الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الموضوع
(1)
قولُهُ: (الموضوعُ)(2) هوَ اسمُ مفعولٍ، منْ وَضَعَ الشيءَ، يَضَعُهُ
- بالفتحِ - وَضعاً: حَطَّهُ. إشارةٌ إلى أنَّ رتبتَهُ أنْ يكونَ دائماً مُلقى مطرحاً لا يستحقُّ الرفعَ أصلاً (3).
قولُهُ: (الكذبُ المختلقُ المصنوعُ)(4) هَذهِ الأوصافُ بعضُ الألفاظِ التي يطلقونَها على الموضوعِ، وتوجدُ في عباراتهِم: هَذا مما عَمِلتْ يداهُ، ونَحْوُ هَذا.
قولُهُ: (وهذا هوَ الصوابُ)(5) الإشارةُ إلى أنَّ الموضوعَ شرُ ما يُروَى عَن النبيِّ صلى الله عليه وسلم.
قولُهُ: (هو القسمُ الأَخِرُ
…
) (6) إلى آخرهِ، الأخِرُ: -بقصرِ الهمزةِ وكسرِ
(1) انظر في الموضوع:
الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع 2/ 98، ومعرفة أنواع علم الحديث: 200، وجامع الأصول 1/ 135، والإرشاد 1/ 258 - 265، والتقريب: 80 - 85، والاقتراح: 228، ورسوم التحديث: 95، والمنهل الروي: 53، والخلاصة: 76، والموقظة: 36، واختصار علوم الحديث 1/ 237 وبتحقيقي: 153، والشذا الفياح 1/ 223، ومحاسن الاصطلاح: 111، وشرح التبصرة والتذكرة 1/ 305، وتنقيح الأنظار: 172، ونزهة النظر: 68، والمختصر: 149، وفتح المغيث 1/ 234، وألفية السيوطي: 79 - 93، وشرح السيوطي على ألفية العراقي: 116، وفتح الباقي 1/ 284، وتوضيح الأفكار 2/ 68، وظفر الأماني: 412، وشرح شرح نخبة الفكر: 435، واليواقيت والدرر 2/ 36، وقواعد التحديث: 150، ولمحات في أصول الحديث:300.
(2)
شرح التبصرة والتذكرة 1/ 305.
(3)
انظر: لسان العرب مادة (وضع).
(4)
التبصرة والتذكرة (225).
(5)
شرح التبصرة والتذكرة 1/ 306.
(6)
شرح التبصرة والتذكرة 1/ 306.
المعجمةِ- قالَ الشيخُ في " النكت "(1) في قسمِ الضعيفِ: ((على وزنِ الفَخِذِ)) انتهى. ومعناهُ: الغائبُ. قالَ الشيخُ: ((وَهوَ بمعنَى الأرذَلِ)) (2) انتهى. قالَ في "ترتيبِ المحكمِ": ((يُقالُ: أبعدَ اللهُ الأخِرَ، والأخيرَ، ولا تقُولهُ للأنثى)). وحَكَى بعضُهم: أبعدَ اللهُ الآخرَ بالمدِ، والأخِرُ، والأخيرُ: الغائبُ، انتهى. وكأنَّ ذَلِكَ كنايةٌ عَنِ السقوطِ والردَاءةِ، أي: أنهُ ليسَ بأهلٍ لأن يكونَ حاضراً، بل هوَ مِنَ التقذُّرِ في حدٍّ يُنزَّهُ عَنهُ مقامُ الحضور، وهذا كَما يُقالُ أيضاً في التقذُّرِ: قالَ الأبعدُ، وجَرى كذا - حاشا مقامكم - ونحو ذَلِكَ.
قولُهُ: (فَهوَ محمولٌ على أنَّهُ أرادَ ما لَم يكنْ موضوعاً
…
) (3) إلى آخرهِ، ليسَ كذلك، وإنما أرادَ أنَّ ما عَدِمَ جميعَ صفاتِ الحسنِ والصحيح هوَ القسمُ الآخرُ الأرذلُ الذِي ليسَ بَعدَهُ قِسمٌ أسوأُ حالاً منه، فَهوَ بالنسبةِ إلى كلِّ قسمٍ لَم تُعدمْ فيهِ جميعُ الصفاتِ أردأُ وأسوأُ حالاً، وهذا القسمُ - الذِي هوَ الآخرُ الأرذلُ - يدخلُ تَحتَه نوعانِ:
الضعِيفُ / 176 ب / مُطلقاً، والموضوعُ. ولم يتعرّضْ للتفصيلِ بينَ النوعينِ هناك (4)، وقال هنا: إنَّ الموضوعَ شرٌّ مِن مطلقِ الضَعيفِ. فعُلِمَ أنَّهُ ليسَ بَعَدَهُ شرٌّ منهُ، وإنما أُطلِقَ عليهِ حديثٌ بالنسبةِ إلى زَعمِ واضعِهِ، وإلى ظاهِرِ الأمرِ قبلَ البحثِ، والنظرِ، وإلا فليسَ هوَ في التحقيقِ حديثاً.
قلتُ: وهذا مِثلُ قولِكَ: أفضلُ عباداتِ البدنِ الصلاةُ، فعُلِمَ منْ هَذهِ العبارةِ أنَّ الصلاةَ أرفعُ رتبةً منْ كلِّ عبادةٍ تخُصُّ البدنَ، وأمّا أنواعُ الصلاةِ فلا تعرُّضَ إليها في
(1) التقييد والإيضاح: 63.
(2)
انظر: شرح التبصرة والتذكرة 1/ 306.
(3)
شرح التبصرة والتذكرة 1/ 306 - 307.
(4)
جاء في حاشية (أ): ((أي بالضعيف)).
هَذهِ العبارَةِ، فإذا أُريدَ ذَلِكَ قيل: والصلاةُ على أنواعٍ، فالفرضُ أفضلُ منَ النفلِ، والنفلُ المؤكَّدُ أفضلُ منْ غيرهِ، واللهُ أعلمُ.
وكذا قولُهُ: (أو احتجاجٍ)(1) ليسَ مستثنىً منهُ بقولهِ: (إلا معَ بيانٍ)(2) وإنْ كانَ منَ الجُملِ المتعاطفةِ بأو، فإنهُ خرجَ بقرينةٍ؛ لأنهُ لا يمكنُ أنْ يحتجَّ بهِ ويبينُ أنَّهُ موضوعٌ، إذ لا فائدةَ في ذلكَ؛ فكأنهُ قيلَ: لا يجوزُ لمنْ عَلِمَ أنَّ الحديثَ موضوعٌ أنْ يحتجَّ بهِ مطلقاً، ولا يجوزُ لَهُ أنْ يرويَهُ، أو يُرغّبَ بهِ في شيءٍ، إلا أنْ يُبيّنَ أنَّهُ موضوعٌ، كذا قالَ شيخُنا. ويمكنُ أنْ يُوجَّهَ بأنْ يكونَ لفظُ الموضوعِ حسناً، ومعناهُ صحيحاً، فيحتجَّ بهِ على شيءٍ ويُبينُ أنَّهُ موضوعٌ، إعلاماً بإنَّ المُرادَ ليسَ الاحتجاجُ بنسبةِ هَذا اللفظِ إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم، بل نسبةُ المعنى بعدَ ذكرِ ما يعضُدُهُ منَ الشريعةِ، والله أعلم.
قولُهُ: (ولقد أكثرَ الذِي جمعَ في هَذا العصرِ الموضوعاتِ)(3) قالَ شيخُنا: ((غالبُ ما في كتابِ ابنِ الجوزيِّ موضوعٌ، / 177 أ / والذي يُنتقَدُ عليهِ بالنسبةِ إلى ما لا يُنتقدُ قليلٌ جداً)). وَذكَرَ في "الذبِّ عنْ مُسندِ أحمدَ"(4): أنَّهُ ذَكرَ فيهِ حديثاً أخرجَهُ (5) مسلمٌ في "صحيحهِ"(6)، قالَ:((وَهوَ مِن عجائبهِ))، قالَ: ((وفِيهِ منَ
(1) شرح التبصرة والتذكرة 1/ 307.
(2)
شرح التبصرة والتذكرة 1/ 307.
(3)
شرح التبصرة والتذكرة 1/ 307.
(4)
القول المسدد: 31 - 32.
(5)
في (ف): ((خرجه)).
(6)
وهو حديث أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن طَالتْ بكَ مُدَّة، أوشَكتَ أن ترى قوماً يَغدُونَ في سخطِ اللهِ، ويَرُوحونَ في لَعنتِه، في أيديهم مِثلُ أذنابِ البَقرِ)). صحيح مسلم 8/ 155 (2857)(53) و (54). وهو في الموضوعات لابن الجوزي 3/ 101.
الضررِ أنْ يظنَّ ما ليسَ بموضوعٍ موضوعاً، عكسُ الضّررِ " بمستدركِ الحاكمِ " فإنهُ يظنُّ بهِ ما ليسَ بصحيح صحيحاً))، قالَ: ((ويتعيّنُ الاعتناءُ بانتقادِ الكتابينِ؛ فإنَّ الكلامَ في تساهلِهما، أعدَمَ الانتفاعَ بهما إلا لعَالِمٍ بالفنِّ؛ لأنهُ ما من حديثٍ إلا ويمكنُ أنْ يكونَ قَد وَقعَ فيهِ التساهلُ.
قولُهُ:
228 -
وَالوَاضِعُوْنَ لِلحَدِيْثِ أضْرُبُ
…
أَضَرُّهُمْ قَوْمٌ لِزُهْدٍ نُسِبُوا
229 -
قَدْ وَضَعُوْهَا حِسْبَةً، فَقُبِلَتْ
…
مِنْهُمْ، رُكُوْنَاً لَهُمُ ونُقِلَتْ
230 -
فَقَيَّضَ اللهُ لَهَا نُقَّادَهَا
…
فَبَيَّنُوا بِنَقْدِهِمْ فَسَادَهَا
231 -
نَحْوَ أبي عِصْمَةَ إذْ رَأَى الوَرَى
…
زَعْمَاً نَأوْا عَنِ القُرَانِ (1)، فافْتَرَى
232 -
لَهُمْ حَدِيْثَاً في فَضَائِلِ السُّوَرْ
…
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فبئسَمَا ابْتَكَرْ
233 -
كَذَا الحَدِيْثُ عَنْ أُبَيٍّ اعْتَرَفْ
…
رَاوِيْهِ بِالوَضْعِ، وَبِئسَمَا اقتَرَفْ
234 -
وَكُلُّ مَنْ أوْدَعَهُ كِتَابَهْ
…
- كَالوَاحِدِيِّ - مُخْطِىءٌ صَوَابَهْ
قولُهُ: (حِسبةً)(2) -بكسرِ المهملةِ ونصبُهُ على أنَّهُ مفعولٌ لَهُ-، أي: للحسبةِ، والحسبةُ: الأجرُ، واسمٌ منَ الاحتسابِ، واحتسبَ بكذا أجراً عندَ اللهِ: اعتدّه ينوي بهِ وَجهَ اللهِ، واحتسبَ عليهِ: أنكرَ، ومنهُ: المحتسبُ، وفُلانٌ ابناً (3)، أو بنتاً: إذا ماتَ كبيراً؛ فإنْ ماتَ صغيراً، قيلَ: أفرطَهُ (4). قالهُ في
" القاموسِ "(5).
(1) بلا همزٍ؛ لضرورة الوزن.
(2)
التبصرة والتذكرة (229).
(3)
جاء في حاشية (أ): ((أي احتسب)).
(4)
في القاموس: ((افترطه)).
(5)
القاموس المحيط مادة (حسب).
قولُهُ: (بحسبِ الأمرِ)(1) قالَ في " القاموسِ "(2): ((حسبَ حَسباً وحُسْباناً - بالضمِ - عَدَّ، والمعدودُ: مَحسُوبٌ، وحَسَبٌ - مُحرّكةً - ومنهُ: هَذا بحسَبِ ذا، أي: بعَدَدهِ وقدرهِ، وقدْ يُسكّنُ)).
قولُهُ: (الزَنادِقة)(3) بفتحِ الزاي، جمعُ زنديقٍ - بكسرِها -، وَهوَ منْ لا يُؤمنُ بالآخرةِ وبالربوبيةِ، أو مَنْ يُبطنُ الكفرَ ويُظهرُ الإسلامَ. (4)
قولُهُ: (كعبدِ الكريمِ بنِ أبي العوجاءِ)(5) هوَ خالُ معنِ بنِ زائدةَ، قالَ أبو الفرجِ الأصبهانيُّ في كتابِ "الأغاني" (6):((عنْ جريرِ بنِ حازمٍ: كانَ بالبصرةِ ستةٌ منْ أصحابِ الكلامِ (7): واصلُ بنُ عطاءٍ، / 177ب / وعمرو بن عُبيدٍ، وبشارُ ابنِ بُردٍ، وصالح بنُ عبدِ القدوسِ، وعبدُ الكريمِ بنُ أبي العوجاءِ، ورجلٌ منَ الأزدِ)).
قلت: أظنّهُ أبا الخطابِ الذي تُنسبُ إليهِ الفرقةُ الخطّابيةُ، انتهى. قالَ: ((فكانوا يجتمعونَ في منْزلِ الأزديِّ، فأمّا عمروُ وَوَاصِلٌ فصارَا إلى الاعتزالِ، وأمَّا عبدُ الكريمِ وصالحٌ فصحَّحا الثنويَّةَ، وأمّا بشّارٌ فبقيَ متحيراً، قالَ: وكانَ
عبدُ الكريمِ يُفسدُ الأحداثَ، فتَهددهُ عمرُو بنُ عبيدٍ، فلَحقَ بالكوفةِ، فَدُلَّ عليهِ محمدُ بنُ سليمانَ - يعني: العباسيَّ الأميرَ بالبصرةِ - فقتَلهُ وَصَلبهُ، وذلكَ في زمن المهديِّ.
(1) شرح التبصرة والتذكرة 1/ 307.
(2)
القاموس المحيط مادة (حسب).
(3)
شرح التبصرة والتذكرة 1/ 307.
(4)
انظر: لسان العرب مادة (زندق)، وتاج العروس مادة (زندق)، والموسوعة الفقهية 24/ 48، ومعجم متن اللغة مادة (زندق).
(5)
شرح التبصرة والتذكرة 1/ 307.
(6)
الأغاني 3/ 146.
(7)
جاء في حاشية (أ): ((أي علم أصول الدين)).
وفيهِ يقولُ بشّارُ بنُ بردٍ:
قلْ لعبدِ الكريمِ: يا ابنَ أبي العو
…
جاءِ بِعْتَ الإسلامَ بالكفرِ مُوقا
لا تصلي ولا تصومُ، فإنْ صُمـ
…
ـتَ فبعضَ النهارِ صوماً رقيقا
ما تُبالي إذا شربتَ منَ الخمـ
…
ـرِ عتيقاً، أنْ لا يكونَ عَتِيقا
وقالَ أبو أحمدَ بنُ عديٍّ: لما أُخِذَ لتُضرَبَ عُنقُهُ، قالَ: وَضعتُ فيكم أربعةَ آلافِ حديثٍ، أحرّمُ فيها الحلالَ، وأُحلّلَ الحرامَ (1))).
قولُهُ: (وكَبَيانٍ)(2) هوَ ابنُ سمعانَ النهديُّ، منْ بني تَميمٍ، ظهرَ بالعراقِ بعدَ المئةِ، وقالَ بإلهيّة عليٍّ، وأنَّ فيهِ جُزءاً إلهياً بناسوتهِ، ثُمَّ منْ بعدهِ في ابنهِ محمدِ ابنِ الحنفيةِ، ثُمَّ في أبي هاشمٍ وَلدِ ابنِ الحنفيةِ، ثُمَّ منْ بعدهِ في بيانٍ هَذا، وكتبَ كتاباً إلى أبي جعفر الباقِر، يدعوهُ إلى نفسهِ، وأنَّه نبيٌّ، فأخذهُ خالدٌ القسريُّ، فقتله وأحرقهُ بالنَارِ، / 178 أ / وَهوَ الذِي ينتسبُ إليهِ البيانيةُ منَ الشيعةِ (3).
قولُهُ: (كالخَطّابيِةِ)(4) - بفتحِ المعجمةِ وتشديدِ المهملةِ - نسبةً إلى أبي الخطابِ الأزديِّ، وكانَ عزا نفسهُ إلى جعفر الصادقِ، فلما عَلِمَ منهُ غلوَّهُ في حقِّهِ تبرّأ منهُ ولَعَنهُ، فلما اعتزلَ عَنهُ (5) ادّعى الأمرَ لنفسِهِ، وافترقَ أصحابهُ منْ بعدهِ فمنهم: من ادّعى ألوهيتَهُ، ومنهم من ادّعى إمامتَهُ، ومنهم منْ قالَ بنبوتهِ (6).
(1) هنا ينتهي كلام أبي الفرج في الأغاني. وقد ذكره ابن حجر رحمه الله في لسان الميزان
5/ 242، ويبدو أنّ البقاعي رحمه الله نقله نصاً من هذا الكتاب.
(2)
شرح التبصرة والتذكرة 1/ 308.
(3)
انظر في ترجمته ميزان الاعتدال 1/ 357 ترجمة (1335).
(4)
شرح التبصرة والتذكرة 1/ 308.
(5)
في (ب): ((اعتزله)).
(6)
انظر: الملل والنحل 1/ 179.
قالَ في " المواقف "(1) وشرحه: ((قالوا: الأئمةُ أنبياءٌ، وأبو الخطّابِ نبيٌّ، بل زادوا، وقالوا: الأئمةُ آلهةٌ، والحسنانِ ابنا اللهِ، وجعفرُ الصادق إلهٌ، وأبو الخطّابِ أفضلُ منهُ ومنْ عليٍّ، وهؤلاءِ يستحلونَ شهادة الزورِ لموافقيهِم على مخالفيهم)).
(والرافضةُ) قالَ في " القاموسِ"(2): ((فرقةٌ منَ الشيعةِ؛ لأنَّهم تابعوا زيدَ ابنَ عليٍّ، ثُمَّ قالوا لَهُ: تبرّأ منَ الشيخينِ، فَأَبَى، وقالَ: كانا وَزيرَي جَدِّي، فتركوهُ ورفضوهُ والنسبة: رافضيٌّ)) انتهى.
والشيعةُ: همُ الذينَ شايعُوا علياً، وقالوا: إنَّهُ الإمامُ بعدَ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم بالنصِّ، إمّا جليّاً، وإمّا خفيّاً، وأنَّ الإمامةَ لا تخرجُ عَنهُ وعن أولادهِ، إلاّ بظلمٍ منْ خارجٍ، وتقيةً مِنهُم (3). ويقولونَ بعصمةِ الأئمةِ، والتولّي والتبرّي إلا في حالِ التقيةِ، وهم اثنانِ وعشرونَ فرقةً، والظاهِرُ أنَّ مرادَ الشيخِ بالرافضةِ جميعُ فِرَقِهِم؛ فإنَّ الجميعَ (4) قائلونَ بالتُقيةِ - يعني: جوازَ أنْ يُظهِرُوا لِخلافِ ما يبطنونَ إذا خَافوا - وهذا بابُ / 178 ب / الكذبِ.
قولُهُ: (والسالميةِ)(5) هم ممّنْ وَقفَ معَ الحسِ، كالذينَ قالوا: إنَّهُ سبحانهُ على العرشِ بطريقِ المماسةِ، حتى قالوا: إنَّ الميِّتَ يأكلُ في قبرهِ، ويشربُ وينكحُ؛ لأنَّهم سمعوا أنَّهُ يُنعَّم في قبرِهِ، وليسَ النعيمُ عندَهم (6) إلا هَذا، قالهُ ابن الجوزيِّ في
(1) المواقف: 420.
(2)
القاموس المحيط مادة (رفض).
(3)
انظر: الملل والنحل 1/ 146.
(4)
في (ب) و (ف): ((الكل)).
(5)
شرح التبصرة والتذكرة 1/ 308.
(6)
في (ب) و (ف): ((وليس عندهم النعيم)).
أوائلِ " تلبيسِ إبليسَ ". (1) وقالَ الإمامُ أبو المظفرِ شاهفورُ بنُ طاهِرٍ الشافعيُّ (2) في كتابهِ " التبصرةِ (3) في فِرقِ الأممِ " في نصفِهِ الثاني في الكلامِ على الحلاجية: ((إنَّ السالميّة جماعةٌ منْ متكلميِّ البصرةِ، قبلوا مِن الحلاجِ بِدعَتهُ في الحلولِ، قالَ: وهم جملةُ الحشويةِ، يتكلمونَ ببدعةٍ متناقضةٍ)).
قولُهُ: (كغياثِ بنِ إبراهيم وضعَ للمهديِّ)(4)، أمَّا غياثٌ، فإنهُ ابن إبراهيمَ النخعيُّ، رَوَى عنِ الأعمشِ وغيرهِ. نقلَ الجوزجانيُّ عنْ غيرِ واحدٍ: أنَّهُ كانَ يضعُ. (5) وقالَ البخاريُّ: ((يُكنَى أبا عبدِ الرحمانِ، يعدُّ في الكوفيينَ، تركوُهُ (6))) انتهى.
رَوَى عَنهُ بقيّةُ، ومحمدُ بنُ حُمرانَ، وعليُّ بنُ الجعدِ، وبهلولُ بن حسان، وقصتهُ معَ المهديِّ ذكرها أبو خيثمةَ (7)، وإن المهديَّ وَصَله (8) فلما قامَ، قالَ
: ((أشهدُ أنَّ قفاكَ قفا كذابٍ)) انتهى.
(1) تلبيس إبليس: 86.
(2)
هو أبو المظفر طاهر بن محمد الإسفراييني، ثم الطوسي، الشافعي (شاهفور)، صاحب
((التفسير الكبير))، كان أحد الأعلام، توفي سنة (471 هـ).
انظر: سير أعلام النبلاء 18/ 401.
(3)
لم ترد في (ب).
(4)
شرح التبصرة والتذكرة 1/ 308.
(5)
كذبه غير واحد من الأئمة. ميزان الاعتدال 3/ 337 ترجمة (6673).
(6)
التأريخ الكبير 7/ 109.
(7)
وقصته أخرجها ابن الجوزي في الموضوعات 1/ 42 و3/ 78. وانظر: تذكرة الموضوعات: 154، وتنْزيه الشريعة 2/ 239، والفوائد المجموعة: 174، والأسرار المرفوعة: 469.
(8)
جاء في حاشية (أ): ((أي أعطاه صلة)).
وقال ابنُ عديٍّ: ((بيّنُ الأمرِ في الضعفِ، وأحاديثهُ كلُّها شبهُ الموضوعِ)) (1).
وأمّا المهديُّ فهوَ أميرُ المؤمنينَ محمدُ بنُ أميرِ المؤمنينَ أبي جعفر عبدِ اللهِ المنصورِ بنِ محمدِ بنِ عليِّ بنِ عبدِ اللهِ بن العباسِ بنِ عبدِ المطلبِ، والمهديُّ أبو هارونَ الرشيدِ.
قولهُ: (في قصصهم)(2) القصصُ: مصدرُ قصَّ، / 179 أ / مِنْ قولهِ:{نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ} (3)، أي: نبيّنُ لكَ أحسنَ البيانِ، والمرادُ القُصّاصُ، أي: الوعَّاظُ وزناً ومعنىً، واحدُهم قاصٌّ، مأخوذٌ مِنْ ذِكرِ القِصصِ بالكسرِ، جمع قِصّةٍ، وهي الحالُ.
قولهُ: (كأبي سعيد (4) المدائني) (5) لمْ أرَهُ. وقالَ شيخُنا في " لسانِ الميزانِ "(6): ((ذَكرَهُ شيخُنا في " شرحِ الألفيةِ " فيمنْ كانَ يضعُ الحديثَ، فليحرّرْ ذلكَ)).
قولهُ: (امتُحِنُوا)(7)، بالبناء للمفعولِ، أي: امتَحنَهم غيرُهمْ منَ المحنةِ، وهي البليةُ.
قولهُ: (بأولادٍ لهمْ)(8) أيّ: كوكيعِ بنِ الجراحِ، هكذا رأيتُ بخطِّي وخطِّ
(1) الكامل لابن عدي 7/ 113.
(2)
شرح التبصرة والتذكرة 1/ 309.
(3)
إشارة إلى جزء من آية (3) من سورة يوسف.
(4)
الذي أثبتناه في شرح التبصرة: ((سعد)).
(5)
شرح التبصرة والتذكرة 1/ 309.
(6)
لسان الميزان 7/ 52، وانظر: الكشف الحثيث: 473 (869)، وتنزيه الشريعة 1/ 132.
(7)
شرح التبصرة والتذكرة 1/ 309.
(8)
شرح التبصرة والتذكرة 1/ 309.
غيري منْ ثقاتِ أصحابِنَا عنْ شيخِنا، والذي رأيتُ في ترجمةِ سفيانَ بنِ وكيعٍ هذا أنَّ ابنَ أبي حاتمٍ، قالَ: ((سألتُ أبا زرعةَ عَنهُ، فقالَ: لا يشتغل بهِ، كانَ يكذبُ، كانَ أبوهُ رجلاً صالحاً، قيلَ لهُ: كانَ سفيانُ يتهمُ بالكذبِ.
قالَ: نَعَمْ)). وقالَ أيضاً: ((سمعتُ أبي يقولُ: كلَّمني فيهِ مشايخٌ منْ أهلِ الكوفةِ، فأتيتهُ معَ جماعةٍ منْ أهلِ الحديثِ، فقلتُ لهُ: إنَّ حقَّكَ واجبٌ علينا، لو صُنْتَ نفسكَ واقتصرتَ على كُتُبِ أبيكَ لكانتِ الرحلةُ إليكَ، فكيفَ وقدْ سمعتَ؟ فقالَ: وما الذي ينقمُ عليَّ؟ قلتُ: قد أدخلَ وَرّاقُكَ ما ليسَ منْ حديثِكَ بينَ حديثِكَ، قالَ: فكيفَ السبيلُ في هذا؟ قلت: ترمي بالمخرّجاتِ، وتقتصرُ على الأصولِ، وتنحّي هذا الورّاقَ (1)، وتدعو بابنِ كرامةَ، وتوليّهِ أصولَكَ، فإنَّهُ يُوثَقُ بهِ، فقالَ: مقبولاً منكَ، فما فعلَ شيئاً مما قالهُ)) (2).
وقالَ ابنُ حبانَ: ((كانَ شيخاً فاضلاً صدوقاً، إلَاّ أنَّهُ ابتليَّ بورَّاقِهِ (3))) فحَكَى قصتَهُ. فهذا يقتضي أنَّ أباهُ وكيعاً / 179 ب / لم يُبتلَ بِهِ، وإنَّما ابتُلِيَ هو بورّاقِهِ، لكنَّ بليَّته بورّاقهِ صارتْ بليةً لأبيهِ بهِ (4)، فإنَّهُ صار يروي ما دسَّهُ ورّاقُهُ في حديثِهِ، عنْ أبيهِ. ورأيتُ بخطِّ بعضِ أصحابِنَا عنْ شيخِنَا:((أنَّ حمادَ بنَ سلمةَ أيضاً ابتُلِيَ بولدِهِ، وهو وَهمٌ؛ فإنَّ حمّاداً لا ولدَ لهُ)). قالَ شهابُ بنُ المعمّرِ البلخيُّ: ((كانَ حمّادُ بنُ سلمةَ يعدُّ منَ الأبدالِ (5))). وعلامةُ الأبدالِ أنْ لا يُولدَ لهمْ، تزوّجَ سبعينَ امرأةً فلمْ يُولَدْ لَهُ، انتهى. غيرَ أنَّ البخاريَّ اجتنبَ حديثَهُ. قالَ شيخُنَا: ((واعتذرَ أبو الفضلِ بنُ طاهرٍ
(1) في (ف): ((الأوراق)).
(2)
الجرح والتعديل 4/ 217.
(3)
المجروحين 1/ 455 - 456.
(4)
لم ترد في (ف).
(5)
انظر: سير أعلام النبلاء 7/ 447.
عنْ ذلكَ، لما ذكرَ أنَّ مسلماً أخرجَ أحاديثَ أقوامٍ تركَ البخاريُّ حديثهمْ، قالَ: وكذلكَ حمادُ بنُ سلمةَ، إمامٌ كبيرٌ، مدَحَهُ الأئمةُ وأطنبوا، ولما تكلمَ بعض مُنتحلي المعرفة، أنَّ بعضَ الكَذَبةِ أدخلَ في حديثِهِ ما ليسَ مِنْهُ لم يُخْرّجْ عنْهُ البخاريُّ معتمداً عليهِ، بل استشهدَ بهِ في مواضعَ لِيُبَيِّنَ أنَّهُ ثقةٌ (1))).
وقالَ الحاكمُ (2): ((هوَ أحدُ أئمةِ المسلمينَ، إلَاّ أنَّهُ لما كبرَ ساءَ حفظهُ فلذا تركَهُ البخاريُّ))، وقالَ الدولابيُّ:((حدّثنا محمدُ بنُ شجاعٍ البلخيُّ (3)، حدّثني إبراهيمُ بنُ عبد الرحمانِ بنِ مهديٍّ، قالَ: كانَ حمّادُ بنُ سلمةَ لا يُعرفُ بهذهِ الأحاديثِ التي في الصفاتِ، حتى خرجَ مرَّةً إلى عَبّادانَ (4)، فجاءَ وهو يرويها، فسمعتُ عبّادَ بنَ صُهيبٍ، /180 أ/ يقولُ: إنَّ حمّاداً كانَ لا يحفظ، وكانوا يقولونَ: إنَّها دُسّتْ في كُتبهِ، وقد قيلَ: إنَّ ابنَ أبي العوجاءِ كانَ ربيبَهُ، فكانَ يدسُّ في كتبهِ (5)))، قرأتُ بخطِّ الذهبيِّ: ابنُ البلخيِّ ليسَ بمصدِّقٍ على حمّادٍ وأمثالهِ، وقدْ أتُّهمَ. قلتُ: وعبّادٌ أيضاً ليسَ بشيءٍ (6))) انتهى كلامُ شيخِنا.
(1) انظر: هدي الساري: 399، وانظر بلا بد كتابي أثر علل الحديث في اختلاف الفقهاء:20.
(2)
هكذا في (أ) و (ب) و (ف)، والصواب:((البيهقي)) وليس ((الحاكم)) كما جاء في تهذيب التهذيب 3/ 13، وسير أعلام النبلاء 7/ 452، ولعله سبق قلم من الناسخ والمؤلف. أما قول الحاكم فهو:((لم يخرج مسلم لحماد بن سلمة في الأصول إلا من حديثه عن ثابت، وقد خرّج له في الشواهد عن طائفة)).
(3)
هكذا في (أ) و (ب) و (ف) وتهذيب التهذيب، ولعل الصواب:((الثلجي))، كما جاء في الكامل 3/ 47، وتهذيب الكمال 6/ 344 (5877)، وسير أعلام النبلاء 12/ 379.
(4)
بتشديد ثانيه، وفتح أوله: جزيرة في فم دجلة العوراء، وهي الآن مدينة تقع في جنوب غرب إيران. مراصد الاطلاع 2/ 913.
(5)
انظر: الكامل لابن عدي 3/ 47.
(6)
تهذيب التهذيب 3/ 12 - 13.
فكأنَّ مستندَ مَنْ نقلَ أنَّهُ ابتُلِيَ بابنهِ، عَنَى ما نُقِلَ عنْ ربيبهِ ابنِ أبي العوجاءِ، والله أعلمُ.
قولهُ: (أو ورّاقينَ)(1)، أي: كالقداميِّ الذي ذكرهُ، والورّاقُ: هوَ الناسخُ، ولمْ أرَ في ترجمتهِ أنَّ آفتَهُ منْ وَرّاقهِ، وإنّما قالَ شيخُنَا في " لسانِ الميزانِ " (2):((عبدُ اللهِ بنُ محمدِ بنِ ربيعةَ بنِ قدامةَ القداميُّ المصيصيُّ، أحدُ الضعفاءِ، أتى عنْ مالكٍ بمصائبَ))، ثمَّ قالَ:((قالَ ابنُ عديٍّ: عامةُ حديثهِ غيرُ محفوظةٍ (3)، ولمْ أرَ للمتقدمينَ فيهِ كلاماً (4)، وقالَ ابنُ حبّانَ: يقلّبُ الأخبارَ، لعلهُ قَلَبَ عنْ مالكٍ أكثرَ منْ مئةٍ وخمسينَ حديثاً، ورَوَى عن إبراهيمَ بنِ سعدٍ نسخةً أكثرُهَا مقلوبٌ (5)، وقالَ الحاكمُ والنقّاشُ: رَوَى عن مالكٍ أحاديثَ موضوعةً، وقال الخليليُّ: أخذَ أحاديثَ الضعفاءِ منْ أصحابِ الزهريِّ، فرواها عن مالكٍ)) (6)، انتهى.
فهذا كلُهُ يدلُّ على أنَّ الآفةَ منْهُ نفسه، والله أعلمُ.
قولهُ: (ابن دحيةَ)(7) هوَ عمرُ بنُ الحسنِ بنِ عليٍّ الدانيُّ الأندلسيُّ، قالَ في "لسانِ الميزانِ" (8): ((متهمٌ في نقلهِ، معَ / 180 ب / أنَّهُ كانَ منْ أوعيةِ العلمِ، دخلَ فيما لا يعنيهِ، قالَ الحافظُ الضياءُ: لمْ يعجبْني حالُهُ، كانَ كثيرَ الوقيعةِ في الأئمةِ،
(1) شرح التبصرة والتذكرة 1/ 309.
(2)
4/ 557 - 559.
(3)
في لسان الميزان: ((محفوظ)).
(4)
الكامل 5/ 424.
(5)
المجروحين 1/ 533.
(6)
الإرشاد 1/ 281.
(7)
شرح التبصرة والتذكرة 1/ 309.
(8)
6/ 80 - 85، وفي النقل اختصار كثير.
ثمَّ قالَ: أخبرني السنهوريُّ: أنَّ مشايخَ المغربِ (1) كتبوا لهُ جرحَهُ وتضعيفَهُ، وقالَ قاضي حماةَ ابنُ واصلٍ: كانَ ابنُ دحيةَ معَ فرْطِ معرفتهِ بالحديثِ، وحفظهِ الكثير لهُ، متهماً بالمجازفةِ في النقلِ. وقالَ ابنُ نقطةَ: كانَ موصوفاً بالمعرفةِ والفضلِ، إلَاّ أنّهُ كانَ يدّعي أشياءَ لا حقيقةَ لها، وذكرَ أبو القاسمِ بنُ عبدِ السلامِ، قالَ: أقامَ عندنا ابنُ دحيةَ، فكانَ يقولُ: أحفظُ "صحيحَ مسلمٍ"، والترمذيَّ، قالَ: فأخذتُ خمسةَ أحاديثَ منَ الترمذيِّ، وخمسةً منَ المسندِ، وخمسةً منَ الموضوعاتِ، فجعلتُهَا في جزءٍ، فعرضتُ حديثاً منَ الترمذيِّ عليهِ، فقالَ: ليسَ بصحيحٍ. وآخرَ، فقالَ: لا أعرفهُ. ولمْ يعرفْ منها شيئاً. وقالَ ابنُ النجارِ: رأيتُ النَّاسَ مُجْمِعينَ على كذبهِ، وضعفهِ، وادعائهِ سماعَ ما لَم يسمعْهُ، ولقاءَ منْ لمْ يلقهُ، وكانتْ أماراتُ ذلكَ عليهِ لائحةً. وقالَ: حدّثني عليُّ بنُ الحسنِ أبو العلاءِ الأصبهانيُّ - وناهيكَ بهِ جَلالاً ونُبلاً- قالَ: لما قدِمَ علينا ابنُ دحيةَ (2) أصبهانَ دخلَ على أبي في الخانكاه (3)، فكانَ يكرمُهُ ويبجّلُهُ، فدخلَ على والدي يوماً ومعهُ سجّادةٌ، فقبّلها ووضعَها بينَ يديهِ، وقالَ: صليتُ على هذهِ السجادةِ / 181 أ / كذا وكذا ألف ركعةٍ، وختمتُ عليها القرآنَ في جوفِ الكعبةِ مراتٍ، قالَ: فأخذها والدي وقَبَّلهَا، ووضعهَا على رأسهِ، وقبِلَهَا (4) مبتهِجاً، فلما كانَ آخرُ النهارِ، حضرَ عندنا رجلٌ منْ أهلِ أصبهانَ، يتحدّثُ عندَهُ (5)، إلى أنِ اتفقَ أنَّهُ قالَ: كانَ الفقيهُ المغربيُّ الذي عندكمْ اليومَ في السوقِ، فاشترى سجادةً حسنةً بكذا وكذا، فأمرَ والدي بإحضارِ السجادةِ، فقالَ:
(1) في لسان الميزان: ((الغرب)).
(2)
في (ب) و (ف): ((ابن دحية علينا))، وكذا في اللسان.
(3)
الخانكاه ويسمّى أيضاً الخانقاه: بقعة يسكنها المتصوفة. انظر: تاج العروس مادة (خنق).
(4)
زاد بعدها في (ف): ((آخر)).
(5)
في لسان الميزان: ((فتحدث عندنا)).
إي واللهِ هذه هي، فسكتَ والدي، وسقطَ ابنُ دحيةَ منْ عينهِ، وأرّخَ وفاتَهُ في ربيعٍ الأولِ سنةَ ثلاثٍ وثلاثينَ وستِّمئةٍ)).
قولهُ: (فلا يمكنُ تركهم لذلكَ)(1)، أي: لكونهِمْ يرَونهُ قربةً، وهمْ في أنفسهِمْ متدينونَ، وقدْ جرتِ العادةُ أنَّ المتدينَ لا يكف عن قربةٍ، فهوَ مستحيلٌ عادةً.
قولهُ: (جَهابذةِ الحديث)(2) - بفتحِ الجيمِ - جمعُ جِهبذٍ - بكسرِ الجيمِ، وآخرهُ معجمةٌ -، وهو النَّقادُ الخبيرُ (3).
قولهُ: (ما حُمِّلوه)(4) هوَ مبنيٌّ للمفعولِ مثقّلٌ، مثلَ: كـ {مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ} (5) أي: حَمَّلَهُم إياها (6) غيرُهم فتحمّلُوهُ، أي: ففعلوا ما أرادَ.
قولهُ: (عُوَارَها)(7) هوَ مثلثُ العينِ، ومعناهُ: العيبُ، والخرقُ، والشقُّ في الثوبِ (8).
قوله: {وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظونَ} (9) في اللفظِ والمعنى، ومنْ حفظهِ تعالى لمعناهُ: هتكُ منْ يكذبُ على رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فإنَّ أحاديثهُ هي المبيّنةُ للكتابِ.
قولهُ: (نوحُ بنُ أبي مريمَ)(10) واسمهُ ناجيةُ، وقيلَ: يزيدُ بنُ جعُّونةَ المروزيُّ
(1) شرح التبصرة والتذكرة 1/ 420.
(2)
شرح التبصرة والتذكرة 1/ 310.
(3)
انظر: تاج العروس مادة (جهبذ).
(4)
شرح التبصرة والتذكرة 1/ 310.
(5)
الجمعة: 5.
(6)
في (ف): ((إياه)).
(7)
شرح التبصرة والتذكرة 1/ 310.
(8)
انظر: تاج العروس مادة (عور).
(9)
الحجر: 9.
(10)
شرح التبصرة والتذكرة 1/ 311.
أبو عصمةَ / 181 ب / القرشيُّ مولاهم، قاضي مرو، ويعرفُ بنوحٍ الجامعِ. قالَ في " تهذيبِ التهذيب " (1):((وكانَ معَ ذلكَ - أي: معَ روايتهِ - عالماً بأمورِ الدنيا فسُمّيَ الجامعَ، وقيل: هوَ نوحُ بنُ يزيدَ بنِ عبدِ اللهِ))، وقالَ أبو رجاءٍ محمدُ بنُ حمدويهَ في " تأريخهِ ":((نوحُ بنُ أبي مريمَ، كانَ أبوهُ مجوسياً منْ أهلِ هُرمُز، غلبَ عليهِ الإرجاءُ، ولم يكنْ بمحمودِ الروايةِ، وكانتْ ولايتهُ القضاءَ في خلافةِ المنصورِ))، وقالَ الحاكمُ:((أبو عصمةَ مقدّم في علومِهِ، إلَاّ أنَّهُ ذاهبٌ بمرةٍ، وقدْ أفحشَ أئمةُ الحديثِ القولَ فيهِ ببراهينَ ظاهرةٍ))، وقالَ أيضاً:((لقدْ كانَ جامعاً - كاسمهِ - رُزِقَ كلَّ شيءٍ إلَاّ الصدقَ، نعوذُ باللهِ منَ الخذلانِ))، وقالَ أبو عليٍّ النيسابوريُّ:((كانَ كذاباً)) وقالَ أبو سعيدٍ النقاشُ: ((رَوَى الموضوعاتِ))، وقالَ الخليليُّ:((أجمعوا على ضعفهِ (2))). وكذبهُ ابنُ عيينةَ، وما أحسنَ قولَ أبي عصمةَ:((ما أقبحَ اللحنَ منْ متقعِّرٍ!))، وقالَ محمدُ بنُ عبدِ العزيزِ ابنِ أبي رزمةَ، عنْ أبيهِ: ماتَ سنةَ ثلاثٍ وسبعينَ ومئةٍ)).
قولهُ: (ميسرةُ بنُ عبدِ ربهِ)(3) هوَ الفارسيُّ، ثمَّ البصريُّ التَرّاسُ الأكّالُ، كانَ يأكلُ كثيراً. قالَ الدِّينَوريُّ في "المجالسةِ" (4): حدّثنا ابنُ ديزيلَ (5)، حدّثنا مسلمُ بنُ إبراهيمَ، قالَ: سمعتُهمْ يقولونَ لميسرةَ الأكولِ: كمْ تأكلُ؟ قالَ: منْ مالي،
(1) تهذيب التهذيب 10/ 434 - 435، وفي الكلام تقديم وتأخير.
(2)
الإرشاد 3/ 902.
(3)
شرح التبصرة والتذكرة 1/ 312.
(4)
المجالسة وجواهر العلم 6/ 243 (2604) وانظر: لسان الميزان 8/ 236.
(5)
هو أبو إسحاق إبراهيم بن الحسين بن علي الهمذاني الكسائي، يعرف بابن ديزيل، كان يلقب بدابة عفان؛ لملازمته له، ويلقب بسيفنة، وسيفنة: طائر ببلاد مصر، لا يكاد يحط على شجرة إلا أكل ورقها حتى يعريها، توفي سنة (281 هـ).
انظر: سير أعلام النبلاء 13/ 184، وتذكرة الحفاظ 2/ 608.
/ 182 أ / أو منْ مالِ الغيرِ؟ قالوا: مِنْ مالِكَ، قالَ: رغيفينِ، قيلَ: فمِنْ مالِ الغيرِ؟ قالَ: اخبزْ واطرحْ)). قالَ شيخُنَا: ((والذي يتبادرُ إلى ذهني أنَّ الأكّالَ غيرُهُ، فإنَّ ابنَ عبدِ ربهِ قدْ وصفهُ جماعةٌ بالزهدِ، وضعّفوهُ، وأمّا الأكّالُ فكانَ ماجناً، وقالَ مسلمةُ بنُ قاسمٍ - يعني: عن ابن عبدِ ربهِ -: كذابٌ رَوَى أحاديثَ منكرةً، وكانَ ينتحلُ الزهدَ، والعبادةَ، فإذا جاءَ الحديثُ جاءَ شيءٌ آخر)) (1).
قالَ الذهبيُّ: ((رَوَى عنْ ليثِ بنِ أبي سُليمٍ، وابنِ جريجٍ، وموسى بنِ عبيدةَ، والأوزاعيِّ، ثمَّ قالَ: وأمّا الأكّالُ، فإن كانَ ابن عبدِ ربِهِ المذكور، فيروي عنْ غلام خليلٍ، وهو متهمٌ، قالَ: وذكرتُ في " تأريخي الكبيرِ " أنَّ بعضَ المُجّانِ (2) أنزلوهُ عنْ حمارهِ ثمَّ ذبحوهُ، وشووهُ وأطعموهُ إياهُ على أنَّهُ كبشٌ، ثمَّ جمعوا لهُ ثمنَ الحمارِ)) (3).
قولهُ: (المؤمل بن إسماعيلَ)(4) العدوي، مولى آلِ الخطابِ، وقيلَ: مولى بني بكرٍ، ونقلَ البخاريُّ عنْ أبيه أنَّهُ قالَ: نحن منْ صليبةِ كنانةَ، أبو عبدِ الرحمانِ البصريُّ، نزيلٌ (5) بمكةَ، رَوَى عنْ: عكرمةَ بنِ عمّارٍ، وشعبةَ، والحمادينِ، والسفيانينِ، وغيرِهم.
وعنهُ: أحمدُ بنُ حنبلٍ، وعليُّ بنُ المدينيِّ، وغيرُهما. قالَ ابنُ معينٍ:
((ثقةٌ)) (6). وقالَ أبو حاتمٍ: ((صدوقٌ، شديدٌ في السنةِ، كثيرُ الخطأِ (7))). وقالَ
(1) لسان الميزان 8/ 236 - 237.
(2)
في (أ) و (ب) و (ف): ((الجان)) وهو تحريف، والتصويب من ميزان الاعتدال 4/ 231.
(3)
ميزان الاعتدال 4/ 230 - 231، وفي النقل تصرف واختصار.
(4)
شرح التبصرة والتذكرة 1/ 312.
(5)
في (ب): ((نزل)).
(6)
انظر: الجرح والتعديل 8/ 428.
(7)
الجرح والتعديل 8/ 428.
البخاريُّ: ((منكرُ الحديثِ (1))). وقالَ محمدُ بنُ نصرٍ المروزيُّ: ((إذا انفردَ بحديثٍ / 182 ب / يجبُ أنْ يُتوقَفَ ويُتَثبَّتَ فيهِ؛ لأنَّهُ كانَ سَيْيءَ الحفظِ كثيرَ الغلطِ)). وقالَ ابنُ حبانَ في "الثقاتِ": ((ربما أخطأَ)) (2)، ماتَ يومَ الأحدِ لسبعَ عشرةَ ليلةً خلتْ منْ شهرِ رمضانَ سنةَ ستٍّ ومئتينِ (3).
قولهُ:
235 -
وَجَوَّزَ الوَضْعَ - عَلَى التَّرْغِيْبِ -
…
قَوْمُ ابنِ كَرَّامٍ، وَفي التَّرْهِيْبِ
قولهُ: (الكرّامية)(4) - بتشديدِ المهملةِ - نسبةً إلى أبي عبدِ اللهِ محمدِ بنِ كرّامٍ السجستانيِّ العابدِ المتكلّمِ، وبالتثقيلِ قيّدَهُ (5) ابنُ ماكولا (6)، والسمعانيُّ (7)، وغيرُ واحدٍ. قالَ الذهبيُّ:((وهوَ الجاري على الألسنةِ)) (8)، وقالَ (9) ابنُ الصلاحِ:
(1) ذكره البخاري في " التاريخ الكبير " 7/ 356، ولم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً. وانظر: ميزان الاعتدال 4/ 228.
(2)
الثقات 9/ 187.
(3)
انظر في تفصيل ترجمته: التأريخ الكبير8/ 49، والتأريخ الصغير 2/ 306 - 307، وتهذيب الكمال 7/ 284 (6914)، والكاشف 2/ 309 (5747)، وميزان الاعتدال
4/ 228 - 229، وسير أعلام النبلاء 10/ 110 - 111، وخلاصة تذهيب تهذيب الكمال: 393، وانظر بلا بد كتابي "أثر اختلاف الأسانيد والمتون في اختلاف الفقهاء": 429 وما بعدها.
(4)
شرح التبصرة والتذكرة 1/ 313.
(5)
في (ب): ((حكاه)).
(6)
الإكمال 7/ 128.
(7)
الأنساب 4/ 132.
(8)
ميزان الاعتدال 4/ 21.
(9)
في (ب): ((قال)) من غير واو.
((إنَّهُ لا يعدل عنهُ (1)))، قالَ الذهبيُّ: ((وقد أنكرَ ذلكَ مُتكلِّمُهُمْ محمدُ بنُ الهيصمِ وغيرُهُ منَ الكرّاميةِ، فحَكَى فيهِ ابنُ الهيصمِ وجهينِ:
أحدهما: كَرَام - بالتخفيفِ والفتحِ-، وذكرَ أنَّهُ المعروفُ في ألسنةِ مشايخِهمْ، وزعَمَ أنَّهُ بمعنى كَرُم، أو بمعنى: كرامةً.
والثاني: أنَّهُ كِرَام - بالكسرِ - على لفظِ جمعِ كريم، وحَكَى هذا عنْ أهلِ سجستانَ، وأطالَ في ذلكَ (2))).
قالَ شيخُنا: ((وقرأت بخطِّ الشيخِ تقيِّ الدّينِ السبكيِّ: أنّ (3) ابنَ الوكيلِ اختلفَ معَ جماعةٍ في ضبطِ ابنِ كرّام، فصمّمَ ابنُ الوكيلِ على أنَّهُ بكسرِ أولهِ والتخفيفِ، واتفقَ الآخرونَ على المشهورِ، فأنشدَهُمْ ابنُ الوكيلِ مستشهِداً على صحةِ دعواهُ قولَ الشاعرِ:
الفقهُ فقهُ أبي حنيفةَ وحده
…
والدينُ دينُ محمدِ بنِ كِرَامِ
/ 183 أ / قالَ: فظنّوا كلُّهمْ أنَّهُ اخترعهُ في الحالِ، وأنَّ البيتَ من نظمهِ، قالَ: ولما كانَ بعدَ دهرٍ طويلٍ رأيتُ الشعرَ لأبي الفتحِ البستيِّ، الشاعرِ المشهورِ، الذي يكثرُ التوليعَ (4) بالجناسِ وقبْله:
إنَّ الذينَ بجهلِهم لمْ يقتدوا
…
في الدينِ بابنِ كِرَامَ غيرُ كِرَامِ
قالَ: فعرفتُ جودةَ استحضارِ ابنِ الوكيلِ)) (5). انتهى.
(1) ميزان الاعتدال 4/ 22.
(2)
ميزان الاعتدال 4/ 21 - 22.
(3)
كلمة: ((أن)) لم ترد في (أ).
(4)
في (ف): ((التوابع)).
(5)
حكى هذه الحكاية الحافظ ابن حجر، عن الصفدي في نكته 2/ 860 وبتحقيقي: 612، وانظر: الوافي بالوفيات 4/ 276.
وقالَ الذهبيُّ: ((إنَّ (1) ابنَ كرّامٍ ساقطُ الحديثِ على بدعتهِ)) (2)، وقالَ ابنُ حبّانَ:((خذِلَ حتى التقطَ منَ البراهينِ ومنَ الأحاديثِ أوهاها)) (3)، وقالَ أبو العباسِ السَّراجُ:((شهدتُ البخاريَّ، ودُفِعَ إليهِ كتابٌ منْ ابنِ كرّامٍ يسألهُ عنْ أحاديثَ، منها: الزهريُّ، عنْ سالمٍ، عنْ أبيهِ مرفوعاً: الإيمانُ لا يزيدُ ولا ينقصُ. فكتبَ أبو عبدِ اللهِ على ظهرِ كتابهِ: منْ حدّثَ بهذا استوجبَ الضربَ الشديدِ، والحبسَ الطويلَ))، وقالَ (4) ابنُ حبانَ:((جعلَ ابن كرَّام الإيمانَ قولاً بلا معرفةٍ))، وقالَ ابنُ حزمٍ:((قالَ ابنُ كرَّامٍ: الإيمانُ قولٌ باللسانِ، وإنِ اعتقدَ الكفرَ بقلبهِ فهوَ مؤمنٌ))، قالَ الذهبيُّ: قلتُ: هذا منافقٌ محضٌ في الدركِ الأسفلِ منَ النَّارِ قطعَاً، فَإِيشِ ينفعُ ابنَ كرّامٍ أنْ يسميهِ مؤمناً. ومنْ بدعِ الكرّاميّةِ قولُهمْ في المعبودِ تعالى: إنَّهُ جسمٌ لا كالأجسامِ، وقدْ سجنَ بنيسابورَ لأجلِ بدعتهِ ثمانيةَ أعوامٍ (5))).
قالَ شيخُنَا: ((وقالَ الحاكمُ: قيلَ: إنَّ /183 ب / أصلهُ منْ زَرَنْجَ (6)، ونشأ بسجستانَ، ثمَّ دخلَ بلادَ خراسانَ، وجاورَ بمكةَ خمسَ سنينَ، ولما شاعتْ بدعتُهُ، حَبسَهُ طاهرُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ طاهرٍ، فلما أطلقوهُ توجَّه إلى الشامِ، ثمَّ رجعَ إلى نيسابورَ، فحَبسَهُ محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ طاهرٍ، وطالَ حبسُهُ، فكانِ يتأهّبُ يومَ الجمعةِ، ويقولُ للسجّانِ: أتأذن؟ فيقولُ: لا. فيقولُ: اللهمَّ إنَّكَ تعلمُ أنَّ المنعَ منْ
(1) لم ترد في (ب).
(2)
ميزان الاعتدال 4/ 21.
(3)
المجروحين 2/ 301.
(4)
في (ب): ((قال)) بدون واو.
(5)
ميزان الاعتدال 4/ 21.
(6)
بفتح أوله وثانيه، ونون ساكنة، وجيم: مدينة هي قصبة سجستان الكورة المعروفة. مراصد الاطلاع 2/ 663.
غيري، ثمَّ لما أُطلقَ تحوّلَ فسكنَ بيتَ المقدسِ، وقالَ ابنُ عساكرَ: كانَ للكرّاميةِ رباطٌ ببيتِ المقدسِ، وكانَ هناكَ رجلاً يقالُ لهُ: هجَّامٌ، يحسنُ الظنَّ (1) بهمْ، فنهاهُ الفقيهُ نصرٌ (2)، فقالَ: إنَّما لي الظاهرُ. فرأى (3) هجّامٌ بعدَ ذَلِكَ أنَّ في رباطِهِمْ حائطاً فيهِ نباتُ النرجسِ، فاستحسنَهُ، فمدَّ يدَهُ فأخذَ منهُ شيئاً، فوجدَ أصولَهُ في العذرةِ، فقالَ لهُ الفقيهُ نصرٌ: الذي قلتُ لكَ تعبيرُ رؤياكَ، ظاهرُهم حسنٌ، وباطنُهمْ خبيثٌ، قالَ ابنُ عساكرَ: ولما دخلَ القدسَ، سمعَ النَّاسَ منهُ حديثاً كثيراً، فجاءهُ إنسانٌ فسألهُ عن الإيمانِ، فلمْ يجبهُ ثلاثاً، ثمَّ قالَ: الإيمانُ قولٌ. فلما سمعوا ذَلِكَ حَرَّقوا (4) الكتبَ التي كتبوا عنهُ، ونفاهُ والي الرملةِ إلى زُغَرٍ (5) فماتَ بها)) (6).
قالَ الذهبيُّ: ((سنةَ خمسٍ وخمسينَ ومئتينِ، وعكف أصحابُهُ على قبرهِ مدةً)) (7). وقالّ القاضي عضدُ الدينِ في " المواقفِ "(8) والسيدُ في / 184 أ /
" شرحهِ ": ((وقالوا - أي الكرّاميةُ -: الإيمانُ قولُ الذرِّ في الأزلِ: بلى. أي: الإيمانُ هوَ الإقرارُ الذي وُجِدَ منَ الذَرِّ حينَ قالَ تعالى لهمْ: {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ} (9)، وهو باقٍ في الكلِّ على السويةِ،
(1) كلمة: ((الظن)) لم ترد في (أ) و (ب)، وهي في (ف)، واللسان، وجاءت هذه الكلمة في تاريخ دمشق:((ظنه)).
(2)
جاء في حاشية (أ): ((أي: المقدسي)).
(3)
أي في المنام، كما في تاريخ دمشق.
(4)
هكذا في (أ) و (ب) وتاريخ دمشق، وفي (ف) واللسان:((خَرَّقوا)).
(5)
بوزن زُفَر، وآخره راء مهملة: قرية بمشارف الشام، في طرف البحيرة المنتنة، وتسمّى البحيرة بها، وهي قرب الكرك. مراصد الاطلاع 2/ 667.
(6)
لسان الميزان 7/ 464 - 465، وانظر: تاريخ دمشق 58/ 97 - 98.
(7)
ميزان الاعتدال 4/ 21.
(8)
المواقف: 429.
(9)
الأعراف: 172.
إلَاّ المرتدينَ، وإيمانُ المنافقِ مع كفرهِ، كإيمانِ الأنبياءِ، لاستواءِ الجميعِ في ذَلِكَ الإيمانِ، والكلمتانِ ليستا بإيمانٍ إلَاّ بعدَ الردّةِ، نسألُ اللهَ العافيةَ آمينَ)).
قولهُ: (منَ الثوابِ)(1)((منْ)) بيانية، أي: في المعنى الذي هوَ منَ الثوابِ والعقابِ الذي انتفى عنهُ حكمٌ، وقدْ جهلَ هؤلاءِ أنَّ الثوابَ والعقابَ حكمانِ منْ أحكامِ الشرعِ؛ فإنَّ الثوابَ إمّا أنْ يترتبَ على مُسْتحبٍ، أو واجبٍ (2)، والعقاب إنّما يترتبُ على الحرامِ، فهذهِ ثلاثةُ أحكامٍ منَ الخمسةِ.
قولهُ: (محمد بن سعيدٍ)(3) بنِ حسان بنِ قيسٍ الأسديِّ، ويقالُ: محمدُ ابنُ سعيدِ بنِ عبدِ العزيزِ، ويقالُ: ابنُ أبي عتبةَ، ويقالُ: ابنُ أبي قيسٍ، ويقالُ: ابنُ أبي حسان، ويقالُ: ابنُ الطبريِّ أبو عبدِ الرحمانِ، ويقالُ: أبو عبدِ اللهِ، ويقالُ: أبو قيسٍ الملائيُّ الدمشقيُّ، ويقالُ: الأزديُّ، ويقالُ: محمدُ بنُ أبي (4) زينبَ، وابنُ زكريا، وابنُ أبي الحسنِ. وبعضُهمْ يقولُ: عنْ أبي عبدِ الرحمانِ الشاميِّ، ويقولونَ: محمدُ بنُ حسان الطبريُّ، وربما قالوا: عبدُ اللهِ، وعبدُ / 184 ب / الرحمانِ، وعبدُ الكريمِ وغيرُ ذَلِكَ، على معنى التعبيد (5) فيهِ، وينسبونهُ إلى جدّهِ، ويكنونَ الجدَّ حتى يتسعَ جداً في هذا، قالهُ العقيليُّ (6)، وقالَ عبدُ الغنيِّ بنُ سعيدٍ المصريُّ نحو ذَلِكَ، وزاد: وهوَ محمدٌ الذي نسبهُ المحاربيُّ إلى ولاءِ بني هاشمٍ، وهوَ محمدٌ الطبريُّ، ومحمدٌ الأزديُّ، وهوَمحمدُ بنُ سعيدٍ الأسديُّ، الذي رَوَى عنهُ سعيدُ بنُ هلالٍ،
(1) شرح التبصرة والتذكرة 1/ 313.
(2)
في (ب) و (ف): ((واجب أو مستحب)).
(3)
شرح التبصرة والتذكرة 1/ 314.
(4)
لم ترد في (ف).
(5)
في (أ) و (ب) و (ف): ((التبعيد))، وهو تصحيف، والتصويب من كتاب الضعفاء وتهذيب التهذيب.
(6)
الضعفاء الكبير 4/ 72.
ولو قالَ قائلٌ: إنَّهُ أبو عبدِ اللهِ محمدٌ الأسديُّ الذي يروي عن (1): وابصة بن معبدٍ، وعنهُ: محمدُ بنُ صالحٍ لما دفعتُ ذَلِكَ، وقالَ ابنُ عقدةَ:((سمعتُ أبا طالبٍ عبدَ اللهِ بنَ أحمدَ بنِ سوادةَ يقولُ: قَلَبَ أهلُ الشامِ اسمَ محمدِ بنِ سعيدٍ، على مئةِ اسمٍ، وكذا وكذا اسماً قدْ جمعتُها في كتابٍ))، وقالَ ابنُ القطانِ:((منْ جملةِ ما قلبوهُ: محمدُ بنُ أبي سهْلٍ))، حَكَى ذَلِكَ شيخُنَا في "تهذيبهِ"(2)، وقالَ:((رَوَى عنْ: نافعٍ مولى ابنِ عمرَ، والزهريِّ ومكحولٍ (3). رَوَى عنهُ: ابنُ عجلانَ، والثوريُّ، وسعيدُ بنُ أبي هلالٍ، وغيرهمْ، وقالَ عبدُ اللهِ بنُ أحمدَ، عنْ أبيهِ:((قتله أبو جعفر في الزندقةِ، حديثهُ حديثٌ موضوعٌ))، وقالَ دحيمٌ:((سمعتُ خالدَ بنَ يزيدَ الأزرقِ، يقولُ: سمعتُ محمدَ بنَ سعيدٍ الأزديَّ، يقولُ: إذا كانَ الكلامُ حسناً لمْ أُبالِ أن أجعلَ (4) لهُ إسناداً))، وقالَ أبو مسهرٍ:((هوَ منْ كذابي الأردنِ)). وقالَ ابنُ رشدينَ / 185 أ /: ((سألتُ أحمدَ بنَ صالحٍ المصريَّ، فقالَ: زنديقٌ، ضربتْ عُنقُهُ، وضعَ أربعةَ آلافِ حديثٍ عندَ هؤلاءِ الحمقَى، فاحذروها)). وقالَ ابنُ حبانَ: ((كانَ يضعُ الحديثَ، لا يحلُّ ذكرُهُ إلَاّ على وجهِ القدحِ فيهِ (5))). قالَ أبو أحمدَ الحاكمُ: ((كانَ يضعُ الحديثَ، صُلِبَ على الزندقةِ)). وقالَ الجوزجانيُّ: ((هوَ مكشوفُ الأمرِ هالكٌ))، وقالَ الحاكمُ:((هوَ ساقطٌ لا خلاف بينَ أئمةِ النقلِ فيهِ)) (6).
(1) في (أ) و (ب): ((عنه)) والتصويب من تهذيب التهذيب، وهو الذي يقتضيه السياق.
(2)
تهذيب التهذيب 9/ 158 - 159.
(3)
من قوله: ((روى عن
…
)) إلى هنا لم يرد في (ف).
(4)
في (أ): ((أجعله)).
(5)
لم ترد في (ف).
(6)
انظر: تهذيب التهذيب 9/ 158 - 159.
قولهُ:
236 -
وَالوَاضِعُوْنَ بَعْضُهُمْ قَدْ صَنَعَا
…
مِنْ عِنْدِ نَفْسِهِ، وَبَعْضٌ وَضَعَا
237 -
كَلامَ بَعْضِ الحُكَمَا في المُسْنَدِ
…
وَمِنْهُ نَوْعٌ وَضْعُهُ لَمْ يُقْصَدِ
238 -
نَحْوُ حَدِيْثِ ثَابِتٍ (مَنْ كَثُرَتْ
…
صَلَاتُهُ) الحَدِيْثَ، وَهْلَةٌ سَرَتْ
قولهُ: (ولا أصلَ لهُ)(1)، أي: بإسنادٍ إلاّ منْ مراسيلِ الحسنِ، ونقلَ بعضُ أصحابِنا عنْ خطِّ شيخِنا: أنَّ إسنادَهُ إلى الحسنِ حسنٌ، وقدْ أثنَى أبو زرعةَ، وابنُ المدينيِّ على مراسيلِ الحسنِ، فلا دليلَ على وضعهِ، كذا نُقِلَ هذا عنْ خطِّ شيخِنا. ثمَّ رأيتُ في ترجمةِ الحسنِ منْ "عمدةِ الأندرشي": قالَ عليُّ بنُ المديني:
((مرسلاتُ يحيى بنِ أبي كثيرٍ، شبهُ الريحِ، ومرسلاتُ الحسنِ التي رواها عنهُ الثقاتُ صحاحٌ، ما أقلَّ ما يسقطُ منها)) (2)، وقالَ ابنُ عديٍّ:((سمعتُ الحسنَ بنَ عثمانَ يقولُ: كلُّ شيءٍ، قالَ الحسنُ، قالَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم وجدتُ لهُ أصلاً يرجعُ إليهِ إلَاّ أربعةَ أحاديثَ)). وقالَ لهُ رجلٌ: إنَّكَ تقولُ: قالَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فلو كنتَ (3) تسندُهُ لنا؟ فقالَ: ((ما كَذَبْنا ولا كُذِبنَا))، ثمَّ ذكرَ أنَّهُ اعتذرَ ليونسَ بنِ عبيدٍ بأنّهُ يروي عنْ عليِّ بنِ أبي طالبٍ، وهو يخشَى منْ تسميتهِ في زمنِ الحجاجِ. ثمَّ قالَ:((وقالَ ابنُ سعدٍ: كلُ ما أَسندَ منْ /185 ب / حديثهِ، ورَوَى عنْ منْ سَمِعَ منهُ، فحسنٌ حجةٌ، وما أرسلَ فليسَ بحجةٍ)) (4) وكذا هوَ في ترجمتهِ منْ "تهذيبِ"(5) شيخِنا، وقالَ: ((قالَ أبو زرعةَ: ((كلُّ شيءٍ يقولُ الحسنُ: قالَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وجدتُ لهُ أصلاً
(1) شرح التبصرة والتذكرة 1/ 315.
(2)
انظر: تهذيب الكمال 2/ 121.
(3)
في (ب): ((أنك)).
(4)
الطبقات الكبرى 7/ 157.
(5)
تهذيب التهذيب 2/ 245.
ثابتاً، ما خلا أربعةَ أحاديثَ))، وقالَ أبو زرعةَ:((إنَّهُ لمْ يسمعْ منْ عليٍّ))، وقالَ الترمذيُّ:((لا يُعرفُ لهُ سماعٌ منْ عليٍّ رضي الله عنه)) (1)، وقالَ الدارقطنيُّ: مراسيلهُ فيها ضعفٌ)) (2). وقالَ في ترجمةِ يحيى بنِ أبي كثيرٍ: ((عنْ يحيى بنِ سعيدٍ: مرسلاتُ يحيى بنِ أبي كثيرٍ (3) شبهُ الريحِ)) (4). وكذا نقلَ الأندرشيُّ في ترجمته. هذا ما وجدتُهُ ولمْ أجدْ هذهِ العبارةَ عنِ الحسنِ إلَاّ في " شرحِ الألفيةِ "، وما أدري عمنْ نقلَها، وقدْ عُرفَ منْ مجموعِ هذا الكلامِ أنَّ المرادَ بها الضعفُ، وأصرحُ منْ ذَلِكَ ما في مقدمةِ "صحيحِ مسلمٍ" في آخرِ بابِ بيانِ أنَّ الإسنادَ من الدِّينِ:((سمعتُ يحيى بنَ سعيدٍ القطانَ، ضعّفَ حكيمَ (5) بنَ جبيرٍ، وعبد الأعلى، وضعّفَ يحيى بنَ موسى بنِ دينارٍ، وقالَ: حديثُهُ ريحٌ)) (6) انتهى.
وقالَ الأندرشيُّ في " مختصرهِ للتهذيبِ " المسمى بـ" العمدةِ " في ترجمةِ سعيدِ بنِ المسيّبِ: ((عنْ أحمدَ بنِ حنبلٍ، أنَّهُ قالَ: عنْ سعيدٍ: لا يُرى أصحّ منْ مرسلاتهِ، قالَ: وأمّا مرسلاتُ الحسنِ وعطاءٍ فأضعفُ المرسلاتِ، كأنهما كانا يأخذانِ منْ كلٍّ)) (7).
قولهُ: (وقالَ ابنُ الصلاحِ: إنَّهُ شبهُ الوضعِ)(8)، قالَ / 186 أ / المصنفُ في " النكتِ " (9): ((إنَّهُ حسنٌ إذ لمْ يضعهُ ثابتُ بنُ موسى، وإنْ كانَ ابنُ
(1) انظر: جامع التحصيل: 163.
(2)
تهذيب التهذيب 2/ 246 - 248.
(3)
من قوله: ((عن يحيى
…
)) إلى هنا لم يرد في (ف).
(4)
تهذيب التهذيب 11/ 235.
(5)
في (ف): ((حكم)).
(6)
مقدمة صحيح مسلم: 1/ 20.
(7)
انظر: جامع التحصيل: 87.
(8)
شرح التبصرة والتذكرة 1/ 316، وعبارة ابن الصلاح في معرفة أنواع علم الحديث:206.
(9)
التقييد والإيضاح: 133.
معينٍ (1) قالَ فيهِ (2): إنَّهُ كذابٌ (3). نعَمْ، بقيةُ الطرقِ التي سرقَها مَنْ سرقَهَا موضوعةٌ، ولذلكَ جَزَمَ أبو حاتمٍ الرّازيُّ: بأنّهُ موضوعٌ فيما حكاهُ عنّهُ ابنُهُ أبو محمدٍ في " العللِ "(4)، واللهُ أعلمُ)).
قولهُ: (عنِ الأعمشِ)(5) هوَ سليمانُ بنُ مهرانَ. وشيخهُ ((أبو سفيانَ)) هوَ طلحةُ بنُ نافعٍ القرشيُّ مولاهمُ الواسطيُّ، والأعمشُ رَاويتُهُ (6)، وهو صدوقٌ، رَوَى لهُ البخاريُّ مقروناً بغيرهِ، وقالَ عليُّ بنُ المدينيِّ:((لمْ يسمعْ منْ جابرٍ إلَاّ أربعةَ أحاديثَ))، وكذا قالَ أبو حاتمٍ، عنْ شعبةَ (7). قالَ شيخُنا:((لم يخرجْ لهُ البخاريُّ إلَاّ أربعةَ أحاديثَ عنْ جابرٍ، وأظنُّها التي عناها شيخُهُ عليُّ بنُ المدينيِّ، منها حديثانِ في الأشربةِ (8)، قرنهُ بأبي صالحٍ، وفي الفضائلِ (9) حديثُ:((اهتزَّ العرشُ)) كذلكَ، والرابعُ في تفسيرِ سورةِ الجمعةِ (10)، قرنهُ بسالمِ بنِ أبي
الجعدِ)) (11) انتهى.
فتحرّرَ أنَّ هذا الحديثَ، وهو ((يعقد الشيطانُ)) ليسَ منها وهو متَفقٌ عليهِ منْ
(1) زاد بعدها في (ف): ((قد)).
(2)
لم ترد في (ب)، وهي من (أ) والتقييد.
(3)
تهذيب الكمال 1/ 410 (878).
(4)
علل الحديث 1/ 174 (196).
(5)
شرح التبصرة والتذكرة 1/ 316.
(6)
جاء في حاشية (أ): ((رواية أبي سفيان)) وفي (ف): ((روايته)).
(7)
انظر: تهذيب التهذيب 5/ 26.
(8)
صحيح البخاري 7/ 140 (5605) و141 (5606).
(9)
صحيح البخاري 5/ 44 (3803).
(10)
صحيح البخاري 6/ 189 (4899).
(11)
تهذيب التهذيب 5/ 26.
حديثِ أبي هريرةَ (1)، فلعلَّ الوهمَ في هذا الحديثِ منْ شيخِ ابنِ ماجه، فإنّهُ صدوقٌ يَهِمُ، أو منْ شيخهِ ثابتٍ؛ فإنّهُ ضعيفٌ، واللهُ أعلمُ.
قولهُ: (منْ كثرتْ صلاتهُ بالليلِ)(2) مثلُهُ ما رويناهُ في "جزءِ لوين"، وهو أبو جعفرَ محمدُ بنُ سليمانَ المصيصيُّ: حدّثنا ابنُ أبي الزنادِ، حدّثنا هشامُ
/ 186 ب / ابنُ عروةَ، عنْ أبيهِ، قالَ: كانَ الزبيرُ رضي الله عنه قاعداً، ورجلٌ يقولُ: قالَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عامَّةُ مجلسهِ. قالَ: فسكتَ الزبيرُ رضي الله عنه حتى انقضتْ مقالتهُ، فقالَ الزبيرُ: ما قالَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم شيئاً منْ هذا، قالَ: واللهِ يا أبا عبدِ اللهِ، إنَّكَ لحاضرٌ المجلسَ يومئذٍ، قالَ: صدقتَ، إنما قالَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم قبلَ أنْ تجيءَ، قالَ الرجلُ منْ أهلِ الكتابِ، فجعلَ يذكرُ عنهُ، فجئت وهو يذكرُ ذاكَ، فذاكَ الذي يمنعني من الحديثِ، عنْ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم.
قولهُ: (عبدُ الحميدِ بنُ بحرٍ)(3)، قالَ في " لسانِ الميزانِ " (4):((هو بصريٌّ روى عنْ مالكٍ، وقالَ ابنُ حبانَ: كانَ يسرقُ الحديثَ (5)، وكذا قالَ ابنُ عديٍّ)) (6).
قولهُ: (وعبدُ اللهِ بنُ شبرمةَ الشريكيُّ)(7) لمْ أرَ لهُ ذكراً معَ الفحصِ عنهُ، وأظنّهُ عبدَ اللهِ بنَ شبيبٍ الرّبعيَّ، تصحّفَ على بعضِ النقلةِ، وكنيتهُ: أبو سعيدٍ، وهو
(1) صحيح البخاري 2/ 65 (1142)، وصحيح مسلم 2/ 187 (776)(207).
(2)
شرح التبصرة والتذكرة 1/ 316.
(3)
شرح التبصرة والتذكرة 1/ 317.
(4)
لسان الميزان 3/ 395.
(5)
المجروحين 2/ 136.
(6)
الكامل 7/ 11.
(7)
شرح التبصرة والتذكرة 1/ 317.
أخباريٌّ علامةٌ. قالَ شيخُنَا في " لسانِ الميزانِ "(1): ((يروي عنْ أصحابِ مالكٍ، وآخرُ منْ حدَّثَ عنهُ المحامليُّ، وأبو روقٍ الهزانيُّ، لكنهُ واهٍ بمرةٍ، وبالغَ فَضْلَكُ (2) الرّازيُّ، فقالَ:((يحلُّ ضرب عنقهِ)) (3)، وقالَ الحافظُ عبدانُ:((قلتُ لعبدِ الرحمانِ بنِ خراشٍ: هذه الأحاديثُ التي يحدّثُ بها غلامُ خليلٍ منْ أينَ لهُ؟ قالَ: / 187 أ / سرقهَا منْ عبدِ اللهِ بنِ شبيبٍ، وسَرقَها ابنُ شبيبٍ من النضرِ بنِ سلمةَ شاذانَ، ووضعها شاذانُ))، وقالَ ابنُ حبانَ:((يقلبُ الأخبارَ ويسرقُهَا)) (4). لكنَّ هذا أصغرُ منْ عبدِ الحميدِ، ومنْ عدَّ معهُ، ثمَّ رأيتُ عنْ خطِّ شيخِنا على حاشيةِ " شرحِ الألفيةِ " ما صورتهُ:((وَهِمَ بعضُ النَّاسِ فظنَّ أنَّ عبدَ اللهِ بنَ شبرمةَ الشريكيَّ، هو عبدُ اللهِ بنُ شبرمةَ القاضيّ، وليسَ بهِ؛ لأنَّهُ أكبرُ منْ شريكٍ، ولمْ يلحقْهُ الراوي عن الشريكيِّ)) انتهى.
قولهُ: (وإسحاق بن بشرٍ)(5) هوَ ابنُ مقاتلٍ، أبو يعقوبَ الكاهليُّ الكوفيُّ. قالَ في " لسانِ الميزانِ " (6):((عنْ: كاملٍ أبي العلاءِ، وأبي معشرٍ السنديِّ، ومالكٍ، وغيرِهم، وعنهُ: عمرُ بنُ حفصٍ السدوسيُّ، وإسحاقُ بنُ إبراهيمَ السجستانيُّ، قالَ مُطَيَّنٌ (7): ((ما سمعتُ أبا بكرِ بنَ أبي شيبةَ كذَّبَ أحداً، إلَاّ إسحاقَ بنَ بشرٍ الكاهليَّ)). وكذا كذّبهُ موسى بنُ هارونَ، وأبو زرعةَ، وقالَ
(1) لسان الميزان 4/ 499 - 500.
(2)
جاء في حاشية (أ): ((اسم رجل)). وهو الفضل بن العباس الرازي. سير أعلام النبلاء 12/ 630.
(3)
انظر: تاريخ بغداد 9/ 475.
(4)
المجروحين 2/ 50.
(5)
شرح التبصرة والتذكرة 1/ 317.
(6)
لسان الميزان 2/ 46 - 47.
(7)
جاء في حاشية (أ): ((اسم حافظ)).
الدارقطنيُّ: ((هوَ في عدادِ منْ يضعُ الحديثَ)). وأرَّخَ موسى بنُ هارونَ وفاتَهُ في سنةِ ثمانٍ وعشرينَ ومئتينِ)).
قولهُ: (موسى بن محمد)(1) في " لسانِ الميزانِ "(2): أنَّهُ ابنُ عطاءٍ الدمياطيُّ البلقاويُّ الرمليُّ المقدسيُّ، أبو طاهرٍ، رَوى عنْ: مالكٍ، وشريكٍ، وعنهُ: الربيعُ بنُ محمدٍ الأزديُّ، وعثمانُ بنُ سعيدٍ الدارميُّ (3)، وبكرُ بنُ / 187 ب / سهلٍ الدمياطيُّ، كذّبهُ أبو زرعةَ، وأبو حاتمٍ، وقالَ ابنُ حبانَ:((لا تحلُّ الروايةُ عنهُ، كانَ يضعُ الحديثَ)) (4)، وقالَ ابنُ عديٍّ:((كانَ يسرقُ الحديثَ)) (5)، وقالَ منصورُ بنُ إسماعيلَ بنِ أبي قرةَ:((كانَ يضعُ الحديثَ على مالكٍ والموقري))، وذكرَ عنْ أبي زرعةَ: أنَّهُ قالَ: ((لمْ يزلْ حديثُ الوليدِ ابنِ محمدٍ الموقريَّ - يعني: مقارباً - حتى ظهرَ أبو طاهرٍ المقدسيُّ لا جُزِيَ خيراً)).
قولهُ: (عن زَحْمُويهِ)(6) هوَ زكريا بنُ يحيى بنِ صَبيحٍ - بالفتحِ - الواسطيُّ، أحدُ الثقاتِ، وزحمويهِ لقبهُ، رَوَى عنْ: أبيهِ، وهشيمٍ، وصالحِ بنِ عمرَ، وفرجِ بنِ فضالةَ، وزيادِ البكائي، وغيرِهم. وعنهُ: الحسنُ بنُ سفيانَ، وأبو زرعةَ، وأبو يعلى، وابنُ حبّانَ في " صحيحهِ "، وقالَ في الطبقةِ الرابعةِ من " ثقاتهِ " (7): ((كانَ من
(1) شرح التبصرة والتذكرة 1/ 317.
(2)
8/ 216 - 218.
(3)
في (ف): ((الداري)).
(4)
المجروحين 2/ 241 - 242.
(5)
الكامل 8/ 64.
(6)
شرح التبصرة والتذكرة 1/ 317.
(7)
الثقات 8/ 253.
المتقنينَ في الرواياتِ))، قالَ أسلمُ:((ماتَ سنةَ خمسٍ وثلاثينَ ومئتينِ)) انتهى (1).
وفي الرواةِ ممنْ يقالُ لهُ: زكريا بنُ يحيى عشرةٌ فأكثرُ، متقاربو الطبقةِ، وأشدُّهم التباساً بهذا زكريا بنُ يحيى الكسائيُّ، وممنْ رَوى هذا الحديثَ منَ الضعفاءِ: يوسفُ بنُ عديٍّ، قالَ الدارقطنيُّ في " المؤتلفِ والمختلفِ " (2):((وأمّا غفيرٌ - بالغينِ المعجمةِ - فهوَ الحسنُ بنُ غفيرٍ المصريُّ، منكرُ الحديثِ يروي عنْ يوسفَ بنِ عديٍّ، عنْ شريكٍ، عن الأعمشِ، عنْ أبي سفيانَ، عنْ جابرٍ / 188 أ / رضي الله عنه، عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم: ((منْ كثرتْ صلاتهُ بالليلِ حسنَ وجههُ بالنهارِ))، وهذا حديثٌ باطلٌ، منْ حديثِ يوسفَ بنِ عديٍّ، ويأتي منْ غيرِ يوسفَ بعجائبَ.
قالَ الشيخُ في " النكتِ "(3): ((وقدْ اعترضَ بعضُ المتأخرينَ على (4) المصنفِ بأنّهُ وَجدَ الحديثَ (5) منْ غيرِ روايةِ ثابتِ بنِ موسى، فذكرَ منْ " معجمِ ابنِ جُميعٍ (6) " قالَ: حدّثنا أحمدُ بنُ محمدِ بنِ سعيدٍ الرقيُّ، حدّثنا أبو الحسنِ محمدُ ابنُ هشامِ بنِ الوليدِ، حدّثنا جُبارةُ بنُ المغلّسِ، عنْ كثيرِ بنِ سُليمٍ، عنْ أنسٍ بالحديثِ مرفوعاً، انتهى.
وهذا الاعتراضُ عجيبٌ؛ فإنَّ المصنفَ لمْ يقلْ إنَّهُ لمْ يرو إلَاّ منْ طريقِ ثابتٍ، ومعَ ذَلِكَ فهذه الطريقُ، التي اعترضَ بها هذا المعترضُ، أضعفُ منْ طريقِ ثابتِ بنِ موسى؛ لضعفِ كلٍّ منْ كثيرِ بنِ سُليمٍ، وجُبارةَ بنِ المغلّسِ، ثمَّ قالَ: ولو اعترضَ
(1) انظر في ترجمته: الإكمال 4/ 179، وتبصير المنتبه 2/ 595، ونزهة الألباب 1/ 339.
(2)
المؤتلف والمختلف 3/ 1718.
(3)
التقييد والإيضاح: 133.
(4)
لم ترد في (ف).
(5)
في (ب): ((الحدثين)).
(6)
معجم ابن جميع: 169.
هذا المعترضُ بواحدٍ منْ هؤلاءِ الذينَ تابعوا ثابتَ بنَ موسى عليهِ، كانَ أقلَّ خطأً من اعتراضهِ بطريقِ جُبارةَ، والحديث لهُ طرقٌ كثيرةٌ، جَمَعهَا أبو الفرجِ بنُ الجوزيّ في كتابِ " العلل المتناهيةِ "(1) وبيّنَ ضعفهَا، واللهُ أعلمُ)).
قولهُ: (وَهلةٌ)(2) أي: غفلةٌ، قالَ في " القاموسِ " (3):((وَهِلَ كَفرِحَ: ضعفَ وفزعَ، فهوَ وَهِلٌ، ككتفٍ، ومستوهلٌ، وعنهُ: غَلَطَ فيهِ ونسيهُ، ووهلَ إلى الشيءِ يوهلُ - بفتحها - أي: كوجلَ يوجَلُ، ويهلُ وهلاً: ذهبَ وَهمهُ إليهِ، / 188 ب / وتوهّلهُ: عرَّضهُ؛ لأنْ يغلطَ)).
قولهُ:
239 -
وَيُعْرَفُ الوَضْعُ بِالإقْرَارِ، وَمَا
…
نُزِّلَ مَنْزِلَتَهُ، وَرُبَّمَا
240 -
يُعْرَفُ بِالرِّكَةِ، قُلْتُ: اسْتَشْكَلَا
…
(الثَّبَجِيُّ) القَطْعَ بِالوَضْعِ عَلَى
241 -
ما اعترف الوَاضِعُ، إذْ قَدْ يَكْذِبُ
…
بَلَى نَرُدُّهُ، وَعَنْهُ نُضْرِبُ (4)
قولهُ: (بالإقرارِ وما)(5) قافيتهُ متراكبٌ، ((وربما)) إنْ شددت فالقافيةُ متداركٌ، وإنْ خففَت فهوَ متكاوسٌ، فلو قالَ:((بإقرارٍ وما)) لكانَ أحسنَ؛ لتوافقهِما في المتداركِ، ولو قالَ:((يقومُ في مقامهِ)) لكانَ أخفَّ منْ ((نزلَ منْزلتَهُ))؛ لسلامتهِ من الخبلِ.
قولهُ: (بالركةِ)(6)، قالَ في " القاموسِ " (7): ((الرّكيكُ: كأميرٍ، وغُرابٍ،
(1) لم أجده في " العلل المتناهية "، وهو في الموضوعات 2/ 109 - 111.
(2)
التبصرة والتذكرة (238).
(3)
القاموس المحيط مادة (وهل).
(4)
قال في فتح الباقي (1/ 282): أي نعرض فلا نحتج به. وانظر: لسان العرب، مادة
(ضرب).
(5)
التبصرة والتذكرة (239).
(6)
التبصرة والتذكرة (240).
(7)
القاموس المحيط مادة (ركك).
وغُرابةٍ، والأرَكُّ: الفَسْلُ الضعيفُ في عقلهِ ورأيهِ، أو منْ لا يغارُ، أو من لا يهابُهُ أهلُهُ، وهي (1) ركَاكةٌ ورَكِيكٌ، والجمعُ رِكاكٌ. رَكَّ يَرِكُ رَكاكةً: ضَعُفَ، ورَقَّ. واستَركّهُ: استضعفهُ، والمُرْتَكُّ: منْ تراهُ بليغاً، وإذا خاصمَ عييَ، وقد ارْتَكَّ، ومن الجمالِ: الرّخْوَ المدقوقُ (2)، وارْتَكَّ: ارتجَّ، وفي أمرهِ: شكَّ))، وقالَ في اللامِ (3):((الفَسْلُ: الرّذلُ الذي لا مروءةَ لهُ)) (4) انتهى. فمادةُ ركك كما ترى تدورُ على الضعيفِ.
قولهُ: (الثبجيُّ)(5) قالَ في " القاموسِ "(6): ((الثَّبَجُ - مُحرّكةً - ما بينَ الكاهلِ إلى الظهرِ، ووسطُ الشيءِ، ومُعظمهُ وصدرُ القطا)). ومادتهُ تدورُ على المعظمِ والوسطِ.
قولهُ: (وعنهُ نضربُ)(7) أي: نُعرضُ، منْ أضربَ. قالَ الإمامُ عبدُ الحقِّ في كتابهِ " الواعي ":((وأضربَ فلانٌ عنْ هذا الأمرِ، إذا كفَّ عنهُ، وقدْ ضربَ فلانٌ في عملهِ، أي: أخذَ فيهِ، وضربَ يدهُ إلى كذا، وَضربَ على يدِ فلانٍ، إذا أفسدَ / 189 أ / عليهِ أمراً أخذَ فيهِ (8)، أو أرادهُ))، وقولهُ:{فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ} (9) أي:
(1) جاء في حاشية (أ): ((أي المرأة)).
(2)
في القاموس: ((الممذوق)).
(3)
جاء في حاشية (أ): ((أي في باب اللام)).
(4)
القاموس المحيط مادة (فسل).
(5)
التبصرة والتذكرة (240).
(6)
القاموس المحيط مادة (ثبج).
(7)
التبصرة والتذكرة (241).
(8)
من قوله: ((وضرب يده إلى كذا
…
)) إلى هنا لم يرد في (ب).
(9)
الكهف: 11.
منعناهم السمعَ أنْ يسمعوا، أو المعنى: أنمناهمْ فمنعناهم السمعَ (1)، وقولهُ:{أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحاً} (2) أي: نهملُكم فلا نُعرّفكم ما يجبُ عليكم (3).
قولهُ: (أو ما يتنزلُ منْزلة إقرارهِ)(4) قالَ الشيخُ في " النكتِ "(5):
((هوَ كأنْ يحدّث بحديثٍ عن شيخٍ، ثمَّ يُسألُ عنْ مولدهِ، فيذكرَ تأريخاً، يُعلمُ وفاةُ ذلكَ الشيخِ قبلهُ، ولا يوجدُ ذَلِكَ الحديثُ إلاّ عنده (6)، فهذا لم يعترفْ بوضعهِ، ولكنَّ (7) اعترافهُ بوقتِ مولدهِ يتنزلُ منْزلةَ إقرارهِ بالوضعِ؛ لأنَّ ذَلِكَ الحديثَ لا يعرفُ إلَاّ عندَ ذَلِكَ الشيخِ، ولا يُعرفُ إلَاّ بروايةِ هذا الذي حدّثَ بهِ، واللهُ أعلمُ)).
قولهُ: (ركاكةُ ألفاظِها ومعانيها)(8) قالَ شيخُنا: ((إنما المدارُ على المعنى، فحيثُ ما وُجِدَتْ ركاكتُهُ، دلَّ على الوضعِ، سواءٌ كانَ وحدهُ، أو انضمتْ إليهِ ركاكةُ اللفظِ؛ فإنَّ هذا الدينَ كلَّهُ محاسنٌ، والركةُ ترجعُ إلى الرداءةِ؛ فإذن بينها وبينَ مقاصدِ الدّينِ مباينةٌ، قالَ: وركاكةُ اللفظِ لا تدلُّ على ذَلِكَ؛ لاحتمالِ أنْ يكونَ الراوي رواهُ بالمعنى، فغيَّر ألفاظهُ بألفاظٍ غيرِ فصيحةٍ، منْ غيرِ أنْ يُخلَّ بالمعنى، نَعَم. إنْ صرَّحَ بأنَّ هذا لفظُ النّبيِّ صلى الله عليه وسلم فهوَ كاذبٌ، واللهُ أعلمُ)).
قولهُ: (تعرفُهُ)(9) الضميرُ المستترُ فيهِ / 189 ب / يعودُ على الضوءِ، وهو مُشدّدٌ
(1) انظر: تفسير البغوي 3/ 182.
(2)
الزخرف: 5.
(3)
انظر: تفسير البغوي 4/ 154.
(4)
شرح التبصرة والتذكرة 1/ 318.
(5)
التقييد والإيضاح: 132.
(6)
عبارة: ((إلاّ عنده)) لم ترد في (أ) و (ب)، وهي من (ف).
(7)
في (ب): ((لكن)) بدون واو.
(8)
شرح التبصرة والتذكرة 1/ 318.
(9)
شرح التبصرة والتذكرة 1/ 318.
من التعريفِ، أي: يجعلهُ ذَلِكَ الضوءُ معروفاً، وكذا ضميرُ ((تُنْكِرُهُ)) يعودُ إلى الظلمةِ، أي: تجعلهُ تلكَ الظلمةُ نكرةً لا يُعرفُ.
قولهُ: (الطالب للعلمِ)(1) أي: الكثير المخالطة (2) لأنفاسِ الرسولِ صلى الله عليه وسلم، المتمكن منَ السندِ، الشديد الممارسةِ للشريعةِ، العارف بالمقبولِ منَ المردودِ، لا كلُّ طالبٍ، وعنْ خطِّ شيخِنا: مما يدخلُ في قرينةِ حالِ المرويِّ ما نقلَ عنِ الخطيبِ، عنْ أبي بكرِ بنِ الطيبِ: أنَّ من جملةِ دلائلِ الوضعِ أنْ يكونَ مخالفاً لقضيةِ العقلِ، بحيثُ لا يقبلُ التأويلَ، ويلتحقُ بهِ: ما يدفعهُ الحسُّ والمشاهدةُ، أو يكونَ منافياً لدلالةِ الكتابِ القطعيةِ، أو السنةِ المتواترةِ، أو الإجماعِ القطعيِّ. أمّا المعارضةُ الظاهرةُ معَ إمكانِ الجمعِ فلا، ومنها: ما يُصرحُ بتكذيبِ روايةِ جمعِ التواترِ، ومنها: أنْ يكونَ خبراً عنْ أمرٍ جسيمٍ، تتوفرُ الدواعي على نقلهِ، لمحضرِ العددِ الجمِّ، ثمَّ لا ينقلُهُ منهمْ إلَاّ واحدٌ، ومنها: الإفراطُ بالوعيدِ الشديدِ على الأمرِ الصغيرِ، أو الوعدِ العظيمِ على الفعلِ الحقيرِ، وهذا كثيرٌ في حديثِ القصاصِ، انتهى. وهو يرجعُ إلى رَكاكةِ المعنى.
قولهُ: (وقد استشكلَ .. )(3) إلى آخرهِ، لمْ يستشكل ابنُ دقيقِ العيدِ الاعتمادَ؛ لأنَّ القطعياتِ لاتشترطُ في الحكمِ، وإنما بينَ الواقعِ في نفسِ الأمرِ، وهو أنَّهُ لا ملازمةَ بينَ الوضعِ في نفسِ الأمرِ والإخبارِ بهِ، بلْ قدْ يكونُ موضوعاً / 190 أ / ولا يُخبرُ بهِ، وقدْ يُخبرُ بهِ ولا يكونُ موضوعاً. فهوَ (4) إنّما نَفَى القطعَ بإقرارهِ بكونهِ موضوعاً، وهو كذلكَ، واعترافهُ بذلكَ يوجبُ فسقهُ، وفسقُهُ لا يمنعُ العملَ بموجبِ
(1) شرح التبصرة والتذكرة 1/ 318.
(2)
في (ب): ((المحافظة)).
(3)
التبصرة والتذكرة (240).
(4)
جاء في حاشية (أ): ((أي: ابن دقيق العيد)).
إقرارهِ كالقاتلِ عمداً، فإنَّهُ يفسقُ، إمّا لقتلهِ الثابتِ بإقرارهِ إنْ كانَ صادقاً، وإمّا بكذبهِ في إقرارهِ.
وإمّا الردُّ (1)، فقد صرّحَ ابنُ دقيقِ العيدِ بأنَّهُ لا بد منهُ، وهذا كما تقدم في الصحيحِ، في شرحِ قولهِ:((وبالصحيحِ والضعيفِ قصدوا في ظاهر)) منْ (2) أنَّهُ يحكمُ عليهِ بالصحةِ، ويجبُ قبولهُ والعملُ بهِ، ولا يفيدُ الحكمُ بذلكَ القطعَ بصحتهِ، هذا معَ التجرّدِ عن القرائنِ، أمّا إذا انضمَ إلى ذَلِكَ قرائنُ تدلُّ على ما أقرَّ بهِ قطعَ، كقصةِ الجويباري (3) في سماعِ الحسنِ منْ أبي هريرةَ.
قالَ شيخُنا: ((وقدْ كانَ الشيخُ عَبَّرَ في النظمِ أولاً ((بالحكمِ))، فلما قرأنا ذَلِكَ عليهِ غيّرَ ((الحكمَ)) ((بالقطعِ))، فكأنَّهُ غيرَّ النظمَ ولمْ يُغيّرِ الشرحَ.
قلت: وكانَ ينبغي أيضاً تغييرُ قولهِ في النظمِ ((استشكل))، فإنَّهُ لم يستشكلْ بل أوضحَ موضعَ الحكمِ، فلو قالَ بدلها:((استرذلا)) لزال المحذور.
(1) جاء في حاشية (أ): ((أي: رد الحديث)).
(2)
في (ب): ((أي)).
(3)
هو أحمد بن عبد الله بن خالد بن موسى، أبو علي الجويباري، من أهل هراة، قال فيه ابن حبان:((دجّال من الدّجاجلة كذاب)).
انظر: المجروحين 1/ 142، وميزان الاعتدال 1/ 106 (421).