الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث الرابع في موضوع أصول الفقه
لقد اختلف في موضوع علم أصول الفقه على مذهبين:
المذهب الأول: أن موضوع أصول الفقه هو: الأدلة الإجمالية،
وهو مذهب الجمهور، أي: أن موضوع علم أصول الفقه هو:
الأدلة الموصلة إلى الأحكام الشرعية العملية، وأقسامها، واختلاف
مراتبها، وكيفية استثمار الأحكام الشرعية منها على وجه كلي، وهو
الصحيح عندي، لأن الأحكام الشرعية ثمرة الأدلة وثمرة الشىء
تابعة له.
فالأصولي يبحث في حجية الأدلة الإجمالية، ثم يبحث عن
العوارض اللاحقة لهذه الأدلة من كونها عامة، أو خاصة، أو مطلقة
أو مقيدة، أو مجملة، أو مبينة، أو ظاهرة، أو نصاً، أو منطوقاً،
أو مفهوماً، وكون اللفظ أمراً، أو نهياً، ومعرفة هذه الأمور هي
مسائل أصول الفقه.
فمثلاً الكتاب، وهو دليل سمعي كلي لم ترد نصوصه على حَالة
واحدة، بل منها ما هو بصيغة الأمر، أو النهي، أو العام، أو
الخاص -، أو المطلق، أو المقيد إلى آخره، فهذه الأمور - وهي:
الأمر والنهي، والعام والخاص، والمجمل، والمطلق والمقيد،
وغيرها، تعتبر من أنواع الدليل الشرعي العام الذي هو الكتاب،
فيبحث الأصولي هذه الأمور وما تفيده، فبعد بحثه وتمحيصه يتوصل
إلى أن الأمر يفيد الفور أو التكرار، ويتوصل إلى أن النهي يفيد
التحريم، وأن العام يدل دلالة ظنية، وهكذا.
فهذه كلها وجوه الاستدلال بالكتاب، والدليل واحد، وهو نفس
الكتاب.
ْوالفقيه يأخذ الدليل الإجمالي، أو القاعدة الكلية التي توصل
إليها الأصولي، فيجعلها مقدمة كبرى، بعد أن يقدم لها بمقدمة
صغرى موضوعها جزئي من جزئيات تلك القاعدة، ودليل تفصيل
يعرفه الفقيه، كالأمر بالصلاة في قوله تعالى:(أقيموا الصلاة)
فيكون عندنا مقدمتان ونتيجة:
المقدمة الصغرى: الصلاة مأمور بها في قوله تعالى: (وأقيموا
الصلاة) ، وهذا دليل تفصيلي.
المقدمة الكبرى: وكل مأمور به - إذا تجرد عن القرائن - فهو
واجب، وهذه قاعدة أصولية، أو دليل كلي إجمالي.
فتكون النتيجة: الصلاة واجبة.
المذهب الثاني: أن موضوع علم أصول الفقه هو: الأدلة
والأحكام معاً، وذهب إلى ذلك بعض العلماء كصدر الشريعة،
وسعد الدين التفتازاني، وبعض العلماء.
وقالوا: إنه يبحث فيه عن العوارض الذاتية للأدلة الشرعية،
وهي: إثباتها للأحكام، وعن العوارض الذاتية للأحكام وهي:
ثبوتها بتلك الأدلة، وعلَّلوا قولهم هذا: بأنه لما كانت بعض مباحث
الأصول ناشئة عن الأدلة كالعموم والخصوص والاشتراك، وبعضها
ناشئاً عن الأحكام ككون الحكم متعلقاً بفعل هو عبادة أو معاملة،
ولا رجحان لأحدهما على الآخر، فالحكم على أحدهما بأنه
موضوع، وعلى الآخر بأنه تابع تحبهم وهو باطل.
جوابه:
أقول - في الجواب عنه -: إن موضوع أصول الفقه هو: الأدلة
الإجمالية، وغير الأدلة يأتي بالتبع، ولا تحكم في ذلك " لأنه كما
قلنا: إن الأحكام الشرعية ثمرة الأدلة، وثمرة الشيء تابعة له.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف هنا لفظي، لأن كلًّا من الفريقين قد ذكر الأدلة والأحكام
وبحثهما في أصول الفقه، ولكن أصحاب المذهب الأول قد بحثوا
الأحكام على أنها تابعة، وأصحاب المذهب الثاني قد بحثوها على
أنها أصلية.