المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌بين يدي الكتاب - تعريف عام بدين الإسلام

[علي الطنطاوي]

فهرس الكتاب

- ‌قصة هذا الكتاب

- ‌بين يدي الكتاب

- ‌دين الإسلام

- ‌فما الاسلام؟ وكيف يكون الدخول فيه

- ‌تعريفات

- ‌العلم الضروري والعلم النظري:

- ‌قواعد العقائد

- ‌القاعدة الأولى:

- ‌القاعدة الثانية

- ‌القاعدة الثالثة

- ‌القاعدة الرابعة

- ‌القاعدة الخامسة

- ‌القاعدة السادسة

- ‌ضيق الألفاظ

- ‌القاعدة السابعة

- ‌القاعدة الثامنة

- ‌الإيمان بالله

- ‌الله رب العالمين

- ‌الله مالك الكون

- ‌الاله المعبود

- ‌توحيد الألوهية

- ‌فما هي العبادة

- ‌روح العبادة:

- ‌الأساس في توحيد الألوهية

- ‌التحليل والتحريم لله وحده

- ‌حب الله وخشية الله

- ‌أيات الصفات

- ‌المحكم والمتشابه

- ‌موقف المسلمين منها وكيف فهموها

- ‌مظاهر العبادة

- ‌الخلاصة

- ‌البحث العلمي

- ‌شبهة وردها

- ‌جدال في غير طائل

- ‌وجه الحق فيها

- ‌مظاهر الإيمان

- ‌الايمان والعمل

- ‌الايمان يزيد

- ‌ترك العمل لا يكفر

- ‌ثمرات الايمان

- ‌بين الخوف والرجاء

- ‌التوكل

- ‌الشكر

- ‌الصبر

- ‌الانقياد لحكم الشرع

- ‌شدة ولين

- ‌التوبة والاستغفار

- ‌الإيمان باليوم الآخر

- ‌الحياة الأخرى

- ‌الاستعداد للموت

- ‌ساعة الموت من أدلة الايمان

- ‌شبهة تافهة

- ‌يوم القيامة

- ‌موعد الساعة

- ‌ابتداء الساعة

- ‌حوادث فلكية

- ‌النفخ في الصور

- ‌البعث والحشر

- ‌الحساب

- ‌الشهود والبينات

- ‌الدفاع ثم الاقرار

- ‌اعتراض تافه

- ‌الحساب ونتائجه

- ‌ورود جهنم

- ‌الجنة وجهنم

- ‌دخول الجنة

- ‌وصف الجنة

- ‌أهل الجنة وأحوالهم

- ‌جهنم

- ‌دخول النار

- ‌جهنم سجن

- ‌محاولات للخروج

- ‌أحاديثهم واختلافهم

- ‌حوار بين أهل الجنة وأهل النار

- ‌الأعراف

- ‌الإيمان بالقدر

- ‌معنى القدر والقضاء

- ‌الثواب والعقاب

- ‌الانسان مخير

- ‌والانسان مجبر

- ‌حر مخير في حدود الطاقة البشرية

- ‌الثواب والعقاب منوط بالحرية

- ‌مقاييس العدالة

- ‌مع النصوص

- ‌بحث عقيم

- ‌الاحتجاج بالقدر

- ‌نحن والسلف أمام عقيدة القدر

- ‌سبب تقديس الاموات

- ‌خلط لا مبرر له

- ‌الإيمان بالغيب

- ‌عالم الغيب:

- ‌كيف نؤمن بالغيب

- ‌الغيب الذي يجب الإيمان به

- ‌المغيبات

- ‌شبهة وردها

- ‌أقسام الغيب

- ‌شبهة وردها

- ‌الملائكة والكتب والرسل

- ‌الوحي وامكانه ولزومه

- ‌شبهة وردها

- ‌ الملائكة

- ‌ثمرة الإيمان بالملائكة

- ‌الجن

- ‌الجن في القرآن

- ‌الشياطين

- ‌الإيمان بالرسل

- ‌حقيقة الرسول

- ‌الرسول لا يعلم الغيب

- ‌الرسل كثيرون وأصول الرسالات واحدة

- ‌سؤال وجوابه

- ‌الاسلام لا يفرق بين الرسل

- ‌الرسل في القرآن

- ‌المعجزات

- ‌الكرامات

- ‌المعجزة والسحر

- ‌معجزات محمد عليه الصلاة والسلام

- ‌الإيمان بالكتب

- ‌القرآن

- ‌باقي الكتب المنزلة

- ‌خاتمة

الفصل: ‌بين يدي الكتاب

‌بين يدي الكتاب

فأي الطريقين تسلك؟

هذه خواطر قدمتها بين يدي الكتاب، وأعددت بها للقارئ الجو الذي يعينه على الدخول فيه.

اذا كنت مسافراً وحدك فرأيت أمامك مفرق طريقين. طريقا صعبا صاعدا في الجبل، وطريقاً سهلاً منحدراً إلى السهل. الاول فيه وعورة، وحجارة منثورة، وأشواك وحفر، يصعب تسلقه، ويتعسر السير فيه، ولكن أمامه لوحة نصبتها الحكومة، فيها: ان هذا الطريق على وعورة أوله، وصعوبة سلوكه، هو الطريق الصحيح، الذي يوصل إلى المدينة الكبيرة، والغاية المقصودة.

والثاني معبّد، تظلله الأشجار ذوات الأزهار والثمار، وعلى جانبيه المقاهي (1) والملاهي، فيها كل ما يلذ القلب، ويسر العين، ويشنف (2) الاذن. ولكن عليه لوحة فيها: انه طريق خطر مهلك، آخره هوة فيها الموت المحقق، والهلاك الأكيد.

فأي الطريقين تسلك؟

لا شك ان النفس تميل إلى السهل دون الصعب، واللذيذ دون المؤلم، وتحب الانطلاق وتكره القيود، هذه فطرة فطرها الله عليها، ولو ترك الانسانُ نفسه وهواها، وانقاد لها، سلك الطريق الثاني، ولكن العقل يتدخل، ويوازن بين اللذة القصيرة الحاضرة يعقبها ألم طويل، والألم العارض المؤقت تكون بعده لذة باقية، فيؤثر الاول.

(1) أقهى: داوم على شرب القهوة.

(2)

الشنف القرط (الحلق) وهذا التعبير هنا على المجاز.

ص: 13

هذا هو مثال طريق الجنة، وطريق النار ..

طريق النار فيه كل ما هو لذيذ ممتع، تميل اليه النفس، بدفع اليه الهوى. فيه النظر إلى الجمال ومفاتنه، فيه الاستجابة للشهوة ولذاتها، فيه أخذ المال من كل طريق، والمال محبوب مرغوب فيه، وفيه الانطلاق والتحرر، والنفوس تحب الحرية والانطلاق، وتكره القيود.

وطريق الجنة فيه المشقات والصعاب. فيه القيود والحدود، فيه مخالفة النفس، ومجانبة الهوى. ولكن عاقبة هذه المشقة المؤقتة في هذا الطريق، اللذة الدائمة في الآخرة، وثمرة اللذة العارضة في طريق النار، الألم المستمر في جهنم. كالتلميذ ليالي الامتحان يتألم حين يترك أهله عاكفين على الراني (1)، يشاهدون ما يسر ويمتع، وينفرد هو بكتبه ودفاتره، فيجد بعد هذا الألم لذة النجاح. وكالمريض يصبر أياما على ألم الحِمية عن أطايب الطعام فينال بعدها سعادة الصحة.

وضع الله الطريقين أمامنا، ووضع فينا ملكة نفرق بها بينهما، نعرف بها الخير من الشر سواء في ذلك العالمُ والجاهل، والكبير والصغير. كل منهم يستريح ضميره اذا عمل الخير، وينزعج اذا أتى الشر. بل ان هذه الملكة موجودة حتى في الحيوان: القط اذا القيت اليه بقطعة اللحم أكلها أمامك، متمهلا مطمئنا، واذا خطفها ذهب بها بعيداً، فأكلها على عجل، وعينه عليك يخاف أن تلحق به، فتنزعها منه، أفليس معنى هذا أنه أدرك ان اللقمة الاولى حق له، والثانية عدوان منه؟.

أليس هذا تفريقا منه بين الحق والباطل، والحلال والحرام؟.

والكلب اذا عمل حسنا تمسح بصاحبه، كأنه يطلب منه المكافأة. واذا أذنب ذنبا نأى فوقف بعيداً، يبصبص بذنبه، كأنه يبدي المعذرة أو يتوقع العقاب.

(1) الراني والرائي: كلمتان وضعتهما للتلفزيون، وهما (اسم فاعل) بمعنى (اسم المفعول) على المجاز العقلي، كقوله تعالى: "فهو في عيشة راضية

"، أي: في عيشة مرضية.

ص: 14

وهذا تأويل قوله تعالى: {ووهديناه النجدين} .

وأقام الله على طريق الجنة دعاةً يدعون اليه، ويدلّون عليه، هم الانبياء. كما قام على طريق النار، دعاةٌ يدعون اليه، ويرغبون فيه هم الشياطين. وجعل العلماء، ورثة الأنبياء، فاطمة بنت محمد ما ورثت منه مالا ولا عقاراً، والعلماء ورثوا منه هذه (الدعوة) فمن قام بها حق قيامها، استحق شرف هذا الميراث.

وهذه (الدعوة) صعبة، لأن النفس البشرية طبعت على الميل إلى الحرية، والدين يُقيدها، وعلى الانطلاق وراء اللذة، والدين يُمسكها، فمن يدعو إلى الفسوق والعصيان، يوافق طبيعتها فتمشي معه مشي الماء في المنحدر. اصعد إلى خزان الماء في رأس الجبل، فأثقبه بضربة معول، يَنْزل الماء وأنت واقف حتى يستقر في قرارة الوادي، فاذا أردت أن تعيده لم يعد الا بمضخات، ومشقات، ونفقات بالغات. والصخرة الراسية في الذروة، لا تحتاج الا إلى زحزحتها وامالتها، حتى تتدحرج وتهوي، تنزل بلا مشقة ولا تعب. فاذا أردت أن ترجعها، وجدت المتاعب والمشقات.

بين يدي الكتاب

وهذا هو مثال الانسان

الرفيق الشرير يقول لك: ها هنا امرأة جميلة ترقص عارية فتميل اليها نفسك. ويدفعك اليها هواك، ويسوقك اليها الف شيطان، فلا تشعر الا وأنت على بابها. فاذا جاء الواعظ ليصرفك عنها، صعب عليك الاستجابة اليه، ومقاومة ميل نفسك، وهوى قلبك.

فدعاة الشر لا يتعبون ولا يبذلون جهدا، ولكن التعب وبذل الجهد على دعاة الخير، وعلى الواعظ. داعي الشر عنده كل ما تميل اليه النفس، من العورات المكشوفة، والهوى المحرم، وكل ما فيه متعة العين والاذن ولذة القلب والجسد، أما داعي الخير، فما عنده الا المنع.

ترى البنت المتكشفة فتميل إلى اجتلاء محاسنها فيقول لك: غض بصرك عنها، ولا تنظر اليها. ويجد التاجر الربح السهل من الربا، يناله بلا كد

ص: 15

ولا تعب، والنفس تميل اليه. فيقول له: دعه: وانصرف عنه، ولا تمد يدك اليه، ويبصر الموظف رفيقه، يأخذ من الرشوة، في دقيقة واحدة ما يعدل مرتبه عن ستة أشهر، ويتصور ما يكون له بها من سعة، ومما يقضي بها من حاجات، فيقول له: لا تأخذها، ولا تستمتع بها.

يقول لهم: اتركوا هذه اللذات الحاضرة المؤكدة، لتنالوا اللذات الآتية المغيّبة. دعوا ما ترون وما بتصرون، إلى ما لا ترون الآن ولا تبصرون .. قاوموا ميل نفوسكم، وهوى قلوبكم، وذلك كله ثقيل على النفس، ولا تنكروا وصفي الدين بأنه ثقيل، فان الله سماه بذلك في القرآن، فقال:{سنلقي عليك قولاً ثقيلاً} . وكل المعالي ثقيلات على النفس، ترك التلميذ الراني والاقبال على الدرس ثقيل. وترك العالم مجلس التسلية والاشتغال بالقراءة والاقراء ثقيل، وترك النائم فراشه والنهوض إلى صلاة الفجر ثقيل، وهجر الرجل زوجه وولده ومشيه إلى الجهاد ثقيل.

لذلك تجد الطالحين أكثر من الصالحين، والغافلين السادرين في الغيّ أكثر من الذاكرين، السالكين سبيل الرشاد، ولذلك كان اتّباع الكثرة بلا بصر ولا دليل، يُضل فاعله في أكثر الاحيان .. {وإن تطع أكثر من في الأرض يُضلوك عن سبيل الله} . ولولا أن القلة والندرة، من صفات السموّ والرفعة، ما كان الالماس (1) نادراً، والفحم كثيرا موفورا، ولا كان العباقرة والنابغون، والابطال المتميزون، قلّةً في الناس.

ان الانبياء وورثتهم من صالحي العلماء هم الدعاة إلى طريق الجنة، والشياطين وأعوانهم من الفاسدين المفسدين من الناس، هم الدعاة إلى طريق النار. وقد جعل فينا - في داخلنا - أنصارا لهؤلاء وانصارا لهؤلاء، في داخلنا حزب هو مع الانبياء، وحزب هو حزب الشياطين، فحزب الأنبياء يتمثل في العقل، وحزب الشياطين في النفس الامارة بالسوء.

تقولون: ما العقل وما النفس؟

(1) الذي جاء في أكثر كتب اللغة: ان لامها أصلية، وذلك خلافا لما في (القاموس المحيط) للفيروز ابادي.

ص: 16

ولست أدعي اني أضع لكل منهما حدوداً ظاهرة، واميّزها تمييزاً واضحاً. فان هذه الأمور، لا تزال في ظلمات جَهلنا بها، لم يستطع العلم أن يضيء جوانبها. كلنا يقول:(قلت لنفسي) و (وقال لي عقلي)، فما أنت وما نفسك؟ وما نفسك وما عقلك؟ لم يتضح ذلك لنا بعد (1)، فلست أكشف هنا المجهول، ولكن أذكر بمثال مشاهد معلوم:

تكون نائما في ليالي الشتاء، متمتعا بدفء الفراش، ولذة المنام، فتسمع قرع المنبه يدعوك إلى الصلاة، فتحس صوتا من داخلك يقول لك:(قم إلى الصلاة)، فاذا جئت تقوم، سمعت صوتا آخر، يقول لك:(نم قليلا)، فيعود الصوت الأول يقول:(الصلاة خير من النوم)، فيقول الثاني:(النوم لذيذ، والوقت متسع، فتأخر دقائق). ولا يزال الصوتان يتعاقبان، تعاقب دقات الساعة:(نم. قم. نم. قم .. )(2). هذا هو العقل، وهذه هي النفس.

(1) اذا قلت (أنا) فان جسدي جزء من ال (انا) ولكن ليس كل ال (انا) لأن المرء قد تبتر يداه ورجلاه ولا تنقص ال (أنا) بالنسبة اليه ونفسي - أي ميولي وعواطفي - ولذاتي وآلامي، جزء من ال (انا) ولكن ليس كل ال (انا)، لأن المشاهد ان الانسان يبدل عواطفه وميوله، وان ما يلذني اليوم وأنا على عتبة السبعين، ما كان يلذني وأنا شاب وما كان يؤلمني وأنا شاب، لم يعد يؤلمني اليوم.

فالجسد اذن يتبدل - حتى لا تبقى فيه خلية مما كان فيه قبل سنين - والنفس تتبدل آمالها وآلامها - فما الشيء الذي لا يتبدل في، والذي هو (انا) على التحقيق؟

هو الروح، وما الروح؟

الله أطلعنا على كثير من وظائف أعضاء الجسم وأسرارها، وأمراض وعلاجها، وعلى كثير من أحوال النفس وعوارضها وأمراضها. وقال لنا ان من النفوس الأمارة بالسوء واللوامة والمطمئنة وان النفس ذائقة الموت، ولكنه لم يطلعنا على شيء من أحوال الروح لأنها من أمر ربي.

الروح لا تخضع لقيود الزمان والمكان. فقد ينام النائم ربع ساعة أمامك، فيرى أنه سافر الى اميركا أو الهند، وعاش عشرين أو ثلاثين سنة، وأحس بأقصى السرور أو بمنتهى الألم، فكيف دخلت عشرون سنة في عشرين دقيقة؟ كيف تداخل المكانان؟ هذا مثال لعذاب القبر والنعيم.

الروح لا يؤثر فيها المرض ولا الصحة، الروح هي التي كانت موجودة قبل ارتباطها بهذا الجسد وبهذه النفس. وستبقى بعل تحلل الجسد، وفناء النفس. - فأما اذن الروح - وقد مدت لي هذه المعاني وأنا أعد لكتاب الطبعة الخامسة.

(2)

ويحس مثل ذلك من يريد القفز من فوق حفرة أو ساقية، وهو يرجو الوصول ويخشى السقوط، ويسمع من نفسه صوتين يتعاقبان: ثب .. ارجع. ثب .. ارجع. فان وثب عند قول: (ثب) ولم يتردد نجح. وان تردد حتى جاء قول: (ارجع) ووثب .. سقط، وهذا مجرب.

ص: 17

وهذا مثال يتكرر آلاف المرات، في آلاف الصور، كلما عرض للمرء مثل هذا الموقف فوقف أمام لذة محرمة تدعوه نفسه إلى غشيانها، وكان في قلبه إيمان، يدفع عقله إلى منعه منها، وعلى مقدار ما يكون من انتصار العقل، تكون قوة هذا الايمان.

وليس معنى هذا أن ينتصر العقل دائما، وألاّ يقارب المسلم المعاصي ابدا، فالاسلام دين الفطرة، دين الواقع، والواقع ان الله خلق خلقاً للطاعة الخالصة، ولمحض العبادة، هم (الملائكة)، ولم يجعلنا الله ملائكة، وخلق خلقا شأنهم المعصية والكفر هم (الشياطين)، ولم يجعلنا كالشياطين، وخلق خلقا لم يعطهم عقولاً ولكن غرائز، فلا يكلفون ولا يسألون، وهم (البهائم والوحوش)، ولم يجعلنا الله وحوشا ولا بهائم.

بين يدي الكتاب

فما نحن إذن؟ ما الإنسان؟

الانسان مخلوق متميز، فيه شيء من الملائكة وشيء من الشياطين، وشيء من البهائم والوحوش، فاذا استغرق في العبادة، وصفا قلبه إلى الله عند المناجاة، وذاق حلاوة الايمان في لحظات التجلي، غلبت عليه في هذه الحال الصفة الملكية، فأشبه الملائكة الذين لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون.

فاذا جحد خالقه، وأنكر ربه، فكفر به، أو أشرك معه في عبادته غيره، غلبت عليه في هذه الحال الصفة الشيطانية.

واذا عصف به الغضب، فأوتر أعصابه، وألهب دمه، وشد عضلاته، فلم يعد له امنية الا ان يتمكن من خصمه فيعضه بأسنانه، وينشب فيه أظافره، ويطبق على عنقه بأصابعه، فيخنقه خنقاً ثم يدعسه دعسا، غلبت عليه في هذه الحال الصفة الوحشية، فلم يبق بينه وبين النمر والفهد كبير فرق. واذا عضه الجوع، وبرّح به العطش، وانحصرت آماله، في رغيف يملأ معدته، وكأس تبل صداه أو تملكته الشهوة، وسيطرت على نفسه (الرغبة الجنسية) فغلا بها دمه، واشتعلت بها عروقه، وامتلأ ذهنه بخيالات الشبق

ص: 18

وأمانيه، غلبت عليه في هذه الحال الصفة البهيمية، فكان كالفحل أوالحصان، أو ما شئت من أصناف الحيوان.

هذه حقيقة الانسان، فيه الاستعداد للخير، والاستعداد للشر، أعطاه الله الأمرين، ومنحه العقل الذي يميز به بينهما، والارادة التي يستطيع بها أن يحقق احدهما، فان أحسن استعمال عقله في التمييز، وأحسن استعمال ارادته في التنفيذ، ونمّى استعداده للخير، حتى تخلق به وأنجزه، كان في الآخرة من السعداء. وان كانت الاخرى، كان من المعذبين.

صحيح أن النفس مطبوعة على الحرية، والدين قيد، ولكن لا بدّ من هذا القيد، ولو تركناها تأتي الفواحش كما تشاء انطلاقا من طبع الحرية فيها، لصار المجتمع (مارستانا) كبيراً، لأن الحرية المطلقة للمجانين. المجنون يفعل كل ما يخطر على باله، يمشي في الطريق عارياً، ويركب على كتفي سائق السيارة العامة، ويستحسن ثوبك فيأخذه من فوق كتفيك، وتعجبه بنتك فيطلبها منك بحق الغرام، لا بشرعة الإسلام.

المجنون هو الحر الحرية المطلقة، وأما العاقل، فان عقله يقيد حريته. وما العقل؟ انه قيد، ان لفظه مشتق من الاصل الذي اشتق منه (العقال) أي الحبل، الذي يقيد به الجمل. والحكمة، قريب معنا، من (حَكَمة الدابة) وهي كذلك قيد، والحضارة قيد، لأنها لا تدعك تفعل ما تريد، بل توجب عليك مراعاة حقوق الناس وأعراف المجتمع. والعدالة قيد، لأنها تضع نهاية لحريتك، حيث تبدأ حرية جارك.

ثم إن المعاصي لذيذة، لأنها توافق طبيعة النفس، انك تجد لذة في سماع الغيبة والمشاركة فيها، لأنها تشعرك بأنك خير من هذا الذي يذكرونه بالسوء وأفضل. والسرقة لذيذة لأن فيها امتلاك المال بلا كد ولا نصب، والزنا لذيذ لأن فيه إعطاء النفس هواها، وانالتها مشتهاها، والغش في الامتحان لذيذ، لأنه يوصل إلى النجاح بلا جهد، والهرب من الواجب - مهما

ص: 19

كان - لذيذاً على النفس، لأن فيه الراحة والكسل.

ولكن الانسان حين يفكر ويستعمل عقله، يجد أن هذه الحرية المؤقتة لا تساوي ما بعدها من سجن في جهنم طويل، وهذه اللذة المحرمة، لا تعدل ما بعدها من العذاب.

من يرضى أن نجعل بيننا وبينه عهداً، (اتفاقية عند الكاتب العدل) مدتها سنة، نعطيه خلالها كل ما يطلب من مال، ونسكنه في القصر الذي يريد، في البلد الذي يختار، ونزوجه بمن شاء من النساء، مثنى وثلاث ورباع، ولو طلق كل عشية واحدة، وتزوج كل صباح أخرى، ولا نمنع عنه شيئا يريده، ولكنا اذا انقضت السنة، علقناه من عنقه على المشنقة حتى يموت؟ الا يقول:"تعساً وبعداً للذة سنة بعدها الموت؟ " الا يتصور نفسه ساعة يعلق على المشنقة، فيرى أنه لم يبق في يده شيء منها؟ مع أن ألم الشنق بعض دقيقة وعذاب الآخرة دهر طويل.

ليس منا أحد لم يقارف في عمره معصية، ولم يجد لهذه المعصية لذة، أقلها انه آثر متعة الفراش مرة على القيام لصلاة الفجر، فماذا بقي في أيدينا الآن من هذه اللذة التي أحسسنا بها قبل عشر سنين؟ وليس منا أحد لم يكره نفسه على اداء طاعة، ولم يحمل لهذه الطاعة ألماً، أقله الجوع والعطش في رمضان، فماذا بقي في نفوسنا الآن، من ألم الجوع في رمضان، الذي جاء من عشر سنين؟ لا شيء.

ذهبت لذات المعاصي وبقي عقابها، وذهبت آلام الطاعات وبقي ثوابها. وساعة الموت، ما الذي بقي لنا - تلك الساعة - من جميع اللذائذ التي ذقناها، والآلام التي حملناها؟

ان كل مؤمن يريد أن يتوب ويرجع إلى الله، ولكنه يؤجل، ويسوف، أنا كنت أقول: اذا حججت تبت وأنبت، فبلغتها وما تبت، وجاوزت الستين وما

ص: 20

تبت، وشبت وما تبت، ليس معنى هذا اني مقيم على المحرمات، مرتكب للفواحش، لا وبحمد الله. ولكن معناه، ان الانسان يرجو لنفسه الصلاح، ولكنه يسوف، يظن ان في الاجل فسحة، يحسب أن العمر طويل، فيرى الموت قد طرقه فجأة. وقد رأيت أنا الموت مرتين، وعرفت ما شعور الميت، لقد ندمت على كل دقيقة أضعتها في غير طاعة

إي والله. فلما نجوت، بقيت على هذا الشعور شهوراً، صرت فيها صالحاً، ثم انغمست مرة ثانية في غمرة الحياة، ونسيت .. نسيت الموت.

كلنا ننسى الموت، نرى الاموات يمرون بنا كل يوم، ولكن لا نتصور اننا سنموت. نقف في صلاة الجنازة ونحن نفكر في الدنيا، يظن كل واحد منا ان الموت كتب على الناس كلهم إلا عليه، مع ان الانسان يعلم ان الدنيا مولية عنه، وأنه مُوَلٍّ هو عنها.

مهما عاش الانسان فهو ميت. ليعش ستين سنة، ليعش سبعين، ليعش مئة سنة، الا تنقضي؟ الا تعرفون من عاش مئة سنة ثم مات؟ نوح لبث يدعو قومه تسع مئة وخمسين سنة. فأين نوح الآن؟ هل بقيت له الدنيا؟ هل سلم من الموت؟ فلماذا لا نفكر في الموت، ونستعد له، ان كان لا بد منه؟

من كانت أمامه سفرة لا يعرف موعدها الا يتهيأ لها، حتى يكون جاهزا، فاذا دعي أجاب؟ رأيت (وكنت الصيف الماضي في عمان) المعلمين الاردنيين، الذين تعاقدوا مع المملكة العربية السعودية للعمل فيها، وقد خبروهم ان الطيارات تنقلهم تباعا، فليستعدوا، فمن أنجز جواز سفره، وأكمل حزم متاعه، وودع أهله، ووضع إلى جنبه ثيابه، فإنه يلبي في أي ساعة يدعى فيها، فيلبس ثيابه ويمضي إلى المطار. ومن أهمل وأجّل، حتى اذا دعي قال لهم: امهلوني حتى أنزل إلى السوق فأشتري متاعي، وأذهب إلى القرية فأودع أهلي، وأراجع الحكومة لاستخراج جوازي؟ لم يمهلوه، بل ذهبوا وتركوه. ولكن ملك الموت اذا جاء لا يتركه ويذهب، بل يأخذه كرها، يأخذه ولو كان آبياً، لا يمهله ساعة، ولا دقيقة، ولا لمحة، ولا يملك أن يمهله.

ص: 21

وليس يعرف أحد منا متى يأتي ليأخذه ملك الموت.

وما الموت؟ ما حقيقته؟ ان لحياة الانسان مراحل، فمرحلة وهو جنين في بطن امه، ومرحلة وهو في هذه الدنيا، ومرحلة وهو في البرزخ بين الدنيا والاخرة، من يوم موته إلى يوم القيامة، والمرحلة الدائمة وهي الحياة الحقيقية، مرحلة الآخرة. ونسبة كل مرحلة لما قبلها كنسبة ما بعدها اليها.

ان سعة هذه الدنيا بالنسبة لضيق بطن الام، كسعة البرزخ بالنسبة لهذه الدنيا، وسعة الآخرة بالنسبة للبرزخ. ان الجنين يحسب دنياه هذا البطن، ولو عقل وفكر، وسئل وأجاب، لقال بأن خروجه منه موت محقق، ولو كان في البطن توأمان، فولد أحدهما قبل الاخر، ورآه نزل قبله، ففارقه وقد كان معه، لقال بأنه مات، ودفن في الاعماق. ولو رأى المشيمة التي كانت من جسده، ملقاه مع القمامة لظن بأنها هي اخوه، وبكى عليها، كما تبكي الام حين ترى جسد ولدها، التي كانت تخشى عليه مس الغبار قد أودع التراب، لا تدري أن هذا الجسد كالمشيمة؟ قميص توسخ وألقي؟ ثوب انتهى وقته، وانقضت الحاجة اليه.

هذا هو الموت، انه (ولادة جديدة)، خروج إلى مرحلة أطول وأرحب من مراحل الحياة، وما هذه الدنيا الا طريق، حياتنا فيها كحياة المهاجر إلى اميركا، انه يحسن اختيار غرفته في الباخرة، ويحرص على راحته فيها، ويهتم بها، ولكن هل ينفق ماله كله على تجديد فرشها، ونقش جدرانها، حتى لا يبقى معه شيء فيصل إلى اميركا مفلسا خالي الوفاض؟ أم يقول: ان مدة بقائي في هذه الغرفة اسبوعا، فأنا أرضى فيه بما تيسر، وأمشّي فيه الحال وأدخر المال لاعداد الدار التي سأسكنها في اميركا. لأن فيها المقام؟

أتعرفون ما مثال الدنيا والاخرة؟ أعلنت اميركا مرة عن تجربة ذرية تجريها في جزيرة صغيرة من جزر البحر الهادي، وكان ذلك من خمس عشرة سنة (أو نحوها)، وكان في الجزيرة بضع مئات من السكان من صيادي الأسماك، فطلبت اليهم اخلاء مساكنهم،

ص: 22

على أن تعوضهم عنها وعما فيها، ببيوت مفورشة، في أي بلد يريدون من البلدان، على أن يعلنوا استعدادهم لاخلائها، واحصاءهم لما فيها، قبل موعد كذا (وحددت لهم موعدا) ثم تأتي الطيارات فتحملهم من الجزيرة.

فمنهم من أعلن الاستعداد للاخلاء، وقدم الاحصاء قبل الموعد، ومنهم من أهمل وأجل حتى قرب الموعد، ومنهم من قال: هذا كله كذب. ما في الوجود مكان اسمه اميركا. وما الدنيا الا هذه الجزيرة. ولسنا نتركها، ولا نرضى أن نفارقها، ونسي أن الجزيرة ستنسف كلها فتكون أثرا بعد أن كانت عيناً.

هذا مثل الدنيا، والاول مثل المؤمن الذي يفكر في آخرته، ويستعد بالتوبة والطاعة دائما للقاء ربه، والثاني مثل المؤمن المقصر العاصي، والثالث مثل المادي الكافر، الذي يقول: انما هي حياتنا الدنيا، لا حياة بعدها، وان الموت نوم طويل، وراحة دائمة، وفناء محقق ..

وليس معنى هذا ان الاسلام من المسلم، أن يزهد في الدنيا مرة واحدة، وينفض أصابعه منها، ولا أن يسكن المساجد فلا يخرج منها، ولا أن يأوي إلى مغارة يمضي حياته فيها، لا .. بل ان الاسلام يطلب من المسلمين أن يكونوا في الحضارة الخيرة سادة المتحضرين، وفي المال أغنى الاغنياء، وفي العلم - العلم كله - أعلم العلماء، وأن يعرف كل مسلم حق جسده عليه بالغذاء والرياضة، وحق نفسه بالتسلية والاجمام والمتعة بغير الحرام. وحق أهله بالرعاية وحسن الصحبة، وحق ولده بالتربية والتوجيه والعطف، وحق المجتمع بالعمل على كل ما يصلحه، كما يعرف حق الله بالتوحيد وبالطاعة.

يجمع المال ولكن من الحلال، ويستمتع بالطيبات المباحة، ويكون في الدنيا على أحسن ما يكون عليه أهلها، بشرط أن يبقى صحيح التوحيد، لا يداخل ايمانه شرك ظاهر أو خفي، صحيح الاسلام، يدع المحرمات، ويأتي الفرائض، وأن يكون المال في يده لا في قلبه، لا يكون اعتماده عليه، بل يكون اعتماده على ربه، وأن يكون رضا الله هو مقصده ومبتغاه.

ص: 23