الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قولهُ:
القِسْمُ الثَّانِي: الْحَسَنُ
(1)
50 -
وَالحَسَنُ المَعْرُوْفُ مَخْرَجاً وَقَدْ
…
اشْتَهَرَتْ رِجَالُهُ بِذَاكَ حَدْ
51 -
(حَمْدٌ) وَقَالَ (التّرمِذِيُّ): مَا سَلِمْ
…
مِنَ الشُّذُوْذِ مَعَ رَاوٍ مَا اتُّهِمْ
52 -
بِكَذِبٍ وَلَمْ يَكُنْ فَرْداً وَرَدْ
…
قُلْتُ: وَقَدْ حَسَّنَ بَعْضَ مَا انفَرَدْ
53 -
وَقِيْلَ: مَا ضَعْفٌ قَرِيْبٌ مُحْتَمَلْ
…
فِيْهِ، وَمَا بِكُلِّ ذَا حَدٌّ حَصَلْ
قوله: (اختلفَ أقوالُ أئمةِ الحديثِ)(2) غيرُ مُسلَّمٍ، فليسَ (3) بينَ أقوالهمِ اختلافٌ، فإنَّ الخطابيَ والترمذيَّ ما تواردا على شيءٍ واحدٍ، بل كلٌّ منهما عرَّفَ نوعاً منهُ (4)، وأما ابنُ الجوزي فالظاهرُ أنَّهُ لم يردِ الحدَّ، وإنما أرادَ الوصفَ بصفةٍ
(1) انظر في الحسن:
معرفة أنواع علم الحديث: 99، وإرشاد طلاب الحقائق 1/ 137 - 152، والتقريب: 42 - 49، والاقتراح: 191، ورسوم التحديث: 61، والمنهل الروي: 35، والخلاصة: 38، والموقظة: 26، واختصار علوم الحديث 1/ 129 وبتحقيقي: 96، والشذا الفياح 1/ 106، والمقنع 1/ 83، ومحاسن الاصطلاح: 33، وشرح التبصرة والتذكرة 1/ 149، وتنقيح الأنظار: 64، ونزهة النظر: 46، والمختصر: 73، وفتح المغيث 1/ 61، وألفية السيوطي: 15 - 19، والبحر الذي زخر 3/ 950، وشرح السيوطي على ألفية العراقي: 45، وفتح الباقي 1/ 142، وتوضيح الأفكار 1/ 154، وظفر الأماني: 174، وشرح شرح نخبة الفكر: 293، واليواقيت والدرر 1/ 388، وقواعد التحديث: 105، ولمحات في أصول الحديث:158.
(2)
شرح التبصرة والتذكرة 1/ 151.
(3)
لم ترد في (ك).
(4)
انظر: نكت ابن حجر 1/ 387، وبتحقيقي:185.
تقربُ الحسنَ منَ التمييزِ، ورسم الخطابيُّ (حمدٌ)(1) بغيرِ ألفٍ وغلطَ كثيرونَ فقالوهُ (أحمدُ) بألفٍ، وحدُّ الخطابيِّ واقعٌ على الحسنِ لذاتهِ (2).
قوله: (ما عرف مخرجه)(3)، أي: رجالهُ الذينَ يدورُ عليهم، فكلُّ واحدٍ من رجالِ السندِ مخرجٌ خرجَ منه الحديثُ.
وقولهُ: (وعليهِ مدارُ)(4) إلى آخرهِ، كلامٌ كاشفٌ، لا أنَّهُ داخلٌ في الحدِّ قال الشيخُ في " النكتِ ":((ما حكاهُ من صيغةِ كلامِ الخطابيِّ قدِ اعترضَ عليهِ فيهِ الحافظُ أبو عبدِ اللهِ محمدُ بنُ عمرَ بنِ رشيدٍ فيما حكاهُ الحافظُ أبو الفتحِ اليعمريُّ في "شرحِ الترمذيِّ" (5) / 59ب / فقالَ: إنَّهُ رآهُ بخطِّ الحافظِ أبي عليٍّ الجياني ما عُرفَ مخرجُهُ واستقرَ حالهُ، أي: بالسينِ المهملةِ، وبالقافِ، وبالحاءِ المهملةِ، دونَ راءٍ في أولهِ. قال ابنُ رشيدٍ: وأنا بخطِّ الجيانيِّ عارفٌ (6))). انتهى.
قال الشيخُ: ((وما اعترضَ بهِ ابنُ رشيدٍ مردودٌ، فإنَّ الخطابيَّ قد قالَ ذلكَ في خطبةِ كتابه "معالمِ السننِ" (7)، وهوَ في النسخِ الصحيحةِ المسموعةِ، كما ذكرَ المصنِّفُ. ((واشتهرَ رجالهُ))، وليسَ لقولهِ:((واستقرَ حالهُ)) كبيرُ معنىً، واللهُ أعلمُ)) (8)(9).
(1) التبصرة والتذكرة (51).
(2)
جاء في حاشية (أ): ((والترمذي عرف الحسن لغيره)) انظر: نكت ابن حجر 1/ 387 وبتحقيقي: 185 - 186.
(3)
شرح التبصرة والتذكرة 1/ 151.
(4)
شرح التبصرة والتذكرة 1/ 152.
(5)
النفح الشذي 1/ 267.
(6)
التقييد والإيضاح: 43.
(7)
معالم السنن 1/ 6.
(8)
من قوله: ((قال الشيخ في النكت
…
)) إلى هنا لم يرد في (ك).
(9)
التقييد والإيضاح: 44.
قوله: (بعض المتأخرينَ)(1) إنما عزاهُ، ولم يجزمْ بهِ من عندِ نفسهِ، لتخصيصِ هذا المتأخرِ الاحتراز بهذينِ النوعينِ، وينبغي تعميمُ الاحترازِ في كلِّ مالم يتصل سندهُ، ويمكنُ الاعتناءُ بهذا المتأخرِ، فيعممُ كلامهُ بأنْ يقالَ: إنَّهُ لم يردّ بالانقطاعِ معناهُ الاصطلاحيَّ، بل أرادَ كلَّ خللٍ ظاهرٍ في السندِ من جهةِ الاتصالِ، وأرادَ بالتدليسِ كلَّ خللٍ خفيِّ من تلكَ الجهةِ، فالمنقطعُ لم يعرف مخرجهُ؛ لأنَّ موضعَ الانقطاعِ لم يعرفِ الراوي الساقطَ منهُ، الذي خرجَ عنه الحديثُ.
قوله: (قبل أن يتبينَ تدليسه)(2) هو مصدرٌ، مرادٌ بهِ اسمُ المفعولِ، أي: قبلَ أن يتبينَ مُدلَّسُهُ (3)، أي: الراوي الذي دَلّسَ المدلِسُ ذلكَ الحديثَ عنه، فإذا تبيّنَ أنَّهُ لم يسمع من ذلكَ الذي عنعنهُ عنه، وصرّحَ بالواسطةِ، فقد تبيّنَ تدليسُه، وإذا بينَ الواسطةَ اعتبرناها، فإن أبرزَها بالعنعنةِ أيضاً، كان كأنَّهُ لم يبيّنْ، فيوقفُ حتى يبينَ السماعَ، وإنْ أبرزَها بصيغةٍ من صيغِ السماعِ، فيعتبرُ حالُ الواسطةِ / 60 أ / في الشهرةِ بالصدقِ، وعدمها.
قولهُ: (وأيضاً فالصحيحُ قد عرفَ مخرجه
…
) (4) إلى آخره.
قال شيخُنا: ((يعتنى بالخطابيِّ، فيقالُ: الحيثيةُ هنا مرعيةٌ؛ لأنَّهُ قد عرفَ الصحيحَ والضعيفَ، فينْزلُ حدَّ الحسنِ على مالم يكن ذكرهُ في حدِّ واحدٍ منهما، وهوَ الأمرُ المتوسطُ بينهما فـ ((عرفَ مخرجهُ)) بمعنى: لم يفقد سندُهُ الاتصالَ ظاهراً، كالانقطاعِ، والإرسالِ، ونحوهما، ولا خفياً، كالتدليسِ، ((واشتهرَ رجالهُ)) يعني: بالصفاتِ المتوسطةِ بينَ صفاتِ الصحيحِ والضعيفِ، فلا يشترطُ أنْ يبلغوا
(1) شرح التبصرة والتذكرة 1/ 152.
(2)
شرح التبصرة والتذكرة 1/ 152.
(3)
جاء في حاشية (أ): ((أي: الشخص)).
(4)
شرح التبصرة والتذكرة 1/ 152، وهو كلام ابن دقيق العيد في الاقتراح:191.
الاتقانَ المشروطَ في رواة الصحيحِ، بل يكونُ إتقانُهم دونَ ذلكَ، ولا ينْزلونَ في خفةِ الضبطِ إلى القدرِ الموصلِ إلى الضعيفِ. وذكرَ الشيخُ في " النكت " (1) أنَّ قولَ الخطابيِّ:((ما عرفَ مخرجه)) كقولِ الترمذيِّ: ((ويُروَى نحوه من غيرِ وجهٍ)). وقول الخطابيِّ: ((اشتهرَ رجالهُ)) يعني بالسلامةِ من وصمةِ الكذبِ، هوَ كقولِ الترمذيِّ:((ولا يكونُ في إسناده مَن يُتهمُ بالكذبِ))، وزادَ الترمذيُّ:((ولايكونُ شاذاً)).
ولا حاجةَ إلى ذكرهِ؛ لأنَّ الشاذَّ ينافي عرفانَ المخرجِ، فكأنَّهُ كررهُ بلفظٍ متباينٍ، فلا إشكالَ فيما قالاه. ثم اعترضَ (2) عليهِ بأنَّ كلامَ الخطابيِّ لا يدلُّ على ما قالهُ أصلاً، وأنَّ ما رآهُ (3) في كلامِ بعضِ الفضلاءِ (4) بأنَّهُ احترازٌ عن المرسلِ ونحوهِ أحسنُ؛ لأنَّ المرسلَ الذي سَقطَ بعضُ إسناده، وكذا المدلَّسُ الذي سقطَ منهُ بعضهُ، لا يعرفُ فيهما مخرجُ الحديثِ؛ لأنَّهُ لا يُدرَى مَن سَقطَ من إسنادهِ، بخلافِ مَن أبرزَ جميعَ رجالهِ، فقد عرفَ مخرج الحديثِ من أينَ؟)) (5).
انتهى. / 60ب /.
قلتُ: وقد يُروَى الحديثُ من وجوهٍ كثيرةٍ متباينةٍ، ويكونُ في كلٍ منها سَقطٌ، فتكونُ مجهولةَ المخرجِ.
وقولهُ: (إنَّ الشاذَّ ينافي عرفانَ المخرجِ)(6) ممنوعٌ، فإنَّه ما يخالفُ الثقةُ فيهِ مَن هوَ أوثقُ منهُ، فقد عرفَ مخرجهُ، وقد يكونُ راويهِ متعدداً، ويخالفهم مَن هوَ في
(1) التقييد والإيضاح: 44.
(2)
جاء في حاشية (أ): ((أي: ابن حجر)) والاعتراض للعراقي.
(3)
كتب ناسخ (أ) تحتها: ((أي: العراقي)).
(4)
جاء في حاشية (أ): ((وهو المعبر عنه في الشرح ببعض المتأخرين)).
(5)
التقييد والإيضاح: 44.
(6)
شرح التبصرة والتذكرة 1/ 152 بالمعنى.
مثلِ عددهم، وهم أوثقُ منهم، واللهُ أعلمُ. (1)
قولهُ: (أي: ابن دقيقِ العيدِ ذكرَ من بعد)(2) إلى آخره. هذا اعتراضٌ على بحثه الثاني، وهو قولهُ:(وأيضاً فالصحيحُ)(3) إلى آخرهِ.
قالَ شيخُنا: ((والجوابُ عنِ ابنِ دقيقِ العيدِ: أنَّهُ إنما ذكرَ هذا البحثَ وهو قوله: إنَّ الصحيحَ أخصُّ استطراداً، وجواباً عن جمعِ الترمذيِّ وصفي الصحةِ والحُسْنِ لحديثٍ واحدٍ، فذكرَ لذلكَ احتمالاتٍ يصححُ بها كلامهُ منها العمومُ والخصوصُ.
وأما مناقشتهُ للخطابيِّ ففي بابِ الحسنِ. والقاعدةُ: أنَّ ما ذكرَ بحثاً لا يلزمُ الباحث اختيارهُ، وأن ما ذكر في بابهِ هوَ المعتمدُ؛ فالحاصلُ: أنَّهُ لا ينسبُ إليهِ (4) تناقضٌ)) (5).
قولهُ: (مُخِلٌّ للحدِّ)(6) صحيحٌ إلا عندَ التجوزِ، وهو حاصلٌ هنا، فالصحيحُ إنما يطلق عليهِ الحسنُ مجازاً باعتبارِ ما كانَ؛ لأنَّ مطلقَ الضبطِ مشترطٌ فيهِ وفي الحسنِ، ثمَّ يشترطُ في الصحيحِ تمامَ ضبطِ راويهِ، فإذا أطلقَ عليهِ ((الحسنُ)) فبالنظر إليهِ باعتبارِ مطلقِ الضبطِ، ووجودُ الدرجةِ الدنيا، لا ينافي الدرجةَ العليا، كما سيأتي عند قوله:((كلُّ صحيحٍ حسنٌ، لا ينعكسُ)) وإنْ لم يُرْعَ فيهِ المجاز، فهوَ مباينٌ للحسنِ؛ لأنَّ الضبطَ المشترطَ فيهِ غيرُ الضبطِ المشترطِ في الحسنِ، فليسَ نسبتهُ منَ الحسنِ، كنسبةِ الإنسانِ من مطلقِ الحيوانِ؛ لأنَّ القدرَ الجامعَ بينهما / 61أ / - وهوَ
(1) من قوله: ((وذكر الشيخ في النكت .... )) إلى هنا لم يرد في (ك).
(2)
شرح التبصرة والتذكرة 1/ 152.
(3)
شرح التبصرة والتذكرة 1/ 152.
(4)
كتب ناسخ (أ) تحتها: ((أي ابن دقيق العيد)).
(5)
انظر: الاقتراح: 194.
(6)
شرح التبصرة والتذكرة 1/ 152.
الحياةُ - موجودٌ في كلٍّ من الإنسانِ والفرسِ مثلاً، على حدٍ سواءٍ، لا كذلكَ الضبطُ الذي في الصحيحِ والحسنِ، والقولُ فيهما كالقولِ في الواجبِ والمباحِ، فكما أنَّ منْ قالَ: إنَّ المباحَ جنسٌ للواجبِ، يقالُ له: يلزمكَ أنْ تقولَ: إنَّ النوعَ - وهوَ الواجبُ - يستلزمُ التخييرَ في فعلهِ وتركهِ، فكذلكَ يلزمُ من قالَ: إنَّ الحسنَ جنسٌ للصحيحِ، أنْ يقولَ: إنَّ النوعَ - وهو الصحيحُ --يستلزمُ وجودَ خفةِ الضبطِ في راويهِ، وكما أنَّهُ لما قالَ:((هما مأذون في فعلهما واختصَّ الواجبُ بقيدٍ زائدٍ وهو أنَّهُ ممنوعٌ من تركهِ)) رُدَّ عليهِ: بأنَّهُ تَرَكَ فصلَ المباحِ، وهوَ أنَّهُ مأذونٌ في تركهِ، فكذلكَ من جعلَ الحسنَ جنساً للصحيحِ؛ لأنهما يشترطُ في راويهما الضبطُ. واختصَّ الصحيح باشتراطِ مزيدِ الضبطِ في الراوي، يردُ عليهِ: بأنَّهُ تركَ فصلَ الحسنِ، وهو اشتراطُ قصورِ ضبطِ راويهِ عن ضبطِ الصحيحِ، وكما أنَّ الواجبَ والمباحَ نوعانِ تحتَ الحكمِ، فكذلكَ الصحيحُ والحسنُ نوعانِ للمقبولِ، فإنَّهُ يشملهما؛ لأنَّهُ خبرٌ متصلُ السندِ بنقلِ عدلٍ ضابطٍ عن مثلهِ، أو عدولٍ يعضدُ بعضُهم بعضاً، غير شاذٍ ولا معللٍ، واللهُ أعلمُ.
قال شيخنا: ((والترمذيُّ عرَّفَ الحسنَ لغيرهِ، وادّعاءُ ابنِ المواقِ (1) أنَّهُ لم يميزْ ممنوعٌ، فإنهُ ميّزهُ بشيئينِ: أحدهما: أنْ يكونَ راويهِ قاصراً عن درجةِ راوي
(1) وهو محمد بن يحيى بن أبي بكر، أبو عبد الله بن المواق، مراكشي قال ابن عبد الملك:((كان فقيهاً، حافظاً، مقيداً، ضابطاً، متقناً، ناقداً، محققاً))، وهو تلميذ ابن القطان، له كتاب
" بغية النقاد "، و" شيوخ الدارقطني "، و" شرح مقدمة مسلم " توفي سنة (648 هـ).
وقد وهم صاحب كشف الظنون فخلط بين ابن المواق هذا، وابن مواق آخر اسمه:
…
محمد بن يوسف المتوفى سنة (897 هـ)، وهو شارح مختصر الخليل المسمى " التاج
والإكليل ". انظر: نيل الابتهاج: 324، وكشف الظنون 1/ 251، والإعلام بمن حل مراكش وأغمات من الأعلام 4/ 231.
وقد ذكر ابن سيد الناس كلام ابن المواق في كتابه النفح الشذي 1/ 289.
الصحيحِ، بل عن درجةِ راوي الحسنِ لذاته، وهو أنْ يكونَ غيرَ متهمٍ بالكذبِ، فيدخلَ فيهِ المستورُ والمجهولُ، ونحو ذلكَ. وراوي الصحيحِ لا بدَّ وأنْ يكونَ ثقةً، وراوي الحسنِ لذاتهِ لا بدَّ وأنْ يكونَ / 61 ب / موصوفاً بالضبطِ، ولا يكفي كونهُ غيرَ متهمٍ بالكذبِ، وقد ذكرَ هذا ابنُ المواقِ في نفسِ اعتراضهِ بقولهِ: بل ثقاتٍ، ولم يُتنبهْ له، فإنَّ الترمذيَّ لم يعدلْ عن قوله:((ثقات)) وهي كلمةٌ واحدة إلى قولهِ: ((لا يكونُ في إسنادهِ من يتهمُ بالكذبِ)) إلا لإرادةِ قصورِ رواتهِ عن وصفِ الثقةِ، كما هي عادةُ البلغاءِ في المخاطباتِ.
والثاني: أنْ يُروَى من غيرِ وجهٍ نحوَهُ، وهذا الذي استدركهُ عليهِ ابنُ سيدِ الناسِ (1).
قولهُ: (قال أبو عيسى الترمذيُّ)(2) لم يبينِ ابنُ الصلاحِ من أينَ نقلَ هذا، فاعترضَ عليهِ الحافظ عمادُ الدينِ بنُ كثيرٍ فقالَ - كما حكاه الشيخُ عنهُ في " النكتِ "- (3):((هذا إنْ كانَ قد رُويَ عنِ الترمذيِّ أنَّهُ قالهُ، ففي أي كتابٍ له قاله؟ وأين إسنادهُ عنهُ؟ وإنْ كانَ فُهمَ من اصطلاحهِ في كتابهِ "الجامعِ"، فليسَ ذلكَ بصحيحٍ! فإنَّه يقولُ في كثيرٍ منَ الأحاديثِ: هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ لا نعرفهُ إلا من هذا الوجهِ)) (4). قال الشيخُ: ((وهذا الإنكارُ عجيبٌ، فإنَّهُ في آخرِ "العللِ" (5) التي في آخرِ "الجامعِ"، وهيَ داخلةٌ في سماعنا، وسماعِ المنكرِ لذلكَ، وسماعِ الناسِ. نَعَم، ليست في رواية كثيرٍ من المغاربةِ، فإنَّهُ وقعت لهم روايةُ المباركِ ابنِ
(1) النفح الشذي 1/ 291.
(2)
شرح التبصرة والتذكرة 1/ 152.
(3)
التقييد والإيضاح: 45.
(4)
اختصار علوم الحديث 1/ 130، وبتحقيقي: 97 - 98.
(5)
العلل آخر الجامع 6/ 251 وعبارته: ((كل حديث يروى لا يكون في إسناده من يتهم بالكذب، ولا يكون الحديث شاذاً، ويروى من غير وجه نحو ذلك، فهو عندنا حديث حسن)).
عبدِ الجبارِ الصيرفيِّ (1)، وليست في روايتهِ عن أبي يعلى أحمدَ بنِ عبدِ الواحدِ (2)، وليست في روايةِ أبي يعلى عن أبي علي (3) السنجيِّ (4)، وليست في روايةِ أبي عليٍّ، عن أبي العباسِ المحبوبيِّ (5) صاحبِ الترمذيِّ، ولكنها في روايةِ عبدِ الجبارِ بنِ محمدٍ الجراحي (6)، عن المحبوبيِّ، ثمَّ اتصلت عنهُ بالسماعِ إلى زماننا لمصرَ والشامِ، وغيرهما منَ البلادِ الإسلاميةِ /62أ / ولكنِ استشكلَ أبو الفتحِ اليعمريُّ في " شرحِ الترمذيِّ " أنَّهُ لو قالَ قائلٌ: إنَّ هذا إنما اصطلحَ عليهِ الترمذيُّ (7)، كون هذا
(1) وهو أبو الحسين المبارك بن عبد الجبار بن أحمد بن القاسم بن أحمد بن عبد الله البغدادي الصيرفي توفي سنة (500 هـ).
انظر: سير أعلام النبلاء 19/ 213، وشذرات الذهب 3/ 412.
(2)
وهو أحمد بن عبد الواحد بن محمد بن جعفر بن أحمد بن جعفر أبو يعلى المعروف بابن زوج الحرة توفي سنة (438 هـ).
انظر: تاريخ بغداد 4/ 270، وتاريخ الإسلام وفيات (438):456.
(3)
((علي)) لم ترد في (ف).
(4)
وهو أبو علي الحسن بن محمد بن أحمد بن شعبة السنجي ورد بغداد وحدث بجامع الترمذي عن أبي العباس المحبوبي وسمع منه أبو يعلى أحمد بن عبد الواحد.
انظر: تاريخ بغداد 7/ 423، والأنساب 3/ 66.
(5)
وهو الإمام المحدث محمد بن أحمد بن محبوب بن فضيل المحبوبي، أبو العباس المروزي راوي جامع أبي عيسى الترمذي. توفي سنة (346 هـ).
انظر: الأنساب 4/ 241، وسير أعلام النبلاء 15/ 537.
(6)
وهو الشيخ الصالح أبو محمد عبد الجبار بن محمد بن عبد الله بن محمد بن أبي الجراح بن الجنيد ابن هشام المرزباني الجراحي المروزي. توفي سنة (412 هـ). وهو راوي كتاب أبي عيسى الترمذي عن صاحبه المحبوبي.
انظر: الأنساب 1/ 397، وسير أعلام النبلاء 17/ 257.
(7)
من قوله: ((في شرح الترمذي)) إلى هنا لم يرد في (ف).
الحدِّ الذي ذكرهُ الترمذيُّ اصطلاحاً عاماً لأهل الحديثِ
…
ثم سَاقَ عِبارتَه، ثمَّ قالَ: فقَيَّدَ التِرمذيُّ تَفسيرَ الحَسنِ بما ذَكرهُ في كتَابِ " الجَامعِ "، فَلذلكَ قَال أبو الفَتحِ اليَعمريُّ في " شَرحِ التِرمذيِّ " (1): إنَّهُ لو قَال قائَلٌ: إنَّ هَذا إنمَا اصطَلحَ عليهِ التِرمذيُّ في كتَابِه هَذا، ولَم يَنقلْهُ اصطِلاحاً عَاماً، كانَ لَه ذلِكَ))؛ فَعلى هَذا لا يُنقَلُ عَنِ التِرمذيِّ حدُّ الحَديثِ الحسَنِ بذلِكَ مُطلقاً في الاصطلاحِ العَام (2))) (3). وبخَطِّ بَعضِ أصحَابِنا أَنَّ شَيخَنا أَفادَ أَنَّ هذا الاصطلاحَ لبَعضِ مشَايخِ التِرمذيِّ.
قَولهُ: (ابن المواقِ)(4)، أي: في كتَابهِ " بغيَةِ النُّقادِ "(5)(6).
قَولهُ: (صِفةٌ لا تَخصُّ هَذا القِسمَ)(7)، أي: الحَسنَ مِن حَيثُ هوَ حَسنٌ، لا (8) يخصُّ هَذا القِسمَ الذي اندَرجَ تحتَ حَدِّ التِرمذيِّ.
(1) النفح الشذي 1/ 205، وانظر تعليق الدكتور أحمد معبد عليه فإنه في غاية النفاسة.
(2)
جاء في حاشية (أ): ((بل مخصصاً له بالحسن لغيره)).
(3)
التقييد والإيضاح: 45.
(4)
شرح التبصرة والتذكرة 1/ 152.
(5)
قال الدكتور أحمد معبد عبد الكريم في تعليقه على كتاب النفح الشذي: ((كتاب له تعقب فيه كتاب " بيان الوهم والإيهام " لشيخه ابن القطان، ويسمى كتابه " بغية النقاد فيما أخل به كتاب البيان أو أغفله أو ألم به فما تمَّمه وأكمله " وللجزء الأول من هذا الكتاب نسخة ((ميكروفيلمية)) بمكتبة الحرم المكي برقم 51 حديث .... وقد اطلعت على صورة الكتاب فوجدته ناقصاً من أوله ولم أستطع تحديد مقدار النقص، لكنه عموماً ليس قليلاً، ومنه نسخة بدير الإسكوريال بإسبانيا تحت رقم (1749) يبدو أن نسخة الحرم المكي مصورة عنها)).
(6)
من قوله: ((قوله: قال أبو عيسى الترمذي
…
)) إلى هنا لم يرد في (ك).
(7)
شرح التبصرة والتذكرة 1/ 153.
(8)
((لا)) لم ترد في (أ).
قَولهُ: (وَلم يُشتَرط ذلِكَ في الصَحيحِ)(1) قَال الشَيخُ في " النُكتِ ": ((هَكذا اعتَرضَ أبو الفَتحِ عَلى ابنِ المواقِ بهذا في مُقدمَةِ شَرحِ الترمذيِّ (2)، ثُم خالفَ ذلكَ في أثناءِ الشَرحِ عِندَ حَديثِ عَائشةَ رضي الله عنها كَانَ رَسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:((إذا خَرجَ مِنَ الخَلاءِ (3))) (4).
قَولُهُ: (فَتأملْهُ)(5) حَصلَ التَأمُّلُ، وَظهَر أَنَّ ابنَ سَيِّدِ النَّاسِ فَهِمَ مُرادَ التِرمذيِّ، وأَنَّهُ يشتَرِطُ في الحَسَنِ الذِي اعترضَ ابنُ المواقِ على حَدِّ مَجيئِهِ من وَجهٍ آخَرَ، وَهوَ الحَسنُ لِغيرهِ، وهوَ الذي يَقولُ فِيهِ التِرمذِيُّ:((حَديثٌ حسَنٌ)) مِن غَيرِ وَصفٍ آخرَ، وَلا يشتَرِطُ ذَلِكَ في الحَسنِ لذاتِهِ، وَهو الذِي قَد يَصفهُ بكونِه صَحيحَاً، وبكونِه غَرِيباً، وَنحو ذلكَ، وَاللهُ أعلمُ.
(1) شرح التبصرة والتذكرة 1/ 153، وانظر النفح الشذي 1/ 291.
(2)
النفح الشذي 1/ 291.
(3)
من قوله: ((قوله: ولم يشترط ذلك
…
)) إلى هنا لم يرد في (ك).
(4)
التقييد والإيضاح: 61، والحديث في جامع الترمذي (7).
وأخرجه أيضاً: ابن أبي شيبة (7)، وأحمد 6/ 155، والدارمي (686)، والبخاري في " الأدب المفرد "(693)، وأبو داود (30)، وابن ماجه (300)، والنسائي في " الكبرى "(9907) وفي " عمل اليوم والليلة "، له (76)، وابن خزيمة (90)، وابن الجارود (42)، وابن حبان (1444)، والحاكم 1/ 158، والبيهقي 1/ 97، والبغوي (188).
وفي خصوص الكلام عن الحديث، وصنيع اليعمري، انظر تفصيل تحقيق محقق النفح الشذي 1/ 292 - 293.
(5)
شرح التبصرة والتذكرة 1/ 153.
قَولهُ: (وَهوَ إيرادٌ على التِرمذيِّ)(1) إلى آخرِهِ / 62ب/ جَوابُ ابنِ سَيّدِ النَّاسِ هوَ المعتَمدُ، فإنَّهُ إذا حَسَّنَ الفردَ، أرادَ الحسَنَ لذاتِهِ، وإذا حَسَّنَ المعتضد فَإنما حَسنهُ لمجمُوعِ الطُرقِ، فَهوَ الحسَنُ لغيرِه. حَديثُ ((إذا خَرجَ مِنَ الخَلاءِ)) أخرجه مَع التِرمذِيِّ أصحَابُ السُننِ الثَلاثَةِ (2).
قَولُهُ: (وأجَابَ أبو الفَتحِ)(3)، أي: في شَرحهِ للتِرمذيِّ، وقال:((الغَريبُ على أقَسامٍ: غَريبٌ سَنداً وَمتنَاً، وَمتناً لا سَنداً، وسنَداً لا متناً، وغريبُ (4) بَعضِ السَندِ فَقط، وغريبُ بَعضِ المتنِ فَقط، وكلُّها قد ترتقي إلى درجةِ الصحَةِ - إنْ نَهضَ (5) راويهَا بما حمَل - أو تنحطُّ عَن ذلكَ بحَسبِ انحطاطِهِ، وَليسَ فِيهَا مَا يقبل الحسنَ منفرِداً بهِ (6) إلا الغَريبُ سَنداً، لا متناً، إذا سَلِمَ راويهِ منَ الانحطاطِ عَن درجِة الحَسنِ، وَسَواءٌ قُيدَتْ غَرابتهُ بَراوٍ مُعينٍ، كَقولهِ: غَريبٌ مِن حَديثِ فلانٍ عن فلانٍ، لا نعرفهُ إلا مِن هَذا الوَجهِ، أو لَم يقيدْ)) - أي: فإنَّ المتنَ يَكونُ قَد رُويَ مِن وَجهٍ آخرَ يجبرُ ما في السَندِ مِن الوَهنِ (7) - قالَ: ((وأمّا غَرابةُ بَعضِ
(1) شرح التبصرة والتذكرة 1/ 153.
(2)
تقدم تخريجه. وقد ورد في الباب أحاديث ضعيفة من حديث أنس، وابن عمر، وابن عباس، وأبي ذر، كما ذكره المباركفوري في تحفة الأحوذي 1/ 51، لكنها ضعيفة، ولذلك قال
عبد الرحمان بن أبي حاتم في العلل: 1/ 43 (93): ((سمعت أبي يقول: أصح حديث في هذا الباب: حديث عائشة)).
(3)
شرح التبصرة والتذكرة 1/ 153.
(4)
في (أ): ((وهو غريب)) بزيادة كلمة ((هو)) وهذا خطأ.
(5)
جاء في حاشية (أ): ((أي: كان ثقة)).
(6)
جاء في حاشية (أ): ((أي: بالحسن)).
(7)
ما بين الشارحتين جملة توضيحية من البقاعي.
المتنِ - وَهيَ الزِيادةُ المتَصِلَةُ بِالحَديثِ - فلا يتَأتى فِيهَا التَحسِينُ؛ لأنَّ غرابتَها رَاجِعةٌ إلى المتنِ))، أي: وَقد فرضنَا أنَّهُ ما رُويَ إلا مِن وَجهٍ واحِدٍ، فلا تتَأتَى إرادةُ التِرمذيِّ لَه -قَال (1):((فَقد تبيّنَ أَنَّ الغَريبَ قَد يَقبلُ الوصفَ بِالصحَةِ، أو بالحسنِ، أو بهمَا مَعاً عَلى ما تقَدمَ، وَكما يأتِي عَندهُ (2) أيَضاً، أَو لا يقبلُ الوَصفَ بواحِدٍ مِنهمَا، فلا يورَدُ على الغَريبِ الموصُوفِ بوصفٍ آخرَ (3) إلا مَن وَجدهُ مَوصُوفاً بهِ في القِسمِ الذِي يمتَنِعُ وَصفُه بهِ، كَما بينَاه (4) / 63 أ / وَما أَخَالهُ (5) يجدهُ)) (6)، وَاللهُ أعلمُ (7).
قَولُه: (لَيس مَضبوطاً)(8) رُبَّمَا يعتني بابنِ الجَوزيِّ بمثلِ ما اعتَنى بالخَطَّابِيِّ، ويقَالُ: بل هوَ مَضبوطٌ؛ إنْ كانَ عرف الصَحيحَ والضَعيفَ بِالحَيثيةِ، وَهيَ: أَنَّ ضَعفَهُ بالنِسبةِ إلى الصَحيحِ، واحتمالُه بالنسَبةِ إلى الضَعيفِ، أي: فَيكونُ متوسِطاً بينَهما، لا يَعلو إلى رتبةِ الصَحيحِ؛ لِما فيهِ مِن الضَعفِ، وَلا ينحَطُّ إلى رتبةِ الضَعيفِ؛ لما فِيهِ مِن قلةِ الضَعفِ، ويؤيدُ ذلِكَ أَنَّهُ قالَ عَقبَ ما نُقِلَ عنهُ: ((ويَصلحُ
(1) ما بين الشارحتين جملة توضيحية من البقاعي.
(2)
جاء في حاشية (أ): ((أي الترمذي)).
(3)
يعني: من الصحة أو الحسن.
(4)
يعني القسم الخامس، وهو غريب بعض المتن، حيث ذكر أنه لا يتأتى فيه التحسين - يعني: لغيره -.
(5)
جاء في حاشية (أ): ((أي أظنه)).
(6)
النفح الشذي 1/ 304 - 306.
(7)
من قوله: ((حديث: إذا خرج من الخلاء .... )) إلى هنا لم يرد في (ك)، وعبارة:((والله أعلم)) لم ترد في (ف).
(8)
شرح التبصرة والتذكرة 1/ 154، وهذا الكلام لابن دقيق العيد في الاقتراح:195.
للعملِ بهِ)) (1) فَوصفَهُ بِوصفٍ هَو بَينَ بَينَ؛ فإنَّ الصَحيحَ يوصَفُ بأنَّه يَجبُ العَملُ بهِ، والضَعيفُ أعلى ما يقالُ فيهِ: يُعملُ بهِ في الفَضائلِ، لا مطلَقاً (2)، واللهُ أعلَمُ.
قَولُه: (وليسَ في كَلام اِلتِرمذيِّ والخَطَّابي)(3) إلى آخرهِ، بل فيهِ ما يميزُ؛ لأنَّ الحسَنَ نَوعانِ، وكلُّ واحِدٍ منهمَا عَرفَ نَوعاً، كما سَيأتي في كَلامِ ابنِ الصَلاحِ في المقَولةِ الآتِيةِ.
قَولُه: (وَما بكلِ قَولٍ)(4) إلى آخرِه، إنْ قُدِرَ النَظمُ هَكذَا، احتَملَ أنْ يكونَ الحَدُّ حصلَ بالمجَموعِ؛ لأنَّ نفيَ حُصولِ الحَدِّ بكلِّ وَاحدٍ لا ينفِي حُصولَهُ بِالمجموعِ، وَالكلامُ صَحِيحٌ على هَذا التَقديرِ، فَإنَّ الحدَّ لنوعي الحسن لم يَحصلْ بكلِ واحدٍ، وَإنما حصَل باثنينِ منَ الحُدودِ، أي: لم يَحصل بكلِ واحدٍ منهمَا، بل حصَلَ بكليهِمَا، وَإنْ جَعلَ تقدِيرَ النَظمِ، ومَا بمَجموع (5) هذِه الحُدودِ حصلَ حَداً تنفي أنْ يحصلَ الحَدُّ بواحدٍ منهمَا مِن بابِ الأَولى، إلا أنْ يقالَ: إنَّما نفى حُصولَهُ بِالمجَموعِ مِن حيثُ هو مَجموعٌ.
قَولهُ: (وزادَ كونه ما عللا)(6) إلى آخره، نَفيُ العِلة، والنكارةِ / 63 ب / زَيادةٌ على كُلٍ منهمَا، وَنفيُ الشُذوذِ يَختصُّ بالخَطَّابي، فإنَّ التِرمذيَّ شَرَطَ نفيَهُ
(1) انظر: الموضوعات 1/ 35.
(2)
من قوله: ((ويؤيد ذلك أنه قال عقب
…
)) إلى هنا لم يرد في (ك).
(3)
شرح التبصرة والتذكرة 1/ 154، وهي عبارة ابن الصلاح في معرفة أنواع علم الحديث:100.
(4)
شرح التبصرة والتذكرة 1/ 154.
(5)
في (ف): ((لمجموع)).
(6)
التبصرة والتذكرة (55).
في (1) نفَسِ حَدهِ. قالَ: وليسَت هذهِ الزيادةُ ضروريةً، بِحيثُ يخَتلُّ الكَلامُ بدونِها، بل غايتُهَا أنْ تكونَ شَرحاً؛ لأنَّ قولَ الخَطابيِّ:((ما عُرفَ مخرجُهُ)) يُخرِجُ المْعلَّلَ فإنَّهُ لم يُعرفْ مَخرجُه، والشَاذُّ قِسمٌ من أقسَامِ المعلَلِ، والمنكرُ مُعللٌ على كلِّ حالٍ، أمّا عندَ مَن يسوِي بينهُ وبينَ الشَاذِّ كابنِ الصَلاحِ، فَالقولُ فِيهِ كَالقولِ فيهِ.
وَأمَّا عندَ مَن يشترِطُ أن تكونَ المخالَفةُ وقَعت بينَ ضَعيفَينِ، أحدُهمَا أقوى منَ الآخرِ فَكذلكَ؛ لأنَّهُ مَعلولٌ، وأيضاً فإنَّهُ يَخرجُ بقولِهِ:((وَاشتَهر رجالُهُ)).
وَأمَّا بِالنسبةِ إلى كَلامِ الترمذِيِّ فإنَّهُ احتَرزَ عَنِ الشَاذِّ والمنكَرِ مثلهُ، وَالمعلولُ بعلَّةٍ غير الشُذوذِ والنكارةِ مما يَدخلُ في حَدِّ الترمذِيِّ: مِن المرسَلِ والمنقَطعِ، ونحوهِمَا، إذا اعتضَد قَويَ.
قَولُه: (قسمَانِ: أحدُهما)(2) إلى آخرِه، اعترضَ عليهِ الشَيخُ تَقيُّ الدينِ ابنُ دَقيقِ العِيدِ في " الاقتراح "(3) إجمالاً، فَقالَ بعدَ أنْ حَكَى كلامَهُ:((وَعليهِ فيهِ مؤاخَذاتٌ ومنَاقشَاتٌ)). نقَل ذلكَ الشَيخُ في " النُكتِ "(4)، ثُمَّ قالَ:((وقَالَ بَعضُ المتأخرِينَ (5): يردُ على القِسمِ الأَولِ المنقطِعُ والمرسَلُ الذي في رجالِهِ مَستورٌ،
(1) في (ف): ((عن)).
(2)
شرح التبصرة والتذكرة 1/ 155، وهي عبارة ابن الصلاح في معرفة أنواع علم الحديث: 100، وقد اعترض على ابن الصلاح في تقسيمه هذا باعتراضات، أوردها الزركشي مع أجوبته عنها، انظرها في نكته 1/ 313 - 317.
(3)
التقييد والإيضاح: 196 وعبارته: ((وهذا كلام فيه مباحثات ومناقشات على بعض
الألفاظ)).
(4)
التقييد والإيضاح: 47.
(5)
عني بذلك القاضي بدر الدين بن جماعة؛ إذ ذكر ذلك في مختصره كما نقل ذلك الحافظ ابن حجر في نكته 1/ 406 وبتحقيقي: 202.
ورُويَ مِثله أو نَحوهُ مِن وجهٍ آخرَ، وَيردُ على الثَاني المرسَلُ الذي اشتهَر رَاويهِ بما ذُكرَ. قَال: فالأحسن أن يقالَ الحسَن: ما في إسنادِهِ المتصل مستورٌ، لهَ به شَاهِد، أو مشهور قَاصِر عن دَرجةِ الاتقانِ، وَخلا مِن /64أ / العلةِ والشُذوذِ)). انتهَى.
وَعندِي أَنَّهُ لا يردُ عليهِ (1) شَيءٌ؛ لأنَّهُ لم يسلُك بما ذكرَ مَسلكَ التعريفِ، وَإنما بَيَّنَ القدرَ الذِي نزلَ بهِ الحسَنُ عَن درجةِ الصَحيحِ (2)، وجَعلهُ شَرحاً لكَلامِ الترمذِيِّ والخَطّابيِّ.
وَالترمذيُّ قد حَكمَ على ما عَرفَ بهِ بأنَّهُ لا يكونُ في إسنادِه مَن يتهمُ بالكَذبِ، وهَذا فرعُ معرِفةِ الاتصَالِ، فالسَاقِط فِي المنَقطعِ والمرسَلِ لا يَسوغُ الحكمُ عليهِ بتُهمَةٍ بكذبٍ.، وَلا عَدمِها؛ لأنَّ الحكمَ على الشَيء فَرعُ تَصورِهِ، وَالخطَّابيُ اشترطَ مَعرِفةَ المَخرجِ، والمرسَلُ لَم يُعرفْ (3) مَخرجُه، وَاللهُ أعلَمُ (4).
قَولُه: (ويعتبرُ في كُلِّ هذا مع سَلامتهِ)(5) إلى آخرِه، شَرحٌ لكَلامِ الخَطَّابيِّ، وَقد تَقدمَ ما فيهِ.
وَاعلمْ أَنَّهُ كانَ ينبغِي لَهُ (6) أنْ يُقدِّمَ الكَلامَ على حَدِّ الخَطَّابيِّ مِن وجوهٍ: مِنهَا:
أَنَّهُ قدّمَ ذكرَهُ في المقولَةِ التي قَبلهَا.
(1) جاء في حاشية (أ): ((أي: ابن الصلاح)).
(2)
عبارة: ((بين القدر الذي نزل به الحسن عن درجة الصحيح)) لم ترد في (ف).
(3)
في (ف): ((ما عرف)).
(4)
من قوله: ((قوله: قسمان أحدهما
…
)) إلى هنا لم يرد في (ك).
(5)
شرح التبصرة والتذكرة 1/ 155، وهي عبارة ابن الصلاح في معرفة أنواع علم الحديث:101.
(6)
لم ترد في (ك).
ومنهَا: أَنَّهُ هوَ الحَسنُ لذاتِهِ.
ومنهَا: أنّ بعضَ أهلِ الحَديثِ يُسميهِ صَحيحَاً.
قَولُه: (مُقتصِراً كلُّ واحدٍ مِنهمَا)(1) إلى آخرِه، لا نُسلِّمُ ذلكَ، أَمَّا الخَطابيُّ فإنَّهُ قَصدَ إلى ذِكرِ كُلٍّ من الصَحيحِ والحسَنِ بالأصَالةِ، وَغايتُه: أَنَّهُ سَكتَ عمَّا عداهما، فلا يُنسبُ إلى غفلَةٍ، ولا إشكالٍ، وَربمَا لا يوافِقُ على تَسميةِ الحسَنِ لغيرِه حسَنَاً (2)؛ لأنَّهُ بالنظرِ إلى ذاتِه ضَعيفٌ، وإنَّما يوصَفُ بالحسَنِ في المآلِ، وكذا الكَلامُ على تَركهِ، وتركِ غَيرِه حَد الصَحيحِ لِغَيرهِ.
وأمَّا الترمذيُّ: فلا ينسبُ إلى الغَفلةِ؛ لأنَّهُ يستَعملُ الحسَنَ لذاتِه في المواضِع التي يَقولُ فيهَا: ((حَسنٌ غريبٌ)) ونحو ذلِكَ، ويمكنُ أنْ يدّعيَ فيهِ: أَنَّهُ عَرف مَا رأى أَنَّه مشكلٌ؛ لأنَّهُ يخرِّجُ الحدِيثَ أَحياناً، ويقولُ:((فلانٌ ضَعيفٌ)) لشَخصٍ في سَندهِ، ثمَّ يقولُ:((هَذا حَديثٌ حسَنٌ)) فَخشِيَ أنْ يشكلَ / 64 ب / ذلكَ على النَاظِر، فَيعترِضَ عَليهِ (3) بأنَّهُ يُحسِّنُ ما يصرحُ بضَعفِ راويهِ، أوِ انقطَاعِهِ، ونحوِ ذَلكَ، فَعرَّفَهُ أَنَّهُ إِنما حَسَّنهُ لكونِهِ اعتَضدَ بتعددِ طُرقِهِ.
قَولُه: (مَصدرُ أمعنَ مِن قَولِ الفقهَاءِ)(4) كَانَ ينبغِي أَنْ يَقوُلَ: وِمنهُ قولُ الفقهَاءِ؛ لأنَّ المرجِعَ كَلامُ العَربِ، لا قَولُ الفقهَاءِ، قلتُ: وأقربُ ممَّا ذكرهُ أنْ يكونَ منَ الإطالةِ والإكثَارِ. قَالَ في " القاموسِ ": ((المعنُ: الطويلُ وَالكَثيرُ، فَمعنى أَمعنتُ النَظرَ: أطلتُهُ، وأكثرتُه، أي: استَقصيتُ فِيهِ، وبالَغتُ جِداً،
(1) شرح التبصرة والتذكرة 1/ 155، وهي عبارة ابن الصلاح في معرفة أنواع علم الحديث:101.
(2)
من قوله: ((ولا إشكال)) إلى هنا لم يرد في (ف).
(3)
لم ترد في (ك).
(4)
شرح التبصرة والتذكرة 1/ 156.
وَاللهُ أعلَمُ)) (1).
وَقالَ الشّيخُ في " النُكتِ ": ((وَقد أنكرَ بَعضُ العُلماءِ المتأخرِينَ لفظَ الإمعانِ، وَقالَ: إنَّه ليسَ عَربياً، وكذلِكَ قَولُ الفقهَاءِ في التَيمُمِ: أَمعنَ في الطَلبِ، ونحو ذلكَ، وَقد نَظرتُ في ذلِكَ، فَوجدتُه مأخُوذاً مِن أمعنَ الفَرسُ في عَدْوِهِ، أو مِن أمعنَ الماءُ، إذا استنبطَهُ وأخرجَهُ، وَقد حَكَى الأزهرِيُّ في " تَهذيبِ اللغَةِ " (2) عنِ الليثِ بنِ المظَفرِ: أمعنَ الفَرسُ، وَغيرُه: إذا تَباعدَ في عدوهِ، وَكذا قالَ الجَوهريُّ في "الصحَاحِ"، (3) وَحكَى الأزهرِيُّ أيضاً: أمعنَ الماءَ إذا أَجراهُ، ويحتَملُ أَنَّهُ مِن أمعنَ إذا أكثرَ، وهو مِنَ الأضدادِ. قال أبو عَمرٍو: المعنُ القَليلُ، وَالمعنُ الكثيرُ، وَالمعنُ الطويلُ، وَالمعنُ القَصيرُ، وَالمعنُ الإقرارُ بالحقِ، وَالمعنُ الجُحودُ والكفرُ للنِّعَمِ، والمعنُ الماءُ الظاهرُ)) (4). انتهَى.
قلتُ: وَمادتُه - بأي تَرتيبٍ كانَ - تدورُ على المعنِ بمعنى المطَرِ والماءِ، وَتارةً يَكونُ كَثيراً، وَيجرِي فيتبَاعدُ، وتارةً يكونُ قَليلاً، وتارةً يكونُ سَهلاً يَسيراً. وهو في نَفسهِ خَيرٌ، ومنهُ / 65أ / المعروفُ، وتارةً يعترفُ بهِ، فَيوجبُ الانقيادَ، وتارةً يجحَدُ، وتارةً يَمنعُ، وتارةً يبدلُ، وَيلزمُه النِعمة، فَينشأُ عَنها العِزُّ، وَالمنعةُ (5)،
وَالنقمَةُ، وَالخضرةُ، والسَوادُ، فتشبَّهُ به الظُلمةُ، وَاللهُ الموفِقُ (6).
(1) القاموس المحيط مادة (معن).
(2)
تهذيب اللغة مادة (معن).
(3)
الصحاح 6/ 2205.
(4)
التقييد والإيضاح: 46، وانظر معجم مقاييس اللغة 5/ 355، وأساس البلاغة مادة
(معن)، ولسان العرب مادة (معن)، والزاهر 2/ 592، ونكت الزركشي 1/ 312.
(5)
في (ف): ((النعمة)).
(6)
من قوله: ((قلت: وأقرب ممّا ذكره أن يكون
…
)) إلى هنا لم يرد في (ك).
وقَولُه: (فَفي التَهذيبِ)(1)، أي: للأزهري (2).
قَولُهُ: (وَالفقهَاءُ)(3) هَذا بقيةُ كَلامِ الخَطَّابي في الحَدِّ المتقدّمِ، وَفصلُه عَنه فدلَّ على أَنَّهُ فَهِم (4) أنَّهُ ليسَ مِن تمامِ الحَدِّ، بل موضحٌ لَه، وَهو كذلِكَ.
قَولُه: (العلمَاء)(5) أَعمُّ مِن الفقهَاءِ؛ فَيشملُ المحدِّثينَ، وَالأُصوليينَ وَغيرَهُم، وَإنما خَصَّهُ بجلِّهِم؛ لأنَّ مِن أهلِ الحَديثِ مَن شَدّدَ، فَردَّ بكلِّ عِلةٍ، سَواءٌ كَانت قادِحةً أَم لا، فقد رُوِيَ عن ابنِ أبي حَاتِمٍ: أنَّه قال: سَألتُ أبي عَن حَديثٍ، فقالَ: إسنَادُهُ حَسنٌ، فَقلتُ: يُحتجُّ بهِ؟ فَقالَ: لا.
وَقولُه: (يستَعملُه)(6)، أي: يعمَلُ بهِ، فالاستعمالُ أخصُّ مِنَ القبول.
قَولهُ: (يتقاصَرُ)(7) عِبارةُ ابنِ الصَلاحِ: ((يتقاصَرُ عنِ الصَحيحِ (8) في
أَنَّ الصَحيحَ مِن شَرطِه: أَنْ يكونَ جَميعُ رواتِه قد ثَبتت عَدالتُهم، وضَبطُهم، وإتقانهُم؛ إمَّا بالنَقلِ الصَريحِ، أو بطريقِ الاستفَاضَةِ على ما سَنُبينُه إنْ شَاءَ اللهُ تعالى - أي: فِيمَن تقبلُ
(1) شرح التبصرة والتذكرة 1/ 156.
(2)
تهذيب اللغة 3/ 16.
(3)
التبصرة التذكرة (56).
(4)
جاء في حاشية (أ): ((أي: ابن الصلاح)).
(5)
التبصرة والتذكرة (56).
(6)
التبصرة والتذكرة (56).
(7)
شرح التبصرة والتذكرة 1/ 156.
(8)
قال الزركشي 1/ 318: ((يعني: من جهة الرتبة، حتى ولو تعارض حسن وصحيح، قدم الصحيح، وإلا فهما مستويان في الاحتجاج بهما - كما سيأتي في التاسع من كلامه - وكان ينبغي له تقديم التاسع إلى هاهنا، فإنه أنسب)).
روايتُه، وَمَن تُردُّ- (1) - وذلِكَ غَيرُ مُشتَرطٍ في الحَسنِ؛ فَإنَّهُ يُكتفَى فيهِ بما سَبقَ ذكرُه مِن مَجيءِ الحَديثِ مِن وجوهٍ، وغير ذلكَ ممَّا تَقدّمَ شَرحُه، وإذا استَبعدَ
…
)) (2) إلى آخرِه (3)، قَال الشّيخُ في " النُكتِ ":((اعتُرِضَ علَيهِ بأنَّ جَميعَ رُواةِ الصَحيحِ لا توجَدُ فِيهِم هَذهِ الشُروطُ إلا في النزرِ اليسيرِ، قَال: والجَوابُ: أَنَّ العَدالةَ تَثبت إمَّا بالتَنصيصِ عَليهَا، كالمصَرحِ بتوثِيقهِم، وهم كَثيرونَ، أو بتَخرِيجِ / 65ب / مَن التَزمَ الصَحةَ في كتَابٍ (4) لَه، فَالعدالةُ أيضَاً تَثبتُ بذلِكَ، وَكذلكَ الضَبطُ والإتقَانُ دَرجاتُه متَفاوتةٌ، فلا يُشتَرطُ أعلى وُجوهِ الضَبطِ كَمالكٍ وَشعبةَ، بلِ المرادُ بالضَبطِ أَنْ لا يكونَ مُغفَلاً كثِيرَ الغَلطِ، وذلِكَ بأنْ يعتبرَ حَديثُه بحَديثِ أَهلِ الضَبطِ والإتقَانِ، فَإنْ وافقَهم غَالباً فَهوَ ضَابطٌ، كمَا ذَكرهُ المصنِّفُ في المسأَلةِ الثَانيةِ مِن النَوعِ الثَالثِ والعشرينَ (5) - يَعني: مَن تُقبلُ روايتُه، ومَن تُردُّ (6) - وَإذا كانَ كذلكَ فَلا مانعَ مِن وجودِ هَذهِ الصِفَاتِ في رواةِ صَحيحِ الأحَاديثِ)) (7).
وَقَولُه: في الحسَنِ: (يُكتفَى فيهِ بما سَبقَ ذكرُه مِن مَجيءِ الحَديثِ مِن وجوهٍ)(8) فيهِ نَظرٌ؛ إذ لَم يُسبقِ اشتِراطُ مَجيئهِ مِن وجوهٍ، بل مِن غَيرِ وَجهٍ، كما
(1) جملة: ((أي: فيمن تقبل روايته ومن ترد)) من البقاعي.
(2)
جاء في حاشية (أ): ((يأتي في القولة الثانية في الشرح)).
(3)
معرفة أنواع علم الحديث: 102.
(4)
في (ف): ((كتابه)).
(5)
معرفة أنواع علم الحديث: 217.
(6)
ما بين الشارحتين جملة توضيحية من البقاعي.
(7)
التقييد والإيضاح: 47 - 48.
(8)
انظر: شرح التبصرة والتذكرة 1/ 157 بتصرف.
سَبقَ ذلكَ في كَلامِ التِرمذِي، وَعلى هَذا مَجيئهُ مِن وجهَينِ كَافٍ في حَدِّ الحسَنِ، واللهُ أعلَم. انتهى. (1)
وَسَيأتي في شَرحِ قَولهِ: (طُرقٍ أخرى)(2) وُقوعهُ فيما اعترضَ بهِ هنا على ابنِ الصلاحِ، على أنَّهُ لا اعتراضَ هنا على ابنِ الصلاحِ بالنسبةِ إلى كلامِ شرحِ الترمذيِّ؛ فإنَّ الذي في كلامهِ أنَّ الحسنَ لغيرهِ يُروَى منْ وجوهٍ أقلها ثلاثةٌ: المعضود منْ وجهٍ، والعاضدُ الذي يكونُ نحوَهُ يُروَى منْ غيرِ وجهٍ منْ وجهينِ فأكثرَ، أضممت طريقي عاضدٍ إلى طريقِ المعضودِ، وكانتْ ثلاثة، لكنهُ مخالفٌ لنصِّ الشّافعيِّ في المرسلِ، فإنَّهُ صرَّحَ بأنَّهُ يُكتفَى فيهِ بوجهٍ واحدٍ يعضدهُ (3)(4).
قَولُه: (ومِن أهلِ الحَديثِ مَن لا يفردُ نوعَ الحسَنِ)(5)، أي: بَل يجعَلُ الحَديثَ قِسمَينِ: مَقبولاً، ومَردوداً، ويُسمِّي المقبولَ صَحيحَاً، لأنَّه كُلَّه محتجٌ بهِ، والمردودَ ضَعيفَاً، وَكما أَنَّ الضَعيفَ أنواعٌ، فَكذلكَ الصَحِيحُ بَعضُه أصَحُّ مِن بَعضٍ.
قَولهُ: (وهو الظَاهِرُ مِن كَلامِ الحَاكِمِ)(6) قَال شَيخُنا: ((وكذلِكَ شَيخُه ابنُ حِبانَ، وَشيخُ ابنِ حبانَ ابنُ خُزيمَةَ)).
(1) لم ترد في (ف).
(2)
شرح التبصرة والتذكرة 1/ 160.
(3)
من قوله: ((قوله: يتقاصر
…
)) إلى هنا لم يرد في (ك).
(4)
من قوله: ((على أنَّه لا اعتراض)) إلى هنا سقط من (أ)، واستدركه الناسخ بالحاشية ملحوقاً، وقد عسر علينا قراءته؛ لعدم وضوحه ودقة حرف الحاشية، وكذلك سقط من
(ف) وجاء بدلاً عنه: ((من وجوه، بل من غير وجه كما سبق ذلك في كلام الترمذي، وعلى هذا مجيئه)).
(5)
شرح التبصرة والتذكرة 1/ 156، وهي عبارة ابن الصلاح في معرفة أنواع علم الحديث:110.
(6)
شرح التبصرة والتذكرة 1/ 157، وهي عبارة ابن الصلاح في معرفة أنواع علم الحديث:110.
قَولُه: (فَإنْ يقل يحتجُّ بالضَعيفِ)(1) هذا إيرادٌ على القَولِ بالاحتجَاجِ بالحسَنِ، كأنَّه قيلَ: أنتمُ احتجَجتُم بِالحسَنِ، وَقد قُلتُم: إنَّهُ نَوعانِ: حَسنٌ لذاتِه، وَلا إشكالَ عَليهِ، وَحسَنٌ لغيرِه، وَهوَ / 66 أ / مَا يكونُ في إسنادِه من ضَعفٍ بالجهَالةِ، أو سُوء الحفظِ، وَنحوِ ذلكَ، ويعتضدُ بمجيئهِ مِن وجهٍ آخرَ، ولو كانَ الوجهُ الآخَرُ مُسَاوياً للأَولِ في الضَعفِ؛ وَعلى هذا يَلزمُ الاحتجَاجُ بالضَعيفِ، أمَّا الطَريقُ الأُولى، فالأمرُ فيهَا وَاضِحٌ، وأمَّا الثانِيةُ فَعلى تَقديرِ كَونِها مُساويةً للأُولى، فَحينئذٍ ضعيفٌ انضَمَّ إلى ضَعيفٍ.
قلنا (2): مُسلَّمٌ، وَلكنْ ضعيفَانِ يغلبان قوياً، والقوةُ جَاءت مِن الصُورةِ المجموعَةِ. وَأيضاً فإنَّا مَا ردَدنا المستُورَ لضَعفِه، بل لاحتمالِ ضَعفِه، وَعدمِ تحقُقِ صفَةِ الضَبطِ فيهِ، ولا رَدَدنا سَيِّءَ الحِفظِ؛ لأَنَّه لم يَحفظْ؛ بل لاحتمَالِ أَنَّهُ لَم يَحفَظ، فإذا اعتضَد بمَجيئِهِ مِن طريقٍ أخرى، ولو كانَ راويهَا في دَرجتِهِ غلبَ على الظَنِّ أَنَّهُ حفظَ، والعبرةُ في هَذا العلمِ بالظنِّ، وَأحسَنُ ما يدفَع بهِ هذا الإيرادَ المتواترُ، فإنَّه يُفيدُ (3) القَطعَ مع أَنَّهُ آحادٌ انضمَت، وَربمَا كانَ كلٌ مِن أفرادِه في غَايةِ الضَعفِ.
قَولُه: (مِن هَذهِ البُيوتِ)(4) أصلَحهُ الشَيخُ فقالَ: ((الأبيَات))؛ لِكَونهِ جَمع قلةٍ، فَإنَّهُ مِن الثلاثَةِ إلى العَشرةِ (5)، وكَذا غيَّرَ قولَهُ فيمَا يَأتي:(بل ذلِكَ مُتفاوتٌ)
(1) التبصرة والتذكرة (58).
(2)
في (أ): ((قلت)).
(3)
لم ترد في (ك).
(4)
المثبت في تحقيقنا لشرح التبصرة والتذكرة 1/ 158: ((الأبيات))، وهو كذلك ورد لدينا في ثلاث نسخ من النسخ الخطية التي اعتمدناها، وورد عندنا في حينها في إحدى النسخ، وهي نسخة (ص):((البيوت)).
(5)
انظر: شرح ابن عقيل 4/ 114 - 117.
فقالَ: (يختَلفُ)(1) نَقلَ هَذا شيخُنا الحافِظُ برهانُ الدِّينِ الحَلَبيُّ (2)(3).
قَولُه: (مِنَ الفقهَاءِ الشَافِعيةِ)(4) إنما خَصَّهُ بالشَافِعيةِ؛ لأنَّ غيرَهُم يحتَجُّ بالمرسَلِ مُطلَقاً، أو يردُّ مطلَقاً، والشافعيُّ لا يحتجُّ بهِ إلا إذا انضمَّ إليهِ مرسلٌ أو مسندٌ، فكما أَنَّ الانضمامَ هنا أفادَ، فكذلكَ في خبرِ المستورِ (5).
وغايةُ هذا: أَنَّهُ إلزامٌ للشافعيةِ، وأمّا الحجةُ (6) العامةُ لهم ولغيرهم فهيَ ما تقدّمَ / 66 ب / آنفاً، وإليهِ أشَارَ بقولهِ:(بأنْ يكونَ ضعفهُ ناشئاً من ضعفِ حفظهِ)(7) إلى آخرِ كلامهِ.
وقَوله: (جاء نحوه مسنداً)(8) اعترضَ بأنَّ الاحتجاجَ حينئذٍ بالمسندِ، وأجابَ الإمامُ فخرُ الدينِ في " المحصُولِ " (9): بأنَّ المرادَ مسندٌ لا يقومُ بهِ لوِ انفردَ حجةٌ، وبهذا يجابُ عن قولِ ابنِ الحاجبِ، وعلى الثاني، أي: واعترض على قولِ منِ احتجَّ بالمرسلِ عندَ اعتضاده بالمسندِ، بأنَّ الاحتجاجَ حينئذٍ بالمسندِ، قالَ: وهوَ
(1) شرح التبصرة والتذكرة 1/ 158، وقلنا هناك:((في (ف) و (ع) و (س) و (ن): ((يتفاوت))، وما أثبته من (ق) و (ص)، وهو الذي غيَّره المصنف بأخرة كما نبه عليه البقاعي
…
)).
(2)
من قوله: ((قوله: من هذه البيوت
…
)) إلى هنا لم يرد في (ك).
(3)
جاء في حاشية (أ): ((وهو الحلبي المعروف بالتنوخي شارح الشفا)).
(4)
شرح التبصرة والتذكرة 1/ 158.
(5)
انظر: نكت ابن حجر 1/ 408، وبتحقيقي:203.
(6)
((الحجة)) لم ترد في (ف).
(7)
شرح التبصرة والتذكرة 1/ 158.
(8)
شرح التبصرة والتذكرة 1/ 158.
(9)
المحصول 4/ 461، وانظر: نكت ابن حجر 2/ 567، وبتحقيقي:341.
واردٌ، فقد وضحَ بكلامِ الفخرِ عدمُ ورودهِ. وأجابَ غيرُ الإمامِ فخرِ الدينِ بأنَّ ثمرتهُ تظهرُ عندَ ما لو عارضهُ مسندٌ مثلهُ فردٌ (1)، فإنا نرجحُ هذا المسندَ الذي عاضده المرسلُ، فيصيرُ تقديرُ كلامِ الشّافعي حينئذٍ (2) بأنْ يقالَ: المرسلُ إذا عضدهُ مسندٌ، فإنْ كانَ صالحاً للاحتجاجِ بهِ وحدهُ ظهرتِ الثمرةُ عندَ الترجيحِ، وإنْ كانَ لا تقومُ بهِ حجةٌ لوِ انفردَ، فهوَ الذي يعضده (3) المرسل مطلقاً، ويرتقي كلٌّ منهما بالآخرِ إلى درجةِ الاحتجاجِ بهِ.
قال شيخُنا: ((لكنْ كلامُ الشّافعي ربما يأتي شمولُ العاضدِ المسندَ للضعيفِ، فإنَّه قالَ - كما ذكرهُ الشيخُ عندَ قولهِ: ((لكنْ إذا صحَّ لنا مخرجهُ)) - ما نصهُ
: ((والمنقطعُ مختلفٌ فمن شاهدَ أصحابَ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم منَ التابعينَ، فحدّثَ حديثاً منقطعاً
…
)) إلى أَنْ قالَ: ((فإن شَركَهُ الحفّاظُ المأمونونَ، فأَسندوهُ إلى رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم بمثلِ معنى (4) ما رَوَى .. )) (5) إلى آخرهِ. فقولهُ: ((الحفّاظُ المأمونونَ)) يخرجُ الإسنادَ الضعيفَ / 67 أ /؛ لأنَّ الحفاظَ المأمونينَ إذا شركوا التابعيَّ الذي أرسل كانوا أيضاً تابعينَ.
قلتُ: وفيهِ نظرٌ؛ لجوازِ أَنْ يرويَ المأمونونَ من التابعينَ عن تابعينَ ضعافٍ، فيكونُ السندُ الموصولُ ضعيفاً؛ لضعفِ من بعد المأمونينَ.
(1) عني بذلك النووي، والله أعلم، إذ ذكر ذلك في إرشاد طلاب الحقائق 1/ 171.
(2)
لم ترد في (ك).
(3)
في (ف): ((يعاضد)).
(4)
لم ترد في (ف).
(5)
الرسالة للشافعي الفقرات: (1263) - (1265).
واعترضَ الشّيخُ في " النكتِ " على ابنِ الصلاحِ، من حيثُ إنَّهُ لم يقيد التابعيَّ، والشّافعيُّ قيدهُ بالكبارِ منهم كما سيأتي نقلُ ذلكَ عنهُ في بحثِ المرسلِ. قالَ: ((فإطلاقُ الشيخِ النقلَ عن الشّافعيّ ليسَ بجيدٍ، وقد تبعهُ على ذلكَ الشيخُ محيي الدينِ في عامةِ كتبهِ، ثمَّ تنبهَ لذلكَ في شرحِ " الوسيطِ " المسمى بـ" التنقيحِ "، وهو من آخرِ تصانيفهِ، فقالَ فيهِ: وأما الحديثُ المرسلُ فليسَ بحجةٍ عندَنا، إلا أنَّ الشافعيَّ قال: ((يجوزُ الاحتجاجُ بمرسلِ الكبارِ منَ التابعينَ، بشرطِ أنْ يعتضدَ بأحدِ أمورٍ أربعةٍ
…
)) فذكرها. (1)
وقولُ النوويِّ هنا: يجوزُ الاحتجاجُ، أخذهُ من عبارةِ الشافعي في قولهِ:((أحببنا أنْ نقبلَ مرسلهُ)) (2)، وقد قالَ البيهقيُّ في "المدخلِ":((إنَّ قولَ الشافعي: ((أحببنا)) أرادَ بهِ اخترنا)) (3). انتهى.
- قالَ -: وعلى هذا، فلا يلزمُ أنْ يكونَ الاحتجاجُ بهِ جائزاً فقط، بل يقالُ: اختارَ الشّافعيُّ الاحتجاجَ بالمرسلِ الموصوفِ بمَا ذكرَ، أمّا كونه على سبيلِ الجوازِ، أو الوجوبِ، فلا يدلُّ عليهِ كلامهُ، واللهُ أعلمُ (4))) (5).
قوله: (من أخذَ العلمَ عن غيرِ رجالِ التابعيِّ الأولِ)(6)، أي: فلو جاءَ مرسلٌ آخرُ بنحوهِ، أرسله مَن أخذَ العلمَ عن رجالِ هذا التابعيِّ، لم يكنْ عاضداً؛
(1) انظر: إرشاد طلاب الحقائق 1/ 175 - 179.
(2)
الرسالة الفقرة (1274) بتحقيقي، وانظر عن شروط الشافعي في قبول المرسل: نكت الزركشي 1/ 419، والتقييد والإيضاح: 48، ونكت ابن حجر 1/ 408 وبتحقيقي:203.
(3)
لم نقف عليه في المطبوع من المدخل، ولعله مما سقط منه.
(4)
من قوله: ((قال شيخنا: لكن كلام الشافعي
…
)) إلى هنا لم يرد في (ك).
(5)
التقييد والإيضاح: 50.
(6)
شرح التبصرة والتذكرة 1/ 208.
لأنَّهُ يطرقهُ احتمالُ أنْ تكونَ تسميته غيرَ ذلكَ / 67 ب / التابعي من قبيلِ الاضطرابِ والاختلافِ منَ الرواةِ، فإذا كانَ الذي أرسلَ لم يأخذْ عن أصحابِ هذا التابعي لم يجىءْ هذا الاحتمالُ. قالَ شيخُنا:((وهذا كلامُ (1) منْ طالتْ ممارستهُ لهذا الفنِّ، وكَثُرَ استعمالُه إياهُ، ودامَ تصرفُه في أنواعِ فنونه، حتى صار مالكَ قيادهِ، وجهبذَ نقادهِ. قالَ: ومثالُ ذلكَ أنْ يرويَ عقيلٌ، عنِ الزهريِّ، عن سعيدِ بنِ المسيبِ، عن النبي صلى الله عليه وسلم حديثاً، ويرويهِ بعينهِ أو معناهُ يونسُ، عنِ الزهريِّ، عن أبي سلمةَ، عنِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، فلا يكونُ هذا عاضداً لذلكَ المروي عن سعيدٍ؛ لاحتمالِ اختلافِ الرواةِ على الزهريِّ، وأنْ يكونَ الزهريُّ إنما رواهُ من إحدى الطريقينِ فقط، فلو رواهُ أحدٌ من الرواةِ عنِ يحيى بنِ أبي كثيرٍ، عن أبي سلمةَ، عددناه عاضداً؛ لابتعادِ (2) احتمالِ الاختلافِ على مَن أخذَ العلمَ عن رجالِ التابعيِّ الأولِ، وهم رواةُ الزهريِّ الآخذِ عن سعيدٍ. هكذا قالَ شيخُنا، والذي يظهرُ لي أَنَّهُ الأقربُ إلى مرادِ الشافعيِّ أَنْ يحملَ الرجالَ على الشيوخِ، فيكونَ المعنى: أرسلهُ مَن أخذَ العلمَ عن غيرِ شيوخِ التابعيِّ الأَولِ؛ لأنَّهُ ربما كانَ الساقطُ من المرسلِ الأولِ تابعياً ضعيفاً، فإذا أرسله هذا الثاني الذي لم يروِ عن أحدٍ من شيوخِ الأولِ، علمَ أَنَّ شيخه فيهِ غيرُ شيخِ الأولِ، فعلمَ أَنَّهُ وجهٌ آخرُ.
قولُه: (من وجهٍ آخرَ)(3) قال (4) بعده: ((وذكرنا له أيضاً ما حكاه الإمامُ أبو المظفرِ السمعانيُّ، وغيرُه عن بعضِ أصحابِ الشافعيِّ، من أَنَّهُ تقبلُ روايةُ
(1) جاء في حاشية (أ): ((أي: الشافعي)).
(2)
في (ف): ((لانتفاء)).
(3)
شرح التبصرة والتذكرة 1/ 158.
(4)
جاء في حاشية (أ): ((أي: ابن الصلاح)).
المستورِ / 68أ / وإنْ لم تقبل شهادةُ المستورِ (1)؛ ولذلكَ وجهٌ متجهٌ، كيفَ وإنا لم نكتفِ في الحديثِ الحسنِ بمجردِ روايةِ المستورِ على ما سبقَ آنفاً، واللهُ أعلمُ)) (2).
قولُه: (ثم قال في جوابِ سؤالٍ آخرَ)(3) الضميرُ في ((قالَ)) لابن الصلاحِ، وصدرُ ذلكَ السؤال:((لعلَ الباحثَ الفهمَ يقولُ: إنا نجدُ أحاديثَ محكوماً بضعفها، مع كونها قد رُوِيَتْ بأسانيدَ كثيرةٍ من وجوهٍ عديدةٍ، مثلَ حديثِ: ((الأذنانِ منَ الرأسِ)) (4) ونحوهِ، فهلَاّ جعلتُم ذلكَ وأمثالهُ من نوعِ الحسنِ؟ لأنَّ
(1) قال الزركشي 1/ 319: ((لم أجده في القواطع لابن السمعاني، لكن نقله المازري في شرح البرهان عن ابن فورك)).
(2)
معرفة أنواع علم الحديث: 103.
(3)
شرح التبصرة والتذكرة 1/ 158.
(4)
هذا الحديث روي عن عدة من الصحابة منهم:
أبو أمامة: أخرجه أحمد 5/ 258 و264 و268، وأبو داود (134)، والترمذي (37)، وابن ماجه (444)، والطحاوي 1/ 33، والطبراني في " الكبير " 8/ 121، والدارقطني 1/ 103، والبيهقي 1/ 66.
وأبو هريرة: أخرجه ابن ماجه (445)، وأبو يعلى (6370)، وابن حبان في "المجروحين" 2/ 110، والدارقطني 1/ 101.
وعبد الله بن زيد: أخرجه ابن ماجه (443)، والبيهقي 1/ 65.
وعبد الله بن عمر: أخرجه الدارقطني 1/ 97.
وعائشة: أخرجه الدارقطني 1/ 100.
وعبد الله بن عباس: أخرجه الدارقطني 1/ 99.
وهو مروي من حديث غيرهم. قال ابن حجر في النكت 1/ 415، وبتحقيقي: 210 بعد أن أورد الروايات، وتكلم عليها:((وإذا نظر المنصف إلى مجموع هذه الطرق، علم أن للحديث أصلاً، وأنه ليس مما يطرح، وقد حسنوا أحاديث كثيرة باعتبار طرق لها دون هذه، والله أعلم)).
وانظر عنه: نكت الزركشي 1/ 320، والتقييد: 50، ونكت ابن حجر 1/ 409، وبتحقيقي: 204 - 205.
بعضَ ذلكَ عضدَ بعضاً كما قلتم في نوعِ الحسنِ على ما سبقَ آنفاً، وجوابُ ذلكَ: أَنَّه ليسَ كلُّ ضعيفٍ
…
)) (1) إلى آخرهِ.
قالَ الشيخُ في " النكتِ ": ((اعتُرضَ عليهِ بأنَّ هذا الحديثَ رواهُ ابنُ حبانَ في "صحيحهِ"، والجوابُ: أنَّ ابنَ حبانَ أخرجهُ من روايةِ شهرِ بنِ حوشب، عن أبي أمامةَ (2)، وشهرٌ ضعفهُ الجمهورُ (3) ومعَ هذا فهوَ من قولِ أبي أمامة موقوفاً عليهِ، وقد بيّنهُ أبو داودَ في "سننهِ"(4) عقبَ تخريجهِ له عن سليمانَ بنِ حربٍ، قال:((يقولها أبو أمامةَ، وقالَ حمادُ بنُ زيدٍ: فلا أدري أهوَ من قولِ النبي صلى الله عليه وسلم، أو أبي أمامةَ؟)) وكذا ذكرَ الترمذيُّ قولَ حمادِ بنِ زيدٍ، ثمَّ قالَ الترمذيُّ:((هذا حديثٌ ليسَ إسناده بذاكَ القائمِ (5))). انتهى.
وقد رُوِيَ من حديثِ جماعةٍ من الصحابةِ، جمعهمُ ابنُ الجوزيِّ في " العللِ المتناهيةِ "، وضعّفها كلَّها، واللهُ أعلمُ)) (6). انتهى كلامُ " النكت ".
(1) معرفة أنواع علم الحديث: 103 - 104.
(2)
كذلك قال الزركشي في نكته 1/ 326، وتعقبهما الحافظ ابن حجر في نكته 1/ 414 - 415، وبتحقيقي: 210 فقال: ((فيه نظر، بل ليس هو في صحيح ابن حبان البتة، لا من طريق أبي أمامة، ولا من طريق غيره، بل لم يخرج ابن حبان في صحيحه لشهر بن حوشب)).
(3)
انظر: الكامل 5/ 57، وتهذيب الكمال 3/ 409 (2767)، وميزان الاعتدال 2/ 283
(3756)
.
(4)
انظر: سنن أبي داود عقب (134).
(5)
كلام الترمذي في جامعه 1/ 87 عقب (37).
(6)
التقييد والإيضاح: 51. وقد تعقب الحافظ ابن حجر في نكته 1/ 410، وبتحقيقي: 205 شيخه العراقي فقال: ((قد راجعت كتاب " العلل المتناهية " لابن الجوزي، فلم أره تعرض لهذا الحديث، بل رأيته في كتاب " التحقيق " له قد احتج به، وقواه)).
كذا جمعَ فيهِ الحافظُ أبو محمودٍ القدسيُّ شيئاً ذكرَ فيهِ ورودَهُ من رواياتٍ شتى، وقال:((إنَّ ادّعاءَ ابنِ الصلاحِ أَنَّهُ مما لا ينجبرُ ضعفهُ / 68ب/ بالعاضد منازعٌ فيهِ؛ لأنَّ ضعفهُ ليسَ من جهةِ فسقٍ في واحدٍ من رواته بكذبٍ، ولا غيره، وكذا ما يعضدُهُ، وأوردَ طرقاً لا يخلو واحدٌ منها عن علةٍ))، ثمَّ نُقلَ عن ابنِ دقيقِ العيدِ أَنَّهُ قالَ:((فإنْ توقّف تصحيحُه عندَ أحدٍ على ذكرِ طريقٍ لا علةَ فيها، ولا كلامَ في رواتها، فقد نتوقّفُ (1) في ذلكِ، لكنَّ اعتبارَ ذلكَ صعبٌ ينتقضُ عليهم في كثيرٍ مما استحسنوهُ وصححوهُ من هذا الوجهِ)). انتهى. وهو مُسلّمٌ لولا أَنَّ سليمانَ بنَ حربٍ وقفهُ عن حمادٍ، كما هوَ عندَ أبي داودَ. وسليمانُ ثقةٌ ثبتٌ إمامٌ حافظٌ (2)، ونقلَ جزمَهُ بذلك الإمامُ أبو الحسنِ الدارقطنيُّ وهو جبلُ الحفظِ والإتقانِ (3)، فلولا ذلكَ لأفادتهُ الطرقُ المذكورةُ قوةً في المتابعاتِ والشواهدِ، لكنَّ ضعفَها لا ينهضُ لمدافعةِ هذينِ الجبلينِ، ولا واحدٍ منهما، لا سيَّما عندَ مَن (4) قالوا: إنَّ الواقفَ مقدمٌ على الرافعِ، كما قيلَ: إنَّ النوويَّ قالَ: إنَّ الخطيبَ حكاهُ عن أكثرِ أصحابِ الحديثِ (5)، فاستمرَّ حديثُ أبي أمامةَ على ضعفهِ، ولم يوجد من حديثِ غيرهِ ما يستقلُّ بإفادةِ الحكمِ، وما رواهُ ابنُ ماجه (6) عن عبدِ اللهِ بنِ زيدٍ رضي الله عنه: أَنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: ((الأذنان منَ الرأسِ))، وإنْ كانَ ليسَ في رواتهِ مَن يُنظرُ في حالهِ إلاّ
(1) في (ف): ((يتوقف)).
(2)
انظر: تهذيب الكمال 3/ 269 (2486).
(3)
سنن الدارقطني 1/ 103.
(4)
أشار ناسخ (أ) في الحاشية إلى أنّ في نسخة: ((اللذين)).
(5)
نقل النووي ذلك عن الخطيب في الحكم للمرسل إذا تعارض الوصل والإرسال انظر: الكفاية: 411، وإرشاد طلاب الحقائق 1/ 201، وشرح التبصرة والتذكرة 1/ 232.
(6)
سنن ابن ماجه (443).
سويدَ بنَ سعيدٍ، فإنهمْ قالوا: إنَّه لما عَمِيَ صارَ يتلقنُ، فاشتدَّ اضطرابُ حديثهِ، وهو وإنْ كانَ قد أخرجَ لهُ مسلمٌ محتملٌ لأنْ يكونَ لم يخرجْ له إلا ما عَرفَ أَنَّهُ لم يتلَقَّنْ فيهِ (1)، مع أَنَّ / 69أ / شيخَنا حافظَ عصرهِ قالَ في " تخريجِ أحاديثِ الرافعي ":((إنَّهُ بيَّنَ (2) في كتابهِ في المدرجِ أَنَّهُ مدرجٌ، وإنْ كانَ قد قوَّاهُ
المنذريُّ، وابنُ دقيقِ العيدِ)) (3).
قلتُ: ومنِ استظهرَ لعدمِ الإدراجِ بأنَّهُ روي تارةً مفتتحاً بما للأذنينِ منهُ (4)، وتارةً مقتصراً عليهِ، مجاب بأنَّ ذلكَ من ثمراتِ القولِ بالروايةِ بالمعنى، فقدّمَ الراوي، وأخَّرَ، وأسقطَ، واقتصرَ، وخفيَ عليهِ أمرُ الإدراجِ، فإنَّ من شأنِ العللِ الخفاء إلا على الجهابذةِ النقادِ، ويعارضهُ أيضاً فيضعفهُ ما رواهُ البيهقيُّ (5) عنهُ:((أَنَّ النبي صلى الله عليه وسلم أَخذَ لأذنيهِ ماءً خلاف الماءِ الذي أخذَ لرأسهِ))، وهو عند أبي داود عنه أيضاً (6)، فدلَّ على أنهما ليسا منَ الرأس، وأَنهما عضوانِ مستقلانِ، فإنَّ المرادَ بذلكَ أَنهما في المسحِ أصلٌ، لا تبعٌ لشيءٍ، لا أنهما يطلقُ عليهما مسمى الرأسِ أولاً، وكذا ما رواهُ البيهقيُّ من حديثِ أَنسٍ رضي الله عنه، فلا معارضَ حينئذٍ لقولِ الشافعيِّ رحمه الله:((وليست الأَذنانِ منَ الوجهِ، فتغسلانِ، ولا منَ الرأسِ، فيجزي مسحهُ عليهما، فهما سنةٌ على حيالهما)) (7).
(1) ينظر في سويد بن سعيد: تهذيب الكمال 3/ 337 - 338.
(2)
في (ف): ((تبين)).
(3)
التلخيص الحبير 1/ 283 - 284.
(4)
جاء في حاشية (أ): ((أي: الحديث)).
(5)
السنن الكبرى 1/ 65.
(6)
عبارة: ((وهو عند أبي داود عنه أيضاً)) من (ف) فقط.
(7)
من قوله: ((هكذا قال شيخنا، والذي يظهر لي أنه الأقرب
…
)) إلى هنا لم يرد في (ك).
قوله: (وذلكَ كالضعفِ الذي ينشأ
…
) (1) إلى آخره، مرادهُ - واللهُ أعلمُ - بالشاذِّ (2) هنا ما راويهِ ضعيفٌ بعيدٌ عن درجةِ من يحتجُّ بهِ، وهوَ الذي قال: إنَّهُ الشاذُّ المنكرُ، كما سيأتي في بابه، وإنما خصصناهُ بذلكَ؛ لأنَّ كلامهُ هنا في ضعفٍ لا ينجبرُ بالعاضد، وعلى كل حالٍ كانَ ذِكرُهُ الشاذَّ فقط يُفهمُ أَنَّ المتهمَ بالكذبِ لا يجبرُ من بابِ الأولى، على أَنَّ هذا الضعيفَ الواهي ربما كَثُرَتْ طرقهُ حتى أوصلته إلى درجةِ راويهِ المستورِ، والسيِّءِ الحفظِ، بحيثُ إنَّ ذلكَ / 69ب / الحديثَ إذا كانَ مروياً بإسنادٍ آخرَ فيهِ ضعفٌ قريبٌ محتملٌ، فإنَّهُ يرتقي بمجموعِ ذلكَ إلى مرتبةِ الحسنِ، وقد جعلنا مجموعَ تلكَ الطرقِ الواهيةِ بمنْزلةِ الطريقِ التي فيها ضعفٌ يسيرٌ، فصارَ ذلكَ بمنْزلةِ طريقينِ، كلٌّ منهما ضعفه يسيرٌ، واللهُ أعلمُ.
قوله:
62 -
والحَسَنُ الْمشهُوْرُ بِالعَدَالَةِ
…
وَالصِّدْقِ رَاوِيهِ، إذَا أَتَى لَهْ
63 -
طُرُقٌ اخْرَى نَحْوُهَا مِن الطُّرُقْ
…
صَحَّحْتُهُ كَمَتْنِ (لَوْلَا أنْ أَشُقْ)
64 -
إذْ تَابَعُوْا (مُحَمَّدَ بْنَ عَمْرِو)
…
عَلَيْهِ فَارْتَقَى الصَّحِيْحَ يَجْرِي
ذكرَ في هذهِ الأبياتِ أَنَّ الحسنَ لذاتهِ إذا اعتضد صار صحيحاً، وهذا هوَ الصحيحُ لغيرهِ.
وعليهِ في فعلهِ وقولهِ مؤاخذاتٌ:
الأولى: إنَّهُ إنْ نظر إلى كونِ أصلهِ حسناً حتى يسوغَ له وضعهُ في بابِ الحسنِ، لَزمهُ أنْ يذكرَ الحسنَ لغيرهِ في بابِ الضعيفِ نظراً إلى أصلهِ، وإنْ نظرَ إلى مآلهِ، لزمهُ ذكره في بابِ الصحيحِ. ويجابُ بأنَّ الشيخَ أبا عمرٍو رحمه الله
(1) شرح التبصرة والتذكرة 1/ 159.
(2)
في (ف): ((بالشاهد)).
أملى الكتابَ شيئاً فشيئاً في دارِ الحديثِ (1) الأشرفيةِ بدمشقَ، فذهلَ عنهُ في بابِ الصحيحِ لذاتهِ، فاستدركهُ هنا، ورأى في ذكرهِ ما يغني الفطنَ عن ذكرِ الحسنِ لغيرهِ في قسمِ الضعيفِ، وأيضاً فالذي حملهُ على ذكرِ الحسنِ لغيرهِ هنا، وعدمِ ذكرهِ في الضعيفِ إرادةُ جمعِ المقبولِ في بابٍ واحدٍ، ولو أخّرهُ إلى الضعيفِ لفاتهُ ذلكَ، بخلافِ الصحيح لغيرهِ؛ فإنَّه معَ مراعاةِ أصلهِ لم يخرجْهُ ذلكَ عن بابِ المقبولِ.
الثانيةُ: قوله: (طرقٌ)(2) جمعُ كثرةٍ، ولا يشترطُ في جعلهِ صحيحاً مجيئهُ من طرقٍ كثيرةٍ. فإن قيل: هذهِ الصيغةُ تطلقُ أيضاً (3) في القلةِ، قيلَ: سلّمنا، ولا بدَّ حينئذٍ من أربعةِ طرقٍ: الطريق التي نريدُ أنْ نرقيها إلى الصحةِ، وثلاثةٍ غيرها؛ لأنَّهُ وصفَ طرقاً / 70 أ / بقولِهِ:((أخرى))، أي: غيرَ تلكَ الطريقِ، ولا يشترطُ ذلكَ. فإنِ اعتنى بهِ فقيلَ: إنَّ (4) أقلَّ الجمعِ اثنانِ، قيلَ: فيكونُ أقلُّ ما يرقى إلى الصحةِ طريقينِ معَ تلكَ الطريقِ، وهذا (5) غيرُ مسلّمٍ أيضاً، بل أقلُ ما يجبرها طريقٌ، ويشترطُ أن تكونَ مساويةً لها، أو أعلى بشرطِ القصورِ عن درجةِ الصحةِ إنْ كانَ الحكمُ على المتنِ، لكنَّ عبارتهُ فيها حسنٌ من حيثُ إنها تشملُ ما إذا توبعَ بطرقٍ دونه، فإذا
(1) وتأسياً بهذه الدار المباركة انشأت - بفضل الله ومنه وكرمه - دار الحديث في العراق في 23/ ربيع الأول / 1424 هـ، أسأل الله أن يكتب بها النفع للإسلام والمسلمين، وأن يعينني فيها على نشر عقيدة التوحيد. وأن ينفعني بها يوم الدين، يوم لا ينفع مال ولا بنون إلاّ من أتى الله بقلب سليم.
(2)
التبصرة والتذكرة (63).
(3)
من قوله: ((في جعله صحيحاً)) إلى هنا لم يرد في (ف).
(4)
لم ترد في (ك).
(5)
في (ف): ((وهو)).
انضمَّ بعضُها إلى بعضٍ، صارت حسنةً للغيرِ، فترتقي بها تلكَ الطريقُ الحسنةُ لذاتها إلى الصحةِ، فإنَّهُ انضمَّ حسنٌ إلى مثلهِ، ولا يضرُّ كونُ أحدهما لذاتهِ والآخر لغيرهِ، وتكونُ هذهِ أقل مراتبِ الصحةِ، ولعلَ هذا هوَ الحاملُ للشيخِ على (1) ذكرِ هذا النوعِ هنا، فإنَّهُ تنازع فيهِ الصحيح باعتبارِ مآلهِ، والحسن باعتبارِ أصلهِ، والضعيف باعتبارِ أصلهِ أيضاً، لما بيناهُ من أَنَّ الحسنَ لغيرهِ يرقى أيضاً، فلما تنازعتهُ الأنواعُ الثلاثةُ قصد إلى ذكرهِ في أوسطها، والعبارةُ المخلصةُ أنْ يقالَ: إذا رُوِيَ من غيرِ وجهٍ نحوهُ، كما قالَ الترمذيُّ في الحسنِ لغيرهِ، وكما قالَ فيهِ أيضاً ابنُ الصلاحِ:((بأنْ رُوِيَ مثلُهُ أو نحوهُ من وجهٍ آخرَ، أو أكثرَ)) (2). بل نحنُ هناكَ إلى تكثيرِ الطرقِ أحوجُ؛ لأنها ثمَّ ضعافٌ، وهنا يحتجُّ بكلٍ منها على انفراده.
قلتُ: وعبارةُ ابنِ الصلاحِ هنا: ((إذا كانَ راوي الحديثِ متأخراً عن درجةِ أهلِ الحفظِ والإتقانِ، غيرَ أنَّه منَ المشهورينَ بالصدقِ والسترِ، ورُوِيَ معَ ذلكَ حديثُهُ من غيرِ وجهٍ، فقدِ اجتمعتْ له القوةُ منَ / 70ب / الجهتينِ، وذلكَ يُرقِّي حديثه من درجة الحسنِ إلى درجةِ الصحيحِ. مثالُه حديثُ محمدِ بنِ عمرو
…
)) (3) إلى آخره، فقوله:((من المشهورينَ بالصدقِ والسترِ)) دونَ قولِ الشيخِ: ((مشهورٌ بالصدقِ، والعدالةِ)) (4) وقوله بعد ذلكَ: ((فلما انضمَّ إلى ذلك كونه رويَ من أوجهٍ أخر)) (5) ناقلاً له عن ابنِ الصلاحِ بلفظِ الجمعِ، مخالفٌ لما رأيته في كتابِ ابنِ الصلاحِ في نسخةٍ بخطِّ بعضِ الفضلاءِ، وعليها خطُّ الشيخِ زينِ الدينِ بقراءتهِ لها
(1) زاد بعدها في (ك): ((ما)).
(2)
معرفة أنواع علم الحديث: 100.
(3)
معرفة أنواع علم الحديث: 104.
(4)
شرح التبصرة والتذكرة 1/ 160.
(5)
معرفة أنواع علم الحديث: 105.
عليهِ بلفظ: ((من وجهٍ آخرَ)) (1) بالإفرادِ. وقد اعترضَ هو نفسه في " النكتِ "(2) على ابنِ الصلاحِ في اشتراطِ الروايةِ من وجوهٍ، كما سبقَ عندَ قوله:((يتقاصرُ عنِ الصحيحِ (3))) (4) فلو قالَ الشيخُ: ((طريقٌ أخرى)) لاتَّزَنَ البيتُ وسَلِمَ، وفُهِمَ منه التصحيحُ بطريقين فصاعداً من بابِ الأولى، واللهُ أعلمُ.
وإنما قيد ((نحوها)) ليفهمَ منهُ أَنَّ المتنَ إذا كانَ بلفظهِ سواءً كانَ أولى بالتصحيح.
الثالثةُ: تمثيلهُ بحديثِ: ((لولا أَنْ أشقَّ على أمتي (5))) والمؤاخذةُ في قوله:
((كمتن)) أشدُّ، فإنَّ الحديثَ نفسَهُ صحيحٌ متفقٌ عليهِ، وإنما كانَ ينبغي التمثيلُ بحسنٍ مساوٍ له في مرتبةِ الحسنِ، سواءً كانَ الحسنُ لذاتهِ، أو لغيرهِ، فيفهمُ منهُ استفادةُ تصحيحِ الحديثِ إذا توبعَ بأحسنَ منهُ، أو بصحيحٍ من بابِ الأولى، وأيضاً فإنَّ (6) المتابعةَ القاصرةَ إنما تعتبرُ إذا لم يعارضها معارضٌ، كأنْ يروي عن شيخهِ مَن يخالفُهُ، وهنا قد روى عن شيخِ محمدِ بنِ عمروٍ من خالفهُ، وذكرَ في الحديثِ قصةً. ومنَ القواعدِ أَنَّ الراويينِ إذا اختلفا قُدّمَ الذي ذكرَ قصةً في حديثهِ؛ لأنَّ ذِكرَها مظنةٌ لزيادةِ ضبطهِ / 71 أ / فرَوَى محمدُ بنُ إسحاقَ، عن أبي سلمةَ، عن زيدِ بنِ خالدٍ الجهني، قالَ: ((كانَ السواكُ من أذنهِ بمنْزلةِ القلمِ من أذنِ الكاتبِ، لا يقومُ
(1) ذكرنا في تعليقنا على كتاب معرفة أنواع علم الحديث أن في نسخة (ب): ((وجه آخر)) بالإفراد وهذا دليل على اختلاف النسخ في كتاب ابن الصلاح.
(2)
التقييد والإيضاح: 48.
(3)
من قوله: ((وعبارة ابن الصلاح هنا)) إلى هنا لم يرد في (ك).
(4)
معرفة أنواع علم الحديث: 102.
(5)
عبارة: ((على أمتي)) لم ترد في (ك) و (ف).
(6)
لم ترد في (ك) و (ف).
إلى صلاةٍ إلا استنَّ
…
)) (1) فذكره، فخالف وذكرَ قصةً، ولم يتابع أحدٌ محمدَ بنَ عمرٍو في روايته عن أبي سلمة، عن أبي هريرة (2)، ورواهُ الناسُ عن أبي هريرةَ من غيرِ طريقِ أبي سلمةَ (3)، فهي متابعةٌ لأبي سلمةَ لا للراوي عنهُ محمدِ بنِ عمرٍو، فلو سلّمنا من شيءٍ آخرَ رجّحنا روايةَ محمدِ بنِ إسحاقَ، لكنْ إنما صححنا طريقَ محمدِ ابنِ عمرٍو؛ لأنَّ الترمذيَّ (4) قالَ: إنَّهُ سألَ البخاريَّ عن ذلكَ، فصححَ أَنَّ الحديثَ عندَ أبي سلمةَ، عن زيدِ بنِ خالدٍ وعن أبي هريرةَ، لا لمجردِ متابعةِ مَن تابعَ أبا سلمةَ.
(1) أخرجه: أحمد 4/ 114 و116 و5/ 193، وأبو داود (47)، والترمذي (23)، والنسائي في "الكبرى"(3041) من طرق عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث.
وأخرجه: أحمد 4/ 116 من طريق حرب بن شداد، عن يحيى بن أبي كثير. كلاهما: عن أبي سلمة، عن زيد بن خالد الجهني، به.
(2)
أخرجه: أحمد 2/ 258 و287 و399 و429، والترمذي (22)، والنسائي في "الكبرى"
(3042)
، والطحاوي في " شرح معاني الآثار " 1/ 44، والطبراني في
" الأوسط "(7420)، والبيهقي 1/ 37 من طريق محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، به.
(3)
منهم: حميد بن عبد الرحمان عند أحمد 2/ 460 و517، والنسائي في "الكبرى"(3043).
وسعيد بن أبي سعيد المقبري عند أحمد 2/ 250 و287 و433، وابن ماجه (287).
(4)
قال الترمذي: ((فسألت محمداً عن هذا الحديث أيهما أصح؟ فقال: حديث زيد بن خالد أصح))، قال أبو عيسى:((وحديث أبي سلمة، عن أبي هريرة عندي هو صحيح أيضاً؛ لأنّ الحديث معروف من حديث أبي هريرة، وفي حديث أبي سلمة، عن زيد بن خالد زيادة ما ليس في حديث أبي هريرة؛ وكلاهما عندي صحيح)). العلل الكبير 1/ 106 (10).
وقوله: (فصحَّ هذا الإسنادُ)(1)، أي: لأنَّ عدالةَ راويهِ (2) معروفةٌ، وضبطهُ لهذا الحديثِ قد ثبتَ بالمتابعِ، فصار ضابطاً بالنسبةِ إلى هذا الحديثِ، وهذا كما أنا نثبت السماعَ لبعضِ العامةِ في هذا الزمانِ بشهادةِ الضابطِ الثقةِ المعروفِ الخطِّ له بالسماعِ في طبقةِ السماعِ، وإنْ كان هو لا يعرفُ شيئاً، ولا يقبلُ في شيءٍ (3).
قولهُ: (ليسَ لمطلقِ هذا الحديثِ)(4)، أي: لفظةُ الحديثِ تشملُ المتنَ والسندَ، فلا تقل مثالُ الحسنِ (5) الذي يُروَى (6) من غيرِ طريقٍ، فيصححُ حديثَ
((لولا أن أشقَّ)) (7) بل قيدهُ بكونهِ من طريقِ محمدِ بنِ عمرٍو؛ لأنَّ المتنَ نفسهُ صحيحٌ متفقٌ عليهِ (8).
قوله: (أم صبية)(9) بالصادِ المهملةِ، والباءِ الموحدةِ، مصغرٌ، وربما وقعَ
(1) شرح التبصرة والتذكرة 1/ 160، وهي عبارة ابن الصلاح في معرفة أنواع علم الحديث:105.
(2)
في (ف): ((رواته)).
(3)
من قوله: ((وقوله: فصح هذا الإسناد
…
)) إلى هنا لم يرد في (ك).
(4)
شرح التبصرة والتذكرة 1/ 161.
(5)
لم ترد في (ك).
(6)
في (ف): ((روي)).
(7)
تقدم تخريجه.
(8)
صحيح البخاري 2/ 5 (887) و9/ 105 (7240)، وصحيح مسلم 1/ 151 (252)(42) من حديث الأعرج، عن أبي هريرة. قال العراقي في شرح التبصرة والتذكرة 1/ 161:((وهو متفق عليه من طريق الأعرج)).
(9)
شرح التبصرة والتذكرة 1/ 161.
في بعضِ النسخِ غيرُ ذلكَ (1)، وهو خطأ، قال بعضُ أصحابنا: كان في " الشرحِ الكبيرِ " مولى ((أمِّ حبيبة)) يعني: بحاءٍ مهملةٍ / 71ب / مفتوحةٍ، وموحدتينِ، ثمَّ أصلحهُ بخطهِ ((صبيةٌ)) بالصادِ المهملةِ، وعلم تحتَ الصادِ بصادٍ صغيرةٍ، وشددَ التحتانيةَ، فعلَ ذلكَ في موضعينِ، ووقعَ لهُ موضعُ ثالثٌ ((صبيةٌ)) سالماً عنِ الإصلاحِ (2).
قولهُ:
65 -
قَالَ: وَمِنْ مَظِنَّةٍ لِلحَسَنِ
…
جَمْعُ (أبي دَاوُدَ) أيْ في السُّنَنِ
66 -
فإنَّهُ قَالَ: ذَكَرْتُ فِيْهِ
…
ما صَحَّ أوْ قَارَبَ أوْ يَحْكِيْهِ
67 -
وَمَا بهِ وَهَنٌ شَدِيْدٌ قُلْتُهُ
…
وَحَيْثُ لَا فَصَالِحٌ خَرَّجْتُهُ
68 -
فَمَا بِهِ وَلَمْ يُصَحَحْ وَسَكَتْ
…
عَلَيْهِ عِنْدَهُ لَهُ الحُسْنُ ثَبَتْ
69 -
و (ابْنُ رُشَيْدٍ) قَالَ -وَهْوَ مُتَّجِهْ-
…
: قَدْ يَبْلُغُ الصِّحَّةَ عِنْدَ مُخْرِجِهْ
(1) قلنا في تعليقنا على شرح التبصرة والتذكرة 1/ 161: ((هكذا مجودة الضبط في (س)
و (ق). وفي (ف) و (ع) ونسخة (ن) و (ص): ((أم حبيبة)) بالحاء المهملة، وهو محض خطأ، وما أثبتناه هو الصواب كما في تحفة الأشراف 10/ 280 (14243) وهو الموافق لتهذيب الكمال وفروعه. والحديث في السنن الكبرى للنسائي (3040)، وفي مسند أحمد 1/ 120، وسنن الدارمي (1492)، وشرح معاني الآثار للطحاوي 1/ 43، والسنن الكبرى للبيهقي 1/ 43 وفي سنن النسائي:((عطاء مولى أم سلمة)) وهو تحريف آخر
…
)).
(2)
من قوله: ((قال بعض أصحابنا
…
)) إلى هنا لم يرد في (ك).
ذكرَ في هذهِ الأبياتِ مظنةَ (1) الحسنِ، كما ذكرَ في الصحيحِ مظانهُ (2) حيثُ قالَ:((الصحيحُ الزائدُ على الصحيحينِ)) (3).
وأولُ كلامِ ابنِ الصلاحِ في هذهِ المسألةِ: ((كتابُ أبي عيسى الترمذيِّ أصلٌ في معرفةِ الحديثِ الحسنِ، وهو الذي نوهَ باسمهِ، وأكثرَ من ذكرهِ في " جامعهِ "، ويوجدُ في متفرقاتٍ من كلامِ بعضِ مشايخهِ، والطبقةِ التي قبلهُ، كأحمدَ بنِ حنبلٍ، والبخاريِّ، وغيرهما (4). وتختلفُ النسخُ من كتابِ الترمذيِّ في قولهِ: ((هذا حديثٌ حسنٌ))، و ((هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ)) ونحو ذلكَ (5)
…
ونصَّ الدارقطنيُّ في " سننهِ " على كثيرٍ من ذلكَ (6).
(1) قال في الصحاح: ((مظنةُ الشيء: موضعه ومألفه الذي يظن كونه فيه، والجمع المظان)) الصحاح 6/ 2160، وقال في اللسان:((المظان جمع مظنة - بكسر الظاء - وهي موضع الشيء ومعدنه، مفعلة من الظن بمعنى: العلم)) لسان العرب مادة ((ظنن)).
(2)
زاد بعدها في (ك): ((لأنه)).
(3)
شرح التبصرة والتذكرة 1/ 118.
(4)
وجد التعبير بالحسن في كلام من هو أقدم منهما، كالشافعي، ومالك، بل من هو أقدم، كإبراهيم النخعي، وشعبة، وعلي بن المديني، وغيرهم.
ولكن الملاحظ على تعابيرهم: أن منهم من أراد المعنى الاصطلاحي، ومنهم من لم يرده.
انظر: نكت الزركشي 1/ 331، والتقييد والإيضاح: 52، ونكت ابن حجر 1/ 424، وبتحقيقي: 218 - 219.
(5)
نقل الزركشي 1/ 334 عن ابن دقيق العيد أنه قال: ((إن النسخ من كتاب الترمذي تختلف في قوله: حسن صحيح أو حسن، وأكثر ما يعتمده المتأخرون رواية الكروخي، وهي مخالفة في التصحيح لرواية المبارك بن عبد الجبار)).
(6)
أي: من الحسن، إذ قال في بعض الأحاديث:((إسناده حسن)). انظر على سبيل المثال: سنن الدارقطني 1/ 40 و64، وقال في مواضع:((إسناد حسن)).
انظر: سنن الدارقطني 1/ 35 و48 و56 و318 و335 و351 و2/ 170 و188 و194 و3/ 32 =
ومن مظانهِ)) (1) إلى آخره. استدركَ الشيخُ في " النكتِ "(2) على ابنِ الصلاحِ، فقالَ:((وقد وجدَ التعبيرُ بهِ في شيوخِ الطبقةِ التي قبلهُ أيضاً، كالشافعيِّ -رحمهُ اللهُ تعالى (3) - فقال في كتابِ " اختلافِ الحديثِ " عندَ ذكرِ حديثِ ابنِ عمرَ: ((لقد ارتقيتُ على ظهرِ بيتٍ لنا
…
)) الحديثَ: ((حديثُ ابنِ عمرَ مسندٌ حسنُ
الإسنادِ)) (4)، وقالَ فيهِ أيضاً: ((وسمعتُ من يروي بإسنادٍ حسنٍ أنَّ أبا بكرةَ ذكرَ للنبي صلى الله عليه وسلم: أنَّه ركعَ دونَ الصفِ
…
)) (5) الحديثَ، قالَ:((وقدِ اعترضَ أيضاً على المصنفِ في قولهِ: إنَّ الترمذيَّ ((أكثرَ من ذكرهِ في "جامعهِ")) (6) بأنَّ يعقوبَ ابنَ شيبةَ في "مسندهِ"، وأبا علي الطوسيَّ شيخِ أبي حاتم أكثرا / 72أ / من قولهما: حسنٌ صحيحٌ. انتهى. وهذا الاعتراضُ ليسَ بجيدٍ، لأنَّ الترمذيَّ أولُ من أكثر من ذلكَ. ويعقوبُ
= و172. وقال في مواضع أخرى: هذا إسناد حسن صحيح. انظر: سنن الدارقطني 1/ 342 و2/ 156 و157 و175. وقال في 2/ 198: ((إسناده صحيح حسن)). وقال في موضع آخر 2/ 169: ((إسناد حسن ثابت)). وانظر: نكت الزركشي 1/ 336.
(1)
معرفة أنواع علم الحديث: 105.
(2)
التقييد والإيضاح: 52.
(3)
وكأحمد بن حنبل؛ إذ ذكر ابن حجر في نكته 1/ 425، وبتحقيقي: 219 - 220. أن الخلال قال: حدثنا أحمد بن أصرم: أنه سأل أحمد عن حديث أم حبيبة رضي الله عنها في مسِّ الذكر، فقال: هو حديث حسن.
(4)
اختلاف الحديث: 165، وقد تعقب العراقي تلميذه الحافظ ابن حجر فقال في نكته
1/ 425، وبتحقيقي: 219: ((حكم الشافعي على حديث ابن عمر رضي الله عنهما
…
بكونه حسناً خلاف الاصطلاح، بل هو صحيح متفق على صحته)).
(5)
اختلاف الحديث: 130 - 131.
(6)
معرفة أنواع علم الحديث: 105.
وأبو عليٍ إنما صنفا كتابيهما بعدَ الترمذيِّ، وكأنَ كتابَ أبي علي الطوسيِّ مخرجٌ على كتابِ الترمذيِّ، لكنهُ شاركهُ في كثيرٍ من شيوخهِ، واللهُ
أعلمُ)) (1).
وقولُ ابنِ الصلاحِ: ((عرفناهُ بأنَّهُ منَ الحسنِ عندَ أبي داودَ)) (2)، وموافقةُ الشيخِ له في نظمهِ وشرحهِ (3) ليسَ بجيدٍ (4)، فليسَ بمسلّمٍ (5) أَنَّ كلَّ ما سكتَ عليهِ أبو داودَ يكونُ حسناً، بل هو وهمٌ آتٍ (6) من جهةِ أنَّ أبا داودَ يريدُ بقولهِ:
((صالحٌ)) الصلاحيةَ للاحتجاجِ، ومنْ فهمَ أنَّ ((أصحَّ)) في قولهِ:((وبعضها أصحُّ من بعضٍ)) تقتضي اشتراكاً في الصحةِ، وكذا قوله:((إنَّهُ يذكرُ في كلِّ بابٍ أصحَّ ما عرفهُ فيهِ)) وليسَ الأمرُ في ذلكَ كذلكَ (7). أما من جهةِ قولهِ: ((صالحٌ))؛ فلأنَّهُ كما يحتملُ أنْ يريدَ صلاحيته للاحتجاجِ، فكذا يحتمل أنْ يريدَ صلاحيتهُ للاعتبارِ؛ فإنَّ أبا داودَ قال في الرسالةِ التي أرسلها إلى مَن سألهُ عنِ اصطلاحهِ في كتابهِ:((ذكرتُ فيهِ الصحيحَ، وما يشبههُ، ويقاربهُ، وما فيهِ وهنٌ شديدٌ بينته، وما لا فصالحٌ، وبعضها أصحُّ من بعضٍ)) (8)، واشتملَ هذا الكلامُ على خمسةِ أنواعٍ:
(1) قال الحافظ ابن حجر في نكته 1/ 426 وبتحقيقي: 220: ((وأما على بن المديني فقد أكثر من وصف الأحاديث بالصحة والحسن في مسنده
…
)).
(2)
معرفة أنواع علم الحديث: 106.
(3)
انظر: التبصرة والتذكرة (68)، وشرح التبصرة والتذكرة 1/ 163.
(4)
من قوله: ((وأول كلام ابن الصلاح في هذه المسألة
…
)) إلى هنا لم يرد في (ك).
(5)
جاء في حاشية (أ): ((أي لأنه ليس بمسلّم)).
(6)
في (ف): ((أتى)).
(7)
عبارة: ((وليس الأمر في ذلك كذلك)) لم ترد في (ك).
(8)
رسالة أبي داود إلى أهل مكة 1/ 35 (مع بذل المجهود).
الأولُ: الصحيحُ، ويجوزُ أنْ يريدَ بهِ الصحيحَ لذاتهِ.
والثاني: مشبهه، ويمكنُ أنْ يريدَ به الصحيحَ لغيرهِ.
والثالثُ: مقاربهُ، ويحتملُ أنْ يريدَ بهِ الحسنَ لذاتهِ.
والرابعُ: الذي فيهِ وهنٌ شديدٌ.
وقولهُ: ((وما لا)) يفهمُ منهُ الذي فيهِ وهنٌ ليسَ بشديدٍ، فهو قسمٌ خامسٌ، فإنْ لم يعتضد كانَ صالحاً للاعتبارِ فقط، وإنْ اعتضدَ صار حسناً لغيره / 72 ب/، أي: الهيئةَ المجموعةَ، وصلحَ للاحتجاجِ، وكانَ قسماً سادساً، وعلى تقديرِ تسليمِ أنَّ مرادهُ صالحٌ للاحتجاجِ، لا يستلزمُ الحكمَ بتحسينِ مَا سكتَ عليهِ (1)، فإنَّهُ يرى الاحتجاجَ بالضعيفِ إذا لم يجدْ في البابِ غيرَهُ، كما سيأتي اقتداءً بأحمدَ رضي الله عنه قالَ عبدُ اللهِ بنُ أحمدَ:((سألتُ أبي (2) عنْ شخصينِ في مصر منَ الأمصارِ، أحدهما: محدِّثٌ لايدري صحيح الحديثِ منْ سقيمهِ، والآخرُ: فقيهٌ يفتي بالرأيِّ، فنَزلتْ نازلةٌ، مَن يُستَفتَى فيها؟ قالَ: المحدِّثُ الموصوفُ)) (3) على أنَّهُ قدْ نقلَ عنِ الشافعيِّ ما يقاربُ ذلكَ، فإنَّ الماورديَّ حكى أنَّهُ يحتجُّ بالمرسلِ بشروطهِ في سبعةِ مواطنَ، وعدَّ منها ستةً هي موجودةٌ في كلامِ الشافعيِّ، وعدَّ سابعاً: وهوَ أنْ لا يوجدَ في البابِ غيره قالَ شيخُنَا: ((وهذا لم نرهُ في كلامِ الشافعيِّ)).
وأما منْ جهةِ: ((أصح)) فلا يخفى عليكَ أنَّ تصريحهُ بأنَّه يحتجُ بالضعيفِ يوضحُ أنَّ مرادهَ المفاضلةُ بينهما في الاحتجاجِ، أي: وبعضها أقوى في بابِ الاحتجاجِ منْ بعضِ، لا المشاركةَ في نفسِ الصحةِ.
(1) كتب ناسخ (أ) في الحاشية موضحاً: ((إنه أبو داود)).
(2)
لم ترد في (ك).
(3)
انظر: جامع بيان العلم وفضله 2/ 170.
وعن ابنِ كثيرٍ ما حاصلهُ أنَّ قولهُ: ((بعضها أصحُّ منْ بعضٍ)) يقتضي الصحةَ، إلَاّ أنْ يجابَ بأنَّهُ على رأيِّ المتقدمينَ في تسميةِ الحسنِ صحيحاً، أو أنَّ المرادَ بالأصحيةِ الأمرُ (1) النسبيُّ، أي: أنَّ بعضها أقلّ وَهْناً منْ بعضٍ (2)، فظهرَ بهذا أنَّ مرادهُ بـ ((صالح)) المعنى العامِ، أي: صالحٍ للاحتجاجِ إنْ لمْ يكنْ في البابِ غيرهُ، أو كانَ في البابِ غيرهُ، واعتضدَ، وصالحٌ للاعتبار إنْ كانَ في البابِ غيرهُ، ولم / 73 أ / يعتضد، وأنَّ ((أصحَّ)) ليست على بابها.
وقولهُ: (وقد يكونُ في ذلكَ ما ليسَ بحسنٍ
…
) (3) إلى آخرهِ، قالَ شيخُنا:((ويمكنُ أنْ يكونَ فيهِ ما ليسَ بحسنٍ عندَ أبي داودَ نفسهِ، وهو الذي فيهِ وهنٌ ليسَ بشديدٍ، ويقالُ لابنِ الصلاحِ: إذا جازَ ذلكَ، فكيفَ يطلقُ عليهِ اسمُ الحسن؟ وإنْ قلتَ: حسنٌ عندهُ، فمن أينَ ذلكَ؟ والحالُ أنَّ قولَهُ: ((صالح)) يصلحُ لأنْ يجعلَ متعلقه الاحتجاجَ والاعتبار، واعتراضُ ابنِ رشيدٍ على قولهِ بأنَّه من الحسنِ عندَ أبي داودَ متجهٌ كما قالَ الشيخُ، وجوابُ الشيخِ يردهُ احتمالُ أنْ يكونَ ذلكَ الحديثُ ضعيفاً، فأينَ الاحتياطُ؟)).
قلتُ: ونقلَ عن ابنِ كثيرٍ أنَّهُ قالَ: ((ويُروَى عن أبي داودَ أنَّهُ قالَ: وما سكتُّ عنهُ فهوَ حسنٌ)) (4). انتهى.
(1)((الأمر)) من (ف) فقط.
(2)
من قوله: ((وعن ابن كثير ما حاصله
…
)) إلى هنا لم يرد في (ك).
(3)
شرح التبصرة والتذكرة 1/ 163.
(4)
اختصار علوم الحديث 1/ 136، وبتحقيقي:102.
وعلى تقديرِ صحةِ الروايةِ عنهُ بذلكَ يطرقهُ احتمالُ أنَّهُ حسنٌ للاحتجاجِ بهِ، وأنَّ ما يسكتُ عنه قد يكونُ ضعيفاً ليسَ في البابِ غيره، فيكونُ مما يحتجُّ بهِ عنده، فلا يفيدُ ذلكَ الحسنَ الاصطلاحيَّ.
قولهُ: (وقد ذكرته بعدَ هذا بسبعةِ أبياتٍ)(1) ضربَ الشيخُ في " شرحهِ الكبيرِ " على أبياتٍ، وجعل بدلها ((بيوت)) وما أدري لم صَنعَ ذلكَ؟ ثم رأيتُ عن شيخنا الإمامِ برهانِ الدينِ أنها كانت في هذا " الشرحِ الصغيرِ " أيضاً ((بيوتٌ)) فأصلحها بعدَ قراءته لهُ عليهِ " أبيات "، وكأنَّهُ يكونُ السبعةُ عدداً قليلاً كما تقدّمَ، وأفعالٌ من جموعِ القلةِ (2).
وقولهُ: (قالَ أبو الفتحِ اليعمري)(3)، أي: في " شرحهِ لجامعِ الترمذيِّ "، (4) واللهُ أعلمُ.
قولهُ: (كما عبرَ هو عن نفسهِ)(5) قال الشيخُ في النكتِ (6): ((وهكذا / 73ب / رأيتُ الحافظَ أبا عبدِ اللهِ بنَ المواقِ يفعلُ في كتابهِ " بغيةِ النقادِ "، ويقولُ في الحديثِ الذي سكتَ عليهِ أبو داودَ: هذا حديثٌ صالحٌ)). انتهى.
قال بعضُ أصحابنا: وقد مشى الشيخُ على ما قالهُ ابنُ الصلاحِ فإنَّهُ أخرجَ في تخريجِ أحاديثِ الإحياءِ (7) حديثَ أسامةَ بن زيدٍ الليثي، عن عمرو بنِ شعيبٍ، عن
(1) شرح التبصرة والتذكرة 1/ 163.
(2)
انظر عن جموع القلة: شرح ابن عقيل 2/ 452.
(3)
شرح التبصرة والتذكرة 1/ 164.
(4)
انظر: النفح الشذي 1/ 218.
(5)
شرح التبصرة والتذكرة 1/ 164.
(6)
التقييد والإيضاح: 53.
(7)
تخريج أحاديث الإحياء 1/ 432 (496) وقال فيه: ((وقال الحاكم صحيح على شرط مسلم وأقره الذهبي في التلخيص وسكت عليه أبو داود
…
)) ولم يذكر ما ذكر المؤلف هنا.
أبيهِ، عن عبدِ اللهِ بن عمرٍو رضي الله عنهما، عنِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم أنَّهُ قالَ: ((مَنِ اغتسلَ يومَ الجمعةِ
…
)) فذكرَ الحديثَ. وفي آخره: ((ومَن لغا، وتَخطَّى رقابَ الناسِ، كانت لهُ ظهراً)) قالَ: ((وإسنادهُ حسنٌ سكتَ عليهِ أبو داودَ، وأسامةُ بنُ زيدٍ، وإنِ اختلفوا في الاحتجاجِ بهِ، فقدِ احتجَّ بهِ مسلمٌ)). انتهى.
قلتُ: ولم يحسّنهُ الشيخُ لأجلِ سكوتِ أبي داودَ فقط حتى يكونَ موافقاً له، وإنما أداهُ اجتهادهُ إلى تحسينهِ، ولما كانَ النقادُ قدِ اختلفوا فيهِ، احتاجَ إلى ترجيحِ ماذهبَ إليهِ، فاستدلَّ لهُ باحتجاجِ مسلمٍ بهِ، وبسكوتِ أبي داودَ، فأفادَ الأولُ قوته، والثاني: أنَّهُ ليسَ فيهِ وهنٌ شديدٌ، فثبتَ لهُ مُدّعاهُ، وهوَ كذلكَ، فإنَّ شيخَنا وصفَ زيداً في "تقريبِ التهذيبِ"(1) بأنَّهُ صدوقٌ يَهِمُ (2)، وليسَ بينَ هذهِ المرتبةِ ومرتبةِ من يقولُ فيهِ:((ثقةٌ)) أو ((ثبتٌ)) إلا مرتبةٌ واحدةٌ، وحديثُ هذا الضربِ حسنٌ لذاتهِ، واللهُ أعلمُ. (3)
قولهُ:
70 -
وَللإمَامِ (اليَعْمُرِيِّ) إنَّما
…
قَوْلُ (أبي دَاوُدَ) يَحْكي (مُسْلِما)
71 -
حَيثُ يَقُوْلُ: جُمْلَةُ الصَّحِيْحِ لا
…
تُوجَدُ عِنْدَ (مَالِكٍ) وَالنُّبَلا
72 -
فَاحْتَاجَ أنْ يَنْزِلَ في الإسْنَادِ
…
إلى (يَزيْدَ بنِ أبي زيَادِ)
73 -
وَنَحْوِهِ، وإنْ يَكُنْ ذُو السَّبْقِ
…
قَدْ فَاتَهُ، أدْرَكَ بِاسْمِ الصِّدْقِ
74 -
هَلَاّ قَضى عَلى كِتَابِ (مُسْلِمِ)
…
بِمَا قَضَى عَلَيْهِ بِالتَّحَكُّمِ
(1) تقريب التهذيب (317).
(2)
كتب ناسخ (أ) فوقها: ((خف)).
(3)
من قوله: ((قلت: ونقل عن ابن كثير أنه قال
…
)) إلى هنا لم يرد في (ك).
((اليعمري)) بالفتحِ نسبةً إلى يعمر (1) - بالضمِ والفتحِ - ابنُ شَدَّاخ - بفتحِ المعجمةِ، وتشديدِ المهملةِ، وآخره معجمةٌ- من بني ليثٍ، ويرجعونَ لبني مضر
/ 74 أ / قوله: (وعملهُ في ذلكَ شبيهٌ)(2) يوجدُ في بعضِ النسخِ: ((بذلكَ)) وكذلكِ كانتْ أولاً، ثمَّ جَعلَها الشيخُ بعدَ قراءةِ شيخِنا البرهانِ الشرحَ عليهِ ((في ذلكَ)) (3).
قوله: (أنَّه (4) اجتنبَ الضعيفَ) (5) معمولُ المصدرِ في قولهِ: (بعمل مسلمٍ)(6) أي: عملُ مسلمٍ هو أنَّهُ اجتنبَ
…
إلى آخره، فعملُ أبي داودَ شبيهٌ بعملهِ في هذا (7)، وحاصلُ اعتراضِ ابنِ سيّدِ الناسِ أنَّهُ يلزمُ ابنَ الصلاحِ أنْ يقولَ: إنَّ في " صحيحِ مسلمٍ " غيرَ الصحيحِ، أو إنَّ كلَّ ما في " سنن أبي داود "
صحيحٌ (8).
والجوابُ من أوجهٍ:
الأولُ: لا نُسلّمُ أنَّ العملينِ متشابهانِ منَ الحيثيةِ التي ذكرها، وليسَ بينهما
(1) انظر: الأنساب 4/ 534.
(2)
شرح التبصرة والتذكرة 1/ 165.
(3)
من قوله: ((قوله: وعمله في ذلك شبيه
…
)) إلى هنا لم يرد في (ك).
(4)
لم ترد في (ف).
(5)
شرح التبصرة والتذكرة 1/ 165.
(6)
شرح التبصرة والتذكرة 1/ 165.
(7)
عبارة: ((فعمل أبي داود شبيهٌ بعمله في هذا)) لم ترد في (ك).
(8)
انظر: النفح الشذي 1/ 211.
اشتباهٌ، إلا في (1) أنَّ كلاً يأتي (2) بثلاثةِ أقسامٍ، وهي في " سننِ أبي داودَ " راجعةٌ إلى متونِ الحديثِ، وفي مسلمٍ إلى رجالِ الحديثِ، وليسَ بينَ ضعفِ الرجلِ وصحةِ حديثهِ منافاةٌ، كما سيأتي تحريرهُ، بل قد يكونُ حديثهُ صحيحاً؛ لاعتضادهِ من طرقٍ أخرى، وهذا عملُ مسلمٍ. فأينَ هوَ ممن قسمَ الحديثَ نفسَهُ في كتابهِ إلى صحيحٍ وغيرهِ؟
الثاني: بعدَ تسليم ما قالهُ منِ اتحادِ العملينِ، هوَ ما ذكرهُ الشيخُ (3) في " الشرحِ " من أنَّ مسلماً التزمَ الصحةَ في كتابهِ دونَ أبي داودَ.
الثالثُ: أنَّ أبا داودَ قالَ: ((وما كانَ فيهِ وهنٌ شديدٌ بيّنتهُ))، ففهمَ من تقييدهِ بشديدٍ: أنَّ ثَمَّ شيئاً فيهِ وهنٌ غيرُ شديدٍ، لم يلتزمْ بيانهُ.
الرابعُ: - وهو أرضاها - أنَّ مسلماً إنما يروي عن الطبقةِ الثالثةِ في المتابعاتِ، ويعتني حينئذٍ بتكثيرِ الطرقِ، بحيثُ ينجبرُ ذلكَ القصورُ الذي في روايةِ ذلكَ الراوي الذي من الطبقة الثانيةِ، ومعَ ذلكَ / 74 ب / فإنَّهُ يقلُّ من حديثهم جداً، بحيثُ إنَّه ليسَ في كتابهِ لليثِ بنِ أبي سليمٍ وأنظارهِ إلَاّ نحو عشرةِ أحاديثَ.
وأما أبو داودَ فإنَّ صنيعهُ في ذلكَ مخالفٌ لصنيعهِ في الأمرينِ معاً: يسوقُ أحاديثَ نحو هؤلاءِ للاحتجاجِ، ويكثرُ منها جداً، بحيثُ إنَّ كتابه طافحٌ بذلكَ، ووراءَ هذا كله أنَّ مسلماً لا يذكرُ حديثاً لأهلِ هذهِ الطبقةِ (4)، وهو يجده عندَ الطبقةِ
(1) لم ترد في (ك).
(2)
في (ف): ((أتى)).
(3)
جاء في حاشية (أ): ((أي: العراقي))، وكلامه في شرح التبصرة والتذكرة 1/ 166.
(4)
كتب ناسخ (أ) تحتها: ((أي: الثالثة)).
الأولى مثالُ ذلكَ: ابنُ عونٍ وعوفٌ الأعرابيُّ، كلاهما رَوَى عن ابنِ سيرينَ، وابنِ عونٍ منَ الطبقةِ الأولى، والأعرابيُّ منَ الثانيةِ، فلا يروي مسلمٌ عنهُ، وعن أمثالهِ شيئاً، وهو يجدهُ لابنِ عونٍ وأمثالهِ. ومرادهُ بالإتيانِ بحديثِ الطبقةِ الثالثةِ تقويةُ حديثِ الطبقةِ الثانيةِ، بحيثُ يرقيهِ إلى درجةِ الأولى (1).
فالحاصل أنَّ عمدةَ مسلمٍ (2) أهلُ الطبقةِ الأولى، فإنْ لم يجدها أتى بالثانيةِ، فإنْ لم يجد لمن ساقَ حديثهُ منهمُ متابعاً من تلكَ الطبقةِ أتى بمتابعةٍ منَ الثالثةِ، فبينَ العملينِ فرقٌ كبيرٌ كما ترى، واللهُ الموفقُ.
قولهُ: (فتحرّجَ)(3) تفعّلٌ منَ الحرجِ، بمهملتينِ وجيمٍ، أي: أزالَ الحرجَ، وهوَ الضيقُ الواقعُ من تلكَ الجهةِ، فتركهُ واجتنبهُ، فلم يأتِ بشيء من حديثهم؛ لئلا يلزمهُ بذلكَ ضيقٌ بقلةِ الوثوق بكتابهِ؛ لطردِ احتمالِ الضعفِ في كلِّ حديثٍ منهُ (4).
وقوله: (أصحُّ)(5) لا تنهضُ له بهِ حجةٌ، وذلكَ؛ لأنَّ إطلاقَ ((أفعلَ)) يكون حينئذٍ بحسبِ الأكثرِ؛ لأنَّ غيرَ الصحيحِ أقلُّ، والعربُ تقولُ: هذا / 75 أ / أجلى من هذا، ويكونُ في الثاني الجلو وغيرهِ، أو أنَّ أصحَّ ليست على بابها، وأهلُ هذا الشأنِ يكثرونَ من استعمالها كذلكَ، فهذا الترمذيُّ يكثرُ من أنْ يرويَ عن ضعيفٍ حديثاً، ثمَّ يرويَ آخرُ عن غيرِ ضعيفٍ، ويقولُ: هذا أصحُّ من حديثِ فلانٍ، أو
(1) عبارة: ((درجة الأولى)) لم ترد في (ك).
(2)
لم ترد في (ك).
(3)
شرح التبصرة والتذكرة 1/ 165، وهو كلام أبي الفتح اليعمري في النفح الشذي 1/ 213.
(4)
من قوله: ((قوله: فتحرج
…
)) إلى هنا لم يرد في (ك).
(5)
شرح التبصرة والتذكرة 1/ 166، وهو كلام أبي الفتح اليعمري في النفح الشذي 1/ 213.
يكونُ ضمنَ ((أصحُّ)) معنى ((أولى))، أو ((أرجحُ)) ونحو ذلكَ، وقد تقدمَ قريباً ما ينفعُ هنا.
قولهُ: (ويحتاج إلى نقلٍ)(1) قال الشيخُ في " النكتِ ": ((إنَّ بعضَ من اختصر كتابَ ابنِ الصلاحِ تعقبهُ بتعقبٍ آخرَ، وهو الحافظُ عمادُ الدينِ بنُ كثيرٍ فقال: ((إنَّ الرواياتِ لسننِ أبي داودَ كثيرةٌ، ويوجدُ في بعضها ما ليسَ في الأخرى، ولأبي عبيدٍ الآجري عنهُ (2) أسئلةٌ في الجرحِ والتعديلِ، والتصحيحِ، والتعليلِ، كتابٌ مفيدٌ، ومن ذلكَ أحاديثُ، ورجالٌ قد ذكرها في سننهِ، فقولُ ابنِ الصلاحِ:((ما سكتَ عنهُ فهو حسنٌ)) (3) ما سكتَ عليهِ في سننهِ فقط أو مطلقاً؟ هذا مما ينبغي التنبيهُ عليهِ، والتيقظُ لهُ)). انتهى كلامهُ (4)، وهو كلامٌ عجيبٌ!! وكيفَ يحسنُ هذا الاستفسارُ بعدَ قولِ ابنِ الصلاحِ:((إنَّ من مظانِّ الحسنِ سننَ أبي داودَ)) (5) فكيفَ يحتمل حملَ كلامهِ على الإطلاقِ في " السننِ " وغيرها.
وكذلكَ لفظُ أبي داودَ صريحٌ فيهِ؛ فإنَّهُ قالَ في رسالته: ((ذكرتُ في كتابي هَذا الصحيحَ .. )) (6) إلى آخر كلامه. وأمَّا قولُ ابنِ كثيرٍ: ((مِن ذلكَ أحاديثُ
(1) شرح التبصرة والتذكرة 1/ 166.
(2)
جاء في حاشية (أ): ((أبي داود)).
(3)
معرفة أنواع علم الحديث: 106.
(4)
اختصار علوم الحديث: 1/ 137، وبتحقيقي: 102 - 103.
(5)
معرفة أنواع علم الحديث: 105 - 106.
(6)
لم أقف على قول أبي داود هذا في الرسالة المطبوعة مع بذل المجهود ولا المطبوعة بتحقيق الشيخ عبد الفتاح أبو غدة فلعله سقط من النسخة الخطية المعتمدة عند صاحب بذل المجهود وعند الشيخ عبد الفتاح، وقد تظافرت العديد من كتب المصطلح على نسبته إلى الرسالة.
انظر: التقييد والإيضاح: 55، وفتح المغيث 1/ 77، وكشف الظنون 2/ 1005. =
ورجالٌ قَد ذكرها في "سننهِ")) إنْ اراد بهِ أنَّهُ ضعَّفَ أحاديثَ ورجالاً في "سؤالاتِ الآجري"، وسكتَ عليها في " السننِ"، فلا يلزمُ مِن ذكرهِ / 75 ب / لها في السؤالاتِ بضعفٍ أنْ يكونَ الضعفُ شديداً؛ فإنَّهُ يسكتُ في "سننهِ" على الضعفِ الذي ليسَ بشديدٍ، كما ذكرهُ هو. نَعمْ، إنْ ذكر في السؤالاتِ أحاديثَ أو رجالاً بضعفٍ شديدٍ، وسكتَ عليها في "السننِ" فهو واردٌ عليهِ، ويحتاجُ حينئذٍ إلى جوابٍ، واللهُ أعلمُ)) (1).
قوله: (أي على كتابِ أبي داودَ)(2) جوّزَ في " الشرحِ الكبيرِ ": أنْ يكونَ ضميرُ ((عليهِ)) لأبي داودَ نفسهِ، وقدّمهُ على ما جوّزهُ هنا (3).
قوله:
75 -
وَ (البَغَوِيْ) إذْ قَسَّمَ المَصَابحَا
…
إلى الصِّحَاحِ والحِسَانِ جَانِحا
76 -
أنَّ الحِسَانَ مَا رَوُوْهُ في السُّنَنْ
…
رَدَّ عَلَيهِ إذْ بِهَا غَيْرُ الحَسَنْ
= وقد رواه الخطيب في تاريخ بغداد 9/ 57 من طريق ابن داسة، عنه من غير عزو إلى الرسالة، والذي يدل عليه صنيع الحازمي في شروط الأئمة الخمسة 67 - 68: أن هذا المقطع ليس في رسالة أبي داود؛ فإنه نقل نصاً من الرسالة ثم قال عقبه: ((وقد روينا عن أبي بكر بن داسة أنه قال: سمعت أبا داود يقول
…
)) فذكره، وهذا هو مقصد ابن الصلاح فإنه قال: ((روينا عنه أنه قال: ذكرت فيه الصحيح
…
)) ثم قال: ((وروينا عنه أيضاً ما معناه: أنه يذكر في كل باب أصح ما عرف)) وهذا النقل موجود في رسالته: 30 ط. عبد الفتاح أبو غدة.
(1)
التقييد والإيضاح: 54 - 55.
(2)
شرح التبصرة والتذكرة 1/ 166.
(3)
من قوله: ((وتقدم قريباً ما ينفع هنا
…
)) إلى هنا لم يرد في (ك).
قال التبريزيُّ ما معناه: ((لا أزالُ أتعجبُ من الشيخينِ - يعني: ابنَ الصلاحِ والنوويَّ حيثُ تبعَ عبارتهُ في " مختصرهِ " - في اعتراضِهما على البغويِّ، معَ أنَّهُ منَ المقررِ أنَّهُ لا مشاحةَ في الاصطلاحِ)). (1)
قالَ شيخُنا: ((وعندي أنَّ ابنَ الصلاحِ لم يسقْ كلامَه اعتراضاً على البغويِّ، وإنما أرادَ أنْ يعرفَ أنَّ البغويَّ اصطلحَ لنفسهِ أنْ يسميَ السننَ الأربعةَ الحسانَ؛ ليغتني بذلكَ عَن أنْ يقولَ عقب كلِّ حديثٍ يخرجهُ منها: ((أخرجهُ (2) أصحابُ السننِ، أو بعضُهم))، وكلامُه (3) يكادُ يكونُ صريحاً في ذلكَ، حيثُ قالَ:((هَذا اصطلاحٌ لا يعرفُ)) (4). فبيّنَ أنَّهُ اصطلاحٌ، وأنَّهُ حادثٌ، ثمَّ قالَ:((وليسَ الحسنُ عندَ أهلِ الحديثِ عبارةً عن ذلكَ - حتى لا (5) يظنَّ ظانٌ أنَّهُ ليسَ فيها إلا الحسنُ الذي تقدّمَ تعريفه، ثمَّ صرّحَ بما أفهمهُ كلامهُ، فقالَ -: وهذهِ الكتبُ تشتملُ على حسنٍ، وغيرِ حسنٍ كما سبقَ بيانُه)). (6))) (7).
قالَ شيخُنا: ((فالحاصل أنا لا نسلّمُ أنَّ البغويَّ أرادَ الحسنَ المقدمَ تعريفُه، ولا نسلّمُ أنَّ ابنَ الصلاحِ اعترضَ عليهِ / 76 أ / سلّمنا ذلكَ من الجانبينِ، ولا نسلّمُ أنَّ الاعتراضَ صحيحٌ، بل الجوابُ: أنَّ ما فيها منَ الصحيحينِ قد عُلِمتْ صحتُهُ من
(1) انظر: نكت الزركشي 1/ 342 - 343، ونكت ابن حجر 1/ 446، وبتحقيقي:238.
(2)
في (ف): ((خرجه)).
(3)
جاء في حاشية (أ): ((أي: ابن الصلاح)).
(4)
معرفة أنواع علم الحديث: 107.
(5)
لم ترد في (ك).
(6)
من قوله: ((ثم صرح بما أفهمه كلامه .... )) إلى هنا لم يرد في (ك).
(7)
معرفة أنواع علم الحديث: 107.
قولهِ منَ الصحاحِ، وما فيها مِن غيرهِما فقد ذَكرَ في الخطبةِ (1): أنَّه يحذفُ منهُ ما كانَ وهنُهُ شديداً، ويبيّنُ ما كانَ منهُ غريباً، فالذي يبقى بعدَ هذهِ الأقسامِ غالبُه حسنٌ، بلِ الضعيف فيهِ نادرٌ جدّاً؛ فالحكمُ على الجميعِ بالتحسينِ باعتبارِ الغلبةِ حينئذٍ، كما هوَ الجوابُ عن إطلاقِ مَن أطلقَ على الأربعةِ أو بعضِها الصحةَ، وليسَ ذلكَ بمنكرٍ)).
وقال الشيخُ في " النكتِ ": ((وأجابَ بعضهم بأنَّ البغويَّ بيّنَ في كتابهِ " المصابيحِ " عقبَ كلِّ حديثٍ كونه صحيحاً، أو حسناً، أو غريباً)) (2).
قلتُ: ليسَ كذلكَ، فإنَّهُ لا يبيّنُ الصحيحَ من الحسنِ، فيما أوردهُ منَ السننِ، وإنما يبيّنُ الغريبَ غالباً، وقد يبيّنُ الضعيفَ، ولذلكَ قالَ في خطبةِ كتابهِ:
((وما كانَ فيها من ضعيفٍ، أو غريبٍ، أشرتُ إليهِ)). (3) انتهى.
فالإيرادُ باقٍ في مزجهِ صحيحَ ما في السننِ بما فيها من الحسنِ، وكأنَّه سكتَ عن بيانِ ذلكَ؛ لاشتراكهما في الاحتجاجِ بهِ، واللهُ أعلمُ (4).
قوله:
77 -
كَانَ (أبُوْ دَاوُدَ) أقْوَى مَا وَجَدْ
…
يَرْوِيهِ، والضَّعِيْفَ حَيْثُ لَا يَجِدْ
78 -
في البَابِ غَيْرَهُ فَذَاكَ عِنْدَهْ
…
مِنْ رَأيٍ اقوَى قَالهُ (ابْنُ مَنْدَهْ)
79 -
وَالنَّسَئي (5) يُخْرِجُ مَنْ لَمْ يُجْمِعُوا
…
عَليْهِ تَرْكَاً، مَذْهَبٌ مُتَّسِعُ
(1) انظر: مصابيح السنة 1/ 2 و189.
(2)
التقييد والإيضاح: 55.
(3)
انظر: مصابيح السنة 1/ 2.
(4)
من قوله: ((وقال الشيخ في النكت
…
)) إلى هنا لم يرد في (ك).
(5)
قَصَدَ النَّسائي وإنما قال: ((النسئي))؛ لضرورة الوزن.
أبو داودَ إنما يرى الضعيفَ أقوى من رأي الرجالِ؛ إذا كانَ صالحاً؛ لأنْ يجبرَ، وكانَ مندرجاً تحتَ أصلٍ عام، وهوَ قولُ الإمامِ أحمدَ، فإنَّهُ قالَ:((إنَّ ضعيفَ الحديثِ أحبُّ إليهِ من رأي الرجالِ)) (1) ووجهه الاتفاق على أنَّهُ لا يُعدلُ إلى القياسِ إلا بعدَ عدمِ النص. فإنْ قيلَ: هذا ليسَ بنصِّ صحيحٍ، قلنا: أليسَ غايتهُ أنْ يكونَ من كلامِ النبي صلى الله عليه وسلم، ولا / 76 ب / خلافَ حينئذٍ بينَ أحدٍ منَ المسلمينَ في وجوبِ العملِ بهِ، ما لم يمنعْ مانعٌ، والقياسُ غايتُه أنْ يوافقَ الصوابَ، فيجيءَ الخلافُ في جوازه، ولا شكَّ أنَّ احتمالَ كونِ النبي صلى الله عليه وسلم قالهُ أرجحُ منِ احتمالِ كونه قالَ ما أدّى إليهِ القياسُ. وأيضاً فالقياسُ - ولو وافقَ الصوابَ - لا يجوزُ أنْ يقالَ: إنَّهُ قالهُ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، بخلافِ الحديثِ الضعيفِ على تقديرِ
صحتهِ.
ولا فرقَ في هذا القولِ بينَ الأحكامِ وغيرها.
وفي المسألةِ قولٌ ثانٍ، وهوَ تركُ العملِ بهِ مطلقاً. قالهَ القاضي أبو بكرِ بنُ العربي. والصحيحُ التفصيلُ، فيستحبُ العملُ بهِ في الفضائلِ إلا أنْ يكونَ موضوعاً، ولا يعملُ بهِ في الأحكامِ إلا أنْ يكونَ في العملِ بهِ احتياطٌ وورعٌ. ذكرهُ النوويُّ في أولِ "الأذكارِ "(2)، وعزاهُ للعلماءِ من المحدّثينَ والفقهاءِ وغيرِهم. لكنْ لا يَعتقدُ عندَ العمل بهِ ثبوتَهُ؛ لئلا يكونَ مُتقوّلاً على رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، بل يعتقدُ الاحتياطَ، أو أنَّهُ لا مانعَ منهُ لاندراجهِ تحتَ أصلٍ معمولٍ بهِ. (3)
(1) من قوله: ((وكان مندرجاً تحت أصل عام
…
)) إلى هنا لم يرد في (ك).
(2)
الأذكار: 8.
(3)
من قوله: ((ولا فرق في هذا القول
…
)) إلى هنا لم يرد في (ك).
قوله: (أنْ يخرجَ عن كلِّ من لم يجمع على تركهِ)(1). تتمةُ كلامهِ: ((قالَ ابنُ مَندَه: وكذلكَ أبو داودَ السجستانيُّ يأخذُ مأخذهُ، ويخرجُ الإسنادَ الضعيفَ إذا لم يجد في البابِ غيرهُ. فقوله: يأخذُ مأخذهُ، ظاهرٌ في أنَّهُ يخرجُ من لم يجمعْ على تركهِ)).
وقوله: و (يخرجُ)(2): كلامٌ آخر مستأنفٌ، زادَ بهِ على النسائي.
قال شيخُنا الحافظ برهانُ الدينِ (3): ((فعرضتُ هذا على المصنفِ، فوافقَ عليهِ، فنظمتهُ في / 77 أ / بيتٍ، فقلتُ:
وقالَ في الأزديِّ أيضاً مثلَهُ
…
كذا لهُ وشيخُنَا أهملَهُ
- وقالَ -: فقولي: وقالَ -أي: ابنُ منده - وقولُ الأزديِّ هوَ أبو داودَ، وقولُ كذا لهُ، أي: لابنِ الصلاحِ، وشيخُنا - أي: العراقيُّ -)). انتهى ما وجدتهُ عنهُ.
وما نُقِلَ عنِ النَّسائيِّ، وعنْ أبي داودَ كذا (4) فهمهُ شيخُنَا البرهانُ (5) غيرَ مقيدٍ بكتابٍ، فكيفَ يحملهُ المصنفُ على ما هوَ ظاهرُ صنعهِ في النظمِ والشرحِ (6) على أنَّ المرادَ أنَّ ذَلِكَ صُنعُ النَّسائيِّ (7) في كتابِ "السننِ"، فإنَّهُ يمكنُ أنْ
(1) شرح التبصرة والتذكرة 1/ 167، وانظر: شروط الأئمة الستة: 19.
(2)
التبصرة والتذكرة (79).
(3)
وهو الشيخ الإمام الحافظ إبراهيم بن محمد بن خليل، أبو الوفاء الحلبي، سبط ابن العجمي من كتبه:"نهاية السول في رواية الستة الأصول، و" شرح سنن ابن ماجه "، و" الذيل على كتاب الميزان للذهبي " توفي سنة (841 هـ).
انظر: الضوء اللامع 1/ 138، وشذرات الذهب 7/ 237.
(4)
في (ف): ((كما)).
(5)
من قوله: ((تتمة كلامه قال ابن منده
…
)) إلى هنا لم يرد في (ك).
(6)
عبارة: ((المصنف على ما هو ظاهر صنعه في النظم والشرح)) لم ترد في (ك).
(7)
في (ك): ((صنعه)).
يكونَ هذا مذهبهُ لكنهُ تجوَّزَ في "سننهِ"، وهو الواقعُ، فإنَّهُ إذا أخرجَ فيهِ عنْ ضعيفٍ يعتذرُ بأنْ يقولَ: إنما أخرجتُ حديثَ فلانٍ للتنبيهِ عليهِ، أو لئلا يسقطَ (1) منَ التبين، ونحو ذَلِكَ، وقدْ نقلَ الدارقطنيُّ عنْ شيخِهِ أبي طالبٍ أحمدَ بنِ نصرٍ أنَّهُ قالَ:((منْ يصبرُ على ما صبرَ عليهِ النَّسائيُّ، عندهُ من (2) حديثِ ابنِ لهيعةَ بعلوٍّ، ولم يخرجْ منهُ حديثاً واحداً)) (3)، ونقلَ ابنُ طاهرٍ عنْ سعدٍ الزنجانيِّ أنَّهُ قالَ:((إنَّ لأبي عبدِ الرحمانِ شرطاً في الرجالِ أقوى منْ شرطِ البخاريِّ ومسلمٍ)) (4). قالَ شيخُنَا: ((ومعَ ذلكَ فالظاهِرُ أنَّهُ يُريدُ إجماعاً خاصاً عنْ طائفةٍ مخصوصةٍ، لا إجماعَ جميعِ المسلمينَ)) (5).
وقولهُ:
80 -
وَمَنْ عَليها أطْلَقَ الصَّحِيْحَا
…
فَقَدْ أَتَى تَسَاهُلاً صَرِيْحَا
قولهُ: (حيثُ قالَ)(6) يعني: السلفيَّ في الكتبِ الخمسةِ: هي ما عدا كتابِ ابنِ ماجه، وأَولُ مَنْ ضمَّ ابنَ ماجه إليها ابنُ طاهرٍ المقدسيُّ، فلمْ يُقلَّد في ذلكَ، فلما (7) ضمَّهُ الشيخُ عبدُ الغنيِّ إليها في كتابهِ / 77ب / " الكمال" تابعَهُ النَّاسُ.
(1) لم ترد في (ك).
(2)
لم ترد في (ك) و (ف).
(3)
انظر: شروط الأئمة الستة: 27.
(4)
شروط الأئمة الستة: 26.
(5)
من قوله: ((قال شيخنا: ومع ذلك فالظاهر
…
)) إلى هنا لم يرد في (ك).
(6)
شرح التبصرة والتذكرة 1/ 168.
(7)
زاد بعدها في (ف): ((صح)).
قولهُ: (اتفقَ على صحتهَا)(1)، أي: صحةِ أحاديثِها، لا يقالُ: المرادُ صحةُ نسبتها إلى مُصنفيها (2) كما اعتذر بهِ بعضهمْ؛ لأنَّهُ لا (3) اختصاصَ لها بذلكَ، بل كلُّ كتابٍ اشتهرَ كـ " الموطأ " و" مسندِ أحمدَ " وعبدِ بنِ حميدٍ ونحوِها، فهوَ كذلكَ، فليسَ حينئذٍ لهذه الخمسةِ مزيةٌ، ويحملُ قولُ السلفيِّ، ومنْ والاهُ على الأكثريةِ، ومنْ وصفَ النَّسائيَّ بالصحيحِ: الحاكمُ (4)، وأبو أحمدَ بنُ عديٍّ، وأبو عليٍّ النيسابوريُّ (5)، ولمْ يصلْ إلى ابنِ السكنِ إلَاّ الصحيحانِ، وأبو داودَ، والنَّسائيُّ فوصفها بالصحةِ.
عبارةُ ابنِ الصلاحِ في أول هذه المسألةِ: ((مِنْ أهلِ الحديثِ مَنْ لا يفردُ نوع الحسنِ ويجعلهُ مندرجاً في أنواعِ الصحيحِ؛ لاندراجهِ في أنواعِ ما يحتجُّ بهِ، (6) وهو
(1) شرح التبصرة والتذكرة 1/ 168.
(2)
جاء في حاشية (أ): ((بل المراد صحة أحاديثها)).
(3)
لم ترد في (ك).
(4)
لم ترد في (ك).
(5)
انظر: نكت ابن حجر 1/ 481، وبتحقيقي:266.
(6)
بل قالَ شيخ الإسلام أبو العباس بن تيمية: ((قسمة الحديث إلى صحيح وحسن وضعيف، فهذا أول من عرف أنه قسمه هذه القسمة أبو عيسى الترمذي، ولم تعرف هذه القسمة عن أحدٍ قبله)). ثم قالَ: ((وأما من قبل الترمذي من العلماء فما عرف عنهم هذا التقسيم
الثلاثي، لكن كانوا يقسمونه إلى صحيح وضعيف، والضعيف عندهم نوعان: ضعيف لا يمتنع العمل به، وهو يشبه الحسن في اصطلاح الترمذي، وضعيف ضعفاً يوجب تركه وهو
الواهي)). مجموع الفتاوى 18/ 17و18. وانظر: 18/ 140 منه.
وقال العراقي في التقييد: 19: ((لم أرَ من سبق الخطابي إلى تقسيمه ذَلِكَ، وإن كانَ في كلام المتقدمين ذكر الحسن)).
وقال ابن حجر في نكته 1/ 479، وبتحقيقي: 264: ((وهذا ينبغي أن يقيد به إطلاقه في أول الكلام على نوع الصحيح، وهو قوله: الحديث ينقسم عندَ أهله إلى صحيح وحسن وضعيف)).
الظاهرُ منْ كلامِ الحاكمِ أبي عبدِ اللهِ الحافظِ في تصرفاتهِ، وإليهِ يومىءُ في تسميتهِ كتابِ الترمذيِّ بـ " الجامعِ الصحيحِ "(1)، ثمَّ يسمِّي الواصفينَ لها أو لبعضِها بالصحيحِ، وقالَ: وهذا تساهلٌ؛ لأنَّ فيها ما صرحوا بكونهِ ضعيفاً، أو منكراً، أو غيرَ (2) ذلكَ منْ أنواعِ الضعيفِ، وصرَّحَ (3) أبو داودَ فيما قدَّمنَا روايتَهُ عنه بانقسامِ ما في كتابهِ إلى صحيحٍ وغيرهِ، والترمذيُّ مصرِّحٌ فيما في كتابهِ بالتمييزِ بينَ الصحيحِ والحسنِ، ثمَّ إنَّ من يُسمي الحسنَ صحيحاً لا ينكرُ أنَّهُ دونَ الصحيحِ المقدَّمِ المبيَّنِ أولاً، فهذا إذن اختلافٌ في العبارةِ دونَ المعنى، والله أعلم)) (4).
قالَ الشيخُ في "النكتِ"(5): ((وإنما قالَ السِّلفيُّ بصحةِ أصولهِا، كذا ذكرهُ في مقدمةِ الخطابيِّ، فقالَ: وكتابُ أبي داودَ فهوَ أحدُ الكتبِ الخمسةِ التي اتفقَ أهلُ
/ 78أ / الحلِّ والعقد منَ الفقهاءِ، وحفاظِ الحديثِ الأعلامِ النبهاءِ على قبولها، والحكمِ بصحةِ أصولها. انتهى.
ولا يلزمُ من كونِ الشيء له أصلٌ صحيحٌ أنْ يكونَ هو صحيحاً، فقد ذكرَ ابنُ الصلاحِ - عندَ ذكرِ التعليقِ -:((أنَّ مالم يكنْ في لفظهِ جزمٌ مثلَ رُوي، فليسَ في شيء منهُ حكمٌ منهُ بصحةِ ذلكَ عنهُ، قالَ: ومعَ ذلكَ فإيرادهُ له في أثناءِ الصحيحِ مشعرٌ بصحةِ أصله)) (6). انتهى.
(1) انظر: النفح الشذي 1/ 189. وقالَ ابن حجر في نكته 1/ 479، وبتحقيقي: 265
: ((إنما جعله يومىء إليه؛ لأن ذَلِكَ مقتضاه، وذلك أن كتاب الترمذي مشتمل على الأنواع الثلاثة، لكن المقبول فيهِ --وهو الصحيح والحسن- أكثر من المردود، فحكم للجميع بالصحة بمقتضى الغلبة)). وانظر: 1/ 479 - 481، وبتحقيقي: 265 - 267 منه.
(2)
في (ف): ((نحو)).
(3)
في (ف): ((وخرَّج)).
(4)
معرفة أنواع علم الحديث: 111.
(5)
التقييد والإيضاح: 62.
(6)
معرفة أنواع علم الحديث: 94.
فَلَم يحكم في هذا بصحةٍ، مع كونهِ له أصلٌ صحيحٌ)). انتهى.
وعنِ ابنِ كثيرٍ: ((أنَّ في الترمذيِّ أحاديثَ كثيرةً منكرةً، وفي النسائيِّ رجالٌ مجهولونَ إمّا عيناً، أو حالاً، وفيهم المجروحُ، وفيهِ أحاديثُ ضعيفةٌ، ومعللةٌ، ومنكرةٌ)) (1)(2).
قولهُ:
81 -
وَدُوْنَهَا في رُتْبَةٍ مَا جُعِلَا
…
عَلى المَسَانِيْدِ، فَيُدْعَى الجَفَلَى
82 -
كَمُسْنَدِ (الطَّيَالَسِيْ) و (أحْمَدَا)
…
وَعَدُّهُ (لِلدَّارِميِّ) انْتُقِدَا
أي: ودونَ السننِ المرتَّبة (3) على الأبوابِ من (4) الستةِ وغيرها في رتبةِ الاحتجاجِ الكتبُ المجموعةُ على المسانيدِ، فإنَّ من شأنِ المسندِ أنْ يذكرَ فيهِ ما وردَ عن ذلكَ الصحابيِّ جميعه، فيُدعى الحديثُ فيهِ الدعوةَ الجفلَى، أي: العامةَ للضعيفِ وغيرهِ، بخلافِ المرتّبِ على الأبوابِ؛ فإنَّ شأنهُ أنْ يُساقَ الحديثُ فيهِ للاحتجاجِ، والمحتجُّ من شأنهِ أنْ لا يوردَ لإثباتِ دعواهُ إلا المقبولَ، فالمبوِّبُ إذا قالَ: بابُ كيتَ وكيتَ فكأنَّهُ قالَ: أنا أدّعي أنَّ الحكمَ في المسألةِ الفلانيةِ كذا وكذا، بدليلِ ما حَدّثَنا فلانٌ، عن فلانٍ: أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قالَ كذا وكذا. هكذا قالَ (5)، وليسَ بمسلّمٍ لهُ ذلكَ طرداً، ولاعكساً. نَعَم هذا هوَ الأصلُ، لكنْ قد ينعكسُ الأمرُ، فينتقي صاحبُ المسندِ، فلا يذكرُ إلاّ مقبولاً، كما صنعَ الإمامُ أحمدُ، / 78 ب / فإنَّهُ قالَ: ((انتقيته من سبعِمئةِ ألفٍ وخمسينَ ألفَ
(1) من قوله: ((عبارة ابن الصلاح في أول هذه المسألة
…
)) إلى هنا لم يرد في (ك).
(2)
اختصار علوم الحديث: 1/ 116 - 117 وبتحقيقي: 85.
(3)
في (ك): ((المرتبة)).
(4)
جاء في حاشية (أ): ((أي: الكتب الستة)).
(5)
جاء في حاشية (أ): ((أي: ابن الصلاح)).
حديثٍ)) (1) فما كانَ ينبغي لهُ أنْ يمثلَ بهِ لما دونَ السننِ، وإنْ كانَ المصنِّفُ قد قالَ في " النكتِ " (2):((إنَّ فيهِ الموضوعَ)) فإنَّ شيخَنا (3) قد نَفَى ذلكَ، وصنَّفَ كتاباً في الذبِّ عنِ المسندِ (4)، وكذا البزارُ انتقى "مسندهُ" وإذا ذكرَ فيهِ ضعيفاً بيَّنَ حالَهُ في بعضِ الأحاديث وربما اعتذرَ عن إيرادهِ بأنَّهُ ما وَجدَ في البابِ غيرَه أو بغيرِ ذلكَ.
وإسحاقُ بنُ راهويهِ يخرجُ أمثلَ ما وردَ عن ذلكَ الصحابيِّ، ويجمعُ المبوبَ كابنِ ماجه، فيذكرُ ماله تعلقٌ بترجمةِ ذلكَ البابِ ضعيفاً كانَ، أو غيرَهُ، لا سيَّما إذا قالَ: ما جاءَ في كيت وكيتَ. فإنْ قيلَ: إنما الضميرُ في ((دونها)) للكتبِ الخمسةِ فقط، قيلَ: لو كانَ كذلكَ لما قابلها بالمسانيدِ بل كانَ يقولُ: ودونها غيرها منَ المرتبِ على الأبوابِ ودونَ الكلِّ المسانيدُ.
وعبارةُ ابنِ الصلاحِ الذي نظم الشيخُ كلامهُ: ((كتبُ المسانيدِ (5) غيرُ ملتحقةٍ بالكتبِ الخمسةِ التي هي " الصحيحانِ "، و" سننُ أبي داودَ "، و" سننُ النسائيِّ "،
(1) خصائص مسند أحمد: 13.
(2)
التقييد والإيضاح: 57.
(3)
جاء في حاشية (أ): ((أي: ابن حجر)).
(4)
وهو كتاب " القول المسدد في الذب عن مسند الإمام أحمد ".
(5)
قال الزركشي في نكته 1/ 343: ((يجوز لك إثبات الياء في الجمع، ويجوز حذفها، وكذلك مراسيل ومراسل، والأولى الحذف، قال تعالى:{مَا إِنَّ مَفَاتِحَه} . والإثبات عند البصريين موقوف على السماع، وعند الكوفيين جائز، ذكر ذلك سيبويه في أول كتابه في باب الضرورات وأنشد:
تنفي يداها الحصى في كل هاجرة
…
نفي الدنانير تنقاد الصياريف
وجعل بعضهم منه قوله تعالى: {وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَه} . قال: وقياسه معاذر؛ لكنه أشبع الكسرة فتولدت الياء)).
انظر: الكتاب لسيبويه 1/ 28، ومحاسن الاصطلاح: 42 - 43، والبحر الذي زخر 3/ 1205.
و" جامعُ الترمذيِّ "، وما جرى مجراها في الاحتجاجِ بها، والركونِ إلى ما يوردُ فيها مطلقاً " كمسندِ أبي داودَ الطيالسيِّ "(1) و" مسندِ عبيدِ اللهِ بنِ
موسى " (2)، و" مسندِ أحمدَ بنِ حنبلٍ "، و" مسندِ إسحاقَ بن راهويهِ "، و" مسندِ عبدِ بنِ حميدٍ "، و" مسندِ الدارميِّ " (3)، و" مسندِ أبي يعلى الموصلي "، و" مسندِ الحسنِ بنِ سفيانَ "، و" مسندِ البزارِ أبي بكرٍ " (4)، وأشباهها. فهذه عادتُهم / 79 أ / فيها أن يخرجوا في مسندِ كلِّ صحابيٍّ ما رووهُ من حديثهِ غير متقيدين بأنْ يكونَ حديثُهُ (5) محتجاً بهِ (6)، فلهذا تأخرت مرتبتُها - يعني: المسانيدَ (7) وإن جلّتْ لجلالةِ مؤلفيها - عن مرتبةِ الكتبِ
(1) قال الزركشي في " نكته " 1/ 348: ((هو سليمان بن داود، وليس المسند له، وإنما هو ليونس بن حبيب بن عبد القاهر العجلي، سمعه في أصفهان منه، فنسبه إليه)).
(2)
قال الزركشي في " نكته " 1/ 349: ((هو أحد شيوخ البخاري، قال ابن الجوزي في المشكل: أول من صنف المسند على تراجم الرجال عبيد الله بن موسى العبسي وأبو داود الطيالسي، قلت (القائل هو الزركشي): ولهذا صدر المصنف بالتمثيل بهما)).
(3)
قال الزركشي في "نكته" 1/ 350: ((ينتقد على المصنف في ذكره هنا من وجهين: أحدهما: أن مسند الدارمي مرتب على الأبواب لا على المسانيد، إلا أن يقصد الاسم المشهور به.
الثاني: جعله دون الكتب الخمسة، وقد أطلق جماعة عليه اسم الصحيح)).
(4)
قال الزركشي في " نكته " 1/ 366: ((هو يبين فيه الكلام على علل الأحاديث والمتابعات والتفردات، قال الدارقطني: لكنه يخطىء)).
ونقل السيوطي في " البحر الذي زخر " 3/ 1201 عن أبي الحسن الشاري في فهرسته أنه قال:
((مسند البزار عندي من أحسن المسندات لما اشتمل عليه من الكلام على علل الحديث، وإن كان قد تكلم بعض الناس في البزار بما لم يعتمد عليه أهل التحقيق)).
(5)
في معرفة أنواع علم الحديث: ((حديثاً)).
(6)
من قوله: ((كتب المسانيد غير ملتحقة
…
)) إلى هنا لم يرد في (ك).
(7)
عبارة: ((يعني: المسانيد)) لم ترد في (ف).
الخمسةِ، وما التحقَ بها منَ الكتبِ المصنفةِ على الأبوابِ، واللهُ أعلمُ)) (1).
فقد تبيّنَ أنَّ قولَ الشيخِ في رتبةِ الصحةِ غيرُ جيدٍ؛ لأنَّ ابنَ الصلاحِ عبرَ بالاحتجاجِ، وهوَ أعمُّ منَ الصحةِ؛ لشموله الحسنَ.
وعبارةُ الشيخِ في " نكته " على هذا الموضعِ: ((اعترضَ على المصنفِ بالنسبةِ إلى صحةِ بعضِ هذه المسانيدِ، بأنَّ أحمدَ بنَ حنبلٍ شرطَ في مسندهِ أنْ لا يخرجَ إلا حديثاً صحيحاً عندهُ. قالهُ أبو موسى المدينيُّ (2)، وبأنَّ إسحاقَ بنَ راهويهِ يخرجُّ أمثلَ ما وردَ عن ذلكَ الصحابيِّ، ذكرهُ عنهُ أبو زرعةَ الرازيُّ (3)، وبأنَّ
" مسندَ الدارميِّ " أطلقَ عليهِ اسمَ الصحيحِ غيرُ واحدٍ منَ الحفّاظِ، وبأنَّ " مسندَ البزارِ " بيّن فيهِ الصحيحَ وغيرَهُ. انتهى ما اعترضَ بهِ عليهِ.
والجوابُ: أنا لا نسلّم أنَّ أحمدَ اشترطَ الصحةَ في كتابهِ، والذي رواهُ أبو موسى المدينيُّ بسنده إليهِ أنَّهُ سُئلَ عن حديثٍ، فقالَ:((انظروهُ إنْ كانَ في المسندِ (4)، وإلا فليسَ بحجةٍ)) (5)، وهذا ليسَ صريحاً في أنَّ جميعَ ما فيهِ حجةٌ، بل فيهِ أنَّ ما ليسَ في كتابهِ ليسَ بحجةٍ. على أنَّ ثمَّ أحاديث صحيحة مخرجة في الصحيحِ، وليس في "مسندِ أحمدَ". منها حديثُ عائشةَ في قصةِ أمِّ زرعٍ (6).
وأمّا وجودُ الضعيفِ فيهِ فهوَ محققٌ، بل فيهِ أحاديثُ موضوعةٌ، وقد جمعتُها في جزءٍ، وقد ضَعّفَ الإمامُ أحمدُ (7) نفسُهُ أحاديثَ فيهِ، فمن ذلكَ: / 79 ب /
(1) معرفة أنواع علم الحديث: 108 - 109.
(2)
خصائص المسند: 16.
(3)
انظر: نكت الزركشي 1/ 366.
(4)
جاء في حاشية (أ): ((أي: فهو حجة)).
(5)
خصائص المسند: 13، وانظر: المقصد الأحمد: 31، وسير أعلام النبلاء 11/ 329.
(6)
أخرجه: البخاري 7/ 34 (5189)، ومسلم 7/ 139 (3448) من طريق هشام بن عروة، عن أخيه عبد الله بن عروة به، وانظر بلا بد تحقيقي لشمائل النبي صلى الله عليه وسلم: 147 - 152.
(7)
لم ترد في (ف).
حديثُ عائشةَ مرفوعاً: ((رأيتُ عبدَ الرحمان بنَ عوفٍ يدخلُ الجنةَ حبواً)) (1) وفي إسنادهِ عمارةُ، وهو ابنُ زاذانَ. قالَ الإمامُ أحمدُ:((هذا الحديثُ كذبٌ منكرٌ. قالَ: وعمارةُ يروي أحاديثَ مناكيرَ (2)، وقد أوردَ ابنُ الجوزيِّ هذا الحديثَ في " الموضوعاتِ "(3)، وحَكَى كلامَ الإمامِ أحمدَ المذكورَ، وذكرَ ابنُ الجوزيِّ أيضاً في " الموضوعاتِ " مما في المسندِ حديث عمرَ:((ليكوننَّ في هذه الأمةِ رجلٌ يقالُ له: الوليدُ)) (4)، وحديثُ أنسٍ:((ما مِن مُعَمَّرٍ يُعمَّرُ في الإسلامِ أربعينَ سنةً إلا صَرفَ اللهُ عنهُ أنواعاً منَ البلاءِ: الجنونَ، والجذامَ، والبرصَ)) (5)، وحديثُ أنسٍ:((عسقلانُ إحدى العروستينِ، يُبعثُ منها يومَ القيامةِ سبعونَ ألفاً لا حسابَ عليهم)) (6)، وحديثُ ابنِ عمرَ: ((منِ احتكر الطعامَ أربعينَ ليلةً فقد برىء منَ اللهِ
…
)) الحديثَ (7). وفي الحكمِ بوضعهِ نظرٌ، وقد صححهُ الحاكمُ (8)، وفيهِ (9) أيضاً منَ المناكيرِ حديثُ بريدةَ: ((كونوا في بعثِ خراسانَ، ثمَّ انزلوا مدينةَ مرو، فإنَّهُ بناها ذو
(1) مسند الإمام أحمد 6/ 115.
(2)
انظر: تهذيب الكمال 5/ 325 - 326 (4773)، وقارن مع علل الإمام أحمد 2/ 165.
(3)
الموضوعات 2/ 13.
(4)
الموضوعات 2/ 46. والحديث في " المسند " 1/ 18، وانظر النكت لابن حجر 1/ 455 - 459، وبتحقيقي: 247 - 250.
(5)
الموضوعات 1/ 179، والحديث في " المسند " 3/ 217 مرفوعاً، وفي 2/ 89 موقوفاً.
(6)
الموضوعات 2/ 53، والحديث في "المسند" 3/ 225، وساقه ابن عدي في الكامل 1/ 482 في مناكير إسماعيل بن عياش. وقال ابن كثير في تفسيره 1/ 439:((هذا الحديث يعد من غرائب المسند، ومنهم من يجعله موضوعاً))، وقال الذهبي في الميزان 4/ 314:((حديث باطل)).
(7)
هو في المسند 2/ 33.
(8)
في مستدركه 2/ 12، وقد تعقبه الذهبي فقال:((عمرو: تركوه، وأصبح: فيه لين)).
(9)
في (ف): ((وبما فيه)).
القرنينِ)) (1) ولعبدِ اللهِ بنِ أحمدَ في "المسندِ" أيضاً زياداتٌ، فيها الضعيفُ والموضوعُ، فمنَ الموضوعِ حديثُ سعدِ بنِ مالكٍ (2)، وحديثُ ابنِ عمرَ أيضاً في ((سدِّ الأبوابِ إلاّ بابَ عليٍّ)) (3) ذكرهما ابنُ الجوزي أيضاً في " الموضوعاتِ " (4) وقالَ: إنهما من وضعِ الرافضةِ.
وأما "مسندُ إسحاقَ بنِ راهويه" ففيهِ الضعيفُ، ولا يلزمُ من كونهِ يخرجُ أمثلَ ما يجدُ للصحابي أنْ يكونَ جميعُ ما خرجهُ صحيحاً، بل هوَ أمثلُ بالنسبةِ لما تركهُ، ومما فيهِ منَ الضعيفِ: حديثُ سليمانَ بنِ نافعٍ العبدي / 80 أ /، عن أبيهِ قال:((وفدَ المنذرُ بنُ ساوى منَ البحرينِ حتى أتى مدينةَ النبي صلى الله عليه وسلم ومعهُ أناسٌ، وأنا غُليمٌ أمسكُ جِمالَهم، فسلّموا على النبي صلى الله عليه وسلم، ووضعَ المنذرُ سلاحَهُ، ولبسَ ثيابهُ، ومسحَ لحيتهُ بدهنٍ، وأنا معَ الجِمالِ أنظرُ، فكأني أنظرُ إلى نبي اللهِ صلى الله عليه وسلم كما أنظرُ إليكَ)). قالَ: ((وماتَ وهو ابنُ عِشرينَ ومئةٍ)) (5) قال صاحب (6)" الميزانِ ": ((سليمانُ غيرُ معروفٍ، وهوَ يقتضي أنَّ نافعاً عاشَ إلى دولةِ هشامٍ)) (7). انتهى.
(1) الموضوعات 2/ 58، والحديث في " مسند الإمام أحمد " 5/ 357.
(2)
قال ابن حجر في النكت 1/ 465، وبتحقيقي: 254: ((أما حديث سعد بن مالك في ذلك - أي: حديث سد الأبواب - فهو من رواية أحمد أيضاً، لا من رواية ابنه، وإسناده حسن)) قلت: انظر المسند 1/ 175.
(3)
المسند 2/ 26.
(4)
الموضوعات 1/ 364 - 365.
(5)
أخرجه: الطبراني في " الأوسط "(7996)، ومن طريقه أبو نعيم في " معرفة الصحابة "
(6446)
عن موسى بن هارون، عن إسحاق بن راهويه، عن سليمان بن نافع، به.
وذكره الهيثمي في "مجمع الزوائد" 9/ 390 وقال: ((رواه الطبراني في الكبير والأوسط وفيه سليمان بن نافع العبدي ذكره ابن أبي حاتم ولم يذكر فيه جرحاً ولا توثيقاً وبقية رجاله ثقات)).
(6)
جاء في حاشية (أ): ((هو الذهبي)).
(7)
انظر: الميزان 2/ 226 - 227.
والمعروفُ أنَّ آخرَ الصحابةِ موتاً أبو الطفيلِ (1) كما قالهُ مسلمٌ (2) وغيرُه، واللهُ أعلمُ.
وأما "مسندُ الدارميِّ" فلا يخفى ما فيهِ من الضعيفِ لحالِ رواتهِ، أو لإرسالهِ، وذلكَ كثيرٌ كما تقدّمَ.
وأما " مسندُ البزارِ " فإنَّهُ لا يبيّنُ الصحيحَ منَ الضعيفِ إلا قليلاً، إلا أنَّهُ يتكلمُ في تفرّدِ بعضِ رواةِ الحديثِ، ومتابعةِ غيرهِ عليهِ، واللهُ أعلمُ)). (3) انتهى.
وعنِ ابنِ كثيرٍ أنَّهُ قالَ: ((وأما قولُ الحافظِ أبي موسى محمدِ بنِ أبي بكرٍ المدينيِّ عن " مسندِ الإمامِ أحمدَ ": إنَّهُ صحيحٌ (4)، فقولٌ ضعيفٌ، فإنَّ فيهِ أحاديثَ ضعيفةً، بل وموضوعةً (5)، كأحاديث فضائلِ مروَ، وعسقلانَ، والبرثِ الأحمرِ عندَ حمصَ، وغيرِ ذلكَ، كما نبهَ عليهِ طائفةٌ منَ الحفاظِ، قالَ: وقد فاتَهُ في كتابهِ هذا - معَ أنَّهُ لا يوازيهِ كتابٌ مسندٌ في كثرتهِ وحسنِ سياقهِ - أحاديثُ كثيرةٌ جداً، بل قد قيلَ: إنَّهُ لم يقع له (6) جماعةٌ من الصحابةِ الذينَ في الصحيحينِ قريباً من مئتينِ (7))) (8)(9).
(1) الميزان 2/ 227.
(2)
صحيح مسلم 7/ 84 عقب (2340)(98).
(3)
التقييد والإيضاح: 56 - 58.
(4)
في خصائص المسند: 24.
(5)
قال الحافظ ابن حجر في " تعجيل المنفعة ": 6: ((الحق أن أحاديثه جياد، والضعاف منها إنما يوردها للمتابعات، وفيه القليل من الضعاف الغرائب الأفراد أخرجها ثم صار يضرب عليها شيئاً فشيئاً، وبقي بعده بقية)).
(6)
جاء في حاشية (أ): ((أي: الرواية عن جماعة)).
(7)
جاء في حاشية (أ): ((بلغ على المؤلف))، وهذا دليلٌ على قراءة هذه النسخة على مؤلفها البقاعي رحمه الله، والحمد لله على توفيقه.
(8)
اختصار علوم الحديث 1/ 117 - 119، وبتحقيقي:86.
(9)
من قوله: ((فقد تبين أن قول الشيخ في رتبة الصحة
…
)) إلى هنا لم يرد في (ك).
قوله: (ويقالُ: إنهُ أولُ مسندٍ صنِّفَ)(1) الذي حمل قائلَ هذا القولِ عليهِ تقدّمُ عصر أبي / 80 ب / داودَ على أعصارِ منْ صنَّفَ المسانيدَ، وظَنَّ أنَّهُ هوَ الذي صنَّفهُ، وليسَ كذلكَ، فإنَّهُ ليسَ مِنْ تصنيفِ أبي داودَ، وإنَّما هوَ جمعُ بعض الحفّاظِ الخراسانيينَ، جمعَ فيهِ ما رواهُ يونسُ (2) بنُ حبيبَ خاصةً عنْ أبي داودَ، ولأبي داودَ منَ الأحاديثِ التي لم تدخلْ هذا المسندَ قدره أو أكثر، بلْ قدْ شذَّ عنهُ كثيرٌ منْ روايةِ يونسَ، عنْ أبي داودَ، قالَ: وشبيهٌ بهذا " مسندُ الشافعيِّ " فإنَّهُ ليسَ تصنيفهُ، وإنما لَقَطَهُ بعضُ الحفّاظِ النيسابوريينَ منْ مسموعِ الأصمِّ منَ " الأمِّ " وسمعهُ عليهِ، فإنَّهُ كانَ سمعَ " الأمَّ "، أو غالبها على الربيعِ، عن الشافعيِّ (3)،
وعَمَّرَ، فكانَ آخرُ مَنْ رَوَى عنهُ، وحصلَ لهُ صممٌ، فكانَ في السماعِ عليهِ مشقةٌ (4).
قولهُ: (فيدعى)(5) فاؤهُ سببيةٌ، أي: فبسببِ جعلهِ على المسانيدِ لَزِمَ أنْ يدعي الحديثَ إليهِ الجفلا؛ لأنَّهُ إذا ذكرَ صحابياً، فكأنَّهُ قالَ: ذكرُ ما لهذا الصحابيِّ منَ الحديثِ (6).
(1) شرح التبصرة والتذكرة 1/ 170. قلت: قال الكتاني في الرسالة المستطرفة: 61: ((وقيل: وهو أول مسند صنف، ورد بأن هذا صحيح لو كان هو الجامع له؛ لتقدمه، لكن الجامع له غيره، وهو بعض حفاظ خراسان، جمع فيه ما رواه يونس بن حبيب عنه خاصة، وله من الأحاديث التي لم تدخل هذا المسند قدره أو أكثر)).
(2)
لم ترد في (ك).
(3)
زاد بعدها في (ك): ((رضي الله عنه)).
(4)
ذكر السيوطي هذا الكلام في البحر الذي زخر 3/ 1202 - 1204 وعزاه إلى العراقي. وقد فصلت الكلام عن مسند الإمام الشافعي تفصيلاً وافراً عند تحقيقي لمسند الإمام الشافعي بترتيب سنجر فراجعه تجد فائدة.
(5)
التبصرة والتذكرة (81).
(6)
من قوله: ((قوله: فيدعى
…
)) إلى هنا وردت في (ك) بعد قوله: ((والمنقطعة والمعضلة والمقطوعة، والله أعلم)) وما في (أ) أصح؛ لأنه جاء على الترتيب.
قولهُ: (وعده للدارمي)(1) أجابَ بعضُهم عنِ ابنِ الصلاحِ بأنَّهُ يحتملُ أنْ يكونَ أرادَ دارمياً آخرَ، قالَ: فذكرَ الشيخُ أنَّهُ وجدَ حاشيةً بخطِ ابنِ الصلاحِ أنَّهُ أرادَ بالدارميِّ: عبدَ اللهِ بنَ عبدِ الرحمانِ، فانتفى ذلكَ.
قلتُ: لكنْ قدْ قالَ الخطيبُ - فيما رأيتهُ بخطِ المصنفِ في القطعةِ التي وجدتُها منْ " شرحهِ الكبيرِ "- في ترجمةِ الدارميِّ (2): ((إنَّهُ صنَّفَ المسندَ،
والتفسيرَ، والجامعَ)) (3) فلعلَ ابنَ الصلاحِ اطّلعَ على المسندِ، ودَرسَت نسخُهُ بعدَ ذلكَ، فلمْ نرَ شيئاً منها، كغيرهِ منَ الكتبِ التي لم نرَ / 81أ / غيرَ أسمائها، والله أعلم.
قالَ شيخُنا: ((وأما هذا السننُ المسمى بـ " مسندِ الدارميِّ " فإنّهُ ليسَ دونَ السننِ في المرتبةِ، بل لو ضُمَّ إلى الخمسةِ لكانَ أولى منِ (4) ابنِ ماجه، فإنَّهُ أمثلُ منهُ بكثيرٍ)). قالَ الشيخُ في "النكتِ" (5):((واشتهرَ تسميتهُ بالمسندِ، كما سَمَّى البخاريُّ كتابَهُ: "المسندَ الجامعَ الصحيحَ" وإنْ كانَ مرتباً على الأبوابِ؛ لكونِ أحاديثهِ مسندة، إلَاّ أنَّ " مسندَ الدارميِّ " كثيرُ الأحاديثِ المرسلةِ، والمنقطعةِ، والمعضلةِ، والمقطوعةِ)) واللهُ أعلمُ (6).
قولهُ: (كنى بهِ عنْ كونِ المسانيدِ)(7) كانَ منْ حقِ العبارةِ أنْ يقالَ فيها: كنى بهِ عنْ سببِ كونِ المسانيدِ .. إلى آخرهِ، هكذا كانتْ في نسختي، ثمَّ رأيتُ
(1) التبصرة والتذكرة (82).
(2)
زاد بعدها في (ك): ((هذا)).
(3)
تاريخ بغداد 10/ 29.
(4)
عبارة: ((إلى الخمسة لكان أولى من)) لم ترد في (ك).
(5)
التقييد والإيضاح: 56.
(6)
من قوله: ((قال الشيخ في النكت
…
)) إلى هنا لم يرد في (ك).
(7)
شرح التبصرة والتذكرة 1/ 170.
في غيرها: ((كنّى بهِ عنْ بيانِ كونِ .. )) إلى آخرهِ، فاستقامَ حينئذٍ؛ لأنَّ معناهُ أنَّ الدعاءَ الجفَلَى مبينٌ لنزولِ رتبةِ المسندِ؛ لأنَّهُ بصددِ أنْ يذكرَ كلَّ حديثٍ رُوِيَ عنِ الصحابيِّ مسنداً، كيفَ كانَ. (1)
قولهُ: (فإنَّ الدعوةَ عندَ العربِ على قسمينِ)(2) الدعوةُ عندَهمْ على أقسامٍ كثيرةٍ، وأمّا الذي على قسمينِ فهوَ المدعوُّ، فتارةً يكونُ عاماً، وتارةً يكونُ خاصاً.
قلتُ: كذا قالَ شيخُنَا، والذي يظهرُ أنَّ كلامَ المصنِّفِ أحسنُ، وأنَّ (3) الذي هوَ أنواعٌ إنما هوَ الطعامُ المدعوُّ إليهِ، والاسمُ العامُّ لجميعِ أنواعهِ الماديةِ، وأمّا الدعوةُ بفتحِ الدالِ وضمِهَا، التي هي منْ (4) دعاءِ الناسِ إلى الطعامِ، فهي قسمانِ: خاصةٌ وعامةٌ، وهذا أمرٌ لغويٌّ، يرجعُ فيهِ إلى كلامِ أهلِ اللغةِ، وها أنا أذكرُ لكَ / 81ب / ما رأيتُهُ من ذلكَ عنِ الإمامِ أبي الفتحِ عثمانَ بنِ جنّي، وفي " القاموسِ " للإمامِ مجدِ الدينِ الفيروزآبادي، وكتابِ " الأسماءِ والصفاتِ " للحسنِ بنِ عبدِ اللهِ العسكري، وما كانَ عنِ ابنِ جنّي فمن خطّهِ نقلتُهُ، قالَ: قالَ أبو عبيدٍ: سمعتُ أبا زيدٍ يقولُ: يُسمَّى الطعامُ الذي يصنعُ عندَ العرسِ: الوليمة، والذي عندَ الإملاكِ: النّقيعة، نَقعتُ نقوعاً، وأَولمتُ إيلاماً. ((العسكري)) الوليمةُ: ما يُطعمُ في الإملاكِ. ((القاموسُ)): والوليمةُ: طعامُ العُرْسِ، أو كلُّ طعامٍ صُنِعَ لدعوةٍ وغيرِها، وأَولَمَ: صَنعَها. (5)((ابنُ جني والفرّاءُ)). والنقيعةُ: ما صنعهُ الرجلُ عندَ قدومهِ من سفرٍ، يقالُ: أنقعتُ إنقاعاً ((القاموس)) في مادةِ ((نقعَ)) وكسَفينةٍ: طعامُ القادمِ من سَفرٍ، وكلُّ
(1) من قوله: ((هكذا كانت في نسختي
…
)) إلى هنا لم يرد في (ك).
(2)
شرح التبصرة والتذكرة 1/ 170.
(3)
زيادة من (ف) فقط.
(4)
لم ترد في (ف).
(5)
القاموس المحيط مادة ((ولم)).
جزورٍ جُزِرَتْ للضيافةِ، وطعامُ الرجلِ ليلةَ يملكُ (1).
((ابن جني)): وعندَ البناءِ يبنيهِ الرجلُ في دارهِ ((العسكري)): وعندَ بناءِ الدورِ. الوَكِيرةُ وقد وكّرتُ تَوكيراً. ((القاموس)): والوَكرَةُ - وتُحرّكُ --والوَكِيرُ والوَكِيرةُ: طعامٌ يُعمَلُ لفَراغِ البُنيانِ، وقد وَكَر لهم كوَعَدَ (2).
((ابن جني)). وعندَ الخِتانِ إعذارٌ.
((القاموس)): العِذارُ: طعامُ البناءِ، والخِتانِ، وأنْ تستفيدَ شيئاً جديداً، فتتخذَ طعاماً تدعو إليهِ إخوانك كالإعذارِ، والعَذيرةِ، والعَذيرِ فيهما (3).
((ابنُ جني)) وعندَ الولادةِ الخُرسُ، فأمّا الذي تَطعمُهُ النفساءُ نَفسها، فهوَ الخُرسَةُ، وقد خَرستُ، أي: تخريساً. ((القاموس)): الخُرسُ بالضمِ: طعامُ الولادةِ / 82أ / وبهاءٍ: طعامُ النُّفساءِ، وخَرّسَ على المرأةِ تخريساً أطعمَ في ولادتِها، وتَخرَّسَتْ هي اتخذتْهُ لنفسِها، ومنهُ:((تَخَرَّسِي يا نَفسُ، لا مُخَرِّسَةَ لكِ)) قالتهُ امرأةٌ وَلَدتْ ولم يكنْ لها مَنْ يهتَمُّ لها، يُضربُ في اعتناءِ المرءِ بنفسهِ (4). ((ابنُ جني)): وكلُّ طعامٍ بعدُ صُنعَ لدعوةٍ فهوَ مَأدُبةٌ ومَأدَبةٌ، وقد آدَبتُ أودِبُ إئداباً. غيرهُ، أي: غير أبي عبيدٍ، وأدَبتُ أَدبَاً.
((العسكري)): والمأدُبةُ: الدّعوةُ. ((القاموس)): الأَدْبُ بالفتحِ -أي: ثمَّ سُكونٍ-: مصدرُ أَدَبَهُ يَأدِبُهُ: دعاهُ إلى طعامهِ، كآدبّهُ إئداباً، وأَدَبَ يأدِبُ أَدَباً مُحرّكةً، عَمِلَ مَأدَبةً، والأُدْبَةُ بالضمِ والمأدُبَةُ والمأدَبَةُ: طعامٌ صُنعَ لدعوةٍ أو عُرسٍ. (5)
(1) القاموس المحيط مادة (نقع).
(2)
القاموس المحيط مادة (وكر).
(3)
القاموس المحيط مادة (عذر).
(4)
القاموس المحيط مادة (خرس).
(5)
القاموس المحيط مادة (أدب).
((ابنُ جني: أبو زيدٍ)) يقالُ للطعامِ الذي يُتعلّلُ بهِ قبلَ الغداء: السُّلفةُ واللُّهنةُ، وقد سَلَّفتُ للقومِ، ولهّنتُ لهم، أي: تسليفاً، وتلهيناً.
((القاموس)): والسُّلفةُ: بالضمِّ، اللَّمْجَةُ، أي: بالضمِّ والجيمِ، وهي ما يُتعلّلُ بهِ قبلَ الغداء (1)، والتَّسليفُ: أكلُ السُّلفَةِ (2)، واللهنةُ: بالضمِّ، ما يُهديهِ المسافرُ، واللُّمجةُ (3). ((العسكري)): واللُّهنةُ ما يهديهِ الرجلُ إذا قدمَ من سفرٍ، يقالُ: لهنونا مما عندَكم.
وقالَ أبو زيدٍ: اللهنةُ ما يتعللُ بهِ الضيفُ قبلَ الطعامِ. ((ابنُ جنيِّ)): الأمويُّ: ولهجتُهم أيضاً بمعناهُ، أي: تلهيجاً. ((القاموسُ)): واللُّهجَةُ - أي: بالضمِّ - اللمجَةُ، ولهجتهم تلهيجاً أطعمتهم إياها (4). ((ابنُ جني)): غيره - أي: غير أبي زيدٍ -: القَفِيّ، أي: بوزنِ غَني: الذي يُكرمُ بهِ الرجلُ، يقالُ: قفوتهُ.
((القاموس)): والقفيّ كغني الضّيفُ المُكرمُ، وما يكرمُ بهِ من الطعامِ وأَقفَى / 82 ب / أكَلَها. (5) ((العسكري)): والخبيرةُ، الدعوةُ على عقيقةِ الغلامِ.
((القاموس)): والخُبْرةُ بالضمِ - أي: والخاءِ المعجمةِ والموحدةِ -: الطعامُ واللّحمُ، وما قُدّمَ من شيءٍ، وطعام يحملُهُ المسافرُ في سُفرتهِ (6)، والحُترَةُ أي: بضمِ المهملةِ، وإسكانِ الفوقانيةِ الوكيرةُ كالحتيرةِ، وحتّرَ لهم تحتيراً: اتخذَ لهم وَكِيرةً (7)، ثمَّ قالَ: والحثرةُ -أي: بمهملةٍ ثمَّ مثلثة- الوكيرةُ والعقيقُ
(1) القاموس المحيط مادة (لمج).
(2)
القاموس المحيط مادة (سلف).
(3)
القاموس المحيط مادة (لهن).
(4)
القاموس المحيط مادة (لهج).
(5)
القاموس المحيط مادة (قفا).
(6)
القاموس المحيط مادة (خبر).
(7)
القاموس المحيط مادة (حتر).
شَعَرُ كلِّ مولودٍ من الناسِ والبهائمِ، كالعِقَّةِ بالكسرِ، وكسَفينةٍ، والعقيقةُ أيضاً الشاةُ التي تذبحُ عندَ حلقِ شَعَرِ المولودِ (1)، وغُرْلَةُ الصبيِّ، وعقَّ عنِ المولودِ ذبَحَ عنهُ.
((القاموسُ)) أيضاً، و ((العسكريُ)): والوَضِيمةُ طعامُ المأتمِ. ((القاموسُ)): حذقَ الصبيُّ القرآنَ والعملَ كضَرَبَ وعملَ (2) حَذْقاً وحذاقاً وحَذاقةً ويُكسرُ (3) الكلُّ، والحِذاقةُ بالكسرِ الاسمُ، تَعلَّمهُ كلَّهُ، ومَهَرَ فيهِ، ويومُ حذاقهِ يومُ ختمهِ للقرآنِ. (4) وقالَ: التُّحفةُ بالضمِ البرُّ واللّطفُ والطُّرفةُ جمعه تُحَفٌ، وقد أتحفتهُ تحفةً (5).
والنُّزلُ بضمتينِ المنزلُ، وما هيىءَ للضيفِ أنْ ينْزلَ عليهِ كالنزلِ جمعه أنزالُ، والطعامُ ذو البركةِ كالنَّزيلِ، والفضلُ والعطاءُ والبركةُ. والقومُ النازلونَ (6). وقرَى الضيفَ يقريهِ قِرىً بالكسرِ والقصرِ، والفتح والمدّ أضافهُ كاقتراهُ، واستقرَى واقتري وأقرَى: طلبَ ضيافةً، وهو مقرى للضيفِ ومِقراءٌ، وهي مقراةٌ، ومقراءٌ. والمقراةُ أيضاً: القصعةُ يقرى فيها، والمقَاري القُدورُ (7). وقد نظمَ بعضُ الفضلاءِ أكثرَ ذلكَ، فقالَ:
أسَامي الطعامِ اثنانِ من بعد عشرةٍ
…
سأسرُدُها مقرونةً ببيانِ
وليمةُ عُرْس ثم خُرسُ ولادةٍ
…
عقيقةُ مولودٍ وكيرةُ باني
وضيمةُ ذي موتٍ نقيعةُ قادمٍ
…
عذيرةُ أو إعذارُ يوم خِتانِ
(1) القاموس المحيط مادة (عقق).
(2)
في القاموس: (وعلم).
(3)
في المخطوط: ((بكسر)) والصواب ما أثبته كما في القاموس.
(4)
القاموس المحيط مادة (حذق).
(5)
القاموس المحيط مادة (تحف).
(6)
القاموس المحيط مادة (نزل).
(7)
القاموس المحيط مادة (قرى).
ومأدبةُ الخلانِ لا سبب لها
…
حِذاقُ صغيرٍ يوم ختمِ قرانِ
وعاشرُها في النّظمِ تحفةُ زائرٍ
…
قِرى الضيفِ مع نُزلٍ له بقرانِ (1)
وقد (2) علمتَ من كلامِ العسكري و ((القاموسِ)) أنَّ قولهُ: ((لا سببَ لها)) معناه: أنها غيرُ مقيدةٍ بسببٍ، دونَ سببٍ، لا بمعنى أنها مقيدةٌ بنفي السببِ، فهي أعمُّ الكل. انتهى.
وكلٌ من هذهِ الأنواعِ ينقسمُ إلى قسمي الدعوةِ الخاصِّ والعامِّ: فالدعوةُ العامةُ الجفلى بجيمٍ وفاءٍ محرّكاً، ومادتها تدورُ على التقطّعِ والتبدّدِ، فالمرمي يلزمهُ ذلكَ، وكذا الكثيرُ في الغالبِ، وكذا المسرعُ ينقطعُ، ويفترقُ من كلِّ ما يمرُّ عليهِ. قالَ الإمامُ عبدُ الحقِ في كتابهِ " الواعي ":((جَفلتُ المتاعَ، أي: رميتُ بعضَه على بعضٍ، ويقالُ: انجفلَ القومُ كلَّهم، أي: تقطّعوا وتبدّدوا، وفي صفةِ الدجّالِ: جُفالُ الشَّعْرِ، أي: كثيرهُ)).
قال أبو عبدِ اللهِ: الجفالُ: الكثيرُ من الشَّعْرِ، والجفالةُ: الجمعُ الكثيرُ من الناسِ. وقال قاسمٌ: الجفالُ الصوفُ.
قال أبو عبدِ اللهِ: يقالُ: جفلَ الرجلُ وأجفلَ إذا أسرعَ في عَدْوِهِ خوفاً، فهوَ جافلٌ ومجفِلٌ، ويقالُ: فلانٌ يدعو الجفلى إذا كانَ يعمُّ بالدعوةِ، أي: هوَ يدعو الكثيرَ من الناسِ، ويقالُ: الأجفَلَى، وتروى كذلكَ في شِعرِ طرفةَ، أي: المذكور، وهي لغةٌ، وقد أنكرها بعضَهم.
وقال ابنُ فارسٍ في " المجملِ ": ((والجفلى أن تدعو الناسَ إلى طعامِكَ عامةً من غيرِ اختصاصٍ)) (3).
(1) البيت الأخير من المقطوعة الشعرية لم يرد في (ف).
(2)
لم ترد في (ف).
(3)
مجمل اللغة مادة (جفل).
وفي " القاموسِ ": ودعاهم الجفلى محرّكةً، والأَجفَلَى، أي: بجماعتِهم وعامتِهم، والأجفَلَى / 83 ب / الجماعةُ من كلِّ شيءٍ. (1) وقال العسكريُّ: والجفَلَى والأجفَلَى أن تدعو القومَ كلَّهم، والنَّقَرَى - أي: بنونٍ وقاف ومهملةٍ مُحرّكاً مقصوراً - أنْ تخصَّ قوماً دونَ قومٍ، وقدِ انتقرَ.
في " القاموسِ ": ودعوتهم النَّقرَى، أي: دعوةً خاصةً، وهو أنْ يدعوَ بعضاً دونَ بعضٍ، وهوَ الانتقارُ أيضاً. (2)
وقالَ عبدُ الحقِّ في " الواعي ": ((ونَقرَ الرجلُ باسمِ صاحبهِ ينقرُ إذا دعاهُ استخصاصاً (3) لهُ، وكذا إذا سمّاه من بينهم، وقدِ انتقرَ انتقاراً إذا فعلَ ذلكَ، وهي النَّقَرَى، وفلانٌ يدعو النَّقَرَى إذا خصَّ في دعوتهِ، والانتقارُ الاختصاصُ)).
وقالَ ابنُ فارسٍ: ((نَقَرت بالرجلِ إذا دعوتَهُ إليكَ من بينِ الجماعةِ، ومنه النَّقَرى)) (4) انتهى.
وهوَ مأخوذٌ من قولهم: رجلٌ نقّارٌ ومنقِرٌ إذا كانَ ينقرُ عنِ الأمورِ والأخبارِ، أي: يبحثُ، والمادةُ كلَّها تدورُ على الحفر منَ النقيرِ، وهو النكتةُ التي في ظهرِ النواةِ، ومنهُ تنبتُ النخلةُ.
والآدبُ -اسمُ فاعل من الأدبِ- في البيتِ بفتحٍ ثمَّ سكونٍ، وهوَ الدعوةُ إلى الطعامِ.
قال ابنُ فارسٍ في " المجمل ": ((والأدْبُ دعاءُ الناسِ إلى طعامِكَ، والآدِبُ الداعي إليهِ)) (5) انتهى.
(1) القاموس المحيط مادة (جفل).
(2)
القاموس المحيط مادة (نقر).
(3)
هكذا في الأصل.
(4)
مجمل اللغة مادة (نقر).
(5)
مجمل اللغة مادة (أدب).
وقد تقدّمَ بسطُ ذلكَ. والمشتاةُ بفتحِ الميمِ الشِتاءُ. قالهُ ابنُ فارسٍ في " المجملِ "، والفارابي في " ديوانِ الأدبِ ". واستشهدَ عليِهِ في " المجملِ " ببيتِ طرفةَ هذا، وقالَ:((قالَ الخليلُ: الشتاءُ معروفٌ، والموضعُ المشتى، أي: بفتحِ الميمِ، مقصورٌ)) (1).
وقالَ في " ديوانِ الأدبِ " في بابِ مَفعَل بفتحِ الميمِ والعينِ منَ الراوي: المَشتَى: الشتاءُ. وقال في " القاموسِ ": الشتاءُ ككساءٍ آخرُ (2) أرباعِ الأزمنةِ الأولى (3)، واللهُ أعلمُ (4).
قوله:
83 -
والحُكْمُ لِلإسْنَادِ بِالصِّحَّةِ أوْ
…
بِالْحُسْنِ دُوْنَ الحُكْمِ لِلمَتْنِ رَأَوْا
84 -
وَاقْبَلْهُ إنْ أَطْلَقَهُ مَنْ يُعْتَمَدْ
…
وَلَمْ يُعَقِّبْهُ بضَعْفٍ يُنْتَقَدْ
/ 84 أ / قال شيخنا: ((أعيانا توجيهُ كلامِ ابنِ الصلاحِ في هذا الفصلِ؛ فإنَّ آخرَهُ يدفعُ أولَهُ. مفهومُ قولهِ: ((غير أنَّ المصنفَ المعتمدَ
…
)) (5) إلى آخرهِ، عدمُ التفصيلِ (6)، وإنما يحكمُ على الحديثِ بالصحةِ دائماً إذا صححَ المعتمدُ إسنادهُ، ولم يعقبهُ بقادحٍ، وصدرُ كلامهِ مصرّحٌ بالتفصيلِ (7): وهو أنّا نصححُ الإسنادَ حينئذٍ دونَ المتنِ، ولا يتخيلُ أبداً أنَّ الكلامَ الأولَ فيمن لا يعتمدُ، والثاني: فيمن يعتمدُ؛
(1) مجمل اللغة مادة (شتو).
(2)
في القاموس مادة (أحد).
(3)
القاموس المحيط مادة (شتا).
(4)
من قوله: ((قلت: كذا قال شيخنا والذي يظهر)) إلى هنا لم يرد في (ك).
(5)
معرفة أنواع علم الحديث: 109.
(6)
كتب ناسخ (أ) صاداً صغيرة؛ للتفريق بينها وبين الضاد، وهذا دليل على جودة قريحته.
(7)
كتب ناسخ (أ) صاداً صغيرة؛ للتفريق بينها وبين الضاد.
لأنَّ غيرَ المعتمدِ لا يعتمدُ في الحكمِ على الإسنادِ ولا غيره. (1) اللهمَّ إلا أنْ يقالَ: إنَّ مرادَهُ بالمعتمدِ الغايةُ في العمدةِ، وهمُ النّقادُ الذينَ لهم اليدُ الطولَى في معرفةِ العللِ، فإنهم قليلٌ جداً، وغالبُ المحدّثينَ - وإنْ سُمّوا حُفّاظاً - لا يبلغونَ هذهِ الدرجةَ، فَهُم وإن كانت فيهم أهليةُ التصحيحِ والتضعيفِ، لا يصلونَ إلى رتبةِ أولئكَ، فيكونُ المعنى أنَّ الناقدَ إذا قالَ:((صحيحُ الإسنادِ)) ولم يعقبهُ بقادحٍ، فكأنَّهُ قالَ: فتّشتُ فلم أجدْ لهذا الحديثِ علةً، وقد فرضَ أنَّهُ ناقدٌ، وأنَّ فيهِ ملكةَ المعرفةِ التامةِ، وقد علمتَ فيما مضى في بحثِ الصحيحِ أنَّ عدمَ اطلاعهِ بعدَ الفحصِ كافٍ في نفي (2) الشذوذِ والعلةِ، إذ ليسَ المرادُ انتفاءَهما في نفسِ الأمرِ؛ فإنَّ ذلكَ مما يَقصُرُ عنهُ علمُ البشرِ، فانحلَّ ذلكَ إلى أنَّ قولهُ تارةً:((صحيحٌ)) وأخرى: ((صحيحُ الإسنادِ)) تفننٌ في العبارةِ، ليسَ غير؛ إذ قد اتضحَ أنَّ عدمَ وجدانِ الناقدِ العلةَ والشذوذَ بعدَ الفحصِ كافٍ في التصحيحِ، أو يقالُ: إنَّ المفهومَ لقولهِ: ((المصنف)) لا لقولهِ: ((المعتمد)) ويكونُ معناهُ أنَّ المعتمدَ الذي / 84 ب / لم يبلغْ درجةَ التصنيفِ إذا قالَ: ((صحيحُ الإسنادِ)) لا نستفيدُ منهُ صحةَ المتنِ، ولو لم يعقبهُ بقادحٍ، وكذا الذي بلغَ أهليةَ التصنيفِ، لكنْ قالَ ذلكَ في غيرِ تصنيفٍ)).
قلتُ: وقد كنتُ أرى أنَّ كلامَ ابنِ الصلاحِ فيهِ تقديمٌ وتأخيرٌ، إذا رتَّبَ اتضحَ المعنى، وتقديره: حكمُ المصنفِ المعتمدِ على إسنادٍ بالصحةِ من غيرِ تعقيبٍ بقادحٍ حكمٌ للمتنِ أيضاً بالصحةِ، غير أنَّهُ دونَ حكمهِ على المتنِ بالصحةِ من أولِ الأمرِ.
وأظُنُّ أنَّ ابنَ الصلاحِ أرادَ هذا المعنى، فلم توفِ بهِ عبارتُهُ، وهذا لا يُنقِصُ من جلالتهِ رحمه الله، ثمَّ ظهرَ لي أنَّ الكلامَ صحيحٌ موفٍ بالمعنى، ما فيهِ تقديمٌ
(1) نكت ابن حجر 1/ 474، وبتحقيقي:259.
(2)
من قوله: ((وقد علمت فيما مضى)) إلى هنا لم يرد في (ك).
ولا تأخيرٌ، فالجملةُ الأولى (1) ادّعَى فيها أنَّ الحكمَ على الحديثِ بأنَّهُ صحيحُ الإسنادِ دونَ الحكمِ عليهِ بأنَّهُ نفسَهُ صحيحٌ، فهذا كما ترى ظاهرهُ القول منه باشتراكهما في الصحةِ، غير أنَّ أحدَهما أعلى؛ لطروقهِ احتمالَ كونِ المصنفِ أرادَ أنَّ السندَ صحيحٌ، وأنَّ المتنَ شاذٌ، أو معللٌ.
والجملةُ الثانيةُ من كلامه، وهي قولهُ: ((غيرَ أنَّ المصنفَ
…
)) إلى آخره، كالتعليلِ لتصحيحِ الحديثِ الذي قيل فيهِ:((صحيحُ الإسنادِ)) معَ أنَّهُ قد قررَ أنَّهُ لا ملازمةَ بينَ صحةِ المتنِ، وصحةِ السندِ.
قالَ شيخُنا: ((والذي (2) لا أشكُّ فيهِ أنَّ الإمامَ منهم لا يعدلُ عن قولهِ: ((صحيح)) إلى قوله: ((صحيح الإسنادِ)) إلا لأمرٍ ما)) (3).
قلتُ: وقد بانَ لكَ أنَّ هذا مرادُ ابنِ الصلاحِ، واللهُ أعلمُ.
قال: وأكثرُ من يستعملُ ذلكَ / 85 أ / الحاكمُ في " مستدركهِ " فتارةً يقول: ((صحيح على شرطهما))، وتارةً:((على شرطِ أحدِهما))، وتارةً يقولُ:
((صحيحُ الإسنادِ، ولا علة له))، وتارةً:((صحيح الإسنادِ)) ويسكتُ.
قال (4): وثمَّ مناقشةٌ أخرى في قوله: ((لأنَّ عدمَ العلةِ والقادحِ هوَ الأصلُ والظاهرُ)) (5) فإنَّهُ هنا حكمَ بالصحةِ من غيرِ بحثٍ عن عدمِ العلةِ، وجعلَ في قسمِ الصحيحِ انتفاءَ العلةِ شرطاً لهُ، وقضيةُ كونِ عدمها فيه شرطاً أنْ يبحثَ عن حالهِ حتى يغلبَ على الظنِّ أنَّه لا علةَ لهُ.
(1) لم ترد في (ك).
(2)
لم ترد في (ك).
(3)
لم ترد في (ك).
(4)
جاء في حاشية (أ): ((أي ابن حجر)).
(5)
معرفة أنواع علم الحديث: 109.
قلتُ (1): وحاصلُ الاعتراضِ أنَّهُ اكتفى هنا بالعدمِ، وجعلَ الشرطَ هناكَ إثباتَ العدمِ، والفرقُ بينَ الأمرينِ مقررٌ في بحثِ الموجبةِ المعدولةِ، والسالبةِ البسيطةِ من علمِ الميزانِ، وعندي: أنَّه (2) لا منافاةَ بينَ الموضعينِ.
وقولهُ: (لأنَّ الأصلَ)(3)، أي: الأصلَ هنا، وفي كلِّ مدعٍ العدمُ حتى يثبتَ الوجودُ. والظاهرُ هنا - أي: المغلبُ على الظنِّ - عدمُ العلةِ والقادح، من شذوذٍ ونحوه، لأجلِ سكوتِ هذا الإمامِ المعتمدِ الذي من شأنه البحثُ والإرشادُ، وعندهُ (4) غايةُ الملكةِ لذلكَ، فهوَ لم يصححْ إسنادَهُ إلا بعدَ أنْ بحثَ، فلم يجدْ علةً ولا قادحاً، فلم يَمِلِ ابنُ الصلاحِ إلى تصحيحِ ما وصفَ بأنَّهُ صحيحُ الإسنادِ إلا لظنِّ أنَّ هذا الإمامَ المعتمدَ بحثَ عنِ القادحِ فلم يجد، وهذا معنى ما تقدّمَ (5).
وقد عرفَ أنَّ الشرطَ غلبةُ الظنِ، لا القطعُ في نفسِ الأمرِ، واللهُ أعلمُ.
قولهُ:
85 -
وَاسْتُشْكِلَ الحسْنُ مَعَ الصِّحَّةِ في
…
مَتْنٍ، فَإنْ لَفْظاً يُرِدْ فَقُلْ: صِفِ
86 -
بِهِ الضَّعِيْفَ، أوْ يُرِدْ مَا يَخْتَلِفْ
…
سَنَدُهُ، فَكَيْفَ إنْ فَرْدٌ وصِفْ؟
87 -
وَ (لأبي الفَتْحِ) في الاقْتِرَاحِ
…
أنَّ انفِرَادَ الحُسْنِ ذُوْ اصْطِلَاحِ
88 -
وَإنْ يَكُنْ صَحَّ فَليْسَ يَلْتَبِسْ
…
كُلُّ صَحِيْحٍ حَسَنٌ لَا يَنْعَكِسْ
89 -
وَأوْرَدوا مَا صَحَّ مِنْ أفْرَادِ
…
حَيْثُ اشْتَرَطْنَا غَيْرَ مَا إسْنَادِ
(1) لم ترد في (ك).
(2)
عبارة: ((وعندي أنه)) أبدلها في (ك) بـ ((قلت)).
(3)
شرح التبصرة والتذكرة 1/ 171، والعبارة تعود لقول ابن الصلاح:((لأن عدم العلة والقادح هو الأصل)). معرفة أنواع علم الحديث: 109.
(4)
في (ك): ((وغيره)).
(5)
جاء في حاشية (أ): ((في الصحيح من أنه لابد من البحث)).
قوله: (كقولِ الترمذيِّ وغيرهِ)(1) إنما قالَ: ((وغيرهِ)) حتى لا يظنَّ أنَّ الجمعَ بينَ / 85ب / الوصفينِ إنما وقعَ في كلامه فقط، فقد جاء في كلامِ غيرهِ، كعلي بنِ المديني، ويعقوبَ بنِ شيبةَ.
قوله: (إذا كانَ حسنَ اللفظِ أنه حسنٌ)(2) قالَ ابنُ دقيقِ العيدِ بعد ذلكَ: ((وذلكَ لا يقوله أحدٌ من المحدّثينَ (3) إذا جروا على اصطلاحهم)) (4). نقلهُ عنهُ الشيخُ في " النكت "(5)، ثمَّ قالَ:((قلتُ: قد أطلقوا على الحديثِ الضعيفِ بأنَّهُ حسنٌ، وأرادُوا حسنَ اللفظِ، لا المعنى الاصطلاحي، فرَوَى ابنُ عبدِ البرِّ في كتابِ " بيانِ آدابِ العلمِ " حديثَ معاذ بنِ جبلٍ مرفوعاً: ((تعلّموا العلمَ؛ فإنَّ تعلّمَهُ للهِ خشيةٌ، وطلبهُ عبادةٌ، ومذاكرتهُ تسبيحٌ، والبحثَ عنهُ جهادٌ، وتعلمهُ لمن لا يعلمهُ صدقةٌ، وبذلهُ لأهلهِ قربةٌ؛ لأنَّهُ معالمُ الحلالِ والحرامِ، ومنارُ سُبُلِ (6) أهلِ الجنةِ، وهو الأنس في الوحشةِ، والصاحبُ في الغربةِ، والمحدثُ في الخلوةِ، والدليلُ على السراءِ والضراءِ، والسلاحُ على الأعداءِ، والزينُ عندَ الأخِلاءِ، يرفعُ اللهُ بهِ أقواماً، فيجعلهم في الخيرِ قادةً، وأئمةً تُقتصُ آثارُهم، ويُقتدَى بفعالهم، ويُنتهى إلى رأيهم، ترغبُ الملائكةُ في خلّتِهم، وبأجنحتها تمسحهم، يستغفرُ لهمُ كلُّ رطْبٍ ويابسٍ، وحيتانُ البحرِ وهوامُهُ، وسباعُ البرِّ وأنعامُهُ؛ لأنَّ العلمَ حياةُ القلوبِ منَ الجهلِ؛ ومصابيحُ الأبصارِ منَ الظلمِ، يبلغُ العبدُ بالعلمِ منازلَ الأخيارِ، والدرجاتِ العلى في
(1) شرح التبصرة والتذكرة 1/ 171.
(2)
شرح التبصرة والتذكرة 1/ 172، وهي عبارة ابن دقيق العيد في الاقتراح:199.
(3)
في الاقتراح: ((أهل الحديث)).
(4)
الاقتراح: 199.
(5)
التقييد والإيضاح: 60 - 61.
(6)
في التقييد: ((سبيل))، وفي جامع بيان العلم ((سبل)) كما هو في المخطوط.
الدنيا والآخرةِ، التفكرُ فيهِ يعدلُ الصيامَ، ومدارستُهُ تَعدلُ القيامَ، بهِ تُوصَلُ الأرحامُ، وبهِ يُعرَفُ الحلالُ / 86أ / منَ الحرامِ، هوَ إمامُ العملِ، والعملُ تابعُهُ، يُلهَمُهُ السَّعداءُ، ويُحرَمُهُ الأشقياءُ)) (1). قالَ ابنُ عبد البرِّ: وهو حديثٌ حسنٌ جداً، ولكن ليسَ له إسنادٌ قويٌّ (2). انتهى كلامُهُ.
فأرادَ بالحسنِ حسنَ اللفظِ قطعاً، فإنَّهُ من روايةِ موسى بنِ محمدٍ البلقاويِّ، عن عبدِ الرحيمِ بنِ زيدٍ العَمِّي. والبلقاويُّ هذا كذابٌ كذبهُ أبو زرعةَ، وأبو حاتمٍ (3)، ونَسبَهُ ابنُ حبانَ (4) والعقيلي (5) إلى وضعِ الحديثِ - والظاهرُ أنَّ هذا الحديثَ مما صنعت يداهُ - وعبدُ الرحيم بنُ زيدٍ العَمِّي متروكٌ أيضاً (6) ورُوِّينا عن أميةَ بنِ خالدٍ قالَ:((قلتُ لشعبةَ: تُحدِّثُ عن محمدِ ابنِ عبيدِ اللهِ العرزمي، وتدعُ عبدَ الملكِ بنَ أبي سليمانَ، وقد كانَ حسنَ الحديثِ؟ قالَ: من حسنِها فررتُ)) (7) انتهى. ولابنِ دقيقِ العيدِ أنْ ينفصلَ عن ذلكَ بقولهِ: ((إذا جروا على اصطلاحهم)) (8)، والإلزام
(1) جامع بيان العلم 1/ 54 - 55، وكذلك أسنده من قبله أبو نعيم في حلية الأولياء 1/ 239.
(2)
جامع بيان العلم 1/ 55، وقال العراقي في تخريج أحاديث الإحياء 1/ 89: ((قوله: حسن، أراد به الحسن المعنوي، لا الحسن المصطلح عليه بين أهل الحديث
…
)).
(3)
الجرح والتعديل 8/ 185 (715).
(4)
المجروحين 2/ 250 (916).
(5)
الضعفاء الكبير 4/ 169.
(6)
انظر: الجرح والتعديل 5/ 401 (1603)، والتأريخ الكبير 6/ 104، والتأريخ الصغير 2/ 254، والضعفاء للنسائي (268)، وتهذيب الكمال 4/ 495 (3994)، وانظر كلام الحافظ العراقي في تخاريج الإحياء 10/ 89.
(7)
أسنده: ابن عدي في " الكامل " 6/ 525، والسمعاني في " أدب الإملاء ": 59، والمزي في " تهذيب الكمال " 4/ 556 (4120).
(8)
الاقتراح: 199.
الصحيحُ ما (1) قالَه شيخُنا من أنَّهُ (2) كان يلزمُ على قوله (3): أنْ لا يوصفَ حديثٌ بصفةٍ إلاّ والحسنُ تابعه، فإنَّ كلَّ أحاديثِ النبي صلى الله عليه وسلم حسنةُ الألفاظِ بليغةٌ، فلما رأينا الذي وقعَ هذا في كلامه كثيراً يفرقُ، فتارةً يقولُ:((حسنٌ)) ويطلقُ، وتارةً يقولُ:((صحيحٌ)) فقط، وتارةً يقولُ:((حسنٌ صحيحٌ))، وتارةً يقولُ:((صحيحٌ (4) غريبٌ)) ونحوُ ذلكَ، عرفنا أنَّهُ لا محالةَ جارٍ معَ الاصطلاحِ، وأيضاً فهو قد قالَ في " العللِ " في آخرِ كتابهِ:((وماقلنا في كتابنا حديثٌ حسنٌ، فإنما أردنا بهِ حسنَ إسناده عندنا)) (5) فقد صرحَ بأنَّه إنما أرادَ حسنَ الإسنادِ، فانتفى أنْ يريدَ / 86ب / حسنَ اللفظِ، فقلتُ: يمكنُ أن يجيبَ مدعي هذا بما أجبتمُ بهِ من أنَّ هذا الكلامَ خاصٌّ بما يقولُ فيهِ: ((حسنٌ)) من غيرِ صفةٍ أخرى، فقالَ: بل هذا شاملٌ للجميعِ، والذي يختصُّ بما يخصهُ بقولهِ:((حسن)) (6) هوَ الكلامُ الذي بعدَ هذا، وهو قولهُ:((كلُّ حديثٍ يروى .. )) (7) إلى آخرهِ، وإنما يَرِدُ تحسينُ أهلِ هذا الشأنِ للفظِ الضعيفِ مقيداً، كما يقولُ ابنُ عبدِ البرِّ أحياناً:((حديثٌ حسن اللفظِ، وليسَ لهَ إسنادٌ قائم)) (8).
قوله: (وهذا معنى قوله (9): فكيفَ إنْ فردٌ) (10) قال الشّيخُ في
(1) من قوله: ((قال ابن دقيق العيد بعد ذلك
…
)) إلى هنا لم يرد في (ك).
(2)
عبارة: ((من أنه)) لم ترد في (ك).
(3)
عبارة: ((على قوله)) لم ترد في (ك).
(4)
عبارة: ((فقط، وتارة يقول: حسن صحيح، وتارة يقول: صحيح)) لم ترد في (ك).
(5)
العلل آخر الجامع 6/ 251.
(6)
جاء في حاشية (أ): ((أي: الذي أراد به حسن الإسناد)).
(7)
العلل آخر الجامع 6/ 251.
(8)
جامع بيان العلم وفضله 1/ 54، وانظر: نكت ابن حجر 1/ 475، وبتحقيقي:261.
(9)
((قوله)) لم ترد في (ف).
(10)
شرح التبصرة والتذكرة 1/ 172.
" النكتِ "(1): ((وقد أجابَ بعضُ المتأخرينَ (2) عنِ ابنِ الصلاحِ بأنَّ الترمذيَّ حيثُ قالَ هذا يريدُ بهِ تفردَ أحدِ الرواةِ بهِ عنِ الآخرِ، لا التفردَ المطلقَ. قالَ: ويوضحُ ذلكَ ما ذكرهُ في الفتنِ (3) من حديث خالدٍ الحذّاءِ، عنِ ابنِ سيرينَ، عن أبي هريرةَ يرفعه:((من أشارَ إلى أخيهِ بحديدةٍ .. )) الحديثَ، قال فيهِ:((هذا (4) حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريبٌ من هذا الوجهِ))، فاستغربهُ من حديثِ خالدٍ، لا مطلقاً. انتهى. وهذا الجوابُ لا يتمشى في المواضع التي يقولُ فيها: لا نعرفهُ إلا من هذا الوجهِ، (5) كحديثِ العلاءِ بنِ عبدِ الرحمان)) هكذا قالَ الشيخُ، وستعرفُ ما فيهِ فيما يليهِ (6).
قوله: (كحديثِ العلاءِ)(7) ليسَ مثالاً صحيحاً، فإنَّ قولَ الترمذيِّ:((على هذا اللفظِ)) يشعرُ بأنَّهُ رُوِيَ من غيرِ هذا الوجهِ على غيرِ هذا اللفظِ، وهوَ كذلكِ، فإنَّ أصلهُ:((لا تَقدمّوا رمضانَ بصومِ يومٍ، ولا يومينِ)) (8) وهو مروٍ من غيرِ هذهِ
(1) التقييد والإيضاح: 58 - 59.
(2)
انظر: نكت الزركشي 1/ 367، والبحر الذي زخر 3/ 1249 - 1250، وتعليقنا على كتاب معرفة أنواع علم الحديث:109.
(3)
الجامع الكبير 4/ 36 (2162)، والحديث أخرجه أيضاً أحمد 2/ 256 و505، ومسلم
8/ 34 (2616) من طرق عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، به.
(4)
في " التقييد والإيضاح ": ((هكذا)) خطأ.
(5)
جاء في حاشية (أ): ((أي: عن هذا الراوي)).
(6)
من قوله: ((قوله: وهذا معنى قوله
…
)) إلى هنا لم يرد في (ك).
(7)
شرح التبصرة والتذكرة 1/ 172. وحديث العلاء هذا رواه الترمذي في " الجامع الكبير "
(738)
من طريقه، عن أبيه، عن أبي هريرة:((إذا بقي نصف شعبان فلا تصوموا)).
(8)
من هذا الوجه أخرجه: البخاري 3/ 35 (1914)، ومسلم 3/ 125 (1082)(21)، ولمزيد من التخريج انظر تحقيقي على " مسند الشافعي " حديث (609).
الطريقِ، وللترمذيِّ في تعبيره عن ذلكَ أنواعٌ من التقييداتِ (1) / 87 أ / لا يتنبهونَ لها، كأنْ يقولَ:((غريبٌ من هذا الوجهِ)) (2)، ((غريبٌ بهذا السياقِ))، ((لا نعرفهُ إلا من هذا الوجهِ بهذا التمامِ)) (3)، ونحوُ ذلكَ، فلا يمنعُ أنْ يكونَ رويَ من وجهٍ آخرَ، أو أوجهٍ أُخرَ من غيرِ ذلكَ الوجهِ، وبغيرِ ذلكَ السياقِ، وبغيرِ ذلكَ التمامِ. ووراءَ ذلكَ كله أنَّهُ إذا اقتصر على قوله:((غريبٌ)) احتملَ أنْ يكونَ مرادهُ الغرابةَ النسبيةَ، أي: إنَّ ذلكَ الراوي تفرّدَ بهِ عن شيخه، وذلكَ مثل قوله:((غريبٌ من هذا الوجهِ)) فلا يمتنعُ أنْ يكونَ رواهُ العددُ الكثيرُ عن غيرِ ذلكَ الشيخِ، فليتنبه لذلكَ كلهِ.
قوله: (ولأبي الفتحِ)(4) قال شيخنا: ((حاصلُ جوابِ ابنِ دقيقِ العيدِ: أنَّ قولهم: ((حسنٌ صحيحٌ)) مثلُ قولهم: ((هذا الراوي صدوقٌ ضابطٌ))؛ فإنَّ صدوقاً فقط قاصرٌ عن أوصافِ رجالِ الصحيحِ، وضابطاً من أوصافهم، فكما أنَّ الجمعَ بينَ هذينِ الوصفينِ لا يضرُّ ولا يشكلُ، فكذلكَ الجمعُ بينَ الحسنِ والصحةِ. وظاهرُ قولهِ:((وأمّا إن ارتفعَ إلى درجةِ الصحةِ، فالحسنُ حاصلٌ)) إنَّ مرادَهُ بالحسنِ هنا غيرُ المعنى الاصطلاحيِّ؛ لأنَّ الاستعمالَ الشائعَ في مثلِ ((إنْ كانَ كذا فكذا، وأمّا إن كانَ كذا فكذا))، أنَّ ما بعدَ ((أمّا)) غيرُ ما قبلها، لكنَّ قولهُ: ((لأنَّ وجودَ
(1) في (ك): ((التقديرات)).
(2)
انظر على سبيل المثال: الجامع الكبير (58) و (360) و (428) و (614) و (1046) و (1188) و (1303) و (1326) و (1681) و (2171) و (2625) و (2842) و (3032) و (3371) و (3538).
(3)
في الجامع الكبير عبارة: ((لا نعرفه إلاّ من هذا الوجه)) دون قوله: ((بهذا التمام)) انظر على سبيل المثال: (196) و (473) و (604) و (1257) و (1404) و (1832)
و (2185) و (2405) و (2654) و (2916) و (3202) و (350) و (3862).
(4)
التبصرة والتذكرة (87).
الدرجةِ العليا
…
)) (1) إلى آخرهِ ينفي ذلك، ويشعرُ بأنَّ المرادَ المعنى الاصطلاحيُّ، وحينئذٍ يقال: إنْ كان الضبطُ الذي في راوي الحسنِ هو عينُ (2) الضبطِ الذي في راوي الصحيحِ، فالجوابُ مسلمٌ، وإنْ كانَ غيرهُ - وهوَ الحقُّ - فليسَ جواباً صحيحاً، فإنَّ الضبطَ / 87 ب / الذي في راوي الحسنِ مشترطٌ فيهِ القصورُ، والذي في راوي الصحيحِ مشترطٌ فيهِ التمامُ، فهما حقيقتانِ مختلفتانِ، وهذا مثلُ قولِ مَن جعلَ المباحَ جنساً للواجبِ؛ لكونِ كلٍّ منهما مأذوناً فيهِ، والجوابُ بما قالَ ابنُ الحاجب:((قلنا: تركتم فصلَ المباحِ، أي: وهو عدمُ الذمِّ لتاركهِ))، وهذا كذلكَ سواءٌ من جعلهُ جنساً للصحيحِ؛ للاجتماعِ في القبولِ، غفلَ (3) عن فصلِ الحسنِ، وهوَ اشتراطُ قصورِ ضبطِ راويهِ، وقد تقدّمَ بأبسط من هذا، لكنْ يعتنى بابنِ دقيقِ العيدِ بأنَّ مرادهُ أنَّ الحسنَ حيثُ انفردَ يقصدُ معناه الاصطلاحيُّ، وهوَ المشترطُ فيهِ ذلكَ القصورُ، وإذا لم ينفرد يجوزُ أنْ يُرادَ المعنى الاصطلاحيُّ أيضاً، ويلاحظُ فيهِ القصورُ، لكنْ لا يلاحظُ أنَّهُ على وجهِ الشرطِ حتى يمتنعَ ارتفاعه عن تلكَ الدرجةِ، وهذا كما تراهُ بحث بحثه، والباحثُ قد يجوزُ في توجيهِ الكلامِ ما لا يعتقدُ أنه الظاهرُ من معناهُ، فضلاً عن أنْ يعتقدَ أنَّهُ الحقُّ.
قوله: (ويلزمُ على هذا
…
) (4) إلى آخرهِ يشعرُ بعدمِ رضاهُ له، والمعتمدُ ما قدمهُ في أولِ فصلِ الحسنِ في اعتراضهِ على الخطابيِّ منِ اشتراطِ كونِ الحسنِ قاصراً عن رتبةِ الصحيحِ (5)، فإنَّ ذاكَ الكلامَ في محلهِ، والقاعدةُ: أنَّ ما ذُكرَ في محلهِ هوَ
(1) شرح التبصرة والتذكرة 1/ 173، والكلام لابن دقيق العيد. انظر: الاقتراح: 200.
(2)
في (ك): ((غير)).
(3)
في (ك): ((عندي)).
(4)
شرح التبصرة والتذكرة 1/ 173.
(5)
الاقتراح: 191 - 192.
المعتمدُ، فاللائقُ ردُّ هذا الكلامِ إلى ذاكَ، لا (1) كما فعلَ التبريزيُّ حيثُ أرادَ ردَّ ذلكَ إلى هذا (2).
قال شيخنا: ((هذا (3) ما يتعلقُ بما أوردهُ في النظمِ منَ الأجوبةِ، وبقي جوابٌ رابعٌ / 88 أ /: وهوَ التوسطُ بينَ كلامِ ابنِ الصلاحِ، وابنِ دقيقِ العيدِ، فيخصُّ جواب ابنِ الصلاحِ بما يكونُ لهُ إسنادانِ فصاعداً، وجواب ابنِ دقيقِ العيد بما يكونُ فرداً.
وجوابٌ خامسٌ - وهو الذي ارتضاهُ (4)(5)، ولا غبارَ عليهِ -: وهوَ أنَّ الحديثَ إنْ كانَ متعددَ الإسنادِ، فالوصفُ راجعٌ إلى الحديثِ باعتبارِ الإسنادينِ، أو الأسانيدِ، كأنَّه قيلَ:((حديثٌ حسنٌ بالإسنادِ الفلاني، صحيحٌ بالإسنادِ الفلاني))، وإنْ كانَ الحديثُ فرداً فالوصفُ وقعَ بحسبِ اختلافِ النقادِ في راويهِ، فيرى المجتهدُ منهمُ - كالترمذيِّ - بعضهم يقولُ: صدوقٌ مثلاً، وبعضهم يقولُ: ثقةٌ، ولا يترجّحُ عنده قولُ واحدٍ منهما، أو يترجحُ، ولكنهُ أرادَ أنْ يشيرَ إلى كلامِ الناسِ فيهِ، فيقولَ:((حسنٌ صحيحٌ))، أي: حسنٌ عندَ قومٍ؛ لأنَّ راويهِ عندَهم صدوقٌ،
(1) لم ترد في (ك).
(2)
إذ قال التبريزي فيما نقله عنه العراقي في شرح التبصرة 1/ 152، وفي التقييد والإيضاح: 44: ((فيه نظر؛ لأنه ذكر من بعد أن الصحيح أخص من الحسن، قال: ودخول الخاص في حد العام ضروري والتقييد بما يخرجه للحد))، قال العراقي:((وهو اعتراض متجه)).
قال ابن حجر في نكته 1/ 405 وبتحقيقي: 200: ((بين الصحيح والحسن خصوص وعموم من وجهٍ، وذلك بين واضح لمن تدبره، فلا يرد اعتراض التبريزي؛ إذ لا يلزم من كون الصحيح أخص من الحسن من وجهٍ أن يكون أخص منه مطلقاً حتى يدخل الصحيح في الحسن
…
)).
(3)
عبارة: ((قال شيخنا: هذا)) لم ترد في (ف).
(4)
في (ك) و (ف): ((ارتضيه)).
(5)
جاء في حاشية (أ): ((أي: ابن حجر)).
صحيحٌ عندَ آخرينَ؛ لأنَّ راويهِ عندهم ثقةٌ، وهوَ نظيرُ قولِ الفقيهِ: في المسألةِ قولانِ، أو بحسبِ ترددِ المجتهدِ نفسهِ في الراوي، فتارةً يؤديهِ اجتهادهُ باعتبارِ حديثهِ وعرضهِ على حديثِ الحفّاظِ، ونحو ذلكَ إلى قصورِ ضبطهِ، وتارةً إلى تمامهِ، فكأنهُ حينئذٍ قالَ: حسنٌ أو صحيحٌ، وغايتهُ: أنَّه حذفَ كلمة ((أو))، وحذفُها شائعٌ في كلامِهم، كما في أثرِ عمرَ رضي الله عنه في " الصحيحِ " في أوائلِ كتابِ الصلاةِ (1): ((صلى في قميصٍ وإزارٍ، في تبان ورداءٍ، في كذا وكذا
…
)) (2) إلى آخرهِ، وكما في حديثِ عدي بنِ حاتمٍ رفعهُ:((تصدّقَ رجلٌ من درهمهِ، من دينارهِ، من صاعِ تمرهِ)) (3) إلى آخرهِ، ذكرهُ ابنُ مالكٍ في " شواهدِ / 88 ب / التوضيحِ " (4) وهذا الحديثُ رواهُ مسلمٌ في الزكاةِ عن جريرِ بن عبدِ اللهِ رضي الله عنه:((أنَّ ناساً من الأعرابِ جاءوا، فرأى سوءَ حالهم، فخطبَ الناسَ، ثم حثَّهُم على الصدقةِ)) (5)، وقالَ هذا الكلام.
في " صحيحِ مسلمٍ " أيضاً في البرِ والصلةِ عن أبي هريرةَ رضي الله عنه، أنَّ النّبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ:((اللهمَّ إني أتخذُ عندكَ عهداً، فأيُ المسلمينَ آذيتُهُ، شتمتُهُ، لعنتُهُ، جلدتُه، فاجعلها لَه صلاةً، وزكاةً، وقُربةً)) (6).
(1) عبارة: ((في أوائل كتاب الصلاة)) لم ترد في (ف).
(2)
صحيح البخاري 1/ 102 عقب (365).
(3)
أخرج الطبراني في " الأوسط "(9481) بنحو هذا من حديث عدي بن حاتم، وذكره الهيثمي في " مجمع الزوائد " 3/ 106 - 107وقال:((رواه الطبراني في الأوسط، وفيه الحسن ابن أبي جعفر الجفري، وهو ضعيف)).
(4)
شواهد التوضيح: 117.
(5)
صحيح مسلم 3/ 86 (1017)(69).
(6)
صحيح مسلم 8/ 26 (2601)(93).
وروى أبو داودَ (1) والنسائيُّ (2) وابنُ حبان في "صحيحهِ"(3) عن عمارِ بنِ ياسرٍ رضي الله عنه قالَ: سمعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقولُ: ((إنَّ الرجلَ لينصرفُ، وما كُتبَ لهُ إلا عُشرُ صلاتهِ، تُسعُها، ثُمنُها، سُبعُها، سُدسُها، خُمسُها، رُبعُها، ثُلثُها، نصفُها)).
ورَوَى أبو يعلى (4) - قالَ المنذريُّ: ورجالهُ محتجٌ بهم في الصحيحِ - عن ابنِ عباسٍ رضي الله عنهما قالَ: ذكرتُ قيامَ الليلِ فقالَ بعضُهم: إنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قالَ: ((نِصفُهُ، ثُلثُه، ربعُه، فواقَ حلبِ ناقةٍ، فواقَ حلبِ شاةٍ)) (5) ويتفرعُ على هذا الجوابِ سؤال مَن أجابَ فيهِ من غيرِ تفصيلٍ أخطأَ، وهوَ أن يقالَ: أي ما أرفع: ما يقالُ فيهِ: ((صحيحٌ)) فقط، أو ما يقالُ فيهِ:((حسنٌ صحيحٌ))؟ والجوابُ: أنَّهُ إنْ كانَ متعددَ الإسنادِ، فما جُمِعَ الوصفانِ فيهِ أعلى مِمَّا لم يكُن لهُ إلا إسنادٌ واحدٌ صحيحٌ؛ لأنَّهُ زادَ عليهِ بالطريقِ الحسنةِ، وإنْ كانَ فرداً، فما أفردَ وصفهُ بالصحةِ أعلى؛ لأنهُ لا تَردُّدَ فيهِ، واللهُ أعلمُ.
وقد ذكرَ / 89 أ / الشيخُ في "النكتِ"(6) عن الحافظِ عمادِ الدينِ إسماعيلَ ابنِ كثيرٍ جواباً وردَّهُ، فقالَ:((أجابَ بما حاصلهُ: أنَّ الجمعَ في حديثٍ واحدٍ بينَ الصحةِ والحُسنِ درجةٌ متوسطةٌ بينَ الصحيحِ والحسنِ، فقالَ: والذي يظهرُ (7) أنَّهُ يُشربُ الحُكمَ بالصحةِ على الحديثِ بالحسنِ، كما يُشربُ الحسنَ بالصحةِ، قالَ:
(1) في سننه (796).
(2)
في الكبرى (612).
(3)
كما في الإحسان (1889).
(4)
في مسنده (2677).
(5)
من قوله: ((وكما في حديث عدي بن حاتم رفعه
…
)) إلى هنا لم يرد في (ك).
(6)
التقييد والإيضاح: 61 - 62.
(7)
في اختصار علوم الحديث: ((لي)).
فعلى هذا يكونُ ما يقولُ فيه: حسنٌ صحيحٌ، أعلى رتبةً عندهُ من الحسنِ ودونِ الصحيحِ، ويكونُ حكمهُ على الحديثِ بالصحةِ المحضةِ أقوى من حكمهِ عليهِ بالصحةِ مع الحسنِ (1). انتهى)).
قالَ الشيخُ (2): ((وهذا الذي ظهرَ لهُ تحكمٌ، لا دليلَ عليهِ، وهو بعيدٌ من فهمِ معنى كلامِ الترمذي)) (3)، انتهى.
وقد ظهرَ بما حررهُ شيخُنا أنَّهُ ليسِ ببعيدٍ، فإنَّهُ واقعٌ على ما هو فردٌ، واللهُ أعلمُ (4).
قولُه: (ويؤيدُه قولهم: حَسنٌ)(5) ليسَ كذلكَ، فإنَّ المتقدمين الذين أطلقوا وصفَ الحسنِ على ما هو صحيحٌ كالشافعيِّ وغيرهِ، لمْ يكن تقررَ عندهم الاصطلاحُ على أنَّ الحسنَ قاصرٌ عن الصحيحِ، ولو تقرّرَ لما خالفوهُ.
قولهُ: (وأوردوا
…
) (6) إلى آخره، هذا الاعتراضُ لا يردُ على واحدٍ من ابنِ دقيقِ العيدِ، وابنِ المواقِ إنْ سُلِّمَ (7) أنَّ وجودَ الدرجةِ الدُنيا لا تنافي العُليا؛ لأنَّ الحسنَ الذي اشترطَ فيهِ أنْ يُروَى من غيرِ وجهٍ هوَ الحسنُ لغيرهِ، فكلُّ صحيحٍ حسنٌ لذاتهِ، لم يقلْ واحدٌ منهما: كُلُّ صحيحٍ حسنٌ لذاتهِ ولغيرهِ، ولا قالَ: كلُّ حسنٍ صحيحٌ، حتى يشملَ الحسنَ بقسميهِ، بل السور لَم يرِد إلَاّ على الصحيحِ؛ فشملَ
(1) اختصار علوم الحديث: 1/ 140 - 141 وبتحقيقي: 104 - 105.
(2)
جاء في حاشية (أ): ((أي: العراقي)).
(3)
التقييد والإيضاح: 62.
(4)
من قوله: ((وقد ذكر الشيخ في النكت
…
)) إلى هنا لم يرد في (ك).
(5)
شرح التبصرة والتذكرة 1/ 173، وهو كلام ابن دقيق العيد في الاقتراح:200.
(6)
التبصرة والتذكرة (89).
(7)
عبارة: ((إن سلم)) لم ترد في (ك).
كُلَّ صحيحٍ، وإذا صحَّ وصفهُ بأحدِ نوعي الحسنِ كَفَى، ولا يضُرُّ / 89ب / تخلفُ وصفهِ بالنوعِ الآخرِ؛ لأنَّ السورلم يرد على الحسنِ حتى يشمل كلاً من نوعيهِ، واللهُ أعلمُ.
ولو كانَ ابنُ سيّدِ الناسِ يعتقدُ أنَّ الترمذيَّ يشترطُ في كُل حسنٍ أنْ يُروى من غيرِ وجهٍ، لاعتذرَ عنهُ بذلك، لكنَّهُ قدمَ أنَّ الترمذيَّ إنَّما قالَ ذلك في نوعٍ من الحسنِ (1).
قولُه: (كحديثِ الأعمالِ بالنياتِ)(2) هذهِ أمثلةٌ للأفرادِ الصحيحةِ، فهذا (3) تفردَ به عمرُ عنِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وتفرّدَ بهِ عنهُ علقمةُ، واستمرَّ التفردُ إلى يحيى ابنِ سعيدٍ.
وحديثُ السفرِ تفرّدَ بهِ مالكٌ (4).
(1) انظر: النفح الشذي 1/ 205.
(2)
شرح التبصرة والتذكرة 1/ 174، والحديث في صحيح البخاري 1/ 2 (1) و21 (54) و3/ 190 (2529) و 5/ 72 (3898) و 7/ 4 (5070)، وصحيح مسلم 6/ 48
(1907)
، وللتوسع في تخريجه يراجع تعليقنا على شرح التبصرة والتذكرة.
(3)
عبارة: ((هذه أمثلة للأفراد الصحيحة فهذا)) لم ترد في (ك).
(4)
أخرجه: مالك في الموطأ (2805) رواية الليثي، عن سُمي مولى أبي بكر، عن أبي صالح، عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((السفر قطعة من العذاب، يمنع أحدكم نومه وطعامه وشرابه. فإذا قضى أحدكم نهمته من وجهه، فليعجل إلى أهله)). ومن طريق مالك أخرجه أحمد 2/ 236 و445، والبخاري 3/ 10 (1804)، و4/ 71 (3001)، و7/ 100 (5429)، وابن ماجه (2882).
وأخرجه: ابن ماجه (2882) عن يعقوب بن حميد بن كاسب، عن عبد العزيز بن محمد، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة. ويعقوب بن حميد صدوق له أوهام.
انظر: التقريب (7815).
وأخرجه أيضاً: أحمد في " مسنده " 2/ 496 من طريق أبي عبد الله البكري، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة، به. وأبو عبد الله البكري: مجهول.
انظر: الجرح والتعديل 9/ 449 (1921).
وقد عنى المصنف بالتفرد هنا هو التفرد النسبي أي التفرد بالصحة.