الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
حرف الباء
304-
بدْر بْن الهيثم الدّمشقيّ.
عن: بسر بْن صَفْوان، وسليمان ابنِ بِنْت شُرَحْبيل.
وعنه: أبو عليّ الحصائريّ، وأحمد بْن محمد بْن صدقة، وجماعة.
305-
بركة بْن نشيط.
أبو القاسم الفَرَغانيّ. نزيل دمشق.
سمع: أَبَا بَكْر، وعثمان ابني أبي شَيْبَة، وداود بْن راشد.
وعنه: ابنُ جوصا، وأحمد بْن سُلَيْمَان بْن حَذْلَم، وآخرون.
306-
بشير بْن مُسْلِم بْن مجاهد.
أبو مُسْلِم التَّنُوخيّ الحمصيّ.
عن: أبي المغيرة، ويحيى الوُحَاظيّ، ويزيد بْن عَبْد ربّه الْجُرْجُسيّ، وغيرهم.
وعنه: ابنُ جَوْصَا، وابن أبي حاتم، وأحمد بْن مُسْلِم، ومحمد بْن عِيسَى الْبَغْدَادِيّ، وآخرون. وأبو حامد الحَسْنَويّ، ومحمد بْن أَحْمَد الرَّسْعَنيّ الورّاق، ومحمد بْن يوسف الباوَرديّ، وسمّاه بشرا.
307-
بقيّ بن مخلد بن يزيد [1] .
[1] انظر عن (بقيّ بن مخلد) في:
العقد الفريد 4/ 494 وفيه «بقي بن محمد» وهو غلط، وتاريخ علماء الأندلس لابن الفرضيّ 1/ 91- 93 رقم 283، والحلّة السيراء لابن الأبّار 1/ 137، 237، 254 و 2/ 370، والمنتظم 5/ 100، 101 رقم 228، والصلة لكتاب التكملة لابن بشكوال 1/ 116- 119، ومعجم الأدباء 7/ 75- 85 رقم 21، والمصعد الأحمد لابن الجوزي 39، وتلقيح فهوم أهل الأثر، له
أبو عَبْد الرَّحْمَن الأندلُسيّ القُرْطُبيّ الحافظ. أحد الأعلام، وصاحب «التّفسير» و «المسند» .
أَخَذَ عن: يحيى بْن يحيى اللَّيْثيّ، ومحمد بْن عِيسَى الأعشي.
وارتحل إِلَى المشرق ولقي الكبار، فسمع بالحجاز: أَبَا مُصْعَب الزُّهْرِيّ، وإبراهيم بْن المنذر الحِزاميّ، وطبقتهما.
وبمصر: يحيى بْن بُكَيْر، وزهير بْن عبّاد، وأبا الطّاهر بْن السرح، وطائفة.
وبدمشق: إِبْرَاهِيم بْن هشام الغسّانيّ، وصفوان بْن صالح، وهشام بْن عمّار، وجماعة.
وببغداد: أَحْمَد بْن حنبل، وطبقته.
وبالكوفة: يحيى بْن عَبْد الحميد الحِّمانيّ، ومحمد بْن عَبْد الله بْن نُمَيْر، وأبا بَكْر بْن أبي شَيْبَة، وطائفة.
وبالبصرة من أصحاب حمّاد بْن زَيْد.
وقد فتَّشت فِي «مُسْنَد بَقِيّ» لأظفر له بحديثٍ عن أَحْمَد بْن حنبل فلم أجد ذلك. وما دخل بغداد إلّا سنة نيِّفٍ وثلاثين، بعد موت عليّ بْن الْجَعْد، وكان أَحْمَد قطع الحديث فِي سنة ثمانٍ وعشرين إِلَى أن مات.
[377،) ] وطبقات الحنابلة لابن أبي يعلى 1/ 120 رقم 141، وتاريخ دمشق 10/ 273، وتهذيب تاريخ دمشق 3/ 280- 283، وفهرست ابن خير 290، 225، وقضاة قرطبة للخشني 7، 8، وتاريخ قضاة الأندلس للنباهي 18، 19، 65، والمنهج الأحمد في تراجم أصحاب الإمام أحمد للعلمي 259- 261، والروض المعطار 119، والمعجب في تلخيص أخبار المغرب للمراكشي 49- 51، وترتيب المدارك للقاضي عياض 3/ 318- 333، والبيان المغرب لابن عذاري 2/ 109، 110، والعبر 2/ 56، وسير أعلام النبلاء 13/ 285- 296 رقم 137، وتذكرة الحفاظ 2/ 629- 631، ودول الإسلام 1/ 167، والبداية والنهاية 11/ 56، 57، 82، ومرآة الجنان 2/ 190، والوافي بالوفيات 10/ 182، 183 رقم 4665، وبغية الملتمس للضبي 229 رقم 584، وجذوة المقتبس للحميدي 167، والمرتبة العليا للنباهي 18، والنجوم الزاهرة 3/ 75، وطبقات الحفاظ 277، وطبقات المفسّرين 41، وطبقات المفسّرين للداوديّ 117، ونفح الطيب 2/ 47، 518- 520، وشذرات الذهب 2/ 169، والرسالة المستطرفة 41، وكشف الظنون 444، 1679، وتاريخ الخلفاء 367، وتاج العروس (مادّة بقي) ، والأعلام 2/ 33، ومعجم المؤلّفين 3/ 53، 54، وتاريخ التراث العربيّ 1/ 239، وانظر مقدّمة مسند بقيّ بن مخلد، للدكتور أكرم ضياء العمري- وطبعة 1404 هـ. / 1984 م.
وقد روى بَقِيّ عن: حكيم بْن سيف الرَّقّيّ، ومحمد بْن أبان الواسطيّ، وداود بْن رُشَيْد، ووَهْب بْن بقيّة، وإبراهيم بن محمد الشّافعيّ، وسويد بْن سَعِيد، وهُدْبة القَيْسيّ، ومحمد بْن أبي السري، ومحمد بْن رمح، وحرملة، وشيبان بْن فروخ، وعبد الأعلى بْن حَمَّاد النرسي، وجبارة بْن المغلّس، وعبد الله بْن مُعَاذ، وأبي كامل الجحدري، وأبي خيثمة، وحجاج بْن الشاعر، وهارون الحمال، وهذه الطبقة.
وعُني بالأثر عناية لا مزيد عليها. وعدد شيوخه مائتان وأربعة وثمانون رجلًا.
وعنه: ابنه أَحْمَد، وأيوب بْن سُلَيْمَان المري، وأحمد بْن عَبْد الله الأموي، وأسلم بْن عَبْد الْعَزِيز، ومحمد بْن وزير، ومحمد بْن عُمَر بْن لبابة، والحسن بْن سعد الكناني، وعبد الله بْن يُونُس المرادي، وعبد الواحد بْن حمدون، وهشام بْن الْوَلِيد الغافقي، وآخرون.
وكان إمامًا زاهدًا، صوامًا، صادقًا، كثير التهجد، مجاب الدعوة، قليل المثل.
وكان مجتهدًا لا يقلد أحدًا بل يفتي بالأثر.
وقد أَخَذَ بإفريقية عن: سَحْنُون بْن سَعِيد.
قَالَ أَحْمَد بْن أبي خيثمة: ما كُنَّا نسميه إلّا المكنسة. وهل احتاج بلدٌ فِيهِ بقيّ إلى أن يأتي إلى هاهنا منه أحد [1] .
وقَالَ طاهر بْن عَبْد الْعَزِيز: حملت معي جزءا من «مسند بقيّ» إِلَى المشرق، فأريته محمد بْن إِسْمَاعِيل الصائغ، فقال: ما اغترف هَذَا إلّا من بحر.
وعجب من كثرة علمه [2] .
وقَالَ إِبْرَاهِيم بن حيّون، عن بقيّ قال: لمّا رجعنا من العراق، أجلسني
[1] معجم الأدباء 7/ 83.
[2]
سير أعلام النبلاء 13/ 287.
يحيى بْن بُكَيْر إِلَى جنبه، وسمع مني سبعة أحاديث [1] .
وقَالَ أبو الْوَلِيد بْن الفرضي [2] : ملأ بقيّ بْن مخلد الأندلس حديثًا، فأنكر عليه أصحابه الأندلسيون، ابنُ خَالِد، ومحمد بْن الْحَارِث وأبو زَيْد ما أدخله فِي كتب الاختلاف وغرائب الحديث، فأغروا به السلطان، وأخافوه به.
ثُمَّ إنّ الله أظهره عليهم وعصمه، فنشر حديثه وقرأ للناس روايته [3] . ثُمَّ تلاه ابنُ وضاح، فصارت الأندلس دار حديث [4] .
وممّا أنفرد به، ولم يدخله سواه «مصنف أبي بَكْر بْن أبي شيبة» ، وكتاب «الفقه» للشّافعيّ بكماله، و «تاريخ خليفة» ، وكتابه «الكبير فِي الطبقات» ، وكتاب «سيرة عُمَر بْن عَبْد الْعَزِيز» للدورقي، وليس لأحدٍ مثل مُسْنَده.
وكان ورعًا فاضلًا زاهدًا، قد ظهرت له إجابات الدعوة فِي غير ما شيء.
قَالَ: وكان المشاهير من أصحاب ابنِ وضّاح لا يسمعون منه، للذي بينهما من الوحشة.
وُلِدَ فِي رمضان سنة إحدى ومائتين، ومات لليلتين بقيتا من جمادى الآخرة سنة ست وسبعين. ورخه عَبْد الله بْن يُونُس. قَالَ محيي الدين بْن العربي:
الكرامات منها وطْفة بلا كَوْن قبل أن يكون، والإخبار بالمعنيات. وهي على ثلاثة ضُرُب: إلقاء، وكتابه، ولقاء. وكان بقيّ بْن مخلد، رحمه الله، قد جمعها. وكان صاحبًا للخضر. شهر هَذَا عَنْهُ.
ذكره فِي مواقع النّجوم، ثمّ شطح المحبّين وقَالَ علينا جماعة كذلك.
وشاهدناها من ذاتنا غير مَرَّة. ومن هَذَا المقام ينتقلون إِلَى مقام يقولون فِيهِ للشيء كن فيكون بإذن الله.
وقَالَ الحافظ ابنُ عساكر [5] : لم يقع إليّ حديث مسند من حديثه.
[1] السير 13/ 287.
[2]
في تاريخ علماء الأندلس 1/ 92، 93.
[3]
زاد ابن الفرضيّ: «فمن يومئذ انتشر الحديث بالأندلس» .
[4]
زاد: «وإسناد. وإنما كان الغالب عليها قبل ذلك حفظ رأي مالك وأصحابه» .
[5]
في تاريخ دمشق 10/ 273، التهذيب 3/ 280، 281.
وقَالَ محمد بْن حزم: أقطع أنه لم يُولف فِي الْإِسْلَام مثل تفسيره، ولا تفسير محمد بْن جرير، ولا غيره [1] .
قَالَ: وكان محمد بن عبد الرحمن الأموي صاحب الأندلس محبّا للعلوم، عارفا، فلمّا دخل بقيّ الأندلس بمصنف ابنِ أبي شَيْبَة، وأنكر عليه جماعة من أَهْل الرأي ما فِيهِ من الخلاف واستبشعوه، ونشطوا العامة عليه، ومنعوه من قراءته.
فاستحضره الأمير محمد المذكور، وأتاهم، وتصفح الكتاب كله جزءًا جزءًا، حَتَّى أتى على آخره، ثُمَّ قَالَ لخازن الكتب: هَذَا كتاب لا تستغني خزانتنا عَنْهُ، فانظر فِي نسخه لنا.
وقَالَ لبقي: أنشر علمك، وارو ما عندك. ونهاهم أن يتعرضوا له [2] .
وَقَالَ أَسْلَمُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: ثنا بَقِيٌّ قَالَ: لَمَّا وَضَعْتُ مُسْنَدِي جَاءَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَحْيَى، وَأَخُوهُ إِسْحَاقُ فَقَالا: بَلَغَنَا أَنَّكَ وَضَعْتَ مُسْنَدًا قَدَّمْتَ فِيهِ أَبَا مُصْعَبٍ الزُّهْرِيَّ، وَيَحْيَى بْنَ بُكَيْرٍ، وَأَخَّرْتَ أَبَانَا.
فَقَالَ بَقِيٌّ: أَمَّا تَقْدِيمِي لِمُصْعَبٍ، فَلِقَوْلِ رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:«قدِموا قُرَيْشًا وَلا تَقَدَّمُوهَا» [3] . وَأَمَّا تَقْدِيمِي ابْنَ بُكَيْرٍ، فَلِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:«كَبِّرْ كَبِّرْ» [4] ، يُرِيدُ السِّنَّ، وَمَعَ أَنَّهُ سَمِعَ «الْمُوَطَّأَ» مِنْ مَالِكٍ سَبْعَ عَشْرَةَ مَرَّةً، وَأَبُوكُمَا لَمْ يَسْمَعْهُ إِلا مَرَّةً وَاحِدَةً. فَخَرَجَا وَلَمْ يَعُودَا. وخرجا إلى حدّ العداوة [5] .
ولأبي عبد الملك أَحْمَد بْن نوح بْن عَبْد البر القرطبيّ، المتوفّى سنة ثمان وثلاثين وثلاثمائة، كتاب فِي «أخبار علماء قرطبة» ، ذكر فِيهِ بقيّ بْن مخلد، فقال: كان فاضلًا تقيًّا صواما متبتلا، منقطع القرين فِي عصره، منفردًا عن النّظير.
[1] معجم الأدباء 7/ 77، 78.
[2]
تاريخ دمشق 10/ 281، 282، التهذيب 3/ 281، وانظر: البيان المغرب 2/ 109، 110.
[3]
أخرجه البيهقي في السنن الكبرى 3/ 121، وفي مناقب الشافعيّ 1/ 21 و 22 و 23، وذكره ابن حجر في: توالي التأسيس 45.
[4]
الحديث بطوله ذكره الإمام مالك في «الموطّأ» ، باب القسامة، 2/ 877، 7878 وأخرجه البخاري في الديات 2/ 203- 206، ومسلم في القسامة، (رقم 1669) ، وأبو داود (4520) و (4521) و (4523) ، والترمذي (1422) والنسائي في السنن 8/ 1205.
[5]
معجم الأدباء 7/ 81، 82.
فِي مصر كان أوّل طَلَبِهِ عند محمد بْن عِيسَى الأعشي، ثُمَّ رحل وروى عن أَهْل الحَرَمَيْن، ومصر، والشام، والجزيرة، وحلوان، والبصرة، والكوفة، وواسط، وبغداد، وخراسان- كذا قَالَ فغلط، لم يصل إِلَى خُراسان- قَالَ: وعدن، والقيروان.
قلت: وما أحسبه دخل اليمن.
قَالَ: وذكر عَبْد الرَّحْمَن بْن أَحْمَد، عن أَبِيهِ، أنّ امرأة جاءت إلى بقيّ فقالت: ابني فِي الأسر، ولا حيلة لي، فلو أشرت إِلَى من يفديه، فإنّي والهة.
قَالَ: نعم، انصرفي حَتَّى أنظر فِي أمره.
ثُمَّ أطرق وحرّك شفته. ثُمَّ بعد مدة جاءت المرأة بابنها، فقال: كنت فِي يد ملك، فبينا أَنَا فِي العمل سقط قيدي. فذكر اليوم والساعة، فوافق وقت دعاء الشَّيْخ.
قَالَ: فصاح عليّ المرسم بنا، ثُمَّ نظر وتحير، ثُمَّ أحضر الحداد وقيدني، فَلَمَّا فرغ ومشيت سقط. فبهتوا ودعوا رهبانهم. فقالوا: لك والدة؟
قلت: نعم.
قَالُوا: وافق دعاؤها الإجابة، وقد أطاعك الله، فلا يمكننا تقييدك.
فزوّدوني وبعثوني [1] .
قال: وكان بقيّ أوّل من كثر الحديث بالأندلس ونشره، وهاجم به شيوخ الأندلس. فثاروا عليه لأنهم كان علمهم المسائل ومذهب مالك. وكان بقيّ يفتي بالأثر، ويشذ عَنْهُمْ شذوذًا عظيمًا. فعقدوا عليه الشهادات وبدعوه، ونسبوا إليه الزندقة وأشياء نزّهه الله منها.
وكان بقيّ يقول: لقد غرست لهم بالأندلس غرسًا لا يقع إلّا بخروج الدّجّال.
قال: وقال بقيّ: أتيت العراق، وقد منع أَحْمَد بْن حنبل من الحديث،
[1] معجم الأدباء 7/ 84، 85، تاريخ دمشق 10/ 281، 282، جذوة المقتبس 167.
فسألته أن يحدثني، وكان بيني وبينه خلّة، فكان يحدثني بالحديث بعد الحديث فِي زي السؤال، ونحن خلوة. حَتَّى اجتمع لي منه نحو من ثلاثمائة حديث.
وقال ابن حزم: مسند بقيّ روى فيه عن ألف وثلاثمائة صاحب ونيف، ورتب حديث كل صاحب على أبواب الفقه. فهو مُسْنَد ومصنف. وما أعلم هَذِهِ الرتبة لأحد قبله مع ثقته وضبطه وإتقانه واحتفاله فِي الحديث. وله مصنف فِي فتاوى الصحابة والتابعين، فَمَنْ دونهم الَّذِي أوفى فِيهِ عليّ مصنف أبي بَكْر بْن أبي شَيْبَة، وعلى مصنف عَبْد الرّزّاق، ومصنف سَعِيد بْن مَنْصُور.
ثُمَّ ذكر تفسيره وقَالَ: فصارت تصانيف هَذَا الْإِمَام الفاضل قواعد الْإِسْلَام لا نظير لها. وكان متخيرًا لا يقلد أحدًا.
وكان ذا خاصة من أَحْمَد بْن حنبل، وجاريًا فِي مضمار الْبُخَارِيّ، ومسلم، وأبي عَبْد الرَّحْمَن النَّسائيّ [1] .
وقَالَ أبو عَبْد الملك القرطبي في تاريخه: كان بقيّ طويلًا أقْنى، ذا لحية، مضبرًا [2] ، قويًّا، جلدًا على المشي. لم ير راكبًا دابة قط. وكان ملازمًا لحضور الجنائز، متواضعًا.
وكان يقول: إنّي لأعرف رجلًا كان يمضي عليه الأيام فِي وقت طلبه العلم، ليس له عيش إلّا ورق الكرنب [3] الَّذِي يرمى. وسمعت من كل من سمعت منه فِي البلدان ماشيًا إليهم على قدمي [4] .
قلت: وَهِمَ من قَالَ إنّه تُوُفِّيَ سنة ثلاثٍ. بل تُوُفِّيَ سنة ست وسبعين كما تقدم.
قَالَ ابنُ لبانة: كان بقيّ من عقلاء النّاس وأفاضلهم. وكان أسلم بْن عَبْد الْعَزِيز يقدمه على جميع من لقي بالمشرق، ويصف زهده، ويقول: إنّما
[1] تاريخ دمشق 10/ 282.
[2]
الضّبر: تلزيز العظام، واكتناز اللحم.
[3]
الكرنب: هو الملفوف كما في ساحل الشام.
[4]
تذكرة الحفاظ 2/ 630، سير أعلام النبلاء 13/ 291، 292.
كنت أمشي معه فِي أزقة قرطبة، فإذا نظر فِي موضعٍ خالٍ إِلَى ضعيفٍ محتاج أَعْطَاه أحد ثوبيه [1] .
وذكر أبو عبيدة صاحب القبلة قال: كان بقيّ يختم القرآن كلّ ليلة في ثلاث عشر ركعة. وكان يصلي بالنهار مائة ركعة، ويصوم الدهر، وكان كثير الجهاد، فاضلًا.
يذكر عَنْهُ أنه رابط اثنتين وسبعين غزوة [2] .
ونقل بعض العلماء من كتاب حفيده عَبْد الرَّحْمَن بْن أحمد بن بقيّ:
سمعت أبي يقول: رحل أبي من مكّة إِلَى بغداد، وكان جل بغيته ملاقاة أَحْمَد بْن حنبل. قَالَ: فَلَمَّا قربت بلغتني المحنة، وأنه ممنوع. فاغتممت غما شديدًا، فأحللت بغداد واكتريت بيتًا فِي فندق. ثُمَّ أتيت الجامع، وأنا أريد أن أجلس إِلَى النّاس، فدفعت إلى حلقة نبيلة، فإذا برجل يتكلم فِي الرجال، فَقِيلَ لي: هَذَا يحيى بْن معين، ففرجت لي فرجة، وقمت إليه، فقلت: يا أَبَا زكريا- رحمك الله- رَجُل غريب ناءٍ عن وطنه، يحب السؤال فلا تستجفني. فقال: قل.
فسألته عن بعض من لقيته، فبعضًا زكّى، وبعضًا جرح.
فسألت عن هشام بْن عمّار، فقال لي: أبو الْوَلِيد صاحب صلاة دمشق، ثقة وفوق الثقة. ولو كان تحت ردائه كبرًا ومتقلدًا كبرًا ما ضره شيئًا لخيره وفضله.
فصاح أصحاب الحلقة: يكفيك- رحمك الله- غيرك له سؤال.
فقلت وأنا واقف على قدمي: أكشفك عن رجلٍ واحد: أَحْمَد بْن حنبل.
فنظر إليَّ كالمتعجب، وقَالَ لي: ومثلنا نَحْنُ نكشف عن أَحْمَد بْن حنبل؟
ذاك إمام المسلمين وأخبرهم وفاضلهم.
فخرجت أستدلّ على منزل أحمد، فدللت عليه. فقرعت بابه، فخرج
[1] سير أعلام النبلاء 13/ 292.
[2]
في الأصل: «وغزوة» ، والتصحيح: من تذكرة الحفاظ 2/ 631.
إليّ، فقلت: يا أَبَا عَبْد الله رَجُل غريب نائي الدار، وهذا أوّل دخولي هَذَا البلد، وأنا صاحب حديث، ومقيد بسنة. ولم تكن رحلتي إلّا إليك.
فقال: أدخل الأسطوانة، ولا يقع عليك عين. [فدخلت] .
فقال لي: وأين موضعك؟
قلت: المغرب الأقصى.
قَالَ: إفريقية؟
فقلت له: أبعد من إفريقية. أجوز من بلد البحر إِلَى إفريقية. الأندلس.
قَالَ: إنّ موضعك لبعيد، وما كان شيء أحب إِلَى من أن أحسن عون مثلك، غير أني ممتحن بما لعله قد بلغك. فقلت له: بلى، لقد بلغني، وهذا أوّل دخولي، وأنا مجهول العين عندكم. فإذا أذنت لي أن آتي كل يوم فِي زي السؤال، فأقول عند الباب ما يقوله السائل، فتخرج إِلَى هَذَا الموضع. فلو لم تحدثني كل يوم إلّا بحديث واحدٍ لكان لي فِيهِ كفاية.
فقال لي: نعم، على شرط أن لا تظهر فِي الخلق، ولا عند المحدثين.
فقلت: لك شرطك.
فكنت آخذ عودًا بيدي، وألف رأسي بخرقةٍ مدنسة وآتي بابه، فأصيح:
الأجر، رحمكم الله، والسؤال هناك كذلك، فيخرج إليَّ ويغلق الباب، ويحدثني بالحديثين، والثلاثة، والأكثر. فالتزمت ذلك حَتَّى مات الممتحن له [1] ، وولي بعد من كان على مذهب السنة [2] ، فظهر أَحْمَد وعلت إمامته، وكانت تضرب إليه آباط الإبل، فكان يعرف لي حق صبري، فكنت إذا أتيت حلقته فسح لي، ويقصّ على أصحاب الحديث قصتي معه. فكان يناولني الحديث مناولة، ويقرأه عليّ، وأقرأه عليه. واعتللت، فعادني فِي خلقٍ معه.
وذكر الحكاية أطول من هَذَا، نقلها ابنُ بشكوال فِي غير «الصلة» . وأنا نقلتها من خط أبي الوليد بن الحاجّ شيخنا [3] .
[1] وهو الخليفة المأمون.
[2]
وهو الخليفة المتوكّل.
[3]
وهي منكرة. (سير أعلام النبلاء 13/ 292- 294) .
وقَالَ أيضًا: نقلت من خط حفيده عَبْد الرحمن بن أحمد بن بقيّ: حَدَّثَنِي أبي قَالَ: أخبرتني أمي أنها رأت أبي مع رجلٍ طويل جدًا. فسألته عَنْهُ، فقال هو: أرجو أن تكوني امْرَأَة صالحة، ذاك الخضر عليه السلام.
وذكر عَبْد الرَّحْمَن عن جَدّه أشياء، فاللَّه أعلم.
قَالَ: كان جدي قد قسّم أيامه على أعمال البر. فكان إذا صلى الصبح قرأ حزبه من القرآن فِي المصحف بسدس القرآن. وكان أيضًا يختم القرآن فِي الصلاة فِي كل يوم وليلة. ويخرج كل ليلة فِي الثلث الأخير إِلَى مسجده، فيختم قرب انصداع الفجر. وكان يصلي بعد حزبه فِي المصحف صلاة طويلة جدًا، ثُمَّ ينقلب إِلَى داره، وقد اجتمع فِي مسجده الطلبة، فيجدد الوضوء ويخرج إليهم. فإذا انقضت الدول صار إِلَى صومعة المسجد، فيصلي إِلَى الظهر. ثُمَّ يكون هُوَ المبتدئ بالأذان. ثُمَّ يهبط، ثُمَّ يستمع إِلَى العصر ويصلي ويسمع. وربما خرج فِي بقية النهار، فيقعد بين القبور يبكي ويعتبر، فإذ غربت الشمس أتى مسجده، ثُمَّ يصلى ويرجع إِلَى بيته فيُفْطِر.
وكان يسرد الصوم إِلَى يوم الجمعة. ثُمَّ يخرج إِلَى المسجد، فيخرج إليه جيرانه، فيتكلم معهم فِي دينهم ودنياهم. ثُمَّ يصلى العشاء، ويدخل بيته، فيحدث أهله، ثُمَّ ينام نومة قد أخذتها نفسه، ثُمَّ يقوم. هَذَا دأبه إِلَى أن تُوُفِّيَ.
وكان جلدًا، قويًا على المشي، مواظبًا لحضور الجنائز [1] ، ولم يُرَ راكبًا قط.
ومشى مع ضعيفٍ فِي مظلمة إِلَى إشبيلية، ومع آخر إِلَى إلْبيرة، ومع امْرَأَة ضعيفة إِلَى جَيّان [2] .
308-
بوران [3] .
[1] تقدّم هذا الوصف في ترجمته.
[2]
سير أعلام النبلاء 13/ 295.
[3]
انظر عن (بوران) في:
تاريخ الطبري 8/ 566، 606، والعقد الفريد 5/ 120، ومروج الذهب 3752، والفرج بعد الشدّة للتنوخي 2/ 227 و 3/ 329، 332، وثمار القلوب للثعالبي 165، 166، وتاريخ حلب للعظيميّ 241، ونشوار المحاضرة 1/ 302 و 6/ 58، 174 و 8/ 21، والعيون والحدائق ج 4
ابْنَةُ الوزير الْحَسَن بْن سهل الّتي تزوج المأمون بها، ودخل بها فِي سنة عشرٍ ومائتين. فاحتفل أبوها لعرسها وجهازها احتفالًا يضرب به المثل. ونثر على الأمراء الجواهر والذهب وبنادق من المسك الّتي فِي باطنها رقاعًا بأسماء ضياع، وأسماء جواهر، وخيل. وقام بمئونة العسكر كله أيام العرس. فأنفق عليهم وعلى العروس ونحو ذلك فِي مدة عشرين يومًا خمسين ألف ألف درهم.
ولا أعلم جرى فِي الْإِسْلَام مثله.
تُوُفِّيَت فِي ربيع الأول سنة إحدى وسبعين، عن ثمانين سنة. ودفنت فِي قُبَّتها. وما زالت وافرة الحرمة، كاملة الحشمة إلى أن ماتت.
[ () ] ق 1/ 161، وبغداد لابن طيفور 101، 113- 116، والإنباء في تاريخ الخلفاء 15، 98، 100- 102، 104، 119، ومختصر التاريخ لابن الكازروني 137، 164، 165، ومعجم ما استعجم للبكري 839، ووفيات الأعيان 1/ 50 (287- 290) ، 386 و 2/ 120 و 3/ 354 و 4/ 44 و 6/ 113، وخلاصة الذهب المسبوك 194، ومرآة الجنان 2/ 186، 187، والبداية والنهاية 11/ 49، 50، والنجوم الزاهرة 3/ 65، 66، والروض المعطار 358، 359، والوافي بالوفيات 10/ 317- 320 رقم 4831، ونزهة الجلساء في أشعار النساء 30، وشرح البسّامة 37، والأعلام 1/ 56، وأعلام النساء 1/ 134.