الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
حرف الدال
65-
دَاوُد بْن عليّ بْن خَلَف [1] .
أبو سُلَيْمَان الْبَغْدَادِيّ الإصبهاني، مَوْلَى المهديّ، الفقيه الظّاهريّ، رأس أَهْل الظّاهر.
وُلِد سنة ثمانين، وسمع: سُلَيْمَان بْن حرب، والقَعْنَبيّ، وعَمْرو بْن مرزوق، ومحمد بْن بُكَيْر العبْديّ، ومُسَدّدًا، وأبا ثور الفقيه، وإسحاق بْن رَاهَوَيْه رحل إليه إلى نيسابور فسمع منه «المسند» و «التّفسير» ، وجالس الأئمّة، وصنَّف الكُتُب.
قَالَ أبو بَكْر الخطيب [2] : كان إمامًا ورِعًا ناسكًا زاهدًا. وَفِي كُتُبه حديث كثير. لكنّ الرواية عَنْهُ عزيزة جدًا.
روى عَنْهُ: ابنه محمد، وزكريّا السّاجيُ، ويوسف بن يعقوب الداوديّ
[1] انظر عن (داود بن علي) في:
ذكر أخبار أصبهان 1/ 312، 313، ومروج الذهب 3189، والفرج بعد الشدّة 5/ 55، والفهرست لابن النديم 317- 319، وتاريخ بغداد 8/ 369- 375 رقم 4473، وطبقات الفقهاء للشيرازي 92، والأنساب 8/ 296- 298 والمنتظم 5/ 75- 77 رقم 164، وتكملة تاريخ الطبري، ووفيات الأعيان 2/ 255- 257 رقم 223، وسير أعلام النبلاء 13/ 97- 108 رقم 55، والعبر 2/ 47، وتذكرة الحفاظ 2/ 572، ودول الإسلام 1/ 164، 165، وميزان الاعتدال 2/ 14- 16 رقم 2634، وطبقات الشافعية الكبرى للسبكي 2/ 284- 293، والبداية والنهاية 11/ 47، 48، ولسان الميزان 2/ 422- 424 رقم 1842، والنجوم الزاهرة 3/ 47، 48، وطبقات الحفاظ 253، 254، وطبقات المفسّرين للداوديّ 1/ 166- 169 رقم 165، وشذرات الذهب 2/ 158، 159، ومرآة الجنان 2/ 184، ومفتاح السعادة 2/ 312، وديوان الإسلام لابن الغزّي 2/ 909، 910، والوافي بالوفيات 13/ 473- 477 رقم 579، والكامل في التاريخ 7/ 412، والتاج المكلّل للقنوجي 45 رقم 21، وتهذيب الأسماء واللغات ق 1 ج 1/ 182، وروضات الجنات 276، وكشف الظنون 1839، وهدية العارفين 1/ 359، والأعلام 2/ 333، ومعجم المؤلفين 4/ 139.
[2]
في تاريخه 8/ 369، 370.
الفقيه، وعبّاس بْن أَحْمَد المذكّر، وغيرهم.
قَالَ ابنُ حزم [1] : إنّما عُرِف بالإصبهانيّ لأنّ أمّه أصبهانيّة، وكان أَبُوهُ حنفيّ المذهب، يعني وكان عراقيًا.
قَالَ: وكتب دَاوُد ثمانية عشر ألف ورقة.
ومن أصحاب دَاوُد أبو الْحَسَن عَبْد الله بن أَحْمَد بْن رُوَيْم أحد الأئمة، وأبو بَكْر بْن النّجّار، وأبو الطّيّب محمد بْن جَعْفَر الدّيباجيّ، وأحمد بْن مَخْلَد الإياديّ، وأبو سَعِيد الْحَسَن بْن عُبَيْد الله له تواليف كثيرة، وأبو بَكْر محمد بْن أَحْمَد الدّجاجيّ، وأبو نصر رآه السّجِسْتانيّ.
ثُمَّ سمّى ابنُ حزم جماعةً كثيرة من الفقهاء من مَلاحدة دَاوُد.
وقال أبو إسحاق الشّيرازيّ [2] : ولد سنة اثنتين ومائتين [3] ، وأخذ العلم عن إِسْحَاق، وأبي ثور. وكان زاهدًا متقلّلًا.
قَالَ أبو الْعَبَّاس ثعلب: كان دَاوُد عقله أكثر من علمه.
قَالَ أبو إسحاق وقيل: كان في مجلسه أربعمائة صاحب طَيْلَسان أخضر.
وكان من المتعصّبين للشّافعي، صنَّف كتابين فِي فضائله والثّناء عليه.
قَالَ أبو إِسْحَاق: وانتهت إليه رئاسة العلم ببغداد، وأصله من أصفهان ومولده بالكوفة، ومنشأه ببغداد وقبره بها [4] .
وقال أبو عَمْرو أَحْمَد بْن الْمُبَارَك المُسْتَملي: رأيتُ دَاوُد بْن عليّ يردّ على إِسْحَاق بْن راهَوَيْه، وما رَأَيْتُ أحدًا قبله ولا بعده يردّ عليه هيبة له [5] .
وقال عمر بْن محمد بْن بُجَيْر: سمعت دَاوُد بْن عليّ يقول: دخلت على إِسْحَاق بْن رَاهَوَيْه وهو يحتجم، فجلست فرأيت كُتُب الشّافعيّ، فأخذت أنظر، فصاح: إيش تنظر؟ فقلت: مَعَاذ الله أن نأخذ إلّا من وجدنا متاعنا عنده [6] .
فجعل يضحك ويتبسّم.
[1] في المحلّى 1/ 132.
[2]
في طبقات الفقهاء 92.
[3]
وقال أبو نعيم: ولد سنة إحدى ومائتين. (أخبار أصبهان 1/ 313) .
[4]
في الشونيزية. كما في طبقات الفقهاء.
[5]
تاريخ بغداد 8/ 370، 371.
[6]
استعارة من سورة يوسف، الآية 75
وقَالَ سَعِيد البَرْذَعيّ: كُنَّا عِنْدَ أبي زُرْعة فاختلف رجلان فِي أمر دَاوُد المُزَنيّ، والرجلان فَضْلَك الرّازيّ، وابن خِراش، فقال: ابنُ خِراش: دَاوُد كافر.
وقَالَ فَضْلَك: المُزَنيّ جاهل.
فَأَقْبَلَ عليهما أبو زُرْعة يوبِّخهما وقَالَ: ما واحد منكما له بصاحب. ثُمَّ قَالَ: ترى دَاوُد هَذَا لو اقتصر عليه أَهْل العلم لظننت أنّه يحمد أَهْل البِدَع بما عنده من البيان والآلة [1] . ولكنّه تعدّى. لقد قدم علينا من نَيْسابور، فكتب إِلَيّ محمد بْن رافع، ومحمد بن يحيى، وعَمْرو بْن زُرَارة، وحسين بْن مَنْصُورٌ، ومشيخة نَيْسابور بما أحدث هناك، فكتمت ذلك لمّا خفت عواقبه، ولم أُبْدِ له شيئًا. فقدِم بغداد، وكان بينه وبين صالح بْن أَحْمَد بْن حنبل حُسْن، فكلّم صالحًا أن يتلطّف له فِي الاستئذان على أَبِيهِ، فأتى وقَالَ: سألني رَجُل أن يأتيك.
قَالَ: ما اسمه؟
قَالَ: دَاوُد.
قَالَ: ابنُ من؟
قَالَ: هُوَ من أَهْل إصبهان.
وكان صالح يروغ عن تعريفه، فَمَا زال أَبُوهُ يفحص حَتَّى فطِن به فقال:
هَذَا كتب إليّ محمد بْن يحيى فِي أمره أنّه زعم أنّ القرآن مُحْدَث، فلا يقرَبنيّ.
قَالَ: إنّه ينفي هَذَا ويُنْكره.
قَالَ: محمد بْن يحيى أصدق منه، لا تأذَنْ له [2] .
قَالَ الخلّال: أنا الْحُسَيْن بْن عَبْد الله قَالَ: سَأَلت المرُّوذيّ عن قصّة دَاوُد الإصبهانيّ وما أنكر عليه أبو عبد الله فقال: كان دَاوُد خرج إِلَى خُراسان إِلَى ابنُ رَاهَوَيْه، فتكلم بكلامٍ شهِدَ عليه أبو نصر بْن عَبْد الحميد وآخر، شهدا عليه أنّه قَالَ: القرآن مُحْدَث.
فقال لي أبو عبد الله: مَن دَاوُد بْن عليّ لا فرّج عنه الله؟
[1] في طبقات الشافعية الكبرى: «الأدلة» .
[2]
تاريخ بغداد 8/ 373، 374، والمنتظم 5/ 76، طبقات الشافعية الكبرى 2/ 285، 286.
قلت: هَذَا من غلمان أبي ثور.
قَالَ: جاءني كتاب محمد بْن يحيى النَّيْسابوريّ أنّ دَاوُد الإصبهانيّ قَالَ ببلدنا أنّ القرآن مُحْدَث.
قَالَ المَرُّوذيّ: حَدَّثَنِي محمد بن إِبْرَاهِيم النَّيْسابوريّ أنّ إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه لمّا سمع كلام دَاوُد فِي بيته وثب عليه إِسْحَاق فضربه وأنكر عليه [1] .
قَالَ الخلّال: سمعت أَحْمَد بْن محمد بْن صدقة: سمعت محمد بْن الْحُسَيْن بْن صَبِيح، سمعت دَاوُد الإصبهانيّ يقول: القرآن مُحْدَث ولفظي بالقرآن مخلوق [2] .
أَنَا سَعِيد بْن أبي مُسْلِم، سمعت محمد بْن عَبْدة يقول: دخلت إلى داود فغضب عليّ أَحْمَد بْن حنبل، فدخلت عليه فلم يكلّمني، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ إنّه رَدّ عليه مسألة.
قَالَ: وما هِيَ؟
قَالَ: قَالَ الخُشَنيّ: إذا مات من يغسّله؟
فقال دَاوُد: يغسّله الخَدَم.
فقال محمد بْن عَبْدة: الخدم رجال. ولكن يُيَمَّم.
فتبسَّم أَحْمَد وقَالَ: أصاب أصاب. ما أجْوَدَ ما أجابه [3] ! قلت: كان دَاوُد موصوفًا بالدّين والتّعبُّد مع هَذَا.
وقَالَ القاضي المَحَامِليّ: رَأَيْت دَاوُد بْن عليّ يصلّي، فَمَا رَأَيْت مسلمًا يشبهه فِي حُسن تواضعه.
وقد اخْتَلَفَ محمد بْن جرير مدّة إِلَى مجلس دَاوُد، وأخذ عَنْهُ.
وقَالَ أَحْمَد بْن كامل القاضي: أخبرني أبو عبد الله الورّاق أنّه كان يورّق على دَاوُد، فسمعته يُسأل عن القرآن، فقال: أمّا الَّذِي فِي اللّوح المحفوظ فغير مخلوق، وأمّا الّذي هو بين الناس فمخلوق [4] .
[1] طبقات الشافعية الكبرى 2/ 286.
[2]
طبقات الشافعية الكبرى 2/ 286.
[3]
طبقات الشافعية 2/ 286، 287.
[4]
تاريخ بغداد 8/ 374، المنتظم 5/ 76.
قلت: للعلماء قولان فِي دَاوُد هَلْ يُعْتَدُّ بخلافه أَمْ لا؟
فقال أبو إِسْحَاق الإسفرائينيّ: قَالَ الجمهور إنّهم، يعني قُضاة القياس، لا يبلغون رُتبة الاجتهاد، ولا يجوز تقليدهم القضاء.
ونقل الأستاذ أبو مَنْصُورٌ الْبَغْدَادِيّ، عن أبي عليّ، عن أبي هُرَيْرَةَ، وطائفة فِي الشّافعيّين أنّه لا اعتبار بخلاف دَاوُد، وسائر نقْله القياس فِي الفروع دون الأصول.
وقَالَ أبو المعاليّ الْجُوَينيّ: الَّذِي ذهب إليه أَهْل التحقيق أنّ مُنْكري القياس لا يُعَدُّون من علماء الأئمّة ولا مِن حملة الشريعة، لأنّهم معاندون مباهتون فيما ثبت استفاضةً وتواتُرًا، لأنّ مُعظم الشريعة صادرة عن الاجتهاد، ولا تفي النّصوص بعُشْر معشارها، وهؤلاء يلتحقون بالعوامّ [1] .
قلت: قول أبي المعالي رحمه الله فِيهِ بعض ما فِيهِ، فإنّما قاله باجتهاد، ونَفْيهم للقياس أيضًا باجتهاد، فكيف يُرَدّ الاجتهاد بِمِثْلِهِ؟ نعم، وأيضًا فإذا لم يُعْتَدّ بخلافهم لَزِمنا أنْ نقول إنّهم خرقوا الإجماع، ومن خالف الإجماع يُكَفَّر وَيُقْتَل حدّ العنادة. فَإِن قلتم خالفوا الإجماع بتأويل سائغ، قُلْنَا: فهذا هُوَ المجتهد، فلا نقول يجوز تقليده، إنما يُحكى قوله، مع أَنّ مذهبه أن لا يحلّ لأحدٍ أن يقلّدهم ولا أن يقلّد غيرهم، فلأن نحكي خلافهم ونعدُّه قولًا أهْوَن وأسلم من تكفيرهم.
ونحن نحكي قول ابنِ عَبَّاس فِي الصرف، والمُتْعَة، وقول الكوفيين فِي النّبيذ، وقول جماعة من الصّحابة فِي ترك الغُسْلِ من الْجِماع بلا إنزال، ومع هَذَا فلا يجوز تقليدهم فِي ذلك [2] .
فهؤلاء الظّاهرية كذلك، يُعتدّ بخلافهم، فإنْ لم نفعل صار ما تفرّدوا به خارقًا للإجماع، ومن خرق الإجماع المتيقَّن فقد مَرَقَ مِن المِلَّة. لكنّ الإجماع المتيقَّن هُوَ ما عُلِم بالضرورة من الدّين: كوُجُوب رمضان، والحجّ، وتحريم الزِّنا، والسَّرِقة، والرِّبا، واللِّواط.
والظّاهرية لهم مسائل شنيعة، لكنّها لا تبلغ ذلك، والله أعلم.
[1] سير أعلام النبلاء 13/ 105.
[2]
سير أعلام النبلاء 13/ 108، وانظر تخريج الأحاديث عن ابن عباس في الحواشي.
وقَالَ الْإِمَام أبو عَمْرو بْن الصّلاح: الَّذِي اختاره أبو مَنْصُورٌ وذكر أنّه الصّحيح من المذهب إنّه يعتبر خلاف دَاوُد.
قَالَ ابنُ الصّلاح: هَذَا هُوَ الَّذِي استقرّ عليه الأمر آخرًا هُوَ الأغلب الأعرف من صَفْو الأئمّة المتأخرين الذين أوردوا مذهب دَاوُد فِي مصنّفاتهم المشهورة، كالشيخ أبي حامد، والماوَرْديّ، وأبي الطّيّب، فلولا اعتدادهم به لَمَا ذكروا مذهبه فِي مصنَّفاتهم.
قَالَ: ورأى أن يُعتبر قوله إلّا فيما خالف فِيهِ القياس الجليّ، وما أجمع عليه القياسيون من أنواعه، أو بناه على أصوله الّتي قام الدّليل القاطع على بُطلانها، واتّفاق من سواه إجماع منعقد، كقوله التَّغَوُّط فِي الماء الرّاكد، وتلك المسائل الشنيعة، وقوله لا زنا فِي السنة المنصوص عليها، فخلافه فِي هَذَا ونحوه غير مُعْتَدّ به، لأنه مبنيّ على ما يقطع ببطلانه [1] ، والله أعلم.
تُوُفيّ فِي رمضان سنة سبعين ومائتين.
[1] سير أعلام النبلاء 13/ 106، 107.