الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قالَ العراقيُّ في ما وجدَ مِنْ "شرحهِ الكبيرِ": ((إنَّ ذكرَ أوهى الأسانيدِ في قسمِ الضعيفِ أليق)). وصدقَ رحمه الله. (1)
قولهُ:
أَصَحُّ كُتُبِ الْحَدِيْثِ
22 -
أَوَّلُ مَنْ صَنَّفَ في الصَّحِيْح
…
مُحَمَّدٌ وَخُصَّ بِالتّرْجِيْحِ
23 -
وَمُسْلِمٌ بَعْدُ، وَبَعْضُ الغَرْبِ مَعْ
…
أَبِي عَلِيٍّ فَضَّلُوا ذَا لَوْ نَفَعْ
لما كانَ يتكلمُ على الصحيحِ ناسبَ أَن يذكرَ الأصحَّ، فتكلمَ أولاً على أصحِ الأسانيدِ مطلقاً، ثم انتقلَ إلى أخصَّ منهُ، وهو أصحُّ (2) الأسانيدِ بالنسبةِ إلى صحابي واحدٍ، ثمَّ انتقلَ إلى أخصَّ مِنْ ذَلِكَ وهوَ أصحُّ كتبِ الحديثِ، فإنَّ مَنْ أفردَ الصحيحَ بالتصنيفِ قومٌ قليلٌ، كالشيخينِ، ومنِ استخرجَ على كتابيهما، أو استدركَ، وكابنِ خزيمةَ؛ إذْ صَنفَ في الصحيحِ، وابنِ حبانَ وأبي عوانةَ، فالجميعُ لا يبلغونَ عشرينَ، فمصنفاتهمْ يسيرةٌ بالنسبةِ إلى أسانيدِ صحابي ممنْ ذكرَ، فإنَّ الأسانيدَ إلى كلٍّ منهمْ كثيرةٌ، فلأجلِ حسنِ هذا الترتيبِ خالفَ ترتيب ابنِ الصلاحِ، وقدمَ هذا على مسألةِ إمكانِ التصحيحِ في /20أ / هذهِ الأعصارِ.
وقولهُ: (أولُ)(3) إلى آخرهِ، لا يُظن أنَّهُ مخالفٌ للترجمةِ؛ لأنها معقودةٌ لبيانِ الأولويةِ بالصحةِ لا لبيانِ الأوليةِ؛ فإنَّهُ قد بينَ الأصحَّ بقولهِ:(وخصَّ بالترجيحِ)(4) فوفى بما ترجمَ عليهِ، وزادَ.
(1) عبارة: (رحمه الله) لم ترد في (أ).
(2)
في (ك): ((أخص)).
(3)
التبصرة والتذكرة (22).
(4)
التبصرة والتذكرة (22).
وعبارةُ ابنِ الصلاحِ: ((أولُ مَنْ صنفَ الصحيحَ: البخاريُّ أبو عبدِ اللهِ محمدُ بنُ إسماعيلَ الجعفيُّ مولاهم (1)، وتلاهُ أبو الحسينِ مسلمُ بنُ الحجاجِ النيسابوريُّ القشيريُّ مِنْ أنفسهم (2)، ومسلمٌ مع أنَّهُ أخذَ عنِ البخاريِّ، واستفادَ منهُ، يشاركهُ في كثيرٍ مِنْ شيوخهِ
…
إلى أَن قالَ -: ثمَّ إن كتابَ البخاريِّ أصحُّ الكتابينِ صحيحاً، وأكثرهما فوائدَ)) (3).
وقولُ الشيخِ: (أولُ)(4) موافقٌ لقولِ ابنِ الصلاحِ: ((وتلاهُ أبو الحسينِ)) (5) في أَنَّ البخاريَّ صنفَ "صحيحهُ" قبلَ "صحيحِ مسلمٍ".
وقالَ الشيخُ في "النكتِ": ((اعترضَ عليهِ (6) بقولِ أبي الفضلِ أحمدَ بنِ سلمةَ: كنتُ معَ مسلمِ بنِ الحجاجِ في تأليفِ هذا الكتابِ سنة خمسٍ ومئتينِ، هكذا رأيتهُ بخطِّ الذي اعترضَ على ابنِ الصلاحِ سنةَ خمس بسينٍ فقطْ، وأرادَ بذلكَ أَنَّ تصنيف مسلمٍ لكتابهِ قديمٌ، فلا يكونُ تالياً لكتابِ البخاريِّ، وقدْ تصحفَ التاريخُ عليهِ، وإنما هوَ سنةُ خمسينٍ ومئتينِ بزيادةِ الياءِ والنونِ، وذَلِكَ باطلٌ (7) قطعاً؛ لأَنَّ
(1) قال العراقي في التقييد: 25: ((اعترض عليه بأن مالكاً صنف الصحيح قبله. والجواب: أَنَّ مالكاً رحمه الله لم يفرد الصحيح، بل أدخل فيه المرسل والمنقطع والبلاغات، ومن بلاغاته أحاديث لا تعرف، كما ذكره ابن عبد البر، فلم يفرد الصحيح إذن، والله أعلم)). ولمزيد الفائدة انظر: نكت الزركشي 1/ 161، ونكت ابن حجر 1/ 276 - 281.
(2)
أي: مِنْ بني قشير، لا مِنْ مواليهم، كما في حاشية محاسن الاصطلاح:89.
(3)
معرفة أنواع علم الحديث: 85.
وانظر في المفاضلة بين الصحيحين: نكت الزركشي 1/ 165، ونكت ابن حجر 1/ 281، والبحر الذي زخر 2/ 530.
(4)
التبصرة والتذكرة (22).
(5)
معرفة أنواع علم الحديث: 84.
(6)
جاء في حاشية (أ): ((أي: على ابن الصلاح)).
(7)
كتب ناسخ (أ) موضحاً: ((أي الاعتراض)).
مولدَ مسلمٍ رحمه الله سنةَ أربعٍ ومئتينِ، بلِ البخاريُّ لم يكنْ في التأريخِ المذكورِ صنّفَ، فضلاً عنْ مسلمٍ، فإنَّ بينهما في العمرِ عشرَ سنينَ. ولدَ البخاريّ سنةَ أربعٍ وتسعينَ ومئةٍ)) (1) انتهى. وقالَ بعضُ أصحابنا: قالَ الحافظُ أبو عليٍّ / 20ب / سعيدُ بنِ عثمانَ بنِ سعيدِ بنِ السكنِ في خطبةِ كتابهِ المسمى "بالسننِ الصحاحِ المأثورةِ ": ((أولُ منْ نصبَ نفسه لطلبِ صحيحِ الآثارِ البخاريُّ وتابعهُ مسلمٌ، وأبو داودَ، والنسائيُ)) (2).
والألفُ واللامُ في قولهِ (الصحيحُ)(3) عهديةٌ للصحيحِ الذي قدمَ تعريفهُ، فلا يردُّ قول منْ قالَ: كتابُ مالكٍ أسبقُ معَ كونهُ صحيحاً، فلا يكونانِ أولَ منْ صنفَ في الصحيحِ؛ فإنَّ كتابهُ وإنْ كانَ (4) قصدَ فيهِ جمعَ الصحيحِ، لكنْ إنما جمعَ الصحيحَ عندهُ، لا الصحيحَ الذي عرفناهُ؛ لأنه يرى المراسيلَ والبلاغاتِ صحيحةً، فيوردها مواردَ الاحتجاجِ، والصحيحُ الذي سلفَ تعريفهُ مشروطٌ فيهِ الاتصالُ.
قالَ الشيخُ في " النكت ": ((ومن بلاغاتهِ أحاديثُ لا تُعرفُ، كما ذكرهُ ابنُ عبدِ البرِ، فلمْ يفردِ الصحيحَ إذن، واللهُ أعلمُ)) (5)(6).
وسوقُ المصنفِ - فيما يصلحُ أَنْ يكون دليلاً للمعترضِ - بكون كتاب (7) مالكٍ صحيح (8) الرواية التي عبرَ الشافعيُّ فيها بأصحَّ، أولى مِنْ سوقِ ابنِ الصلاحِ
(1) التقييد والإيضاح: 25.
(2)
من قوله: ((وعبارة ابن الصلاح .... )) إلى هنا لم يرد في (ك).
(3)
التبصرة والتذكرة (22).
(4)
((كان)) لم ترد في (ف).
(5)
من قوله: ((قال الشيخ في النكت
…
)) إلى هنا لم يرد في (ك).
(6)
التقييد والإيضاح: 25.
(7)
لم ترد في (ك).
(8)
في (ف): ((صحيحاً)) وهو خطأ.
الروايةَ التي فيها أكثرُ صواباً؛ لأنَّ أكثريةَ الصوابِ يمكنُ أنْ تحملَ على استنباطِ الفقهِ، أو غيرِ ذَلِكَ مما لا يرجعُ إلى صحةِ جميعِ ما ساقهُ منَ الحديثِ، وإلى الروايةِ التي ساقها المصنفُ أشارَ ابنُ الصلاحِ بقولهِ:((ومنهمْ مَنْ رواهُ بغيرِ هذا اللفظِ)) (1) فإنْ قيلَ: قد صنعَ البخاريُّ في إخراجِ التعاليقِ صنيعَ مالكٍ في البلاغاتِ، قيلَ: نعمْ، لكنَّ مالكاً ساقَ الكلَّ مساقَ المسندِ في الاحتجاجِ بهِ لكونهِ صحيحاً، وأما البخاريُّ فلمْ يوردْها موردَ المسانيدِ، فهيَ عندهُ ليستْ مقصودةً بالذاتِ، بدليلِ أنَّهُ سمَّى كتابهُ " الجامعَ /21أ / المسندَ الصحيحَ "، فما رأينا فيهِ مما ليسَ بمسندٍ علمنا أنَّهُ لمْ يرد بذكرهِ كونهُ صحيحاً، بلْ قصدَ أمراً آخرَ، ومقاصدهُ في ذَلِكَ مختلفةٌ، تُعرفُ بكثرةِ ممارسةِ كلامهِ، وشرحُ شيخنا حافظِ العصرِ وافٍ ببيانها، ولأجلِ هذا لم يعترضْ أحدٌ ممنِ انتقدَ عليهِ بشيء منها.
قالَ شيخنا: ((والذي حرّكَ عزمهُ لتصنيفِ الصحيحِ، وقوَّاه عليهِ، ما رواهُ إبراهيم بنُ معقلٍ النسفيُّ، قالَ: سمعتُ البخاريَّ يقولُ: كنا عندَ إسحاقَ بنِ راهويهِ (2)، فقالَ: لو جمعتم كتاباً مختصراً لصحيحِ سنةِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، قال: فوقعَ
(1) معرفة أنواع علم الحديث: 84.
وانظر عن هذا اللفظ: نكت الزركشي 1/ 165، ونكت ابن حجر 1/ 281، وحاشية محققة محاسن الاصطلاح:90.
(2)
قال الزركشي في نكته 1/ 129: ((يجوز في (راهويه) فتح الهاء والواو وإسكان الياء، ويجوز ضم الهاء وإسكان الواو وفتح الياء، وهذا الثاني هو المختار، وعن الحافظ جمال الدين المزي أنه قال: غالب ما عند المحدّثين (فعلويه) -بضم ما قبل الواو - إلا (راهويه) فالأغلب فيه عندهم فتح ما قبل الواو)). وانظر: الأنساب 3/ 37، وسير أعلام النبلاء 11/ 358، وتدريب الراوي 1/ 338.
أما معناه فقد قال الزركشي 1/ 131: ((واعلم أن (راهويه) لقب لجده، وسمي بذلك؛ لأنّه ولد في الطريق، والرهو: الطريق، وكان أبوه يكره أَنَّ يسمى به)).
وانظر: تهذيب الكمال 1/ 176.
ذَلِكَ في قلبي، فأخذتُ في جمعِ الجامعِ الصحيحِ)).
وروى محمدُ بنُ سليمانَ بنِ فارسٍ، قالَ: سمعتُ البخاريَّ يقولُ: رأيتُ النّبيَّ صلى الله عليه وسلم وكأني واقفٌ بينَ يديهِ، وبيدي مروحةٌ أذبُّ عنهُ، فسألتُ بعضُ المعبِّرينَ، فقالَ لي: أنتَ تذبُّ عنهُ الكذبَ، فهو حملني على إخراج الصحيحِ (1)(2).
قولهُ: (وخصَّ بالترجيحِ)(3)، أي: وخصَّ مصنَّفهُ - بفتحِ النونِ - (4) بترجيحهِ على غيرهِ منَ المصنفاتِ، أعني: ترجيحَ الناسِ لهُ، وترجيحهمْ لهُ، أي حكمهم بأنَّهُ أرجحُ من كلِّ كتابٍ مصنفٍ، مقصورٍ عليهِ، لا يتعداهُ إلى غيرهِ، فلمْ يصرحْ أحدٌ بأنَّ غيرهُ أرجحُ منهُ باعتبارِ الصحةِ، إلا ما قالَ الحاكمُ في " التاريخِ ":((سمعتُ أبا عمرٍو بنِ أبي جعفرَ يقولُ: سمعتُ أبا العباسِ بنِ سعيدِ بنِ عقدةَ، وسألتهُ عنْ محمدِ بنِ إسماعيل، ومسلمِ بنِ الحجاجِ، أيهما أعلمُ؟ فقالَ: كانَ (5) محمدُ بنُ إسماعيلَ عالماً، ومسلمٌ عالمٌ. فكررتُ عليهِ مراراً، وهو (6) يجيبني بمثلِ هذا الجوابِ، ثمَّ قالَ لي (7): يا أبا عمرٍو، قد يقعُ لمحمدِ بنِ إسماعيلَ الغلطُ في أهلِ / 21ب / الشامِ؛ وذلكَ أنَّهُ أخذَ كتبهمْ، فنقلَ منها، فربما ذكرَ الواحدَ منهم بكنيتهِ، ويذكرهُ في موضعٍ آخرَ باسمهِ، ويتوهمُ أنهما اثنانِ، فأما مسلمٌ فقلَّ ما يقعُ لهُ الغلطُ في العللِ؛ لأنَّهُ كتبَ المسانيدَ ولمْ يكتبِ المقاطيعَ والمراسيلَ)) (8).
(1) هدي الساري: 9.
(2)
من قوله: ((قال شيخنا: والذي حركَ عزمه .... )) إلى هنا لم يرد في (ك).
(3)
التبصرة والتذكرة (22).
(4)
عبارة: ((بفتح النون)) لم ترد في (ك).
(5)
من قوله: ((محمد بن إسماعيل)) إلى هنا لم يرد في (ف).
(6)
((هو)) لم ترد في (ك).
(7)
((لي)) لم ترد في (ك).
(8)
انظر: سير أعلام النبلاء 12/ 565.
وهذا بعدَ تسليمِ كونِ ذَلِكَ يقعُ للبخاريِّ في كتابهِ " الصحيحِ " يحتاجُ لجوابٍ، لكنْ سألتُ شيخنا عنْ ذَلِكَ فقال:((إنما أشارَ بهِ (1) إلى كتابهِ " التاريخِ ")).
وأما قولُ المصنفِ: (وبعضُ الغربِ معَ أبي عليٍّ (2) فضلوا ذا) (3) فمبني على ما فهموهُ مِنْ أَنَّ عبارةَ أبي عليٍ تدلُّ على الترجيحِ دلالةً صريحةً (4)، وليسَ هي كذَلِكَ؛ فإنهُ عبرَ بقولهِ:((ما تحتَ أديمِ السماءِ أصحُّ مِنْ كتابِ مسلمٍ)) (5)، وهذا محمولٌ على نفيِ الأرجحيةِ في الصحةِ حملاً ظاهراً (6)، لا على نفي ما يساويهِ فيها، كما حررهُ شيخنا في " شرحِ النخبةِ "(7)، واقتضاهُ بحثُ المصنفِ في مثلهِ، فإنَّهُ قالَ في " الشرحِ الكبيرِ " في عبدِ الرحمانِ بنِ القاسمِ، عن أبيهِ، عنْ عائشةَ، أَنَّ يحيى بنَ معينٍ قالَ:((ليسَ إسناد أثبتَ منْ هذا))، ثمَّ قالَ: فهذا يقتضي أَنَّ ذَلِكَ المتقدم. يعني: الأعمشَ، عنْ إبراهيمَ، عن علقمةَ، عن عبدِ اللهِ، ليس أصحَّ مِنْ هذا، فأما المساواةُ فلا يتعينُ نفيها، فتأملهُ.
(1)((به)) لم ترد في (ك).
(2)
الحافظ أبو علي الحسين بن علي النيسابوري شيخ الحاكم، له ترجمة جيدة في السير 16/ 51 - 59.
(3)
التبصرة والتذكرة (23).
(4)
عبارة: ((دلالة صريحة)) لم ترد في (ك).
(5)
انظر: تاريخ بغداد 13/ 101 وللعلماء في توجيه هذا الكلام مباحثات. انظر: صيانة صحيح مسلم: 69، وسير أعلام النبلاء 16/ 55، وهدي الساري: 12، والنزهة: 86، وتدريب الراوي 1/ 93 - 95.
(6)
عبارة: ((حملاً ظاهراً)) لم ترد في (ك).
(7)
نزهة النظر: 86.
وقالَ فيهِ (1) أيضاً بعدَ ذَلِكَ، وساق أَنَّ مسلماً قالَ في إسنادٍ ذاكَرهُ بهِ أحمدُ ابنُ سلمةَ:((لا يكونُ في الأسانيدِ أشرفُ مِنْ هذا)). قالَ: فهذا يقتضي أنهُ لا أرجحَ مِنْ هذا الإسناد، فأما نفيُ المساواةِ فلا، كما تقدمَ. انتهى.
قالَ شيخُنا: ((ويؤيدُ هذا البحثَ قولُ أحمدَ بنِ حنبلٍ: ما بالبصرةِ أعلمُ - أو قالَ - أثبتُ منْ بشرِ بنِ المفضلِ / 22أ /، أما مثلهُ فعسى.
فهذا يدلُّ على أَنَّ عرفهم في ذَلِكَ الزمانِ ماشٍ على قانونِ اللغةِ، وأنهم يفهمونَ منْ تعبيرِ أحدهم بهذهِ الصيغةِ، ما يفهمُ مِنْ تعبيرِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم بها في قولهِ الذي رواه الترمذيُّ (2) وابنُ ماجه (3) عن عبدِ اللهِ بنِ عمرٍو رضي الله عنهما (4):((ما أظلتِ الخضراءُ، ولا أقّلتِ الغبراءُ مِنْ ذي لهجةٍ أصدقَ مِنْ أبي ذرٍّ)) مِنْ أَنَّ ذَلِكَ لا يقتضي رجحانهُ في الصدقِ على الصِّدِّيقِ مثلاً، واللهُ أعلمُ.
(1) جاء في حاشية (أ): ((أي في الشرح الكبير)).
(2)
جامع الترمذي (3801) وقال: ((هذا حديث حسن)).
(3)
سنن ابن ماجه (165).
وأخرجه مِنْ هذا الوجه أيضاً: ابن سعد 4/ 228، وأحمد 2/ 163 و175 و223، والحاكم 3/ 342. وعلى الرغم مِنْ تحسين الإمام الترمذي لهذا الحديث، فإن في سندهِ عثمان بن عمير ضعيف.
والحديث له طرق أخرى يتقوى بها، منها:
حديث أبي ذر أخرجه: الترمذي (3802)، وابن حبان (7132)، والحاكم 3/ 342. وورد مِنْ حديث أبي الدرداءِ عند ابن سعد 4/ 228، وابن أبي شيبة (32256)، والبزار (2713) والحاكم 3/ 342.
وورد مِنْ حديث أبي هريرة عند ابن سعد 4/ 228 ومن حديث علي عند أبي نعيم في الحلية 4/ 172 وورد مِنْ مراسيل ابن سيرين عند ابن سعد 4/ 228.
وهذه الطرق وإن كانت جميعها لا تخلو مِنْ مقال، إلاّ أَنَّ مجموعها يعطي قوة.
(4)
من قوله: ((الذي رواه الترمذي
…
)) إلى هنا لم يرد في (ك).
وقالَ الطحاوي في "بيانِ المشكلِ ": ((فكأنَّ الذي في هذا الحديثِ إثباتُ مراتبِ أعلى الصدقِ لأبي ذرٍّ رضي الله عنه، وليسَ فيهِ نفيُ غيرهِ مِنْ تلكَ المرتبةِ، إنّما فيهِ نفيُ غيرهِ أَنْ يكونَ في مرتبةٍ مِنْ مراتبِ الصدقِ أعلى منها)) (1). انتهى (2).
وعلى هذا يحملُ قولُ مَنْ نحى هذا المنحى في العبارةِ.
قالَ بعضُ أصحابنا: قال النوويُّ: ((ورُوِّينا عنِ الإمامِ أبي عبدِ الرحمانِ النسائيِّ أنَّهُ قالَ: ما في هذهِ الكتبِ كلِّها أجودُ مِنْ كتابِ البخاريِّ)) (3)(4). انتهى. وأما قولُ الطبني: إنَّ بعضَ مشايخهِ كانَ يفضلُ " صحيحَ مسلمٍ "(5)، فالتفضيلُ لا ينحصرُ في الأصحيةِ، فيحملُ على ما قالَ ابنُ الصلاحِ، وعلى جمعِ مسلمٍ لطرقِ الحديثِ في مكانٍ واحدٍ، فتجتمعُ ألفاظُ الحديثِ جميعها؛ ولأجلِ ذَلِكَ جعلَ الحميديُّ، وعبدُ الحقِّ لفظَ مسلمٍ أصلاً في جمعهما بين "الصحيحينِ"، ثمَّ يُبينانِ ما خالفَ ذلكَ منْ لفظِ البخاريِّ، فإنَّ نقلَ الحديثِ منْ موضعٍ واحد أهونُ (6).
هذا هوَ اللائقُ بالانفصالِ عن ذَلِكَ.
(1) شرح مشكل الآثار 2/ 12 عقب (534).
(2)
من قوله: ((وقال الطحاوي .... )) إلى هنا لم يرد في (ك).
(3)
شرح صحيح مسلم 1/ 16.
(4)
من قوله: ((وقال بعض أصحابنا ..... )) إلى هنا لم يرد في (ك).
(5)
انظر: إكمال المعلم 1/ 80.
(6)
هذا الكلام فيه نظر بالنسبة للحميدي؛ إذ إنه قال في مقدمة كتابه " الجمع بين الصحيحين " 1/ 75: ((وربما أوردنا المتن من ذلك بلفظ أحدهما، فإن اختلفا في اللفظ واتفقا في المعنى أوردناه باللفظ الأتم، وإن كانت عند أحدهما فيه زيادة وإن قلت، نبهنا عليها، وتوخينا الاجتهاد في ذلك .... )) فهذا يدل على عدم التزام الحميدي لما نسب له البقاعي هنا، ولعل البقاعي قلد غيره في ذلك. أما كتاب عبد الحق فلم نطلع عليه لنحكم فيه.
قالَ بعضُ أصحابنا وقالَ مسلمةُ بنُ قاسمٍ في "تأريخهِ"-- في ترجمةِ مسلمٍ، وذكرَ كتابهُ في "الصحيحِ" -:((لم يصنعْ أحدٌ مثلهُ)) (1). انتهى (2).
وأما توحيدُ (3) / 22ب / الجوابِ عنْ قولِ أبي عليٍّ والمغاربةِ، وجعلهما مِنْ وادٍ واحدٍ في قولِ ابنِ الصلاحِ مشيراً إلى قولِ أبي عليٍ:((فهذا وقولُ منْ فضلَ مِنْ شيوخِ (4) المغربِ كتابَ مسلمٍ على كتابِ البخاريِّ، إنْ كانَ المرادُ بهِ (5)
…
)) (6) إلى آخرهِ، وكذا صنيعُ منْ جاءَ بعدهُ، فليسَ بجيدٍ؛ فإنَّهُ إذا سلمَ أَنَّ قولَ أبي عليٍّ يقتضي الأرجحيةَ كما فهمَ ابنُ الصلاحِ، ومن تبعهُ مِنْ مختصري كتابهِ (7)، لم يحسنْ أَن يحملَ بعدَ ذَلِكَ على الأرجحية مِنْ حيثُ إنَّهُ لم يمازجهُ غيرُ الصحيحِ؛ فإنَّ أبا عليٍّ عبرَ بأصحَّ، وهيَ لا تحملُ على الأرجحيةِ مِنْ جهةِ غيرِ الصحةِ.
قلتُ: بلَ يحسنُ ذَلِكَ، وإنْ كانتْ لا تحملُ على الأرجحيةِ إلا مِنْ جهةِ الصحةِ، لأنَّا إذا قابلنا جملةَ كتابٍ متمحضٍ للصحيحِ بجملةِ آخرَ ليسَ كذلكَ، كانَ أزيدَ منهُ مِنْ جهةِ الصحةِ بهذا الاعتبارِ بلا شكٍّ (8)، ووراء ذلكَ أنَّهْ يمكنُ أَن تكونَ عبارةُ شيخِ الطبني كعبارةِ أبي عليٍّ، ففهمَ الطبني منها ما فهمهُ غيرُ شيخنا، ومنْ نحى نحوهُ (9) مِنْ عبارةِ أبي عليٍّ، حيثُ صرحوا بأنَّ أبا عليٍّ قالَ: إنَّ " صحيحَ
(1) جاء في حاشيةِ (أ): ((أي: في جودة الترتيب)).
(2)
من قوله: ((قال بعض أصحابنا وقال مسلمة .... )) إلى هنا لم يرد في (ك).
(3)
جاء في حاشية (أ): ((أي جعلهما واحداً)).
(4)
في (ك): ((أهل)).
(5)
من قوله: ((كتاب مسلم
…
)) إلى هنا لم يرد في (ك).
(6)
معرفة أنواع علم الحديث: 85.
(7)
عني بذلك النووي؛ إذ ذكر ذلك في كتابه الإرشاد 1/ 117 - 118، وابن كثير الذي ذكر ذلك أيضاً في كتابه اختصار علوم الحديث: 25، وبتحقيقي:80.
(8)
من قوله: ((بل يحسن ذلك
…
)) إلى هنا لم يرد في (ك).
(9)
عبارة: ((ومن نحى نحوه)) لم ترد في (ك).
مسلمٍ " أصحُّ كما هوَ في عبارةِ الشيخِ محيي الدينِ (1)، وقاضي القضاةِ بدرِ الدينِ بنِ جماعةٍ في مختصريهما لابن الصلاحِ، فصرَّحَ الطبنيُّ حينئذٍ بالتفضيلِ، فإنْ كان الأمرُ كذلكَ كانَ بحثُ شيخنا (2)، وشيخهِ في "الشرحِ الكبيرِ " فيما تقتضيهِ صيغةُ أفعلَ جواباً لهُ، لكنْ لا بدَّ أنْ تعرفَ أَنَّ ذَلِكَ غيرُ متعينٍ في هذهِ الصيغةِ، أي: أنها دائماً لا تنفي إلا الرجحانَ، بلِ الحقُّ أنها تارةً تستعملُ على مقتضى أصلِ اللغةِ فتنفي / 23 أ / الزيادة فقط (3)، وتارةً على مقتضى ما شاعَ مِنَ العرُفِ، فتنتفي المساواةُ.
وقولُ الإمامِ أحمدَ يدلُ على هذا؛ لأنَّ معناها لو كانَ متعيناً في الأمرِ الأولِ ما احتاجَ إلى الاستدراكِ. وقد حققَ الشيخُ سعدُ الدينِ التفتازانيُّ هذا المبحثَ في الكلامِ على الإمامةِ في أواخرِ "شرحِ المقاصدِ" فقالَ في الحديثِ الذي ذكرهُ المحبُ الطبريُّ في كتابِ " مناقبِ العشرةِ " عنِ الدارقطني و"المخلص الذهبيّ "(4) عنْ أبي الدرداءِ رضي الله عنه: أنَّهُ قالَ: رآني النبيُّ صلى الله عليه وسلم أمشي أمام أبي بكرٍ فقالَ: ((يا أبا الدرداءِ، تمشي أمامَ منْ هوَ خيرٌ منكَ في الدنيا والآخرةِ! ما طلعتْ شمسٌ، ولا غربتْ على أحدٍ بعدَ النبيينَ -أفضل مِنْ أبي بكرٍ)) (5) رضي الله عنه، قالَ (6)
(1) عبارة النووي في التقريب: 79 بتحقيقنا: ((البخاري أصحهما، وأكثرهما فوائد، وقيل: مسلم أصح)).
(2)
انظر: هدي الساري: 15 - 16.
(3)
من قوله: ((تارة تستعمل)) إلى هنا مكرر في نسخة (أ).
(4)
جاء في حاشية (أ): ((اسم كتاب يقال له فوائد مخلص الذهبي، وليس هو الذهبي المعروف)).
(5)
أخرجه ابن أبي عاصم في " السنة "(1224)، وخيثمة بن سليمان في " حديثه " 1/ 133 من طريق بقية، عن ابن جريج، عن عطاء، عن أبي الدرداء، به.
وذكره الهيثمي في " مجمع الزوائد " 9/ 44، وقال:((رواه الطبراني وفيه بقية وهو مدلس، وبقية رجاله وثقوا)).
(6)
جاء في حاشية (أ): ((أي: الشيخ سعد الدين)).
ما نصهُ: ((ومثلُ هذا الكلامِ وإنْ كانَ ظاهرهُ نفيَ أفضليةِ الغير، لكنْ إنما ينساقُ لإثباتِ أفضليةِ المذكورِ)). ولهذا أفادَ أَنَّ أبا بكر أفضلُ مِنْ أبي الدرداء، والسر في ذَلِكَ أَنَّ الغالب مِنْ حالِ كلِّ اثنينِ هوَ التفاضلُ دونَ التساوي، فإذا نفى أفضليةَ أحدهما ثبتَ أفضلية الآخرِ، وبمثلِ هذا ينحلُّ الإشكالُ المشهورُ على قولهِ صلى الله عليه وسلم، أي: فيما رواهُ مسلمٌ (1) وهذا لفظهُ، وأبو داودَ (2)، والترمذيُّ (3) والنسائيُّ (4) وغيرُهم (5) عن أبي هريرةَ: أَنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: ((منْ قالَ حينَ يصبحُ، وحينُ يمسي: سبحانَ اللهِ وبحمدهِ، مئةَ مرةٍ، لمْ يأتِ أحدٌ يومَ القيامةِ بأفضل مما جاءَ بهِ، إلا أحدٌ قالَ مثلَ ذَلِكَ، أو زادَ عليهِ)).
فالاستثناءُ بظاهرهِ مِنَ النفيِ، وبالتحقيقِ منَ الإثباتِ يعني: ويصيرُ ذلكَ كالحديثِ الذي رواهُ / 23 ب / البزارُ (6) مِنْ رواية جابرٍ الجعفيِّ، عن أبي المنذرِ الجهنيِّ رضي الله عنه، قالَ: قلتُ: يانبيَ اللهِ، علِّمني أفضلَ الكلامِ، قالَ:((يا أبا المنذرِ، قلْ: لا إلهَ إلا اللهُ، وحدهُ لا شريكَ لهُ، لهُ الملكُ، ولهُ الحمدُ، يُحيي ويميتُ، بيدهِ الخيرُ، وهو على كل شيءٍ قديرٌ، مئةَ مرةٍ (7) في كل يومٍ؛ فإنكَ يومئذٍ أفضلُ الناسِ عملاً، إلا منْ قالَ مثلَ ما قلتَ)) (8)، فتأملْ هذا الفصلَ؛ فإنَّهُ بديعٌ.
(1) صحيح مسلم 8/ 69 (2692).
(2)
سنن أبي داود (5091).
(3)
جامع الترمذي (3469).
(4)
في " الكبرى "(10403)، وفي " عمل اليوم والليلة "(568)، وبسند آخر في
" الكبرى " و" عمل اليوم والليلة " كما في " تحفة الأشراف " 9/ 385 (12560).
(5)
منهم البيهقي في " الدعوات الكبير "(119)، وفي " الأسماء والصفات " 1/ 177.
(6)
لم أجده في المطبوع من " مسند البزار "، وهو في " مجمع الزوائد " 10/ 86 وقال:((رواه البزار، وفيه جابر الجعفي، وهو ضعيف)).
(7)
((مرة)) لم ترد في (ف).
(8)
من قوله: ((لكن لا بدَّ أن تعرف أنّ ذلك
…
)) إلى هنا لم يرد في (ك).
قولهُ: (الطُبني)(1) - بضمِ المهملةِ، وإسكانِ الموحدةِ، وقبلَ ياءِ النسبِ نونٌ - ضبطهُ ابنُ السمعانيِّ (2) -، وقيلَ: بضمِ الموحدةِ حكاهُ ابنُ الأثيرِ في مختصرِ "النهايةِ"(3)، وهي بلدةٌ بالمغربِ ينسبُ إليها جماعةٌ.
قولهُ: (لمْ يمازجهُ (4) غيرُ الصحيحِ) (5) عبارةُ ابنِ الصلاحِ بعدَ هذا: ((فإنَّهُ ليسَ فيهِ بعدَ خطبتهِ إلا الحديث الصحيح مسروداً، غيرَ ممزوجٍ بمثلِ ما في كتابِ البخاريِّ في تراجمِ أبوابهِ منَ الأشياءِ التي لم يسندْها على الوصفِ المشروطِ في الصحيحِ، فهذا لا بأسَ بهِ، وليسَ يلزمُ منهُ أَنَّ كتابَ مسلمٍ أرجحُ فيما يرجعُ إلى نفسِ الصحيحِ على كتابِ البخاريِّ)) (6) إلى آخرهِ، وسيأتي بقيةُ الكلامِ على هذا قريباً (7).
قولهُ: (وعلى كلِ حالٍ، فكتاباهما أصحُّ كتبِ الحديثِ)(8) شبيهٌ بما قلنا فيما صرحَ بأنَّهُ أصحُّ الأسانيدِ مطلقاً، أو مقيداً مِنْ أنَّهُ يُستفادُ منهُ أرجحيتهُ على ما عداهُ بالنسبةِ إلى مجموعِ أقوالهم، وعدمِ منْ يخالفهم، فإنَّ منْ صرَّحَ بترجيحِ كتابِ البخاريِّ، ومن توقفَ، أو احتملَ كلامهُ تفضيلَ مسلمٍ مُجمعونَ على أَنَّ الكتابينِ أصحُّ مِنْ غيرهما، فهما (9) بالنسبةِ إلى القولينِ، وسكوت بقيةِ / 24أ / الأمّةِ عليهما
(1) شرح التبصرة والتذكرة 1/ 114.
(2)
الأنساب 3/ 256.
(3)
اللباب 2/ 275.
(4)
كتب ناسخ (أ) تحتها: ((أي: مسلم)).
(5)
شرح التبصرة والتذكرة 1/ 114.
(6)
معرفة أنواع علم الحديث: 85.
(7)
من قوله: ((قوله: الطبني بضم المهملة .... )) إلى هنا لم يرد في (ك).
(8)
شرح التبصرة والتذكرةِ 1/ 114.
(9)
كتب ناسخ (أ) تحتها: ((أي الكتابين)).
كما مضى مِنْ أَنَّ ذَلِكَ ينتجُ أنهما أصحُّ منْ غيرهما.
قولهُ: (قبلَ وجودِ الكتابينِ)(1) قالَ بعضُ أصحابنا: ((كانَ إذ ذاكَ موجودٌ منَ المصنفاتِ " السننَ " لابنِ جريجٍ، وابن إسحاقَ (2) غير السيرةِ، ولأبي قرةَ موسى بنِ طارقٍ الزبيدي بفتحِ الزاي، ومصنفُ عبدِ الرزاقِ بنِ همامٍ وغيرها)) (3).
قولهُ: (لو نفعَ)(4) جوابهُ محذوفٌ، تقديرُ الكلامِ: وفضلَ بعضُ أهلِ الغربِ مصاحباً في التفضيلِ لأبي عليٍّ كتاب مسلمٍ، فيكونُ أصحَّ مِنْ كتابِ
البخاري، فلو نفعَ تفضيلهم بموافقةِ العلماءِ لهم وقبولهم لقولهم؛ لعملَ بهِ، أو لَقُضِي بأنَّهُ أفضلُ (5)، لكنهُ لم ينفعْ، فلمْ يعملْ بهِ، أو فلم يكنْ أفضلَ (6)؛ لأنَّ العلماء ردوا ظاهرَ ذلكَ (7)، وأوَّلوا كلامهم. ومنَ الرَّادِّينَ مَنْ لم يستدلَّ لقولهِ اعتماداً على نظرِ الفطنِ الممارسِ للفنِّ في شروطِ الصحةِ في الكتابينِ، واستقراءِ استعمالِ الرجلينِ (8) لها، كابنِ الصلاحِ حيثُ قالَ: ((وإنْ كانَ المرادُ أنَّ كتابَ مسلمٍ أصحُّ صحيحاً،
(1) شرح التبصرة والتذكرة 1/ 115. وقد قال الحافظ ابن حجر في هدي الساري: 10:
((وعلم أَنَّ الشافعي إنما أطلق على الموطأ أفضلية الصحة، بالنسبةِ إلى الجوامع الموجودة في زمنه، كجامع سفيان الثوري، ومصنف حماد بن سلمة، وغير ذَلِكَ، وهو تفضيل مسلم لا نزاع
فيه)).
(2)
جاء في حاشية (أ): ((أي والسنن لابن إسحاق)).
(3)
من قوله: ((قوله: قبل وجود الكتابين .... )) إلى هنا لم يرد في (ك).
(4)
التبصرة والتذكرة (23).
(5)
عبارة: ((لقولهم لعمل به أو لقضي بأنه أفضل)) لم ترد في (ك).
(6)
عبارة: ((فلم يعمل به أو فلم يكن أفضل)) لم ترد في (ك).
(7)
((ذلك)) لم ترد في (ف).
(8)
جاء في حاشية (أ): ((أي: البخاري ومسلم)).
فهذا مردودٌ على منْ تقوَّلهُ)) (1)، ومنهم من برهنَ على أرجحيةِ كتابِ البخاريّ كشيخِنا في " شرح النخبة "(2)، وغيرهِ، مِن ذَلِكَ أَنَّ البخاريَّ اشترطَ في إخراجه الحديثَ في كتابهِ هذا، أنْ يكونَ الراوي لَقِيَ شيخه، ومسلمٌ يكتفي بمجردِ المعاصرةِ (3).
قولهُ: (لم يمازجهُ غيرُ الصحيحِ)(4)، أي: غيرُ الحديثِ الصحيحِ، إنْ قيلَ: فيهِ نظرٌ؛ لأنَّهُ روى (5) بعدَ الخطبةِ في كتابِ الصلاةِ بإسنادٍ إلى يحيى بنِ أبي كثيرٍ: أنَّهُ قالَ: ((لا يُنالُ العلمُ براحةِ الجسمِ)) (6) فقد مزجهُ بغيرِ الأحاديثِ كما قالهُ في " النكت "(7)، فالجوابُ: أنَّهُ نادرٌ فلا حكمَ لهُ.
قالَ شيخنا: ((وقالَ ابنُ / 24ب / الملقنِ: رأيتُ بعضَ المتأخرينَ قالَ: إنَّ الكتابينِ سواءٌ، فعلى هذا هو قولٌ ثالثٌ، وحكاهُ الطوفيُّ في " شرحِ الأربعينَ "، ومالَ إليهِ القرطبيُّ في مختصرهِ للبخاريِّ)).
قالَ بعضُ أصحابنا: وقالَ أبو العباسِ أحمدُ بنُ عمرَ القرطبيُّ لما ذكرَ البخاريَّ ومسلماً في خطبةِ كتابهِ " المفهمِ "(8): ((والحاصلُ من معرفةِ أحوالهما أنهما فرسا
(1) معرفة أنواع علم الحديث: 85.
(2)
نزهة النظر: 87 وما بعدها.
(3)
انظر في تجلية هذه المسألة: نكت الزركشي 1/ 165، ونكت ابن حجر 1/ 281، ونزهة النظر: 87 - 88، والبحر الذي زخر 2/ 530.
(4)
شرح التبصرة والتذكرة 1/ 114.
(5)
جاء في حاشية (أ): ((أي: مسلم)).
(6)
صحيح مسلم 1/ 428 (612)(175) ط فؤاد، ولفظه:((لا يستطاع العلم براحة الجسم)).
(7)
التقييد والإيضاح: 26.
(8)
جاء في حاشية (أ): ((في شرح مسلم)).
رهانٍ، وأنهما ليسَ لأحدٍ من جنسهما بمسابقتهما، ولا مساوقتهما يدانِ)) (1).
وقالَ الخطيبُ في كتابِ " الجامعِ "(2) حينَ ذكرَ الابتداء بسماعِ الأمهاتِ مِنْ كتبِ الأثرِ، والأصولِ الجامعةِ للسننِ:((وأما أحقها بالتقديمِ الجامعُ، والمسندُ الصحيحانِ لمحمدِ بنِ إسماعيلَ البخاريِّ، ومسلمِ بن الحجاجِ)). وقالَ أبو عبدِ اللهِ الحميديُّ في " الجمعِ بينَ الصحيحينِ "(3): ((لم نجدْ في الأئمةِ الماضينَ مَنْ أفصحَ لنا في جميعِ ما جمعهُ بالصحةِ، إلا هذينِ الإمامينِ)).
وقالَ أبو محمدٍ عبدُ الحقِّ بنُ عبدِ الرحمانِ الإشبيليُّ الحافظُ في " الجمعِ بينَ الصحيحينِ ": ((وقد اشتهرا في الصحةِ شهرةً لايطعنُ عليها وتضمنا منَ الأخبارِ، ما لجأ الناسُ في الأكثرِ إليها، وحسبكَ مِنْ هذينِ الكتابينِ أنهما إنما يعرفانِ بالصحيحينِ)). (4)
قولهُ: في الشرحِ (مَنْ صنفَ في جمعِ الصحيح)(5) قيلَ: فائدةُ زيادة لفظة جمع إخراجِ غيرِ الصحيحِ؛ لأنَّهُ إذا كتبَ شيئاً صحيحاً، وأدرجَ فيهِ شيئاً (6) غيرَ صحيحٍ لم يصدقْ أنَّهُ صنَّفَ في جمعِ الصحيحِ، وعندي أنهُ لا فرقَ بينَ وجودِ هذهِ اللفظةِ وعدمِها، كما في النظمِ مِنْ قولهِ:(أولُ (7) منْ صنفَ في
(1) انظر: نكت الزركشي 1/ 170.
(2)
جاء في حاشية (أ): ((في آداب الراوي والسامع))، وهو فيهِ في 2/ 184 - 185.
(3)
الجمع بين الصحيحين: 73 - 74. ونصه: ((ووسم كل واحد منهما كتابه بالصحيح، ولم يتقدمهما إلى ذَلِكَ أحد قبلهما، ولا أفصح بهذه التسمية في جميع ما جمعه أحد سواهما، فيما علمناه)).
(4)
من قوله: ((قوله: لم يمازجهُ غير الصحيح .... )) إلى هنا لم يرد في (ك).
(5)
شرح التبصرة والتذكرة 1/ 115.
(6)
عبارة: ((صحيحاً، وأدرج فيه شيئاً)) لم ترد في (ك).
(7)
لم ترد في (ك).
الصحيحِ) (1) وأنَّ كلا العبارتينِ غيرُ صريحٍ في تجريد / 25أ / الصحيحِ؛ فإنَّ مَنْ كتبَ الصحيحَ وضمَّ إليهِ قليلاً مِنْ غيرهِ، كما فعلَ مالكٌ (2)، لا يخرجُ عنْ كونهِ صنفَ في الصحيحِ، أو في جمعِ الصحيحِ، وعبارةُ ابنِ الصلاحِ:((أولُ مَنْ صنفَ (3) الصحيحَ)) (4) كما تقّدمَ، أي: جعلهُ أصنافاً، وهيَ غيرُ صريحةٍ في أَنَّ المرادَ: أولُ منْ أفردَ الصحيحَ عنْ غيرهِ (5)، فلو قالَ:
أَولُ منْ صَنَّفَ في الصَحِيحِ
…
فقطْ محمدٌ وبالترجيحِ
خُصَّ فمسلمٌ وبعضُ الغَربِ معْ
…
...
…
.... ....
كَانَ أَحسنَ.
قَولُه: (فقد بينتهُ في " الشرحِ الكبيرِ ") قالَ شيخنا (6): ((أولُ مَنْ صنفَ في العلمِ، وبوَّبه ابنُ جريج بمكةَ، ومالكٌ، وابنُ أبي ذئبٍ بالمدينة، فإنَّ ابن أبي ذئبٍ صنفَ موطأً، أكبر من "موطأ مالكٍ" بأضعافٍ حتى قيلَ لمالكٍ: ما الفائدةُ في تصنيفكَ؟ فقالَ: ((ما كانَ للهِ بَقيَ)) والأوزاعيُّ بالشامِ، والثوريُّ بالكوفةِ، وسعيدُ بنُ أبي عروبةَ، والربيعُ بنُ صبيحٍ بالبصرةِ، ومعمرٌ باليمنِ)).
قالَ (7): ((وكانَ هؤلاءِ في عصرٍ واحدٍ، فلا ندري أيهم سبقَ؟))، وهكذا في "شرحِ المصنفِ الكبيرِ"، وقالَ:((وخالدُ بنُ جميلٍ الذي يقالُ لهُ: العبدُ، ومعمرُ ابنُ راشدٍ باليمنِ))، وساقَ
(1) التبصرة والتذكرة (22).
(2)
عبارة: ((كما فعل مالك)) لم ترد في (ك).
(3)
((صنف)) لم ترد في (ف).
(4)
معرفة أنواع علم الحديث: 84.
(5)
من قوله: ((وعبارة ابن الصلاح
…
)) إلى هنا لم يرد في (ك).
(6)
انظر: هدي الساري: 8.
(7)
لم ترد في (ك).
عبارةَ أبي محمدِ بنِ خلادٍ الرامهرمزي في كتابهِ " المحدّثِ الفاصلِ "(1) في ذَلِكَ، ثمَّ قالَ:((والحاصلُ من كلامهِ، وكلامِ غيرهِ أَنَّ أولَ مَنْ صنفَ بمكةَ، ابنُ جريجٍ، وبالمدينةِ ابنُ إسحاقَ، أو مالكٌ، وبالبصرةِ الربيعُ بنُ صبيحٍ، أو سعيدُ بنُ أبي عروبةَ، وبالكوفةِ الثوريُّ، وبالشامِ الأوزاعيُّ، وبواسطٍ هشيمٌ، وباليمنِ معمرٌ، وبالريِّ جريرٌ، يعني: ابنَ عبدِ الحميدِ، وبخراسانَ ابنُ المباركِ)). انتهى. (2) / 25ب /
قالَ شيخنا (3): ((وهذا بالنسبةِ إلى ما يفهمُ منْ لفظِ تصنيفِ منْ جعلَ الشيءَ أصنافاً، وأما جمعُ حديثٍ إلى مثلهِ، ونحوُ ذَلِكَ في بابٍ واحدٍ فقدَ سبقَ إليهِ الشعبيُّ، فإنَّهُ رُويَ عنهُ أنَّهُ قالَ: هذا بابٌ من الطلاقِ جسيمٌ، وساقَ فيهِ أحاديثَ)). انتهى.
قلتُ: ورأيتُ في ترجمةِ الحلاجِ مِنْ "تاريخِ الخطيبِ": أَنَّ القاضي أبا عمرَ المالكيَّ توقفَ في أمرهِ حتى قُرىء في كتابٍ لهُ: أمر رُتبهِ، وجعله قائماً مقامَ الحجِّ، فقالَ لهُ (4): مِنْ أينَ لكَ هذا؟ فقالَ مِنْ كتابِ "الإخلاصِ" للحسنِ فقالَ: كذبتَ ياحلالَ الدمِ، فقدْ سمعنا كتابَ " الإخلاصِ" للحسنِ، ولم يكنْ فيهِ شيء مِنْ هذا، ثمَّ حكمَ بقتلهِ (5)، فهذا إقرارٌ مِنْ أبي عمرَ على أَنَّ الحسنَ لهُ كتابُ " الإخلاصِ" فهوَ أولُ مَنْ صنفَ مطلقاً (6)، والله أعلم (7).
(1) جاء في حاشية (أ): ((بين الراوي والواعي هكذا سماه)) أقول: وهو فيه: 611 الفقرة
(892)
، وما بعدها.
(2)
من قوله: ((وهكذا في شرح المصنف الكبير
…
)) إلى هنا لم يرد في (ك).
(3)
لم ترد في (ك).
(4)
عبارة: ((رتبه، وجعله قائماً مقام الحج فقال له)) لم ترد في (ف).
(5)
تأريخ بغداد 8/ 718 طبعة دار الغرب، والنص ساقط مِن الطبعة القديمة.
(6)
من قوله: ((انتهى. قلت: ورأيت في ترجمة الحلاج .... )) إلى هنا لم يرد في (ك).
(7)
لم ترد في (أ).
قولهُ:
24 -
وَلَمْ يَعُمَّاهُ ولكن قَلَّمَا
…
عِنْدَ ابْنِ الاخْرَمْ مِنْهُ قَدْ فَاتَهُمَا
25 -
وَرُدَّ لكن قَالَ يَحيَى البَرُّ
…
لَمْ يَفُتِ الخَمسَةَ إلَاّ النَّزْرُ
26 -
وَفيهِ مَا فِيْهِ لِقَوْلِ الجُعْفِي
…
أَحْفَظُ مِنْهُ عُشْرَ أَلفِ أَلْفِ
27 -
وَعَلَّهُ أَرَادَ بِالتَّكرَارِ
…
لَهَا وَمَوْقُوْفٍ وفي البُخَارِي
28 -
أَرْبَعَةُ الآلافِ والمُكَرَّرُ
…
فَوْقَ ثَلاثَةٍ أُلُوْفاً ذَكَرُوا
الضميرُ البارزُ في (يعماهُ)(1) عائدٌ إلى الصحيحِ الذي سبقَ تعريفهُ.
قولهُ: (إياهما بأحاديثَ)(2) قالَ بعضُ أصحابنا: منها حديثُ المرأةِ التي شربتْ بولَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم (3) وهي أم أيمنَ رضي الله عنها (4).
قولهُ في النظم (5): (ورُدَّ) إنما كانَ مردوداً؛ لحملهم كلامه على أنهُ يعني: كتابيهما، كما يأتي عن ابنِ الصلاحِ، ويوضحُ الردَّ أَنَّ " مستدركَ الحاكمِ " كتابٌ
(1) التبصرة والتذكرة (24).
(2)
شرح التبصرة والتذكرةِ 1/ 115.
(3)
أخرجه: الطبراني في " الكبير " 25/ (230)، والحاكم في " المستدرك " 4/ 63 - 64، وأبو نعيم في " الحلية " 2/ 67 من طريق أبي مالك النخعي، عن الأسود بن قيس، عن نبيح العنزي: عن أم أيمن، قالت: قام رسول الله مِن الليل إلى فخارة في جانب البيت فبال فيها، فقمت مِن الليل، وأنا عطشانة، فشربت ما فيها، وأنا لا أشعر، فلما أصبح النبي صلى الله عليه وسلم قالَ: يا أم أيمن قومي فأريقي ما في تلك الفخارة، قلت: قد والله شربت ما فيها، قالت: فضحك النبي صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه، ثم قال:((أما إنكِ لا تتجعين بطنك أبداً)). وهو ضعيف؛ لضعف أبي مالك النخعي؛ ولانقطاعه فإن نبيحاً لم يلحق أم أيمن.
(4)
من قوله: ((قوله: إياهما بأحاديثَ .... )) إلى هنا لم يرد في (ك)
(5)
((في النظم)) لم ترد في (أ) و (ك).
كبيرٌ يشتملُ على شيءٍ كثيرٍ مما فاتهما، وإنْ كانَ عليهِ في بعضهِ مقالٌ، فإنَّهُ يصفو لهُ منهُ صحيحٌ كثيرٌ، قالهُ ابنُ الصلاحِ (1)(2).
قالَ شيخنا: ((والذي ظهرَ لي مِنْ كلامهِ أنَّه غيرُ مريد للكتابينِ (3) وإنما أرادَ مدحَ الرجلينِ بكثرةِ الاطلاعِ والمعرفةِ، لكنْ / 26أ / لما كانَ غيرُ لائقٍ أَنْ يوصفَ أحدٌ مِنَ الأمةِ بأنَّهُ جمعَ الحديث جميعهُ حفظاً، وإتقاناً، حتى ذُكِرَ عنِ الشافعيِّ أنَّهُ قالَ: مَن ادّعى أَنَّ السُنّةَ اجتمعتْ كلها عندَ رجلٍ واحدٍ فسقَ، ومن قالَ: إنَّ شيئاً منها فاتَ الأمةَ فَسَقَ.
فحينئذٍ عبَّر عما أراد منَ المدحِ بقولهِ: قلَّ ما يفوتهما منهُ، أي: قَلَّ حديثٌ يفوتُ البخاريَّ ومسلماً معرفتهُ، أو نقولُ: سلمنا أَنَّ المرادَ الكتابانِ، لكنَّ المرادَ بقولهِ: مما يثبتُ منَ الحديثِ: الثبوتُ على شرطهما، لا مطلقُ الصحيحِ. نعمْ، قولُ الشيخِ محيي الدينِ: إنَّهُ لمْ يفتِ الأصولَ الخمسةَ إلا اليسير (4) منازعٌ، فيهِ إلا أنْ يتمهلَ لهُ أَنَّ ما فاتها يسيرٌ (5) بالنسبةِ إلى مافيها، أي: أقل مما فيها، ولو كانَ أقلَّ منهُ مثلاً بألفِ حديثٍ، فيتوجهُ حينئذٍ، وستأتي ترجمةُ ابنِ الأخرمِ في معرفةِ مَنْ تقبلُ روايتهُ، ومن تردُّ)) (6).
قلتُ: وقولُ البخاريِّ: ((وتركتُ منَ الصحاحِ لحالِ الطولِ)) (7). رواهُ عنهُ
(1) من قوله: ((ويوضح الردّ أن مستدرك الحاكم
…
)) إلى هنا لم يرد في (ك).
(2)
معرفة أنواع علم الحديث: 86.
(3)
انظر: نكت الزركشي 1/ 180.
(4)
التقريب: 79.
(5)
جاء في حاشية (أ): ((الأصول الخمسة)).
(6)
من قوله: ((وستأتي ترجمة ابن الأخرم
…
)) إلى هنا لم يرد في (ك).
(7)
رواه ابن عدي في " الكامل " 1/ 226، وفي " أسماء منْ روى عنهم البخاري "(4 / أ)، والخطيب في " تأريخ بغداد " 2/ 8 - 9، والحازمي في " شروط الأئمة الخمسة ": 62 - 63.
إبراهيمُ بنُ معقلٍ النسفيُّ (1)، ربما أشعرَ بقلةِ ما بَقيَ، وإنَّ قولهُ:((أحفظ مئةَ إلف حديثٍ صحيحٍ)) (2) ليسَ على ظاهرهِ، بلِ المرادُ بالمكرراتِ، والموقُوفَاتِ، لكنْ قالَ البلقينيُّ:((نقلَ الحازميُّ (3) لفظَ البخاريِّ، وفيهِ: وما تركتُ مِن الصحاحِ أكثرُ)) (4). انتهى.
وكذا رواهُ الحافظُ أبو بكرٍ الإسماعيليُّ، قالَ:((لم أُخرِجْ في هذا الكتابِ إلاّ صحيحاً، وما تركتُ مِن الصحيحِ أكثر))، قالَ الإسماعيليُّ:((لأنَّهُ لو أخرجَ كلّ صحيحٍ عندهُ لجمَعَ في البابِ الواحدِ حديثَ جماعةٍ منَ الصحابةِ، ولذكرَ طريقَ كل واحد منهمْ إذا صحتْ، فيصيرُ (5) كتاباً /26ب/ كبيراً جداً)).
قالَ شيخُنا العلامةُ تاجُ الدينِ بنُ الغرابيليِّ: ((قولُ الإسماعيلي هذا يؤيد قولَ مَنْ قال: إنَّ مقصود البخاريِّ مِنْ قولهِ: ((أحفظُ مئةَ ألفِ حديثٍ)) أنَّ ذلكَ بالتكرارِ وغيرهِ)) (6). قالَ شيخنا: ((ولقد كانَ استيعابُ الأحاديثِ سهلاً، لو أرادَ القادرُ على كل شيءٍ، وذَلِكَ بأنْ يجمعَ الأولُ منهم ما وصلَ إليهِ، ثمَّ يذكرَ مَنْ بعده ما اطلعَ عليهِ مما فاتهُ مِنْ حديثٍ مستقلٍ، أو زيادةٍ في الأحاديثِ التي ذكرها، فيكونُ كالذيلِ عليهِ، وكذا منْ بعده فلا يمضي كثيرٌ مِن الزمانِ، إلا وقد استوعبَ (7)، وصارت تلكَ المصنَّفاتُ كالمصنَّفِ الواحدِ، ولعمري، لقد كانَ هذا في غايةِ الحسنِ
(1) من قوله: ((لحال الطول
…
)) إلى هنا لم يرد في (ك).
(2)
أسنده إليه ابن عدي في مقدمة " الكامل " 1/ 226، والخطيب في " تأريخه " 2/ 25، والحازمي في " شروط الأئمة الخمسة ": 61، وابن نقطة في " التقييد ":33.
(3)
زاد بعدها في (ك): ((من)).
(4)
محاسن الاصطلاح: 91.
(5)
جاء في حاشية (أ): ((الأصول الخمسة)).
(6)
من قوله: ((انتهى. وكذا رواه الحافظ أبو بكر
…
)) إلى هنا لم يرد في (ك).
(7)
في (ك): ((استوعبته)).
والسَّدادِ، ولكنْ قدرَ اللهُ، وما شاءَ فعلَ)).
قولهُ: (وقالَ مسلمٌ)(1) عبارةُ ابنِ الصلاحِ (2) عنهُ: ((ليس كل شيءٍ عندي صحيحٌ وضعتهُ ها هنا - يعني: في كتابهِ " الصحيحِ " - (3) إنما وضعتُ هاهنا ما أجمعوا عليهِ)) (4) أراد واللهُ أعلمُ أنَّهُ لم يضعْ في كتابهِ إلا الأحاديثَ التي وجدَ عندهُ فيها شرائط الصحيحِ)) (5)(6).
قولهُ: (يريدُ ما وَجَدَ عندهُ فيها)(7)، أي: يريدُ الأحاديثَ التي وجدَ عندهُ فيها، وهي عبارةُ ابنِ الصلاحِ كما عرفتَ (8)، قالَ البلقينيُّ:((وقيلَ: أرادَ مسلمٌ بقولهِ: ((ما أجمعوا عليهِ)) أربعةً: أحمدَ بنَ حنبلٍ، ويحيى بن يحيى، وعثمانَ ابنَ أبي شيبةَ، وسعيدَ بنَ منصورٍ الخراسانيَّ (9))). انتهى. أي: ولم يردْ إجماعَ جميعِ الأمةِ كما هو المتبادرُ للفهمِ، لكن لم يُبيّنْ برهانَ هذا القولِ.
قولهُ: (وفيهِ ما فيهِ)(10) هذا كنايةٌ عن ضعفِ ما تعقّبهُ، وتقديرهُ: وهذا
/ 27أ / الكلامُ موجودٌ فيه مِن الضعفِ (11) ما هو موجودٌ فيهِ منهُ، ويكون المرادُ بها
(1) شرح التبصرة والتذكرة 1/ 116.
(2)
معرفة أنواع علم الحديث: 85 - 86.
(3)
هذه الجملة الاعتراضية مِن ابن الصلاح.
(4)
صحيح مسلم 2/ 15 عقب (404).
(5)
من قوله: ((قوله: وقال مسلم .... )) إلى هنا لم يرد في (ك).
(6)
إلى هنا انتهى كلام ابن الصلاح.
(7)
شرح التبصرة والتذكرة 1/ 116.
(8)
عبارة: ((وهي عبارة ابن الصلاح كما عرفت)) لم ترد في (ك).
(9)
محاسن الاصطلاح: 91. وفي شرح مراد الإمام مسلم انظر تعليقنا المطول على كتاب معرفة أنواع علم الحديث لابن الصلاح: 86.
(10)
التبصرة والتذكرة (26).
(11)
جاء في حاشية (أ): ((أي: التفخيم))، ومن ذَلِكَ قوله تعالى:{فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غشِيَهُمْ} .
التهويلَ، أو الظهورَ، كأنَّهُ لما كان كالمشاهدِ في وضوحهِ لم يحتجْ إلى بيانهِ.
قولهُ: (عُشر ألفِ ألفٍ)(1) عبارة ابنِ الصلاحِ: ((قالَ البخاريُّ: أحفظُ مئةَ ألفِ حديثٍ صحيحٍ، ومئتي ألفِ حديثٍ غيرِ صحيحٍ)) (2)(3).
قولهُ: (بالتكرارِ)(4) متعلقٌ بمحذوفٍ، تقديرُ الكلامِ: ولعلَّ البخاريَّ أرادَ أَنَّ الصحيحَ الذي يحفظهُ بلغَ مئةَ ألفٍ حالَ كونهِ مستعيناً في ذَلِكَ بتكرارِ الأحاديثِ وبالموقوفاتِ، أي: يعدُّ المكررَ بالأسانيدِ أحاديثَ بحسبِ التكرارِ، ويعدُّ الموقوفَ.
قالَ شيخنا: ((إنْ قيلَ: احتمالُ إرادةِ المكررِ لا يقدحُ في الدليلِ؛ لأنَّهُ احتمالٌ ضعيفٌ، ولا يوقفُ الدليل إلا الاحتمال الأرجح، أو المساوي، قيل: جَرت عادةُ جهابذةِ المحدِّثينَ أَنَّ يُسمّوا الحديثَ الواحدَ باعتبارِ سندينِ حديثينِ، وما زادَ بحسبهِ، وكذا الآثارُ، ويؤيدُ أَنَّ هذا هوَ المرادُ أنَّ الأحاديثَ الصحاحَ التي بينَ أظهرِنا، بل وغيرُ الصحاحِ، لو تتبعتْ منَ المسانيدِ، والجوامعِ، والسننِ، والأجزاءِ، وغيرها، لما بلغت مئةَ ألف بلا تكرارٍ، بل ولا خمسينَ ألفاً، ويبعدُ كلَّ البعدِ، بل لا يمكنُ عادةً أنْ يكونَ رجلٌ واحدٌ حفظَ ما فاتَ الأمةَ جمعه، فإنَّهُ إنما حفظَ مِنْ أصولِ مشايخهِ وهي موجودةٌ، أو أكثرها، سلمنا أنَّهُ حفظَ مِنَ الصدورِ مالم يكن مكتوباً، لكنْ يتعذرُ عادةً أنْ لا يكونَ هو كتبَ ذَلِكَ، فيوجدُ بعدهُ، سلمنا، لكن هو أورعُ مِنْ أنْ يكتمهُ، ولو حدَّثَ بهِ لحملَ عنه، فوجدَ، فتعينَ الحملُ على ما قلنا، ومنِ ادعى غيرَ ذَلِكَ فعليهِ البيانُ)).
(1) التبصرة والتذكرة (26).
(2)
من قوله: ((قوله: عشر ألف ألف .... )) إلى هنا لم يرد في (ك).
(3)
معرفة أنواع علم الحديث: 86.
(4)
التبصرة والتذكرة (27).
قولهُ: (وفي البخاريِّ)(1) إلى آخرهِ /27ب/ قال شيخنا - باركَ اللهُ في حياتهِ - (2): ((ساقَ المصنفُ هذا مَساقَ فائدةٍ زائدةٍ، وليسَ ذَلِكَ مرادَ ابنِ الصلاحِ، بل هو تتمةُ قدحهِ في كلامِ ابنِ الأخرمِ، وحاصلهُ: أنَّهُ يقولُ معنى كلامِ ابنِ الأخرمِ: قَلَّ ما فاتهما في كتابيهما مِنَ الصحيحِ، وقولهُ مردودٌ، بل فاتهما أكثرُ مما خَرَّجاه؛ لقولِ البخاريِّ: ((أحفظُ مئةَ ألفِ حديثٍ صحيحٍ))، وكتابهُ ليسَ فيهِ بالنسبةِ إلى المئةِ ألفٌ إلَاّ يسيرٌ؛ فإنَّ جميعَ ما فيهِ أربعةُ آلاف حديثٍ بغيرِ تكرارٍ، ومع التكرارِ نحوَ سبعةِ آلافٍ، ومسلمٌ أكثرُ ما يكون فيهِ كذلكَ؛ وأينَ تقع نسبةُ المجموعِ مِنَ المئةِ الألف؟ فأينَ قولُ ابنِ الأخرمِ: أنَّهُ لم يفتهما إلا القليلُ، بل قد اتضحَ أنَّهُ فاتهما الكثيرُ مِنْ محفوظ البخاري، فكيفَ بمحفوظِ غيرهِ مِنَ الأمةِ، وقد تقدمَ الجوابُ عن هذا)).
قولهُ: (وهو مسلَّمٌ في روايةِ الفربري)(3) إلى آخرهِ، عبارتهُ في "النكتِ":((وأنقصُ الرواياتِ روايةُ إبراهيمَ بنِ معقلٍ، فإنها تنقصُ عن روايةِ الفربري ثلاث مئةِ حديثٍ (4))) (5).
قالَ شيخنا: ((هذا القولُ غيرُ مسلّمٍ؛ فإنهم إنما قالوا هذا تقليداً للحموي، فإنهُ كتبَ البخاريَّ، ورواهُ عن الفربري، وعدَّ كلَّ بابٍ منهُ، ثمَّ جمع الجملةَ، وقلدهُ كلُّ (6) منْ جاءَ بعدهُ نظراً منهمْ إلى أنَّهُ راوي الكتابِ، ولهُ بهِ العنايةُ التامةُ، وربما
(1) التبصرة والتذكرة (27).
(2)
وهذا دليل واضح على أن البقاعي ألف هذا الكتاب في حياة شيخه الحافظ ابن حجر
-رحمهما الله-.
(3)
شرح التبصرة والتذكرة 1/ 117.
(4)
من قوله: ((عبارته في النكت .... )) إلى هنا لم يرد في (ك).
(5)
التقييد والإيضاح: 27.
(6)
لم ترد في (ك).
أفهمَ مُفاضلتهم بينَ الرواياتِ أنهمْ لم يقولوا ذَلِكَ تقليداً، وليس كذلكَ؛ لأَنَّ حمادَ بنَ شاكرٍ فاتهُ من آخرِ البخاريِّ فوتٌ، فلمْ يروهِ، فعدوهُ فبلغَ مئتي حديثٍ، فقالوا: روايتهُ ناقصةٌ عن روايةِ الفربري هذا القدرِ، وفاتَ ابنَ معقل أكثرُ مِنْ حماد، فعدوهُ كما فعلوا في روايةِ حمادٍ)).
قالَ: ((وفي ذَلِكَ / 28 أ / نظرٌ، فإنَّ روايةَ الثلاثةِ مُتفقةٌ في الكتابةِ، وإنما اختلفت في أَنَّ الفربري سمعَ الجميعَ (1)، وإبراهيمُ وحمادُ فاتهما سماعُ (2) القدرِ المذكورِ منْ أوآخرِ الكتابِ فقط، وقد بيّن شيئاً مِنْ ذلكَ أبو عليٍّ الجيانيُّ (3)، ووقع لي أصلٌ أصيلٌ مِنْ نسخةِ النسفي متوالياً، إلا إنَّ في آخرهِ نقصاً منَ الأصلِ، وقالَ: إلى هنا انتهى سماعُ النسفي)) (4).
قال شيخنا (5): ((ثمَّ لما شرعتُ في "مقدمةِ شرحِ البخاري" قلدتهُ - يعني: الحموي (6) - كما قلدوهُ إلى كتابِ السلمِ، فوجدتهُ قالَ: إنَّ فيهِ ثلاثينَ حديثاً، أو نحوها - الشكُّ مني -، قالَ: فاستكثرتُها بالنسبةِ إلى البابِ، فعددتُها فوجدتهُا قد نقصتْ عما قالَ كثيراً، فرجعتُ عن تقليدهِ، وعددت محرراً بحسبِ طاقتي فبلغتْ أحاديثهُ بالمكررِ سوى المعلقاتِ والمتابعاتِ سبعةَ آلافٍ وثلاثَ مئة وسبعةً وتسعينَ
(1) جاء في حاشية (أ): ((أي: سماعاً لا رواية)).
(2)
((سماع)) لم ترد في (ف).
(3)
انظر: تقييد المهمل وتمييز المشكل 1/ 59 - 64 بتحقيق صديقنا الشيخ علي العمران (حفظه الله).
(4)
النكت على كتاب ابن الصلاح لابن حجر 1/ 294 - 295، وبتحقيقي: 110، وانظر: نكت الزركشي 1/ 189 - 190.
(5)
من قوله: ((قال: وفي ذلك نظر
…
)) إلى هنا لم يرد في (ك).
(6)
عبارة: ((يعني الحموي)) لم ترد في (ك).
حديثاً، وبلغَ ما فيهِ منَ التعاليقِ ألفاً وثلاثَ مئةٍ وأَحَداً وأربعينَ حديثاً (1)، وبلغَ ما فيهِ مِنَ المتابعاتِ والتنبيهِ على اختلافِ الرواياتِ ثلاثَ مئةٍ وأربعةً وثمانينَ حديثاً، فجميعُ ما في الكتابِ على هذا بالمكررِ تسعةُ آلافٍ واثنانِ وثمانونَ حديثاً، وهذهِ العدةُ خارجةٌ عنِ الموقوفاتِ على الصحابةِ، والمقطوعاتِ على التابعينَ فمَن بعدهم، وبلغت أحاديثهُ (2) بلا تكرارٍ ألفينِ وخمسَ مئةٍ وثلاثةً وعشرينَ حديثاً، هكذا حفظتهُ مِنْ تقديرهِ، ورأيتهُ في خطِّ بعضِ فضلاءِ أصحابِنا، أعني: العدةَ بلا تكرارٍ، ثم رأيتُ عن بعضِ الحواشي المنسوبةِ إليهِ ما يخالفهُ / 28 ب / يسيراً، فراجعتُ نسختي مِنْ مقدمتهِ، وقد قرأتُها عليهِ، فرأيتُ فيها ما نصهُ بعدَ أنْ عدَّ حديثَ كلِّ صحابيٍّ في البخاريِّ على حدةٍ: فجميعُ ما في صحيحِ البخاريِّ منَ المتونِ الموصولةِ بلا تكريرٍ على التحريرِ ألفَا حديثٍ وستُمئةِ حديثٍ وحديثانِ، ومنَ المتونِ المعلقةِ المرفوعةِ التي لم يُوصِلْها في موضعٍ آخرَ منَ الجامعِ المذكورِ مئةٌ وتسعةٌ وخمسونَ حديثاً؛ فجميعُ ذلكَ ألفا حديثٍ وسبعُ مئةِ حديثٍ وواحدٌ وستونَ حديثاً، فاللهُ أعلم)).
وممنْ نَقلَ عنْ خطِّ شيخِنا أنَّ الجوزقيَّ قالَ: ((إنَّ عدةَ الأحاديثِ التي اتفقَ الشيخانِ عليها ألفا حديثٍ ومئتا حديثٍ)) (3)، وذَكرَ نحو هذا القاضي أبو بكرٍ بنُ العربيِّ، فقالَ:((أحاديثُ الأحكامِ التي اشتمل عليها "الصحيحانِ" نحو ألفي حديثٍ))، وقالَ أبو حفصٍ الميانجيُّ في كتابِ "ما لا يسعُ المحدِّث جهلهُ":
(1) من قوله: ((وبلغ ما فيه)) إلى هنا لم يرد في (ف).
(2)
من قوله: ((بالمكرر سوى المعلقات والمتابعات
…
)) إلى هنا لم يرد في (ك).
(3)
نقل ابن حجر في النكت 1/ 298، وبتحقيقي: 113 عن الجوزقي أنه قال في المتفق: ((إن جملة ما اتفق الشيخان على إخراجه من المتون في كتابيهما ألفان وثلاثمئة وستة وعشرون
حديثاً)).
((اشتمل كتابُ البخاريِّ على سبعةِ الآفٍ وستمئةٍ ونيّفٍ (1)، واشتمل كتابُ مسلمٍ على ثمانيةِ الآفِ حديثٍ)) (2)، وقالَ الشيخُ في "النكتِ" (3):((ولم يذكرْ ابنُ الصلاحِ عدةَ أحاديثِ مسلمٍ، وقدْ ذكرها النوويُّ منْ زياداتهِ في "التقريبِ والتيسيرِ"، فقالَ: ((إنَّ عدةَ أحاديثهِ نحوُ أربعةِ الآفٍ بإسقاطِ المكررِ)) (4)، ولم يذكرْ عدتهُ بالمكررِ، وهو يزيدُ على عدةِ كتابِ البخاريِّ؛ لكثرةِ طرقهِ، وقدْ رأيتُ عنْ أبي الفضلِ أحمدَ ابنِ سلمةَ أنَّهُ اثنا عشرَ ألفَ حديثٍ (5))) (6).
قولهُ:
29 -
وَخُذْ زِيَادَةَ الصَّحِيْحِ إذْ تُنَصُّ
…
صِحَّتُهُ أوْ مِنْ مُصَنِّفٍ يُخَصُّ
30 -
بِجَمْعِهِ نَحوَ (ابْنِ حِبَّانَ) الزَّكِي
…
(وَابنِ خُزَيْمَةَ) وَكَالمُسْتَدْرَكِ
إنْ كانتِ الألفُ واللامُ للعهدِ، والمرادُ / 29أ / الصحيحُ الذي تقدّمَ حدُّهُ لم
(1) بعد هذا كلام ليس بالقليل في ما لا يسع المحدِّث جهله، حذفه البقاعي.
(2)
ما لا يسع المحدِّث جهله: 10 (طبعة السامرائي).
(3)
التقييد والإيضاح: 27.
(4)
التقريب: 34 (طبعة الخن).
(5)
من قوله: ((هكذا حفظته من تقديره .... )) إلى هنا لم يرد في (ك).
(6)
قال ابن حجر في النكت 1/ 296 - 297، وبتحقيقي: 111 - 112: ((وعندي في هذا نظر وإنما لم يتعرض المؤلف (يعني: ابن الصلاح) لذلك؛ لأنه لم يقصد ذكر عدّة ما في البخاري حتى يستدرك عليه عدّة ما في كتاب مسلم، بل السبب في ذكر المؤلف لعدة ما في البخاري أنه جعله من جملة البحث في أن الصحيح الذي ليس في الصحيحين غير قليل خلاف لقول ابن الأخرم؛ لأن المؤلف رتب بحثه على مقدمتين إحداهما: أن البخاري قال: ((أحفظ مئة ألف حديث صحيح))، والأخرى: أن جملة ما في كتابه بالمكرر سبعة آلاف ومئتان وخمسةٌ وسبعون حديثاً. فينتج أن الذي لم يخرجه البخاري من الصحيح أكثر مما أخرجه .... )).
يصح؛ لأنَّ منْ ذُكِرَ كابنِ خزيمةَ يُسمِّي الحسنَ صحيحاً، وإنْ كانت جنسيةً، والمرادُ ما هو أعمُّ، فلم ينصب على ذَلِكَ قرينةً ترشدُ إليهِ، بل كلامهُ فيما قَبلَهُ وَفيمَا بعدهُ يأباهُ، واللهُ أعلمُ.
هذا وصنيعُ المصنفِ في نظمهما (1) غيرُ جيدٍ، فإنَّهُ ذكرَ في الشرحِ أنَّهُ تَعمّدَ حذفَ تقييدِ التنصيصِ على الصحةِ بالتصانيفِ المعتمدةِ، فلم يمشِ على اختيارِ ابن الصلاحِ في أنَّه لا يمكنُ التصحيحُ في هذا الزمانِ، ولا على اختيارِ غيرهِ في أَنَّ ذَلِكَ ممكنٌ، والمصنفُ ممنْ يرى الثانيَ، ولا يرى صحةَ جميعِ ما في ابنِ حبانَ، وابن خزيمةَ (2)؛ لأنهما يُسميانِ الحسنَ صحيحاً، والمصنفُ يفرقُ، فصارَ ما تضمنهُ البيتانِ اختياراً مُلفّقاً مِنْ مذهبينِ، وكانَ ينبغي نظمُ كلامِ ابنِ الصلاحِ بأنْ يقالَ:
يؤخذُ منْ مصنفٍ يعتمدُ
…
نصَّ عليهِ (3) أو كتاب يفردُ فيهِ الصحيحُ (كابنِ حبانَ) الزكي
…
(وابن خزيمةَ) وكالمستدركِ
(1) جاء في حاشية (أ): ((أي البيتين)).
(2)
كتاب ابن خزيمة هو مختصر المختصر من المسند الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقد حوى هذا الكتاب بين دفتيه (3079) حديثاً وهي كلها صحيحة عند ابن خزيمة إلا ما ضعفهُ منها أو توقف فيه أو صدر المتن على السند ومجموع تلك الأحاديث (143) حديثاً، لكن من خلال دراستي المستفيضة للكتاب وجدتُ الأحاديث الصحيحة بلغت (2650) حديثاً، أما الأحاديث الضعيفة فقد بلغت (429) حديثاً، وارجع في تفصيلِ هذه الدراسات في مقدمتي لكتاب مختصر المختصر، أما الكلام عن عدم تفريق ابن خزيمة بين الصحيح والحسن فهذا لا ينبغي ذكره كما سبق؛ لأن التصحيح والتحسين من الأمور الاجتهادية، على أن الأحاديث الحسان في كتاب ابن خزيمة بلغت (152) حديثاً.
(3)
جاء في حاشية (أ): ((أي ذاك المصنف)).
ويكونَ الضميرُ في: يؤخذُ، عائداً إلى الصحيحِ الموصوفِ في الترجمةِ، وهي قولهُ:(الصحيحُ الزائدُ على الصحيحينِ)(1) وقيَّدَ بالمصنَّفاتِ؛ ليُخرِجَ الأجزاءَ المنثورةَ، وبالمعتمدةِ؛ ليُخرِجَ المصنفاتِ التي لم تشتهرْ، فلم يقطعْ بنسبتِها إلى مصنِّفيها، وسيأتي ما في ذَلِكَ قريباً، وعبارةُ ابنِ الصلاحِ واضحةٌ في جميعِ ذَلِكَ؛ فإنَّهُ قالَ:((ثم إنَّ الزيادةَ في الصحيحِ على ما في الكتابينِ (2) يتلقاهَا طالبها مما اشتملَ عليهِ أحدُ المصنفاتِ المعتمدةِ المشتهرةِ لأئمةِ الحديثِ، كأبي داودَ
…
)) (3) إلى آخرِ كلامهِ، فقيدَ بالأمرينِ.
قولهُ: (ينصُ)(4)، أي: يرفعُ، يقالُ: نصَّ فلانٌ /29ب/ الأمرَ، ونصَّ عليهِ. قال في "الصحاحِ " (5):((نصصتُ الحديثَ إلى فلانٍ، أي: رفعتهُ إليهِ)).
وقالَ في "القاموسِ": ((والنصُّ التوقيفُ، والتعيينُ، ومنتهى كلِ شيء، والإسنادُ إلى الرئيسِ الأكبرِ، ورفعُ الحديثِ)) (6).
وقالَ ابنُ القطاعِ في " الأفعالِ ": ((نصَّ الحديثَ نَصاً: رفعهُ إلى المحدِّث عنهُ، والعروسَ رفعَها على المنصةِ، وهو كرسيُّها، والشيءَ حرّكهُ، والدابةَ حثثتها)) (7).
وقالَ الهرويُّ في "الغريبينِ": ((النصُّ: التحريكُ حتى يستخرجَ مِنَ الناقةِ أَقصى
(1) شرح التبصرة والتذكرة 1/ 118.
(2)
يراجع ما كتبهُ الزركشي في نكته 1/ 194، والعراقي في التقييد: 27، وابن حجر في نكته 1/ 289.
(3)
معرفة أنواع علم الحديث: 87.
(4)
شرح التبصرة والتذكرة 1/ 118.
(5)
لم أجدهُ في موضعه.
(6)
انظر: القاموس مادة (نص)، وفي النقل تصرف.
(7)
لم أجده في موضعه من الأفعال.
سيرها، والنصُّ أصلهُ منتهى الأشياءِ، وغايتها ومبلغُ أقصاها، ويقالُ: نصصتُ الرجلَ: إذا استقصيتُ مسألتهُ عن الشيء حتى تستخرج كلَّ ما عندهُ))، وقال ابنُ فارسٍ، والزبيديُّ، والقزازُ:((ونصُّ كلِ شيءٍ منها منتهاه)).
وقالَ القزّازُ: ((نصصتُ الحديثَ: إذا أظهرتهُ، وقيلَ: أصلُ النصِّ: رفعكَ الشيءَ، والماشطةُ تنصُّ العروسَ التي ترفعُها على المنصةِ، وهي تنتص عليها)). انتهى.
ولم يذكرْ أحدٌ مِنْ أهلِ اللغةِ كما ترى ما يقتضي تعدية النصِّ بـ ((على)) كما هو أكثرُ استعمالِ الفقهاءِ، ووجهُ تخريجهِ: أَنَّ المتكلمَ يحذفُ المفعولَ ويجعلهُ نسياً، فكأَنَّهُ قيلَ: أوقعَ النص على كذا، والأصلُ في المعنى رفع الحديثِ، أو البيان على كذا، أو استقصى الكلامَ عليهِ، أو وقفَ الطالبين عليهِ.
قولهُ: (والترمذي والنسائي)(1) قال ابنُ الصلاحِ بعده: ((منصوصاً على صحتهِ فيها، ولا يكفي في ذَلِكَ مجردُ كونهِ موجوداً في كتابِ أبي داودَ، وكتابِ /30أ / الترمذي، وكتابِ النسائي، وسائرِ منْ جمعَ في كتابهِ بينَ الصحيحِ، وغيره. ويكفي مجردُ كونهِ موجوداً في كتبِ مَن اشترطَ منهمُ الصحيحَ، فيما جمعهُ، كَكِتابِ ابنِ خزيمةَ (2)، وكذلكَ ما يوجدُ في الكتبِ المخرجةِ على كتابِ البخاريِّ .. )) (3) إلى آخره.
(1) شرح التبصرة والتذكرة 1/ 118.
(2)
لكن يستثنى من ذلك ما ضعّفه ابن خزيمة أو توقف فيه بقوله: ((إن صح الخبر)) أو: ((إن ثبت الخبر)) أو ما صدر فيه المتن على السند.
(3)
معرفة أنواع علم الحديث: 87، وقال الزركشي في نكته 1/ 195:((وإنما قيده ابن الصلاح بالمصنفات بناء على اعتقاده السابق أنه ليس لأحد التصحيح في هذه الأعصار، وقد وافقه النووي هنا ذهولاً عن اختياره السابق)).
قولهُ: (على الصوابِ)(1) قالَ الشيخُ في " النكتِ ": ((ولا يشترطُ في معرفةِ الصحيحِ الزائدِ على ما في الصحيحينِ أَنَّ ينصَّ الأئمةُ المذكورونَ، وغيرهم على صحتها في كتبهم المعتمدةِ المشتهرةِ، كما قيدهُ المصنفُ، بل لو نصَّ أحدٌ منهمْ على صحتهِ بالإسنادِ الصحيح إليهِ (2)، كما في " سؤالاتِ يحيى بنِ معينٍ "،
و" سؤالاتِ الإمامِ أحمدَ "، وغيرهما. كفى ذَلِكَ في صحتهِ، وهذا واضحٌ)) (3). انتهى.
وقد مضى ما فيهِ (4).
قولهُ: (في غيرِ تصنيفٍ مشهورٍ)(5)، قالَ في " النكتِ ":((كما لا يكتفى في التصحيحِ بوجودِ أصلِ الحديثِ بإسنادٍ صحيحٍ (6))) (7).
قولهُ: (على تساهلٍ)(8) متعلقٌ بـ ((خُذْ)) المقدرةِ، مِنْ جهةِ أنّهْ حالٌ مما تعدتْ إليهِ بحرفِ الجرِّ (9)، أي: وخُذْ زيادةَ الصحيحِ مِنَ "المستدركِ"، حالَ كونهِ (10) على تساهلٍ، أي (11):" المستدركُ "، وإنما كرّرَ أداةَ التشبيهِ في قولهِ
(1) شرح التبصرة والتذكرة 1/ 119.
(2)
لم ترد في التقييد.
(3)
التقييد والإيضاح: 28.
(4)
جاء في حاشية (أ): ((مِنْ كونه (بلفظ) مِنْ كلامه وكلام ابن الصلاح)).
(5)
شرح التبصرة والتذكرة 1/ 119.
(6)
من قوله: ((وعبارة ابن الصلاح واضحة في جميع ذلك
…
)) إلى هنا لم يرد في (ك).
(7)
التقييد والإيضاح: 28.
(8)
التبصرة والتذكرة (31).
(9)
عبارة: ((من جهة أنه حال مما تعدت إليه بحرف الجر)) لم ترد في (ك).
(10)
عبارة: ((حال كونه)) لم ترد في (ك).
(11)
في (ك): ((في)).
(وكالمستدركِ) ليختصَّ بهِ تعلّقُ الجارِّ في قولهِ: (على تساهلٍ)(1) وهذهِ العبارةُ أحسنُ مِنْ قولهِ في الشرحِ: وإنما قيّدَ (2) تعلّقَ الجارِّ .... إلى آخرهِ (3)؛ لأنَّ تعبيرَهُ عن ذَلِكَ مقلوبٌ، فتأملهُ.
قولهُ: (وقالَ ما انفرد)(4)، أي: وقالَ ابنُ الصلاحِ: ((الحديثُ الذي انفردَ الحاكمُ بتصحيحهِ حسنٌ، إلا إن ظهرتْ فيهِ علةٌ)) (5)، ثمّ اعترضَ عليهِ بقولهِ:(والحقُ)(6) .. إلى آخرهِ، وهو قولُ البدرِ بنِ جماعةٍ في مختصرِ ابنِ الصلاحِ، كما نَقلهُ عنهُ في /30ب / "النكتِ (7) "(8)، وهو مناقشٌ في ذَلِكَ مِنْ وجوهٍ:
الأولُ: أَنَّ ابنَ الصلاحِ لم يحصرْهُ في كونهُ حسناً، وإنما قالَ: إنهُ دائرٌ بينَ الصحةِ والحسنِ فيحتجُّ بهِ؛ لأَنَّ أسوأَ الأحوالِ أنْ يكونَ حسناً كما هو واضحٌ مِنْ قولهِ: ((إنْ لم يكنْ مِنْ قبيلِ الصحيحِ، فهوَ مِنْ قبيلِ (9) الحسنِ، يحتجُّ بهِ)) (10).
الثاني: أَنَّ ابنَ الصلاح قد حكمَ بما يليقُ على مقتضى مذهبهِ، فحكمَ بضعفِ ما فيهِ علةٌ، وبالاحتجاجِ بما انفردَ بتصحيحهِ، ولم تظهرْ فيهِ علةٌ، وامتنعَ مِنْ إطلاقِ
(1) التبصرة والتذكرة (31).
(2)
جاء في حاشية (أ): ((حاصله انه كرر أداة التشبيه للتقييد، لا عكسه)).
(3)
شرح التبصرة والتذكرة 1/ 120.
(4)
التبصرة والتذكرة (31)، وانظر: شرح التبصرة والتذكرة 1/ 120.
(5)
معرفة أنواع علم الحديث: 90.
(6)
التبصرة والتذكرة (32).
(7)
من قوله: ((قول البدر ابن جماعة .... )) إلى هنا لم يرد في (ك).
(8)
التقييد والإيضاح: 30.
(9)
لم ترد في (ك).
(10)
معرفة أنواع علم الحديث: 90.
الصحةِ عليهِ؛ لأنَّ الحاكمَ متساهلٌ، فلم يعتمدهُ، وهوَ قد سدَّ بابَ التصحيحِ على نفسهِ، وغيرهِ في زمانهِ (1)، ولم يزحزحهُ عن رتبةِ الاحتجاجِ بهِ؛ لأنهُ لم يسد بابَ التحسينِ كما سيأتي أنَّ كلامهُ يُفهِمُ ذَلِكَ (2) فهوَ دائرٌ بينَ المرتبتينِ لم ينزلْ عنهما.
الثالثُ: سَلَّمنا أنه جزمَ بأنهُ حسنٌ، ولايحسنُ الاعتراضُ عليهِ؛ لأنَّ قولَهُ ذَلِكَ مبنيٌ على سدّهِ بابَ التصحيحِ في هذا الزمانِ، ومنَ المعلومِ أَنَّ مَنْ قرر أصلاً، ثمَّ فرّعَ عليهِ لا يناقشُ في التفريعِ إلا إنْ خالفَ فيهِ أصلَه، وإنما يناقشُ في الأصلِ إنْ كانَ فيهِ مناقشةٌ، فإذا بطلَ بطلَت تفاريعهُ كلها، فلو قالَ:
…
...
…
...
…
بهِ حجة لا أنْ بعلةٍ يرد
وحذف البيتَ الآخر كانَ أحسنَ، ولا يضرُّ تسكينُ هائهِ؛ لأنَّ العربَ تفعلُ مثلَ ذَلِكَ على نيةِ الوقفِ.
قولهُ: (والبستيُّ يداني الحاكما)(3) هذا ردٌّ على منِ اعترضَ على ابنِ الصلاحِ لفهمهِ كلامهُ على غيرِ مرادِه، فإنَّ عبارةَ / 31 أ / ابنِ الصلاحِ: ((واعتنى الحاكمُ أبو عبدِ اللهِ الحافظِ بالزيادةِ في عددِ الحديثِ الصحيحِ على ما في الصحيحينِ، وجمعَ ذَلِكَ في كتابٍ سماهُ " المستدركَ"، أودعهُ ما ليسَ في واحدٍ منَ الصحيحينِ، مما رآهُ على شرطِ الشيخينِ، قد أخرجاهُ عن روايةٍ في كتابيهما، أو
(1) الصحيح أن ابن الصلاح لم يرد سد باب التصحيح والتضعيف وإنما أراد التعسير في الأمر، وأنه لا يتمكن له كل أحد، وفي كلام ابن الصلاح تنبيه على أن الإقدام بالحكم على تصحيح الأحاديث قضية تنبني عليها تبعة خطيرة أمام الله تعالى وفيها تحذير ضمني لكل من يُريد ولوج ميدان الحكم على الأحاديث النبوية؛ لأن الحكم على الحديث إثبات شرعٍ أو نفي شرعٍ؛ لأن السنة مصدر مهمٍ من مصادر الأحكام يستنبط من صحيحها الحلال والحرام.
(2)
((ذلك)) لم ترد في (ك).
(3)
التبصرة والتذكرة (32).
على شرطِ البخاريِّ وحده، أو على شرطِ مسلمٍ وحدَهُ، وما أدى اجتهادهُ إلى تصحيحهِ، وإنْ لم يكن على شرطٍ واحدٍ منهما (1)، وهو واسعُ الخطو في شرطِ الصحيحِ، متساهلٌ في القضاءِ بهِ، (2) فالأولى أنْ نتوسطَ في أمرهِ فنقول: ما حكمَ بصحتهِ، ولم نجد ذَلِكَ فيهِ لغيرهِ منَ الأئمةِ، إنْ لم يكنْ مِنْ قبيلِ الصحيحِ، فهوَ مِنْ قبيلِ الحسنِ، يحتجُّ بهِ، ويعملُ بهِ إلا أنْ يظهرَ بهِ (3) علةٌ توجبُ ضعفهُ (4)، ويقاربهُ في حكمه (5) " صحيحُ أبي حاتمِ بنِ حبانَ البستيِّ ")) (6). ففهمَ هذا المعترضُ مِنْ هذهِ العبارةِ ترجيحَ كتابِ الحاكمِ على كتاب ابن حبانَ فقالَ:((أما صحيحُ ابنِ حبانَ فَمنْ عرفَ شرطه، واعتبرَ كلامهُ، عرفَ سموهُ على كتابِ الحاكمِ)) (7) فردَّ عليهِ الشيخُ، بأنَّ المرادَ:((أَنَّ ابن حبانَ يقاربُ الحاكمَ في التساهلِ، فالحاكمُ أشدُّ تساهلاً منهُ)) (8). قالَ في " النكتِ ": ((وهو كذلكَ)) (9) أي أَنَّ عندَ البستيِّ تساهلاً، ولكنه
(1) ينظر تعليقنا المطول على معرفة أنواع علم الحديث: 88 - 90.
(2)
انظر: سير أعلام النبلاء 17/ 175، ونكت ابن حجر 1/ 314 - 319.
(3)
في معرفة أنواع علم الحديث: ((تظهر فيه)).
(4)
قال ابن جماعة: ((الحق أَنَّ يتتبع، ويحكم عليه بما يليق بحاله مِن الحسن، أو الصحة، أو الضعف)).
قالَ العراقي في التقييد والإيضاح: 30: ((وهذا هو الصواب)).
وانظر: نكت الزركشي 1/ 226، والبحر الذي زخر 2/ 845 - 846.
(5)
جاء في حاشية (أ): ((أي: في التساهل)).
(6)
معرفة أنواع علم الحديث: 90.
انظر: التقييد والإيضاح: 30 - 31.
(7)
عني بذلك والله أعلم: الزركشي؛ إذ قال الزركشي في نكته 1/ 226: ((أي يقاربه فيما ذكر، وليس كما قال، بل صحيح ابن حبان أصح منه بكثير)). وقال البلقيني في محاسن الاصطلاح: 94: ((وابن حبان ليس يقاربه، بل هو أصح منه بكثير))، وذكر ابن كثير ذلك أيضاً في اختصار علوم الحديث 1/ 109، وبتحقيقي:82.
(8)
شرح التبصرة والتذكرة 1/ 121.
(9)
التقييد والإيضاح: 31.
أقلُّ مِنْ تساهلِ الحاكمِ، وهذا غيرُ مُسلّم، بل (1) ليسَ عندَ البستيّ تساهلٌ، وإنما غايتهُ: أنَّهُ يسمي الحسنَ صحيحاً، فإنْ كانت نسبتهُ إلى التساهلِ باعتبارِ وجدانِ الحسنِ في كتابهِ، فهي مشاحةٌ في الاصطلاحِ، وإن كانت باعتبارِ خفّةِ شروطهِ، فإنَّهُ يخرجُ في الصحيحِ ما كانَ راويهِ (2) ثقةً، غيرَ مدلسٍ /31ب/، سمع مَنْ فوقه، وسمعَ منهُ الآخذُ عنهُ، ولا يكونُ هناكَ إرسالٌ ولا انقطاعٌ، وإذا لم يكن في الراوي جرحٌ ولا تعديلٌ، وكانَ كلٌ مِنْ شيخهِ، والراوي عنهُ ثقةً، ولم يأتِ بحديثٍ منكرٍ، فهوَ عندهُ ثقةٌ (3)، وفي كتابهِ " الثقاتِ "(4) كثيرٌ ممنْ هذه حالهُ، ولأجلِ هذا ربما اعترضَ عليهِ في جعلهم ثقاتٍ من لم يعرفْ اصطلاحه (5)، ولا اعتراضَ عليهِ (6)؛ فإنَّه لا يشاحح عليهِ في ذلكَ، وهذا دونَ شرطِ الحاكمِ: أَنْ يخرجَ عن رواةٍ خرَّجَ لمثلهم الشيخانِ في "الصحيحِ".
فالجوابُ: أَنَّ ابنَ حبانَ وَفَى بالتزامِ شروطهِ، ولم يُوَفِّ الحاكمُ، قالَ البلقينيُّ:((فإنَّ فيهِ الضعيفَ، والموضوعَ أيضاً، وقد بيّنَ ذلكَ الحافظُ الذهبيُّ (7)، وجمعَ منهُ (8) جزءاً منَ الموضوعاتِ يقاربُ مئةَ حديثٍ)) (9).
قال شيخنا: ((إنما وقعَ للحاكمِ التساهلُ، إما لأنهُ سوَّدَ الكتابَ لينُقحهُ،
(1) من قوله: ((من جمع في كتابه بين الصحيح وغيره)) إلى هنا لم يرد في (ف).
(2)
في (ف): ((رواية)).
(3)
انظر في شرط ابن حبان: الإحسان 1/ 151.
(4)
انظر على سبيل المثال في كتاب الثقات 4/ 318 و6/ 146 و168 و178.
(5)
انظر: فتح المغيث 1/ 50 - 51.
(6)
من قوله: ((في جعلهم ثقات)) إلى هنا لم يرد في (ف).
(7)
انظر: سير أعلام النبلاء 17/ 175 - 176.
(8)
لم ترد في (ك).
(9)
محاسن الاصطلاح: 94.
فأعجلتهُ المنيةُ، أو لغيرِ ذَلِكَ، قالَ: ومما يؤيدُ الأولَ أني وجدتُ في قريبِ نصفِ الجزءِ الثاني من تجزئةِ ستة مِنَ المستدركِ: إلى هنا انتهى إملاءُ الحاكمِ، قالَ: وما عدا ذَلِكَ مِنَ الكتابِ لا يوجدُ عنهُ إلا بطريقِ الإجازةِ، فَمِن أكبرِ أصحابهِ، وأكثرِ الناسِ له ملازمةً البيهقيُّ، وهو (1) إذا ساقَ عنهُ مِنْ غيرِ المُملَى شيئاً لا يذكرهُ إلا بالإجازةِ. قالَ: والتساهلُ في القدرِ المُملَى قليلٌ جداً بالنسبةِ إلى ما بعده)).
قالَ البلقينيُّ: ((وإيرادُ كونِ الرجلِ لم يخرجْ لهُ منِ استدركَ عليهِ لا يلتفتُ إليهِ؛ لأنَّهُ لم يلتزمِ العينَ، بل الشبهَ)) (2).
قلتُ: وشيخنا -والحقُّ / 32أ / معهُ - لايوافقُ على هذا، بل يقولُ: إنّ مرادَهُ بالمثلِ في قولهِ: ((خرَّجَ لمثلها الشيخانِ)) أعمُّ مِنَ العينِ والشبهِ. وصنيعهُ يوضحُ ذَلِكَ؛ فإنَّهُ إذا رَوَى حديثاً بإسنادٍ خرَّجَ لرواتهِ البخاريُّ، قال: صحيحٌ على شرطِ البخاريِّ، ولو كانَ مرادُهُ بالمثلِ معناهُ الحقيقيَّ، لَزمَهُ في كلِّ إسنادٍ جَمَعَ شرطَ البخاريِّ أَن يقولَ: إنَّهُ على شرطهما؛ لأَنَّ شرطَهُ أصعبُ مِنْ شرطِ مُسلمٍ، وسيأتي لهذا مزيدُ بسطٍ عندَ شرحِ قولهِ:(وأرفع الصحيح مرويهما)(3) في قولهِ: (وليسَ ذلكَ منهم بجيدٍ)(4).
قولهُ في الشرحِ: (ما انفردَ بتصحيحه، لا بتخريجهِ فقط)(5)، أي: هذا (6) الحكمُ. وهو كونهُ يحتجُّ بهِ لترددهِ بينَ الصحةِ والحسنِ، إنما هو فيما حكم بصحتهِ، وانفردَ بذلكَ، فلم يوجد تصحيحهُ في كلامِ غيرهِ بالشرطِ المذكورِ،
(1) في (ف): ((وهذا)).
(2)
محاسن الاصطلاح: 94.
(3)
التبصرة والتذكرة (37).
(4)
شرح التبصرة والتذكرة 1/ 126.
(5)
شرح التبصرة والتذكرة 1/ 120.
(6)
في (ف): ((لهذا)).
لا فيما انفردَ بتخريجهِ فقط (1)، أي: مِنْ غيرِ حكمٍ عليهِ بالصحةِ، فإنَّهُ لا يحتجُّ بهِ، واللهُ أعلمُ.
فائدةٌ: قالَ البلقينيُّ: ((ويوجدُ في "مسندِ الإمامِ أحمدَ" منَ الأسانيدِ، والمتونِ شيءٌ كثيرٌ ليسَ في الصحيحينِ، ولا في السننِ أيضاً، وهي أربعةٌ:
" سننُ أبي داودَ "، والترمذيِّ، والنسائيِّ، وابن ماجه، وكذلكَ يوجدُ في "مسندِ البزّارِ"، وابنِ منيعٍ، والمعاجمِ للطبرانيِّ، وغيرهِ، و" مسندِ أبي يعلى "، والأجزاءِ (2) ما (3) يتمكنُ العارفُ بهذا الشأنِ منَ (4) الحكمِ بصحةِ كثيرٍ منهُ بعدَ النظرِ الشديدِ، وقد كانَ الحاكمُ والخطيبُ يقولانِ في كتابِ السننِ للنسائيِّ: إنَّهُ صحيحٌ، وإنَّ له شرطاً في الرجالِ أشدَّ مِنْ شرطِ مسلمٍ (5)، وكلُّ ذَلِكَ فيهِ تساهلٌ، والأولُ غيرُ مُسلّمٍ لما (6) فيهِ مِن الرجالِ المجروحينَ، والأحاديثِ الضعيفةِ، وكانَ / 32ب / الحافظُ أبو موسى المدينيُّ يقولُ عن "مسندِ الإمامِ أحمدَ": إنَّهُ صحيحٌ، وذلكَ مردودٌ؛ ففيهِ أحاديثُ كثيرةٌ ضعيفةٌ، وسيأتي شيءٌ مِنْ ذَلِكَ بزيادةٍ أخرى في ترتيبِ الاختصارِ. انتهى)) (7).
قولهُ: (قالَ الحازمي)(8)، أي: الإمام أبو بكرٍ محمدُ بنُ مُوسى في كتابِ " شروطِ الأئمةِ "(9)(10): ((إن قيلَ: لا ينهضُ هذا دليلاً على المرادِ؛ لأنَّهُ ربما كانَ
(1) جاء في حاشية (أ): ((أي: حيث ينص على صحته إمام معتمد في مصنفاتهم المعتمدة)).
(2)
سقطت مِنْ مطبوع المحاسن.
(3)
في المحاسن: ((مما)).
(4)
لم ترد في (ك).
(5)
انظر: شروط الأئمة الستة: 26.
(6)
((لما)) لم ترد في (أ).
(7)
محاسن الاصطلاح: 94 - 95.
(8)
شرح التبصرة والتذكرة 1/ 121.
(9)
من قوله: ((أي الإمام أبو بكر محمد
…
)) إلى هنا لم يرد في (ك).
(10)
شروط الأئمة الخمسة: 44.