الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فثقبه ثقبا كالترس وعلقت النار فيه وفى السقف الاسفل ففتح الخادم أبواب المسجد قبل الوقت المعتاد وقبل اسراجه ونودى بالحريق فى المسجد فاجتمع أمير المدينة وأهلها بالمسجد الشريف وصعد أهل النجدة منهم بالمياه لاطفاء النار وقد التهبت سريعا فى السقفين وأخذت لجهة الشمال والمغرب فعجزوا عن اطفائها وكلما حاولوه لم تزدد الا التهابا واشتعالا فحاولوا قطعها بهدم بعض ما أمامها من السقف فسبقتهم لسرعتها وتطبق المسجد بدخان عظيم فخرج غالب من كان به ولم يستطيعوا المكث فكان ذلك سبب سلامتهم وهرب من كان بسطح المسجد الى شماليه ونزلوا بما كان معهم من حبال الدلاء التى استقوا بها الماء لخارج المسجد على الميضأة والبيوت التى هناك وما حول ذلك وسقط بعضهم فهلك ونزل طائفة منهم الى المسجد من الدرج فاحترق بعضهم ولجأبقيتهم الى صحن المسجد مع من حالت النار بينه وبين أبواب المسجد ممن كان اسفل منهم ومنهم الشيخ شمس الدين محمد بن المسكين المعروف بالعوفى فمات بعد أيام لضيق نفسه بسبب الدخان واحترق من الخدام الزينى سند نائب خازندار الحرم ومات جماعة تحت هدم الحريق من الفقراء وسودان المدينة وجملة من مات بسبب ذلك بضع عشرة نفسا وكان سلامة من بقى بالمسجد على خلاف القياس لانّ النار عظمت جدّا حتى صار المسجد كبحر لجىّ من نار ولها زفير وشهيق وألسن تصعد فى الجوّ وصار لهبها يؤثر من بعيد حتى أثرت فى النخلات التى فى صحن المسجد* وفى سنة أربع وخمسين وستمائة خرج الطاغية العنيد مبيد الامم هولاكو فأخذ قلعة الموت من الاسماعيلية وقتلهم وأخرب نواحى الرى وبذلت السيوف على عوائدهم فتوجه الكامل محمد صاحب ميافارقين الى خدمة هولاكو فأعطاه القرمان ثم نزل هولاكو باذربيجان وأخذها* وفى سنة خمس وخمسين وستمائة ثارت فتنة مهولة ببغداد بين السنية والرافضة أدّت الى نهب عظيم وخراب وقتل عدّة من الرافضة فغضب لها وتنمر ابن العلقمى الوزير وجسر التتار على العراق ليشتفى من السنية*
وصول هولاكو الى بغداد
وفى أوّل سنة ست وخمسين وستمائة وصل الطاغية هولاكو بن تولى بن جنكيزخان المغلى بغداد بجيوشه وبالكرج وبعسكر الموصل فخرج الدويدار بالعسكر فالتقى طلائع هولاكو وعليهم ياجونوس فانكسر المسلمون لقلتهم ثم أقبل ياجونوس فنزل على بغداد من غربيها ونزل هولاكو من شرقيها فقال الوزير ابن العلقمى للخليفة المستعصم بالله انى أخرج الى القاآن الاعظم فى تقرير الصلح فخرج الكلب وتوثق لنفسه ورجع فقال انّ القاآن قد رغب فى أن يزوّج بنته بابنك وأن تكون الطاعة له كالملوك السلجوقية ويرحل عنك فخرج المستعصم فى أعيان دولته وأكابر الوقت ليحضروا العقد فضربت رقاب الجميع وقتلوا الخليفة رفسوه حتى مات ودخلت التتار بغداد واقتسموها وكل أخذ ناحية وبقى السيف يعمل أربعة وثلاثين يوما وقلّ من سلم فبلغت القتلى ألف ألف وثمانمائة ألف وزيادة فعند ذلك نادوا بالامان ثم أمر هولاكو بضرب عنق ياجونوس لكونه كاتب الخليفة وأرسل الى صاحب الشام يهدّده ان لم يخرب أسوار بلاده كذا فى دول الاسلام* وفى تاريخ الجمالى يوسف سبب قتل المستعصم بالله انه لما ولى الخلافة لم يستوثق أمره لانه كان قليل المعرفة بتدبير الملك نازل الهمة مهملا للامور المهمة محبا لجمع المال أهمل أمر هولاكو وانقاد الى وزيره ابن العلقمى حتى كان فى ذلك هلاكه وهلاك الرعية فانّ وزيره ابن العلقمى الرافضى كان كتب كتابا الى هولاكو ملك التتار فى الدشت انك تحضر الى بغداد وانا أسلمها لك وكان قد داحل قلب اللعين الكفر فكتب هولاكو انّ عساكر بغداد كثيرة فان كنت صادقا فيما قلته وداخلا فى طاعتنا فرّق عساكر بغداد ونحن نحضر* فلما وصل كتابه الى الوزير دخل الى المستعصم وقال ان جندك كثيرة وعليك كلفة كبيرة والعدوّ قد رجع
من بلاد العجم والصواب انك تعطى دستور الخمسة عشر ألفا من عسكرك وتوفر معلومهم فأجابه المستعصم لذلك فخرج الوزير لوقته ومحا اسم من ذكر من الديوان ثم نفاهم من بغداد ومنعهم من الاقامة بها ثم بعد شهر فعل مثل فعلته الاولى ومحا اسم عشرين ألفا من الديوان ثم كتب الى هولاكو بما فعل وكان قصد الوزير بمجىء هولاكو أشياء منها انه كان رافضيا خبيثا وأراد أن ينقل الخلافة من بنى العباس الى العلويين فلم يتم له ذلك من عظم شوكة بنى العباس وعساكرهم فافكر أن هولاكو اذا قدم يقتل المستعصم وأتباعه ثم يعود الى حال سبيله وقد زالت شوكة بنى العباس وقد بقى هو على ما كان عليه من العظمة والعساكر وتدبير المملكة فيقوم عند ذلك بدعوة العلويين الرافضة من غير ممانع لضعف العساكر ولقوّته ثم يضع السيف فى أهل السنة فهذا كان قصده لعنه الله* ولما بلغ هولاكو ما فعل الوزير ببغداد ركب وقصدها الى أن نزل عليها وصار المستعصم يستدعى العساكر ويتجهز لحرب هولاكو وقد اجتمع أهل بغداد وتحالفوا على قتال هولاكو وخرجوا الى ظاهر بغداد ومشى عليهم هولاكو بعساكره فقاتلوا قتالا شديدا وصبر كل من الطائفتين صبرا عظيما وكثرت الجراحات والقتلى فى الفريقين الى أن نصر الله تعالى عساكر بغداد وانكسر هولاكو أقبح كسرة وساق المسلمون خلفهم وأسروا منهم جماعة وعادوا بالاسرى ورؤس القتلى الى ظاهر بغداد ونزلوا بخيمهم مطمئنين بهروب العدوّ فأرسل الوزير ابن العلقمى فى تلك الليلة جماعة من أصحابه فقطعوا شط الدجلة فخرج ماؤها على عساكر بغداد وهم نائمون فغرقت مواشيهم وخيامهم وأموالهم وصار السعيد منهم من لقى فرسا يركبها وكان الوزير قد أرسل الى هولاكو يعرّفه بما فعل ويأمره بالرجوع الى بغداد فرجعت عساكر هولاكو الى ظاهر بغداد فلم يجدوا هناك من يردّهم فلما أصبحوا استولوا على بغداد وبذلوا فيها السيف ووقع منهم أمور يطول شرحها والمقصودان هولاكو استولى على بغداد وأخذ المستعصم أسيرا ثم بذل السيف فى المسلمين فلم يرحم شيخا كبير الكبره ولا صغير الصغره* ولما أخذ الخليفة أسيرا هو وولده وأحضر بين يديه أمر به هولاكو فأخرج من بغداد وأنزله بمخيم صغير بظاهر بغداد هو وولده ثم فى عصر ذلك اليوم وضع الخليفة وولده فى عدلين وأمر التتار برفسهما الى أن ماتا فى المحرّم سنة ست وخمسين وستمائة ثم نهبت دار الخلافة ومدينة بغداد حتى لم يبق فيها لا ما قلّ ولا ما جلّ ثم أحرقت بغداد بعد أن قتل اكثر أهلها حتى قيل ان عدّة من قتل فى نوبة هولاكو يزيد على ألفى ألف وثلاثين ألف انسان وانقرضت الخلافة من بغداد بقتل المستعصم هذا وبقيت الدنيا بلا خليفة سنين الى أن أقام الملك الظاهر بيبرس البند قدارى بعض بنى العباس فى الخلافة حسبما يأتى ذكره على سبيل الاختصار* وكانت خلافة المستعصم خمس عشرة سنة وثمانية أشهر وأياما وتقدير عمره سبع وأربعون سنة وزالت الخلافة من بغداد قال الشاعر
خلت المنابر والاسرة منهم
…
فعليهم حتى الممات سلام
وأما الوزير العلقمى فلم يتم له ما أراد من أن التتار يبذلون السيف فى أهل السنة فجاء بخلاف ما أراد وبذلوا السيف فى أهل السنة والرافضة كلهم وهو فى منصبه مع الذل والهوان وهو يظهر قوّة النفس والفرح وأنه بلغ مراده فلم يلبث أن أمسكه هولاكو بعد قتل المستعصم بأيام ووبخه بألفاظ شنيعة معناها انه لم يكن له خير فى مخدومه ولا فى دينه فكيف يكون له خير فى هولاكو ثم انه قتله أشرّ قتلة فى أوائل سنة سبع وخمسين وستمائة الى سقر لا دنيا ولا آخرة* وفى دول الاسلام وهو الوزير المدبر المتبر مؤيد الدين محمد بن محمد بن العلقمى قرّر مع هولاكو أمورا فانعكست عليه وعض يده ندما وبقى يركب اكديشا فنادته عجوز يا ابن العلقمى أهكذا كنت تركب فى أيام المستعصم واستشهد ببغداد