابن القيم في " أعلام الموقعين " بأن هذا كان من أسباب غلط
كثير من المتأخرين من أتباع الأئمة على أئمتهم، حيث تورع الأئمة
عن إطلاق لفظ التحريم، وأطلقوا لفظ " الكراهة "، فنفى
المتأخرون التحريم عما أطلق عليه الأئمة الكراهة.
وبعضهم يطلق لفظ " مكروه " على ما نهي عنه نهياً تنزيهياً، وهو
الذي عرفناه هنا.
وإذا أطلق لفظ " مكروه " انصرف إلى هذا، وهو المكروه كراهة
تنزيه، وهو الذي نحن بصدده - الآن -؛ لأن كلًّا من الأحكام
الأربعة خص باسم غلب عليه كالواجب، والمندوب، والمباح،
والحرام، فاقتضى ذلك اختصاص " المكروه " باسم غالب عليه كغيره
من الأحكام، ويكون هذا الاسم هو " المكروه ".
وبعضهم يطلقه ويريد به: ما وقعت الشبهة في تحريمه وإن كان
غالب الظن حله، كأكل لحم الضبع.
وبعضهم يطلقه ويريد به ترك ما مصلحته راجحة كترك المندوبات.
بيان نوع الخلاف:
هذا الخلاف في هذه المسألة خلاف لفظي؛ لأن الإطلاقات السابقة
اختلفت باختلاف مراد كل مطلق من إطلاقه، فلم يرد الخلاف على
موضع واحد
فمن أطلق الإطلاق الأول - وهو أنه مراد به الحرام - حدَّه بحد
الحرام.
ومن أطلق الإطلاق الثاني - وهو ما نهي عنه نهي تنزيه - حدَّه
بالنهي عنه الذي لا ذم على فعله - وهو الموضوع الذي نحن بصدده
الآن.
ومن أطلق الإطلاق الثالث - وهو: ما وقعت الشبهة في تحريمه -
حدَّه بأنه الذي فيه شبهة وتردد.
ومن أطلق الإطلاق الرابع - وهو: ما أريد به ترك ما مصلحته
راجحة - حده بترك الأولى.
المسألة الخامسة: إطلاق " المكروه " بين الجمهور والحنفية:
الجمهور إذا أطلقوا لفظ " مكروه " انصرف إلى المكروه كراهة
تنزيهية - وهو الذي عرفناه فيما سبق - وذلك لأنهم لا يسمون بهذا
الاسم غيره، وإن كانوا لا يخالفون في جواز إطلاقه على الحرام
- كما سبق في المسألة الرابعة -.
أما الحنفية، فإنهم إذا أطلقوا لفظ " المكروه " انصرف هذا اللفظ
غالباً إلى المكروه تحريماً.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف في هذه المسألة خلاف لفظي لا يترتب عليه آثار؛ حيث
إنه راجع إلى اصطلاح كل من الفريقين، ولا مشاحة في الاصطلاح.
المسألة السادسة: هل المكروه منهي عنه حقيقة؟
لقد اختلف العلماء في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أن المكروه منهي عنه حقيقة.
ذهب إلى ذلك كثير من العلماء.
وهو الصواب؛ للأدلة الآتية:
- الدليل الأول: أن استعمال المنهي في المكروه قد شاع في لسان
اللغة والشرع، والأصل في الاستعمال الحقيقة، ولا يوجد شيء
يمنع من ذلك.
الدليل الثاني: أن كلمة " النهي " تطلق على ما كان النهي فيه
لحرمته كما تطلق على ما كان النهي فيه لكراهته وعدم استحسانه،
ولا فرق بينهما إلا في العقاب على فعل الحرام، دون المكروه.
المذهب الثاني: أن المكروه منهي عنه مجازاً، وليس حقيقة.
وهو لبعض العلماء مستدلين بقوله تعالى: (وما نهاكم عنه فانتهوا) .
وجه الدلالة: أن هذا النص يقتضي أن الانتهاء لازم عن المنهي
عنه، وترك المكروه غير لازم، فكان المكروه - منهيا عنه مجازاً لا
حقيقة، أي: لو كان المكروه منهياً عنه حقيقة للزم من ذلك الانتهاء
عن فعله، وإن لم ننته حلَّ العقاب، ولكن حقيقة المكروه أنه طلب
الانتهاء عنه، ولكن لو فعلناه لما كان علينا عقاب، إذن يكون النهي
عنه نهيا مجازاً، لا حقيقة.
جوابه:
يمكن أن يقال في الجواب عنه: إننا نظرنا إلى غير ما نظرتم إليه،
فنحن نظرنا إلى إطلاق لفظ النهي على المكروه، وأنتم نظرتم إلى
حكمه، ففرق بينهما.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف في هذه المسألة خلاف لفظي لا يترتب عليه أي أثر؟
وذلك لاتفاقنا مع أصحاب المذهب الثاني على أن المكروه مطلوب
ترك فعله وإن كان طلبا غير جازم.
المسألة السابعة: في حكم المكروه:
إن المكلف يثاب في ترك المكروه امتثالاً، وإذا فعله فلا يعاقب على
فعله، ولكن يقال عنه بأنه مخالف. قال القاري في " فتح العناية":
" إنما يكون - فعله لوثة مخالفة في صحيفة الإنسان ".
المسألة الثامنة: هل الأمر المطلق يتناول المكروه:
اختلف العلماء في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أن الأمر المطلق لا يتناول المكروه.
ذهب إلى ذلك بعض الحنفية كالجرجاني، والإمام مالك، وبعض
المالكية كابن خويز منداد، وأكثر الشافعية، والحنابلة.
وهو الراجح عندي؛ للأدلة التالية:
الدليل الأول: أن المكروه - كما سبق - منهي عنه نهياً غير
جازم، والنهي يقتضي ترك الفعل، أما الأمر فإنه يقتضي إيجاد الفعل،
فيلزم من ذلك أن الأمر والنهي متضادان، وإذا كانا متضادين فإنه لا
يمكن أن يطلب ترك الشيء في حين أنه يطلب فعله.
أي: يستحيل أن يكون الشيء مأموراً به منهيا عنه في آن واحد،
فينتج: أن المكروه لا يتناوله الأمر المطلق.
الدليل الثاني: أنه إذا كان المباح ليس مأموراً به - كما سبق بيانه -
مع أنه ليس منهيا عنه، فمن باب أوْلى أن المكروه لا يدخل تحت
الأمر المطلق؛ لأنه منهي عنه.
الدليل الثالث: أنه يوجد تنافي بين حقيقة الأمر، وحقيقة المكروه
فالأمر هو: استدعاء وطلب، والمأمور به مستدعى ومطلوب فعله
كالواجب والمندوب.
أما المكروه فهو مطلوب الترك، إذن: ليس مستدعى ولا مطلوباً
فعله، فيكون المكروه منهياً عنه.
المذهب الثاني: أن الأمر المطلق يتناول المكروه.
ذهب إلى ذلك بعض الحنفية كالجصاص، وبعض المالكية،
وبعض الحنابلة.
أدلة هذا المذهب:
الدليل الأول: أنه يجوز أداء صلاة عصر يومه بعد تغير الشمس،
فهو مأمور به شرعاً، وهو مكروه.
جوابه:
يمكن أن يقال - في الجواب عنه -: إن الكراهة ليست في صلاة
العصر، بل إن سبب الكراهة هو: التشبه بعباد الشمس.
الدليل الثاني: أن الأمر الوارد في قوله تعالى: (وليطوفوا بالبيت العتيق) ، يتناول طواف المحدث، وهو صحيح عند الحنفية، وهو مكروه.
جوابه:
يمكن أن يقال - في الجواب عنه -: إن الكراهة ليست في
الطواف، لأنه تعظيم للبيت، بل الكراهة لوصف في الطائف،
وهو المحدث، والحدث ليس من الطواف.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف في هذه المسألة معنوي له ثمرة وفائدة في كثير من المسائل
الفقهية، ومنها:
1 -
لو طاف مكلف على غير طهارة، أو طاف منكوسا وهو -
المقلوب الذي رجلاه إلى أعلى، ورأسه إلى أسفل "، فهل يدخل
في الأمر الوارد في قوله تعالى: (وليطوفوا بالبيت العتيق) .
اختلف العلماء في ذلك، وكان سبب اختلافهم هو: اختلافهم
في المسألة السابقة:
فأصحاب المذهب الأول - وهم القائلون: إن الأمر المطلق لا
يتناول المكروه - ذهبوا إلى عدم دخول تلك الصورة المؤداة في الأمر،
ولو فعل لا يكون مجزئاً بسبب: أن المكروه لا يدخل في مطلق الأمر.
أما أصحاب المذهب الثاني - وهم القائلون: إن الأمر المطلق
يتناول المكروه - فقد ذهبوا إلى أن ذلك الفعل بتلك الصورة المؤداة
يدخل في الأمر، وإن كان حكمه مكروهاً إلا أنه يجزي عن الطواف.
2 -
لو توضأ مكلف وضوءاً منكساً دون ترتيب، فهل يدخل في
مطلق الأمر بالوضوء ويجزئ عنه؟
اختلف العلماء في ذلك، وسبب اختلافهم هو اختلافهم في
المسألة السابقة.
فأصحاب المذهب الأول - وهم القائلون: إن الأمر المطلق لا
يتناول المكروه - ذهبوا إلى أن الوضوء المنكس لا يدخل في مطلق
الأمر بالوضوء، وأنه إذا وقع مثل ذلك لا يجزئ.
أما أصحاب المذهب الثاني - وهم القائلون: إن الأمر المطلق
يتناول المكروه - فقد ذهبوا إلى أن الوضوء المتكس يدخل في مطلق
الأمر بالوضوء، وأنه إذا وقع مثل ذلك فإنه يجزئ.
المسألة التاسعة: هل المكروه من التكليف؟
اختلف العلماء في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أن المكروه ليس من التكليف.
ذهب إلى ذلك جمهور العلماء.
وهو الصحيح؛ لأن التكليف إنما يكون بما فيه كلفة ومشقة،
والمكروه لا كلفة ولا مشقة فيه - كما اتضح ذلك من بيان حقيقة
المكروه السابق في المسألة الثانية، ومن بيان حكم المكروه السابق في
المسألة السابعة -.
حيث بيَّنا: أن المكلَّف إذا ترك الفعل المكروه فله أجر وثواب،
وإن لم يتركه فلا إثم عليه، وهذا لا مشقة ولا كلفة فيه، بخلاف
الواجب والحرام، فالمشقة والكلفة فيهما واضحة؛ حيث إن المكلَّف
إن فعل الواجب فله أجر، وإن تركه فعليه إثم، وإن ترك الحرام فله
أجر، وإن فعله فعليه إثم، وكل ذلك للابتلاء.
المذهب الثاني: أن المكروه من التكليف.
ذهب إلى ذلك الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني، وبعض الشافعية
وبعض الحنابلة.
دليل هذا المذهب:
استدل هؤلاء بقولهم: إن المكروه لا يخلو من مشقة وكلفة،
فشمله معنى التكليف.
جوابه:
يمكن أن يقال - في الجواب عنه -: إننا لو رجعنا إلى حقيقة
المكروه لوجدنا أنه لا مشقة حقيقية فيه، ولا إلزام في ترك الفعل.
تنبيه: إنني صححت في كتابي " إتحاف ذوي البصائر " أن المكروه
من التكليف، ولكني في كتابي الآخر وهو: " الخلاف اللفظي عند
الأصوليين " صححت: أن المكروه ليس من التكليف، وكذا في هذا
الكتاب.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف في هذه المسألة خلاف لفظي لا ثمرة له راجع إلى تفسير
التكليف ما هو.
فمن فسَّر التكليف بأنه: إلزام ما فيه كلفة، قال: المكروه ليس
من التكليف، لأنه لا إلزام في المكروه.
ومن فسَّر التكليف بأنه الأمر بما فيه كلفة، أو النهي عما في
الامتناع عنه كلفة، أو هو الخطاب بأمر أو نهي: قال: المكروه من
التكليف.
إذن: أصحاب المذهبين قد اتفقوا على المعنى وهو: أن المكروه
مطلوب تركه إلا أن أصحاب المذهب الأول وهم الجمهور رفع عنه
اسم التكليف، نظراً لعدم الإلزام في طلب الترك، أما أصحاب
المذهب الثاني أثبتوا له اسم التكليف لوجود الكلفة والمشقة في طلب
الترك.