الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المطلب الأول: أهمية التغيير بالقلب
المنكر لا تقره الشريعة بأي حال من الأحوال، فلابد من تغييره ولكن تغييره على مراتب.
ولما كان الناس يختلفون في قدراتهم الجسمية والعقلية وغير ذلك. فإن الشارع الحكيم رتب إنكار المنكر على حسب قدرة الشخص، ولكن لا يعذر أحد من المكلفين بترك الإنكار مهما يكن من أمر.
فيجب عليه أن يغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وهذا أقل الأحوال؛ لأن كل إنسان يستطيع ذلك ومن هو الذي لا يقدر على الإنكار بالقلب إلا رجل قد مرض قلبه وانتكس فهذا أمره أشد من قضية الإنكار بالقلب.
والأصل في هذا الحكم. ما رواه الإمام مسلم بسنده عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان)) (1).
وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته ويقتدون بأمره. ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون ويفعلون ما لا يؤمرون. فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل)) (2) الحديث.
وقد ذكر الإمام النووي في شرح مسلم كلام القاضي عياض –رحمه الله فقال: هذا الحديث أصل في صفة التغيير فحق المغير أن يغيره بكل وجه أمكنه زواله به قولاً كان أو فعلاً، فيكسر آلات الباطل، ويريق المسكر بنفسه. أو يأمر من يفعله، وينزع المغصوبات ويردها إلى أصحابها بنفسه أو بأمره إذا أمكنه، ويرفق جهده بالجاهل وبذي العزة الظالم المخوف شره. إذ ذلك أدعى إلى قبول قوله. كما يستحب أن يكون متولي ذلك من أهل الصلاح والفضل لهذا المعنى، ويغلظ على المتمادي في غيه والمسرف في بطالته إذا أمن أن يؤثر إغلاظه منكراً أشد مما غيره لكون جانبه محمياً عن سطوة الظالم فإن غلب على ظنه أن تغييره يسبب منكراً أشد منه من قتله أو قتل غيره بسبب كف يده، واقتصر على القول باللسان والوعظ والتخويف. فإن خاف أن يسبب قوله مثل ذلك غير بقلبه وكان في سعة وهذا هو المراد بالحديث إن شاء الله تعالى. وإن وجد من يستعين به على ذلك استعان ما لم يؤد ذلك إلى إظهار سلاح وحرب، وليرفع ذلك إلى من له الأمر إن كان المنكر من غيره، أو يقتصر على تغييره بقلبه هذا هو فقه المسألة، وصواب العمل فيها عند العلماء والمحققين خلافاً لمن رأى الإنكار بالتصريح بكل حال، وإن قتل ونيل منه كل أذى، هذا آخر كلام القاضي –رحمه الله (3).
ومن كان في قلبه حياة وليس في مقدوره أن يغير المنكر بيده ولا بلسانه فعليه أن يكره هذا المنكر ويعلم الله من قلبه الصدق والعزيمة على تمني زوال هذا المنكر ولولا المانع لأزاله.
قيل لابن مسعود رضي الله عنه: من ميت الأحياء؟ فقال: الذي لا يعرف معروفاً ولا ينكر منكراً (4).
فالذي لا يأمر بالمعروف ولا ينكر المنكر بأدنى درجاته فهو ميت القلب.
(1) رواه مسلم (49). من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.
(2)
رواه مسلم (50).
(3)
((صحيح مسلم بشرح النووي)) م1 (2/ 25).
(4)
((الأمر بالمعروف)) لابن تيمية (ص: 18).
وعندما تكلم يحيى بن معاذ الرازي يوماً في الجهاد وفي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قالت له امرأة: هذا واجب وضع عنا فقال: هبي أنه وضع عنكن سلاح اليد واللسان فلم يوضع عنكن سلاح القلب فقالت له صدقت جزاك الله خيراً (1). فإن سلاح اللسان لا يسقط عن المرأة فعليها أن تنكر على من تستطيع الإنكار عليه من أقاربها الرجال وأما النساء فعليها الإنكار عليهن بصفة عامة. ولهذا شواهد:
ورد عن عائشة أم المؤمنين –رضي الله عنها أنها رأت امرأة بين الصفا والمروة عليها خميصة من صلب –أي ثوب عليه خطوط متصالبة- فقالت عائشة: ((انزعي هذا من ثوبك فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رآه في ثوب قضبه)) (2).
وأما بالنسبة للإنكار على الرجال:
فقد ورد أن عائشة –رضي الله عنها رأت أخاها عبد الرحمن يسرع في الوضوء ليدرك الصلاة على سعد بن أبي وقاص. فقالت: يا عبد الرحمن أسبغ الوضوء فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((ويل للأعقاب من النار)).
ولا شك أن إنكار المرأة بقلبها على الرجال هو الغالب وعلى النساء في بعض الحالات بخلاف الرجل فإن إنكاره في قلبه مقيد بظروف معينة، وهي عدم مقدرته على الإنكار باليد واللسان فيجب على المسلم أن يعلم أنه لا يعذر بحال بترك الإنكار بقلبه عند عجزه عن الإنكار باليد واللسان. وإذا كان قلبه لا يتحرك عند رؤيته للمنكر فعليه أن يعلم أن قلبه مريض ويحتاج إلى علاج. وأما إذا علم صدق نيته بقلبه في بغضه للمنكر وتمني زواله فإن الله سبحانه وتعالى يعطيه مثل أجر القادر عليه وعلى أسوأ الأحوال فإنه لا يأثم بتركه ذلك.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية –رحمه الله فأما حب القلب وبغضه وإرادته وكراهته فينبغي أن تكون كاملة جازمة لا توجب نقص ذلك إلا بنقص الإيمان. وأما فعل البدن فهو بحسب قدرته ومتى كانت إرادة القلب وكراهته كاملة تامة وفعل العبد معها بحسب قدرته فإنه يعطى ثواب الفاعل الكامل .. (3). الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لعبد العزيز بن أحمد المسعود – ص 507
(1)((إعلام الموقعين)) لابن القيم.
(2)
رواه أحمد (6/ 225)(25923). قال شعيب الأرناؤوط: إسناده حسن.
(3)
((الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر)) ابن تيمية تحقيق صلاح الدين المنجد (ص: 23).
المطلب الثاني: حقيقة الإنكار بالقلب (1)
يغلط البعض فيظن أنه ما دام كارهاً للمنكر فلا بأس عليه بمخالطة فاعله والجلوس معه حال مواقعته المنكر .. أو البقاء في مكان فيه منكر في الشرع وهذا مخالف لما دل عليه القرآن والسنة. قال تعالى: وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللهِ يُكَفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ [النساء: 140] وهذا نهي صريح عن مجالستهم حال مواقعتهم لهذا المنكر .. فما دام لا يقدر على الإنكار باليد أو اللسان فلا بد إذاً من مفارقته للمنكر .. هذا هو الصحيح (2).
قال العلامة الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي –رحمه الله عند هذه الآية: (وكذلك يدخل فيه حضور مجالس المعاصي والفسوق التي يستهان فيها بأوامر الله ونواهيه، وتقتحم حدوده التي حدها لعباده. ومنتهى هذا النهي عن القعود معهم حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ أي: غير الكفر بآيات الله ولا الاستهزاء بها.
إِنَّكُمْ إِذًا أي إن قعدتم معهم في الحال المذكور (مثلهم) لأنكم رضيتم بكفرهم واستهزائهم، والراضي بالمعصية كالفاعل لها، والحاصل أن من حضر مجلساً يعصى الله به فإنه يتعين عليه الإنكار عليهم مع القدرة، أو القيام مع عدمها) (3). ا. هـ.
وقال القرطبي –رحمه الله عند هذه الآية: ( .. فدل بهذا على وجوب اجتناب أصحاب المعاصي إذا ظهر منهم منكر، لأن من لم يجتنبهم فقد رضي فعلهم والرضا بالكفر كفر، قال الله عز وجل: إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ فكل من جلس في مجلس معصية ولم ينكر عليهم يكون معهم في الوزر سواء، وينبغي أن ينكر عليهم إذا تكلموا بالمعصية وعملوا بها، فإن لم يقدر على النكير عليهم فينبغي أن يقوم عنهم حتى لا يكون من أهل هذه الآية .. وإذا ثبت تجنب أهل المعاصي فتجنب أهل البدع والأهواء أولى .. )(4) ا. هـ.
وقال البخاري –رحمه الله: (باب: هل يرجع إذا رأى منكراً في الدعوة؟).
ثم قال: ورأى ابن مسعود صورة في البيت فرجع (5).
(1)((الآداب الشرعية)) (1/ 308)، ((تنبيه الغافلين)) (ص: 106 - 109)، ((التشريع الجنائي)) (1/ 497).
(2)
((مجموع الفتاوى)) (28/ 204، 221، 222، 239).
(3)
((تفسير السعدي)) (2/ 93 - 94).
(4)
((القرطبي)) (5/ 418)، وانظر ((القاسمي)) (5/ 524 - 527)، ((الظلال)) (5/ 261 - 262)، ((الحلال والحرام)) (ص: 73).
(5)
رواه البخاري معلقاً بصيغة الجزم قبل حديث رقم (5181). قال ابن حجر في ((فتح الباري)) (9/ 249): كذا في رواية المستملي والأصيلي والقابسي وعبدوس، وفي رواية الباقين أبو مسعود والأول تصحيف فيما أظن فأنني لم أر الأثر المعلق إلا عن أبي مسعود عقبة بن عمرو وأخرجه البيهقي - (7/ 268) (14959) - من طريق عدي بن ثابت عن خالد بن سعد عن أبي مسعود:(أن رجلا صنع طعاماً فدعاه فقال: أفي البيت صورة؟ قال: نعم؛ فأبى أن يدخل حتى تكسر الصورة). وسنده صحيح. وخالد بن سعد هو مولى أبي مسعود عقبة بن عمرو الأنصاري ولا أعرف له عن عبد الله بن مسعود رواية ويحتمل أن يكون ذلك وقع لعبد الله بن مسعود أيضاً لكن لم أقف عليه. اهـ. وانظر: ((تغليق التعليق)) (4/ 423 - 424).
ودعا ابن عمر أبا أيوب فرأى في البيت ستراً على الجدار. فقال ابن عمر: غلبنا عليه النساء. فقال: من كنت أخشى عليه فلم أكن أخشى عليك، والله لا أطعم لكم طعاماً. فرجع (1)(2).
((ثم ساق بسنده من حديث عائشة أنها اشترت نمرقة فيها تصاوير، فلما رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم قام على الباب فلم يدخل، فعرفت في وجهه الكراهة فقلت: يا رسول الله: أتوب إلى الله وإلى رسوله، ماذا أذنبت. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بال هذه النمرقة؟ قالت: فقلت: اشتريتها لك لتقعد عليها وتوسدها. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن أصحاب هذه الصور يعذبون يوم القيامة .. ويقال لهم: أحيوا ما خلقتم وقال: إن البيت الذي فيه الصور لا تدخله الملائكة)) (3).
وقال ابن ماجه: (باب إذا رأى الضيف منكراً رجع). وذكر حديث علي رضي الله عنه قال: (صنعت طعاماً فدعوت رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاء فرأى في البيت تصاوير فرجع)(4).
وأورده أيضاً من حديث سفينة، أبي عبد الرحمن، قال:((إن رجلاً أضاف علي بن أبي طالب فصنع له طعاماً، فقالت فاطمة: لو دعونا النبي صلى الله عليه وسلم فأكل معنا، فدعوه فجاء، فوضع يده على عضادتي الباب، فرأى قراماً في ناحية البيت فرجع. فقالت فاطمة لعلي: الحق، فقل له ما رجعك يا رسول الله؟ قال: إنه ليس لي أن أدخل بيتاً مزوقاً)) (5).
وقد ذهب الإمام أحمد –رحمه الله إلى أنه يخرج من الوليمة إذا وجد جدران البيت قد سترت، وكذا إذا استعمل صاحب الوليمة آنية الفضة أو الذهب، أو رأى في البيت شيئاً من ذلك المستعمل (6).
قال المروذي: (قلت لأبي عبد الله: فالرجل يدعى فيرى مكحلة رأسها مفضض؟ قال: هذا يستعمل، وكل ما استعمل فاخرج منه .. )(7).
وقال المروذي: (سألت أبا عبد الله عن الرجل يدعى فيرى فرش ديباج، ترى أن يقعد عليه أو يقعد في بيت آخر؟! قال: يخرج، قد خرج أبو أيوب وحذيفة)(8).
وجاء عن أبي مسلم الخولاني –رحمه الله أنه انصرف إلى منزله فإذا هو بالبيت قد ستر، فقال: إن بيتكم هذا ليجد القر فأدفئوه، وإلا فلا أبرح حتى تنزعوه، فنزعوا الستور ثم دخل (9).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية –رحمه الله: (وروى أبو بكر الخلال بإسناده عن محمد بن سيرين أن حذيفة بن اليمان أتى بيتاً فرأى فيه حارستان، فيه أباريق الصفر والرصاص فلم يدخله وقال: من تشبه بقوم فهو منهم –وفي لفظ آخر: فرأى شيئاً من زي العجم فخرج وقال: من تشبه بقوم فهو منهم).
(1) رواه البخاري معلقاً بصيغة الجزم قبل حديث رقم (5181). قال ابن حجر في ((فتح الباري)) (9/ 249): وصله أحمد في كتاب ((الورع)) ومسدد في مسنده ومن طريقه الطبراني .. ووقع لنا من وجه آخر من طريق الليث عن بكير بن عبد الله بن الأشج عن سالم بمعناه. اهـ. وانظر: ((تغليق التعليق)) (4/ 424 - 425).
(2)
((نزهة الفضلاء)) (1/ 171).
(3)
رواه البخاري (2105)، ورواه مسلم (2107).
(4)
رواه ابن ماجه (2724). قال البزار في ((البحر الزخار)) (2/ 157): من أحسن إسناد يروى عن علي، وإسناده صحيح، وقال الشوكاني في ((نيل الأوطار)) (6/ 331): إسناد رجاله رجال الصحيح وله شواهد، وصححه الألباني في ((صحيح سنن ابن ماجه)).
(5)
رواه أبو داود (3755)، وابن ماجه (2725)، وأحمد (5/ 221) (21976). قال العراقي في ((تخريج الإحياء)) (4/ 293): إسناده جيد، وحسنه ابن حجر في ((تخريج مشكاة المصابيح)) (3/ 288) كما أشار إلى ذلك في مقدمته، والألباني في ((صحيح سنن ابن ماجه)).
(6)
((الورع)) (باب: أي شيء يخرج من الوليمة)(ص: 137). وفي ((كشاف القناع)) (5/ 170 - 171).
(7)
((الورع)) (ص: 137).
(8)
((الورع)) (ص: 138).
(9)
((الورع)) (ص: 139).
وقال علي بن أبي صالح السواق: (كنا في وليمة، فجاء أحمد بن حنبل، فلما دخل نظر إلى كرسي في الدار عليه فضة، فخرج، فلحقه صاحب الدار، فنفض يده في وجهه وقال: زي المجوس، زي المجوس)(1).
وقال في رواية صالح: (إذا كان في الدعوة مسكر أو شيء من آنية المجوس: الذهب والفضة، أو ستر الجدران بالثياب، خرج ولم يطعم) ا. هـ (2).
وقال إبراهيم الحربي: (وكان –أي الإمام أحمد- إن رأى إناء فضة أو منكر خرج .. )(3).
وقال أبو محمد بن تميم الحنبلي –رحمه الله عند ذكره لعقيدة الإمام أحمد: .. وكان يتحرج أن يدخل إلى دار فيها صور، أو دعوة فيها لهو أو غناء أو جنازة يتبعها نوح أو مزمار، فإذا حضرها لم يرجع عنها. (أي الجنازة)(4).
وأخرج ابن جرير بإسناد صحيح عن هشام بن عروة قال: أخذ عمر بن عبد العزيز قوماً على شراب، فضربهم وفيهم صائم. فقالوا: إن هذا صائم فتلا: فَلَا تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ [النساء: 140](5).
وقال الحافظ عند شرحه لحديث عائشة –رضي الله عنها في الجيش الذي يغزو الكعبة فيخسف بهم: (قال المهلب: في هذا الحديث أن من كثر سواد قوم في المعصية مختاراً أن العقوبة تلزمه معهم. قال: واستنبط منه مالك عقوبة من يجالس شربة الخمر وإن لم يشرب)(6). ا. هـ.
وقال الإمام مالك –رحمه الله: (لا ينبغي المقام بأرض يعمل فيها بغير الحق والسب للسلف الصالح، وأرض الله واسعة، لقد أنعم الله على عبد أدرك حقاً فعمل به)(7)(8).
سئل الشيخ محمد بن إبراهيم –رحمه الله عن وجوب الهجرة من بلاد المسلمين التي يحكم فيها بالقانون فأجاب: (البلد التي يحكم فيها بالقانون ليست بلد إسلام. تجب الهجرة منها، وكذلك إذا ظهرت الوثنية من غير نكير ولا غيرت فتجب الهجرة، فالكفر بفشو الكفر وظهوره هذه بلد كفر.
أما إذا كان قد يحكم فيها بعض الأفراد أو وجود كفريات قليلة لا تظهر، فهي بلد الإسلام.
ما الذي سلط الأعداء على المسلمين؟
إذا كان نفس الشيء الذي نقمه الرسول هو المقدم عندهم، واستغنوا باسم الإسلام وصلاة ونحو ذلك.
إن في القرآن والسنة الشفاء والبيان.
شيء واضح بينه القرآن ووضحه في عدة مواضع أن المشركين مقرين بالربوبية، ثم آيات أخر عينت الشيء الذي طلبوه، فهذا هو الذي أنكره القرآن عليهم من جهة العقيدة.
ولعلك أن تقول: لو قال من حكم القانون: أنا أعتقد أنه باطل.
فهذا لا أثر له، بل هو عزل للشرع، كما لو قال أحد: أنا أعبد الأوثان، وأعتقد أنها باطل.
وإذا قدر على الهجرة من بلاد تقام فيها القوانين وجب ذلك) (9).
وسئل أيضاً عن بلد يحل أهلها البغاء فقال: ( .. ينبغي الهجرة من بلد دون هذا، ويجب قتالهم حتى ينتهوا عن ذلك)(10).
وله –رحمه الله: (من محمد بن إبراهيم إلى المكرم سلمه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
…
وبعد:-
فقد وصل إلينا كتابك الذي تستفتي به عن إنسان اضطرته ظروف الحياة إلى الاجتماع بأناس لا يصلون الصلوات الخمس، وكان يسكن معهم في محلهم، يأكلون جميعاً ويشربون، ويبيتون.
وتسأل عن حكمهم، وحكم من يسكن معهم؟
(1) هذه الرواية ذكرها شيخ الإسلام موجودة في ((طبقات الحنابلة)) (1/ 234).
(2)
((اقتضاء الصراط المستقيم)) (1/ 318 - 319).
(3)
((سير أعلام النبلاء)) (11/ 226).
(4)
((طبقات الحنابلة)) (2/ 278).
(5)
((تفسير ابن جرير)) رقم (10709)(9/ 321)، ((الإبانة الكبرى)) رقم (515).
(6)
انظر: ((الفتح)) شرح الحديث رقم (2118)(4/ 241).
(7)
((الجامع)) لابن أبي زيد (ص: 156).
(8)
انظر: الكلام في الهجرة من أرض المعاصي في كتاب ((الرفوع)) (6/ 196 - 198).
(9)
((فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم)) (6/ 188).
(10)
((فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم)) (6/ 189).
والجواب: لا حول ولا قوة إلا بالله. ما كنا نظن أن يوجد مثل هؤلاء بين ظهراني المسلمين .. والواجب عليهم الرجوع إلى الله والتوبة إليه، فإن التوبة تجب ما قبلها، وعلى جميع من يعلم بحالهم هذه أن ينصحهم ويكرر مناصحتهم، فإن لم يمتثلوا قام عليهم غيرة الله تعالى ورفع بأمرهم إلى ولاة الأمر، كما أن على ولاة الأمر القيام عليهم وإلزامهم بالصلاة وغيرها من شعائر الإسلام.
وأما السكن معهم فلا يجوز للإنسان أن يسكن مع مثل هؤلاء، بل عليه أن يناصحهم فإن امتثلوا وإلا فيفارقهم ويلتمس رفقاء غيرهم .. ) (1).
متى تجب مفارقة المنكر؟
لا شك أن مفارقة المنكر أمر واجب على المستطيع لكن فرق بعض الفقهاء (فيما يتعلق بمفارقة مكان المنكر) بين كون المنكر في مكان لا يلحق من فارقه حرج وضرر ظاهر كناحية في السوق، أو دار صاحب الوليمة إذا وجد فيها شيء من المنكرات – وبين كون المنكر واقع من جار له في المنزل إذا كان يلحقه من الخروج ضرر ظاهر، ككون الدار ملكاً له. فيجوز له البقاء فيه مع متابعة النصح له –والله أعلم- (2).
أما من دعي إلى وليمة وهو يعلم أن فيها منكراً لكنه لم يره ولم يسمعه فهل له الجلوس والأكل؟
قال البهوتي –رحمه الله (له الجلوس والأكل نصاً، لأن المحرم رؤية المنكر أو سماعه ولم يوجد. وله الانصراف. فيخير لإسقاط الداعي حرمة نفسه بإيجاد المنكر)(3).
لكن قد يختلف الحكم إذا كان الرجل ممن يقتدى بمثله والمنكر في تلك الوليمة أو المناسبة مشتهر عند الناس ففي هذه الحالة قد لا يفهم الناس من جلوسه إلا الإقرار فعليه أن يفارق –والله أعلم-.
هذا ولا يفهم من كون الإنكار بالقلب يقتضي مفارقة المنكر أن ندع بعض الأعمال المشروعة، أو قصد بعض ما يشرع قصده من الأماكن لوجود بعض المنكرات هناك .. فلا يهجر المسجد لكونه مزخرفاً مثلاً، أو كان أهله يسبلون ثيابهم.
كما إذا اتبعت الجنازة، ثم جاء من يضرب بالدف، أو يظهر النياحة، فلا تدع ما أنت فيه لأجل هذا المنكر .. وقد كان الإمام أحمد –رحمه الله إذا حضر جنازة ثم ظهر هناك بعض المنكرات لم يرجع عنها ويقول كما قال الحسن لابن سيرين: لا ندع حقاً لباطل (4). الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لخالد بن عثمان السبت – ص: 335
(1)((فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم)) (6/ 189).
(2)
((كشاف القناع)) (5/ 170).
(3)
((كشاف القناع)) (5/ 170).
(4)
((طبقات الحنابلة)) (1/ 278).